مقالات

تأملات في الحدّ التام بين المنطق والفلسفة المعاصرة – خالد الحسن

في باب المعرِّفات من المنطق الصوري يتم تعريف الأنواع بالحد أو بالرسم، وينقسم الحدّ لما هو تام وما هو ناقص1 . يُعرّف النوع ألا وهو الإنسان بالفصل والجنس القريبين، أي: الحيوان الناطق، فالفصل هو الذي يميز النوع عن سائر الأنواع الأخرى، كالعاقل عند الإنسان، أما الجنس فهو ما يشترك مع الأنواع الأخرى، كالحيوان عند الإنسان. وأما قربها وبُعدها، للنوع نفسه، فهو ما يميزه بشكل قريب عن نوعه، كالعاقل،  أو ما يميزه بشكل بعيد عن نوعه ، كالحساس2.

هذا تعريفٌ مختصر للمفاهيم، تتوجه المقالة بعده لمناقشة: هل الحدود التامة عند تصور مفهوم فصلها وجنسها القريبين، تعطينا معرفة النوع كالإنسان؟ وهل مفهوم الإنسان نفسه عن طريق حدّه التام تعريفٌ ضروري له ؟وما علاقة الحدّ التام بالقضايا الشخصية في الفلسفة المعاصرة؟ وغيرها من الإشكالات. ولكن الأهم: إن صحّت هذه الإشكالات فكيف تتم معالجتها؟

معرفة الحد التام ما بين ملاحظة المفهوم أو المصداق:

لنأخذ مفهوم “الحيوان الناطق”، عندما نتصور هذه المفاهيم، هل نستطيع أن نعرف الإنسان ؟ لو قلنا بأن شخصًا لم يرَ إنسانًا في حياته، فهل سيعرف الإنسان فقط عند تصوره للحيوان الناطق؟. يظهر بأن المشكلة تكمن في المعرفة بالحدّ التام، فهو أمر زائد على المفاهيم، فنحتاج إلى المصداق، أي ما ينطبق عليه في الخارج3، لمعرفة الإنسان، ثم انتزاع المفاهيم منها. مثال آخر: (س) = حيوان زأر، لنقل أن حيوان هو الجنس القريب لـ(س)، وزأر هو الفصل القريب لـ(س). إذًا عن طريق المفاهيم نستطيع أن نعرف القيمة المجهولة (س) وهو الأسَد. (س=الأسَد). ولكن ماذا لو قلنا أنّ (س) ليس هو الأسَد ولكنه الدُب، بما أنه حيوان زأر أيضًا، فالمصداق يُعطينا المعرفة الشبه تامة لهاته المفاهيم، ومن دونها، لا نستطيع معرفة (س) عن طريق تصورنا للمفاهيم فقط. لعلّ مكمن الإشكالية في أن الأمثلة السابقة نفسها تعاني من مشكلة القصور، لأنّه لو تم حدّها بشكل تام، سنستطيع أن نعرف ماهية (س). ولكن، إن كانت الأمثلة السابقة قاصرة، فكيف نستطيع أن نحدّ هذه الأنواع بشكل تام، من دون الحاجة للمصاديق؟ فلو كان الحد التام يعطينا معرفة (س) بشكل كامل، لاستطعنا أن نفرق بين الدُب والأسَد، ولكن تظهر صعوبة الأمر على الأقل من الناحية القياسية عن طريق الأمثلة؛ إذ يصعب حدّ المعرِّفات بواسطة ملاحظتنا للمفاهيم فقط. ويبقى المجال مفتوحًا في وجود ماهيات قليلة، نستطيع أن نحدّها من مفاهيمها فقط، فلو قلنا:

س=نوع. ص=ما يميز (س) عن طريق فصله وجنسه القريبين -أي ذاتيات (س)-.

إذًا (س=ص) ↔ (س) مرادف (ص)

فلا أحتاج لملاحظة المصاديق، فتصوري لمفهوم (ص) كافٍ لمعرفة ماهية (س) بشكل تام. رغم أن هذا المثال بصورة تجريدية-منطقية، إلا أنه يفتح المجال لوجود بعض الماهيات التي من الممكن أن نحّدها حدًا تامًا، من دون الحاجة للرجوع لمصاديقها، لمطابقتها أولًا.

يوجد نقدٌ أخر، يتطرق لنفس الإشكال، ولكن من زاوية أخرى:

“فإن قيل مثلًا: “الحيوان الناطق”، لم يحضر في ذهن المستمع سوى ما يحضر إذا قيل: “الإنسان”، فمن لم يكن يعلم سابقًا معنى كل الحياة والنطق، وأنهما يؤلفان الإنسانية، فإنه لن يعلم ذلك بمجرد سماعه عبارة “الحيوان الناطق”، تمامًا كما أن الذي لم يكن يعلم أن لفظ “الإنسان”، يُطلق على “الحيوان الناطق”، فإنه لن يعلم ذلك بمجرد استماعه إلى ذلك اللفظ، بل يحتاج أن يتعلم أن ذلك اللفظ مرتبط بذلك المعنى”4

هذا النقد يريد أن الحد التام لا يفيد تصوير الماهيات5، ويمكن تجنبه بوجود بعض الحدود التامة التي قد تفيد تصوير الماهيات أو الحقائق، كالمثال التجريدي-المنطقي السابق. أو يمكننا عن طريق انتزاع المفاهيم من خلال ملاحظة المصداق، بذلك الحد التام يفيد بتصوير الحقائق، أي عندما ننزع مفهوم “الحيوان الناطق” من المصداق الخارجي لأي جزئيات الإنسان، حينئذٍ يمكننا أن نطلق الحكم على جزئيات الإنسان، بملاحظة المفاهيم الكلية، بذلك نتجاوز النقد، ولكن تبقى الإشكالات التطبيقية، والتي سوف نجيب عنها في (تعديل الحد التام).

القضايا الشخصية والحد التام:

القضايا الشخصية في التقليد التحليلي هي من قبيل “ابن سينا مؤلف كتاب القانون في الطب”، ويُنسب لراسل-فريغه، مذهب الأوصاف المحددة، كمحاولة لحل مشكلة متعلقة بالأسماء الشخصية الحقيقية، أي كيفية معرفة من هو أرسطو مثلًا، وإن كان وصف أرسطو هو مُحدِد لمعناه، ألا يجعل من ذلك القضايا الشخصية ضرورية عن طريق أوصافها؟

عندما نتأمل هذه الطريقة نرى أن هذا التطبيق قريب من الحد التام، أي يمكننا أن نحدّ أسماء العلم للشخصيات الحقيقية عن طريق أوصافها6. من دون الحاجة إلى ملاحظة المصاديق أو التحقق التجريبي الخارجي. ابن سينا=موضوع. مؤلف كتاب القانون في الطب=المحمول. إذًا الموضوع مرادف المحمول، بذلك الاسم يعطي المعنى، فالوصف يُحيل للمعنى. عندما نعود للحدّ التام نرى أن هذا الوصف هو جامعٌ مانعٌ، لاسم ابن سينا، فعن طريق ملاحظة المفاهيم عَرّفنا المُحال إليه وهو ابن سينا.

نلخص نظرية راسل رمزيًا كالتالي:

 (Eس) (∀ص) (جاص ↔ س=ص) ∧ (جتاس)

لنطبقها على المثال السابق: كل من هو الشيخ الرئيس فهو مؤلف كتاب الإشارات والتنبيهات إذا وفقط إذا ابن سينا=الشيخ الرئيس، وابن سينا مؤلف كتاب القانون في الطب.

نرى بأن مؤلف كتاب الإشارات والتنبيهات هو نفسه مؤلف كتاب القانون في الطب، فتحيل إلى شخص واحد وهو ابن سينا الذي هو نفسه الشيخ الرئيس.

عن طريق نظرية الأوصاف المحددة، فالقضايا الشخصية، هي ضرورية منطقيًا بما أن الاسم مرادف لوصفه، ولكن تبقى إشكالات جوهرية ضدها، سوف نركز على الأهم منها، خصوصًا تلك التي تنقلها من حيّز الملاحظة المفهومية إلى المصداقية أو التجريبية، من دون الخوض بنظريات أخرى.

 إشكالية الخطأ والجهل:

وهي إحدى اعتراضات كريبكي7. ماذا لو عرفنا أن الوصف المفترض بأنه محدد، خاطئ؟. لو كان “مؤلف كتاب القانون في الطب” ليس ابن سينا بل شخص آخر، هنا يظهر بأن الوصف ليس بمحدد، كما أنه ليس بضروري، من الممكن أن “مؤلف كتاب القانون في الطب” هو ابن النفيس وأن كتابه اسمه “موجز القانون في الطب”. كما أنها تفتح إشكالًا آخر هو أن الأسماء والأوصاف بحثٌ تاريخي تجريبي أو بملاحظة المصاديق، وليس بحث ما قبل التجربة أو بملاحظة المفاهيم.

لنقل إن “آينشتاين صاحب النسبية العامة والخاصة”، وبعد زمن اكتشفوا العلماء خطأً عظيمًا، وأن النسبية العامة والخاصة ليستا لآينشتاين ولكن لزوجتة الأولى ميلفا ماريك، فهل حصل نوع من التناقض عندما تم تصحيح الوصف المحدد عن طريق البحث التاريخي؟ بما أن النسبية العامة والخاصة لشخص آخر ليس آينشتاين؛ فالمفترض أن يحصل تناقض بين اسم العلم ووصفه المحدد؛ إذ الأمران بينهما مرادفة، كما هو الحال لو حصل جهلٌ من طرف شخص وظنّ بأن “نيوتن صاحب النسبية العامة والخاصة”، وتم تصحيحه، فلن يتغير هوية اسم العلم؛ لذلك يذهب كريبكي إلى الإحالة للهوية مباشرة، وتبقى الأوصاف متغيرة ويعتريها الخطأ والجهل وغيرها.

البحث التجريبي والضرورة:

الضرورة في الأسماء الشخصية عند كريبكي مستمدة من التجربة، عن طريق معرفة جوهر الشيء، فلو قلنا يوجد شيء يميز الذهب، وهذا هو الجوهر الذي يعطينا مرجع لهويته المباشرة من دون الرجوع لوصفه، مثل “الذهب عدده الذري 79″، فهذه القضية سوف تكون عند كريبكي ضرورية، لأنها تحدد لنا جوهر الذهب، ولكن ماذا عن وصف الذهب بمعدن أصفر؟ هذه الأخير من قبيل الأوصاف الممكنة، لذلك هي متغيرة8. وينطبق الحال على الأسماء الشخصية، فعندما نقول: إن “ابن سينا هو ابن سينا”، يستخدم كريبكي بعض المفاهيم لتحديد المرجع، سوف أتجاوزها، وأكتفي بالتمثيل الرمزي:

س=ابن سينا. ص=جوهر أو ماهية ابن سينا التي تميزه، التي تم ملاحظتها تجريبيًا. (س=ص) ← □ (س=ص)

إذًا من الضروري ميتافيزيقيًا أن ابن سينا=جوهره، أيًا كانت (ص) فيجب أن تفيد مرجعه أي ابن سينا.

تعديل الحد التام من الملاحظة المفهومية إلى المصداقية -أو الملاحظة التجريبية-:

لنأخذ مثال “الأسد حيوان زأر”، لكي نحدّه حدًا تامًا، نحتاج للملاحظة التجريبية، لمعرفة الشيء الذي يميز ماهية الأسد، وهنا نحتاج للاستناد على علم الأحياء، فجنسه سوف يكون البانثيرا وفصله ليو .

Genus:Panthera

Species:P. leo

إذًا “الأسد هو البانثيرا ليو” أو “الأسد من النمريات الأسدية”. ويمكن أن نقيس على سائر الأنواع الأخرى، مثل الإنسان أو الدببة وغيرها، استنادًا على الملاحظة التجريبية من علم الأحياء، نستطيع أن نحدد ذاتيات أو ماهية النوع، ولكن ماذا عن ضروريتها؟ إن كانت النمريات الأسدية تفيد جوهر الأسد، إذًا سوف تكون “الأسد من النمريات الأسدية” قضية ضرورية، استنادًا على التمثيل الرمزي السابق:

(س=ص) ← □ (س=ص)

ومن الممكن يقع نقاش في نوع الضرورة، ولكن هذه مسألة واسعة، وتُبحث في محل أخر.

 

الخلاصة:

يظهر بأن الحدّ التام في المنطق مفيد، ويمكن استخدام الحدود بصورتها المعدلة، لكي تعطينا تعريف الأنواع بجوهرها أو ماهيتها عن طريق الملاحظة التجريبية، كما أنّه يوجد مجال لبعض الأنواع يمكن أن نحدّها بملاحظة أو تصورنا للمفاهيم فقط، في حالة كون:

(س=ص) ↔ (س) مرادف (ص)

كما أن من الممكن إعادة النظر في النزع أو الاقتباس المصداقي من المفاهيم أو إرجاعها للمفاهم الكلية، لكي يُحدّ الإنسان في كونه حيوانًا ناطقًا، ولكن أولًا يحتاج إلى الملاحظة التجريبية، لنزع المفاهيم الكلية من النوع. وبالتعديل السابق نستطيع أن نستخدم الحدود عن طريق الاستناد على علم الأحياء، لمعرفة الفصل والجنس القريبين، وكذلك يمكن أن نطبقها على علوم أخرى كالكيمياء، كمثال الذهب وغيره، وبذلك نعيد استخدام الحدود مع العلوم المعاصرة.

وتبقى مسائل خارجية يحتاج لها تفصيل، كالنقاش في نوع الضرورة، وهل يمكن جعل نوعان للحدود التامة، أحدهما مستند فقط على ملاحظة المفاهيم، والأخر بملاحظة المصاديق، أي أحدهما مستندٌ لا على التجربة لكن على التصور، والأخر مستندٌ على التجربة؟ هذه المسائل الأخيرة مفتوحة للبحث والنظر لمن هو مهتمٌ بهاته المواضيع.

 

 


1-رؤوف سبهاني، علم المنطق (2008م)، ص107-108

2-المصدر السابق، ص158-160

3-المصدر السابق، ص29

4-سعود العريفي، النقد التيمي للمنطق (2019م)، ص233

5-المصدر السابق، ص231

6-Bertrand Russell, On Denoting,  Mind, New Series, Vol. 14, No. 56 (Oct., 1905), pp. 479-493

7-John P. Burgess, Kripke (2013), p.19-24

8-Saul Kripke, Naming and necessity (1981), p.116-125

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق