مقالات

الصورة والموت – د.فريد الزاهي

قبل مدة قريبة، تداولت الصحف المغربية خبرًا غريبًا عن مصرع فتاة في شاطئ البحر. استهوتها روعة الأمواج وهي تصطدم بالشاطئ، فسارعت إلى التقاط صورة شخصية لها بطريقة السيلفي. لم تكن الفتاة التي رغبت في “اصطياد” صورة كي تبثها في الفيس بوك أو التويتر تتوقع، وهي تدير ظهرها للبحر ولموجاته العاتية، أنها ستكون صيدًا سهلًا لها. فبتزامن مع النقر على زرّ الهاتف “الذكي”، انقضت الموجة الغادرة على الفتاة كي تلتهمها للتوّ، هي والصورة معًا… هذه الحكاية ليست حدثًا معزولًا، فقد ابتلع البحر بالطريقة نفسها عشرات الأشخاص بالمغرب. وفي ست سنوات، ناهز عدد ضحايا السيلفي في العالم الثلاثمائة. وتعتبر سنة 2017 الأكثر دموية إذ حصد أخذ الصور 93 شخصًا…

عنف الصور…

حتى وقت قريب، لم يكن أحد يتصور أن الصورة تكون قاتلة إلا على سبيل المجاز. وحتى ماري جوزي موندزان، التي منحت لأحد كتبها عنوانا يوحي بأن “الصورة قد تكون قاتلة”، لا تثبت بأن الصورة قاتلة ولا تجيب بالإيجاب على السؤال الذي يطرحه عنوان ذاك الكتاب[1]. تكتفي الفيلسوفة فقط بالإصرار على أن “الصورة كانت دائمًا ومنذ بداية التاريخ عنيفة”[2]. إنه عنف مضمونها بالأساس. فالصور التلفزيونية اليوم تجعل من الحروب والعنف والقتل وسفك الدماء مجالها “الجمالي” والتداولي بامتياز. وهو أمر يطرح هوية الصورة نفسها من حيث هي وعاء ملتبس يمكن أن يضع فيه المصور كل ما يبتغيه، ويمكن أن يتحول إلى مجال صراع واضح حول السلطة والمال. وذلك هو مجال الإشهار الذي يتلاعب برغبة الناظر ويحوله إلى كائن مستهلك على الدوام.

بيد أن عنف الصور حسب بعض الباحثين ليس بالضرورة ذا آثار سيئة أو مستهجنة على الناشئة. فقد قام عالم النفس الفرنسي سيرج تيسيرون، معتمدًا على مئات الأمثلة، بالتدليل على أن الصور توفر العديد من المحاسن ولها الكثير من الإيجابيات التي تساهم في هيكلة شخصية المراهقين. وكتابه: فضائل الصورة[3] يجيب بالكثير من العمق والوجاهة على أسئلة من قبيل: هل الصورة سمّ أم دواء؟ وكيف نميز في الصور بين الواقع والخيال؟ وهل من اللازم تصوير الألم والعذاب والأوضاع الجنسية الفاضحة؟ ينبني هذا التصور على رفض المنظورات الجاهزة، وعدم اتخاذ موقف مناصر أو مناوئ للصورة التي تجعل من العنف موضوعًا لها. الصور قد تكون ذات وقع حسن أو سيئ بالشكل نفسه الذي يكون فيه الدواء أيضا سمًّا. فحسب سيرج تيسيرون، على المرء أن يتعلم التعرف على محاسن الصور، والتمييز فيها بين ما يجعلها مضرّة وما يجعلها مفيدة.

إذا كان الأمر كذلك، فإن سلطة الصورة لا تتمثل في استعمالها للعنف فقط بل أيضًا في قدرتها على الإقناع بالعنف وبسلطتها معا. بيد أن المشكل الأساس الذي تطرحه الصور يتمثل في أمرين أساسيين: الأول يتعلق بالوفرة الكبيرة التي تُنتج بها الصور والتي تجعل من الصعب خلق ذاكرة لها، بل من المستحيل كتابة تاريخ لها في الوقت الراهن. يكفي أن نذكر أن عدد الصور التي نشرت في فيسبوك منذ فاتح يناير إلى اللحظة التي أحرر فيها هذا المقال (25 مارس) يتجاوز 16 مليار صورة، وأن عدد الصور التي تنشر على موقع التواصل الاجتماعي هذا في كل عشرين دقيقة يصل حسب مارك زوكربرغ مؤسس فيسبوك: 27160000 صورة. لقد صار العالم يعيش طوفان الصور، “وانتقلنا، كما يقول الباحث الفرنسي إيف ميشو، من عالم فقير من الصور بل محروم تمامًا منها، إلى مجتمع يرزح تحت نير الصور”[4].

الأمر الثاني يتعلق باستعمال الصور وحدودها الأخلاقية والأسئلة التي تطرحها الصور اللامحتملة (حسب تعبير جاك رانسيير)[5]. ولعل أفضل مثال يقدمه المؤلف عن هذه الصور تلك الصورة التي أنجزها الفنان الفوتوغرافي الإيطالي أولفييرو توسكاني Oliviero Toscani، والتي نشرها مكبرة في شوارع ميلانو خلال معرض الموضة عام 2007.  لقد كانت الصورة تمثل عارضة أزياء تحولت إلى هيكل عظمي، رغب من خلالها، هو المصور المعتاد على متابعة الموضة، أن يشن حملة استنكار على التعذيب الذي تمارسه عارضات الأزياء ومتطلبات العرض على أجسادهن كي يظل رشيقا ملائما لمتطلبات العرض. ولا يخفى أن هذه الحملة كانت مساهمة فعالة في ولادة عروض الأزياء الموازية، للبدينات وغيرهن من النساء العاديات…

 

الصورة القاتلة

ليست صورة السيلفي وحدها التي تقتل. وليست هي بالضبط التي تقتل، وإنما عدم تقدير المخاطر الواقعية والسياقية التي تأتي فيها الرغبة في أخذ صورة سيلفية. فعند أخذ صورة من قبيل هذه، يمنح الإنسان عينه اليقظة لعين الكاميرا، ويدير الظهر للمخاطر ويواجهها بعين الكاميرا، وتلك هي المفارقة القاتلة. وبما أن عين الكاميرا لا يمكن مهما كانت متطورة وسريعة أن تكون في مستوى عين الإنسان وبصره المتصل بحواسه الأخرى[6]، فإن الخطورة (ومن ثم عملية القتل) تتأتّى أساسًا من تضافر مجموعة من العناصر التي تجعل عملية أخذ الصورة، في منتهى الأمر، عملية مُعْدِمة للقائم بها.

ثمة صور قاتلة أخرى لا علاقة لها بالسيلفي، وليست أبدًا من قبيل الصور التي تنخرط في وفرة الصور. إنها صور تتجاوز حدود المقبولية، وتطرح بعمق الحدود الإيثيقية للتصوير نفسه. ففي أواسط التسعينيات من القرن الماضي قام كيفن كارتر Kevin Karter ، المصور الجنوب إفريقي الشهير، برحلة استطلاعية لجنوب السودان (دارفور) ليعود منها بصور حاز على إحداها على جائزة البولتزر. بيد أن هذه الصورة نفسها سوف تكون وراء حملة واسعة للاستنكار لم يتوقعها المصور الاحترافي الواثق من عمله ومن نجاعة صوره التي جعلته يحظى بالشهرة. لقد استنكرت بعض الأوساط على المصور أن يلتقط صورة لطفلة يتربص بها نسر في بلد تعرض لأهوال الحروب والمجاعة، عوض أن ينقذها من مصيرها المحتوم. وهي الحملة التي قادت المصور إلى الكآبة ثم إلى الانتحار. لكن مفاجآت التاريخ في هذا المضمار لا تلبث أن تثير السؤال من جديد. ففي عام 2011، سعى صحفي شيلي إلى التحقيق في الواقعة، وسافر إلى دارفور وبحث عن الفتاة التي جاءت في الصورة. وكم كانت دهشته هائلة حين وجد الطفلة قد صارت فتاة والتقى بأهلها، ليكتشف في نهاية المطاف أن الصورة التقطت وأبوا الطفلة لا يبعدان عنها كثيرًا، وأن النسر الذي بدا متأهبا لينهش جسمها الضامر في انتظار موتها هو نسر متعوِّد على فضاء القرية… ما الذي حدث إذن؟ لقد “تلاعب” المصور بالواقع وحذف وجود الأبوين من خلال التأطير الذي ابتغاه للمشهد، باحثًا عن الإثارة، “محرفًا” طبيعة المشهد الشامل ودلالته، ومقتطعًا منه ما يرغب في قوله هو، فكانت النتيجة صورة مدوّية صارخة ومثيرة… بيد أن الصورة التي منحته شهرة أكبر هي نفسها التي أودت بحياته في الآن ذاته.

 

الصورة الوقحة

ثمة صور لا تقتل لكنها بشكل أو بآخر تساهم بصريًا في عميلة القتل. فلقد صار استعمال الصور من الخفة والنزق بحيث لم تعد للصورة تلك الهالة التي عرفها جيلنا. حين تحدث بارث في السبعينيات عن الصورة الفتوغرافية جعلنا نمسك بطابعها السحري الذي لا تمنحنا إياه اللغة. إنه سحر ولادة الذات وطقوس الصورة: “ما إن أحس أن عدسة الآلة المصورة تنظر إلي حتى يتغير كل شيء: فأنا أتشكل وأنا أصوغ وِضْعيتي أمامه، وأصنع لنفسي مباشرة جسدًا آخر بحيث إني أتحول تمامًا وبشكل قبلي إلى صورة. إن هذا التحول فعل نشط، فأنا أحس أن الصورة الفتوغرافية تخلق جسدي أو تميته، تبعا للذة رائعة…”[7].. لكن مع ظهور الصورة الرقمية، والاختفاء التدريجي للصورة الورقية المطبوعة، صارت الوِضعة التي نتخذها أمام عدسة الكاميرا أمرا شيئًا أشبه بالميكانيكي، وإن لم يكن الأمر دومًا كذلك. أتذكر أني في بداية الألفية الجديدة، وكنت قد اقتنيت حينها أولى المصورات الرقمية، أتجول بباريس مع ابنتي الوسطى. وفجأة التقيت بالصدفة الممثل محمود عبد العزيز الذي كان دوره في مسلسل رأفت الهجان قد جعله مشهورًا حتى لدى الأطفال في العالم العربي. حييته فرد على تحيتي بلطف وذكرته أننا كنا التقينا من بضع سنوات بأحد مهرجانات المغرب. وطلبت منه أن آخذ له صورة مع ابنتي. كانت حركات الرجل سريعة. فبخفة أخرج من جيب سترته مشطًا ومرره بمهارة ودقة على شعره المصبوغ وانتصب في وقفته فيما كانت صغيرتي تحاول أن تجد وضعتها المريحة بمرح طفولي… كان التقاط الصورة حدثًا سحريًا يمنح للذات إمكان أن تولد من جديد كما يذكر ذلك بارث بالكثير من التفخيم.

لقد جاء التداول الكبير للهواتف الذكية ليعمق مفارقات مجتمع الفرجة، المبني على البحث عن الذات في الصور، والذي أدانه من عشرات السنين غي دوبور[8]. كما أن الكاميرات المتطورة أكثر فأكثر، التي جهزت بها تلك الهواتف أعفت الناس من استعمال آلات التصوير المستقلة. ومن حينها صارت تلك الهواتف شاهدًا مباشرا على ما يجري.

بيد أن إحدى الاستعمالات الغريبة التي صارت رائجة وتتداولها فيديوهات مبثوثة في موقع اليوتوب، تتعلق بتصوير محاولات الانتحار أو إقدام بعض الشباب على الانتحار. لا يتعلق الأمر هنا بالسِّلفيات التي يتركها البعض وراءهم بعد الانتحار، وإنما المارة الذين يصادفون عمليات انتحار فيعمدون إلى إشعال هواتفهم. الكثير من عمليات الانتحار هذه المصورة بالهواتف المحمول بالمغرب تنتهي إلى الموت البشع والمحقق للمنتحر، بحيث إن ارتطام الجسد بالأرض من علوّ شاهق أو تمكّن النار من جسد بائعة الخبز [9]، يمنح للتسجيل البصري طابعًا رهيبًا، يتجاوز أحيانًا القدرة على النظر.

يكون الانتحار هنا منتهى للعذاب والألم، النفسي والجسدي، الذي يجعل المنتحر يرمي بجسده خارج الوجود[10]. وإذا كان “الانتحار فعلا مرضيًا، وتعبيرًا عن يأس عميق”[11]، فإن الصورة وهي توثق بالحركة والصوت عملية الإقدام على الموت تمنحنا لحظة عصيّة على الوصف، بين الممكن والمستحيل، والمقبول والمرفوض، والمستحسن والمستهجن، والأخلاق والصلافة أو الوقاحة. فالموت، رغم أنه غدا في سينما الحرب ثم سينما الرعب والحركة أمرًا عاديًا، إلا أنه هنا يغدو مشهدًا مرعبًا، خاصة وأن المنتحر عادةً ما لا يختار وضع حدّ لحياته بشكل خفي، وإنما بشكل علني وأمام عامة الناس وأحيانًا أقرب المقربين له.

* * *

ثمة لعب فيديو كثيرة مبنية على الصورة يُتداول طابعها العنيف. إنها لعب تعلم القتل؛ وأتصور أنها لو لم تكن تعتمد على تكنولوجيا الصورة في شكلها المتقدم اليوم (الأبعاد الثلاثة، التوهيمات، تقنيات التأثير الخاصة)، فهل ستكون آثارها كذلك؟ . إن الصورة تمنح لتشخيص الأشياء الكثير من الواقعية والحميمية والأثر، فيما أن اللغة تمكننا من مفهمة العالم وتحويله إلى علامات لا علاقة مباشرة بيننا وبينها. ففي الوقت الذي تحتوينا الصور، بحيث تمشْهدنا وتحولنا إلى صور، تكتفي اللغة بإثارة مخيلتنا وصورنا الذهنية وتفكيرنا…

هذه القوة التي تملكها الصورة هي ما يجعل خطورتها لصيقة بكياننا الذاتي. وهي ما يجع سلطتها باعثة على الخوف والفتنة في الآن نفسه. ولهذا، إذا كانت الفتاة التي التقطت لنفسها صورة في الشاطئ قد لقيت حتفها بسبب ذلك، فإن ثمة هوسًا مماثلًا بالصور يقود إلى الموت. إنها حكاية الشاب البريطاني داني باومان ذي التسعة عشر ربيعًا، الذي كان يقضي سحابة يومه في التقاط السيلفي، بحيث تصل سيلفايته إلى ما يناهز المائتين يوميًا. لقد غيرت السيلفيات حياته تمامًا، إذ هزل جسمه وانقطع عن الدراسة. وقد صرح لجريدة الميرور قائلا: “ظللت أسعى إلى التقاط أجمل سيلفي. وعندما أدركت أن الأمر محال، جاءتني الرغبة في الموت. لقد فقدت دراستي وأصدقائي وصحتي، وكدت أفقد حياتي”[12]. وهكذا انتهى الأمر بالشاب الولوع بالصور إلى العلاج من الإدمان التكنولوجي ومن أمراض الهوس والعلاقة المرضية بالذات.

الصورة، إذن، التي تمنحنا وجودًا في واقع بصري ومتخيل وتخلد كياننا وتمنحه إمكان السفر في العالم، هي نفسها التي إن لم تكن سببًا مباشرًا في موتنا، فهي على الأقل تكون وراء ذلك بشكل ما. وثمّ تكمن الطبيعة الملتبسة للصورة…

 

 


[1] Jean-Marie Mondzain, L’image peut-elle tuer?, Bayard, Paris, 2015.

[2] Ibid., p. 15.

[3][3] Serge Tisseron, Les Bienfaits des images, Odile Jacob, Paris, 2002.

[4] https://www.philomag.com/blogs/philosopher/le-deluge-des-images.

[5] Jacques Rancière, Le Spectateur émancipé, éd. La Fabrique, Paris, 2008, p. 93 et sq.

[6] David Le Breton, La saveur du monde, Paris, Métaillié, 200 ???; p. ????

[7] Roland Barthes, La Chambre claire, Seuil, 1980, p. 25.

[8] Guy Debord, La Société du spectacle, 1967, Folio, Paris, 1992.

[9]  فاطمة بائعة الخبر امرأة أحرقت نفسها منذ بضع سنوات أمام بلدية مدينة القنيطرة بالمغرب، احتجاجا على حرمانها من ممارسة المهنة التي تدرّ عليها دخلها اليومي.

[10] Cf . Farid Zahi, «L’Image intolérable : la violence, la mort et le voyeurisme visuel », in Farid Zahi (dir.), Politiques du corps, éd. IURS, Rabat, 2018, p. 31.

[11]  إلزا غودار، أنا أوسلفي إذن أنا موجود، ت. سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، 2019، ص. 156.

[12]  عن إزا غودار، مرجع سابق، ص. 159.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق