مقالات

فلسفة التكنولوجيا – صلاح إسماعيل

1 – فلسفة التكنولوجيا: معناها ومبناها

التكنولوجيا لغة تعنى دراسة الحرفة. وكلمة  technologyمشتقة من الكلمة اليونانيةτεχνολογία  (tekhnología) وتتألف من مقطعين هماτέχνη  (tékhnē) وتعني فن أو حرفة أو مهارة، و (logía) λογία  وتعني علم أو دراسة. والتكنولوجيا اصطلاحًا هي فرع من المعرفة يتعامل مع العلم الطبيعي والهندسة والفنون الصناعية، ويسعى إلى تطبيق المعرفة من أجل غايات عملية. وتختلف زوايا النظر إلى التكنولوجيا؛ فهناك من يرى أن التكنولوجيا هي الهندسة، وهناك من يرى أنها تركيب الأدوات والآلات، وهناك من يرى أنها المعرفة المتخصصة المستخدمة في صنع الأشياء بمساعدة العلم.

وفلسفة التكنولوجيا فرع بيْنيّ يتألف من أنواع مختلفة من التكنولوجيات، ومجموعة منوعة من المداخل الإبستمولوجية، والإنسانيات، والعلم الاجتماعي، والعلم الطبيعي، وعلم النفس، وعلوم الهندسة، وتعالجه مدارس فلسفية مختلفة مثل البراجماتية، والتحليلية، والفينومينولوجيا. وفلسفة التكنولوجيا بصفة عامة هي محاولة لفهم طبيعة التكنولوجيا، وفهم تأثير التكنولوجيا في البيئة والمجتمع والوجود الإنساني. (Jan Kyrre Berg Olsen, Stig Andur Pedersen and Vincent F. Hendricks, 2009: 1; Mario Bunge, 2014:    191)وهي فرع فلسفي جديد ظهر منذ نصف قرن تقريبًا، ولكنه من أسرع الفروع الفلسفية نموًا واتساعًا. ولا عجب في ذلك، إذ تدور مشكلات فلسفة التكنولوجيا مع التقدم التكنولوجي الذي يسير بخطى ما كانت لتخطر لأحدٍ على بال.

تعالج فلسفة التكنولوجيا جملة من الموضوعات الأساسية يأتي على رأسها:

  • تاريخ التكنولوجيا: الغربية، والصينية، والإسلامية، واليابانية، والتكنولوجيا والحرب.
  • التكنولوجيا والعلم: المعرفة التكنولوجية، الأدوات في العلم والتكنولوجيا، الأحياء والتكنولوجيا، الكيمياء والتكنولوجيا.
  • التكنولوجيا والفلسفة: البراجماتية، الفينومينولوجيا، الفلسفة التحليلية.
  • التكنولوجيا والبيئة: دراسة التأثيرات السلبية للتكنولوجيا في الطبيعة، كيفية حماية البيئة من الاستخدام السيء للتكنولوجيا.
  • التكنولوجيا والسياسة: فكرة التقدم، التكنولوجيا والقوة، التكنولوجيا والثقافة، التكنولوجيا والعولمة.
  • التكنولوجيا والأخلاق: الأخلاق الأحيائية، الأخلاق الزراعية، الأخلاق الطبية، أخلاق الكمبيوتر، الأخلاق البيئية، أخلاق وسائل الأعلام، أخلاق الروبوتات، الدين والتكنولوجيا.
  • التكنولوجيا والمستقبل: النانوتكنولوجي، تفجر الذكاء الاصطناعي، مستقبل الإنسانية.

وتتلخص هذه الموضوعات على كثرتها في أفكار هي معالجة التكنولوجيا بوصفها مصنوعات، وبوصفها عمليات، وبوصفها جزءًا من وجودنا الإنساني.

ويمكن أن يقوم فيلسوف التكنولوجيا بثلاث مهام هي:

  • مهمة تحليلية: تعريفات جيدة للمفاهيم مثل معرفة-كيف ومعرفة-أن، وبذلك يقدم إطارا جيدًا للموضوع.
  • مهمة نقدية: مناقشة قضية ما إذا كانت التكنولوجيات ضارة أم نافعة.
  • مهمة توجيهية: تحديد ما عسى أن يكون التصور الأفضل للتكنولوجيا.

 

2 – موجات فلسفة التكنولوجيا

تستطيع أن ترسم صورة مصغرة لتطور فلسفة التكنولوجيا، ومع ذلك تعبر عن هذا التطور أصدق تعبير. وتتجسد ملامح هذه الصورة في عدة موجات:

الموجة الأولى: عالج فيها الفلاسفة التكنولوجيا بوصفها ظاهرة شاملة وميتافيزيقية  في غالب الأمر. ورأى أكثرهم أن التكنولوجيا تمثل خطرًا يهدّد الثقافة التقليدية، باستثناء جون ديوي الذي اعتبر التكنولوجيات أدوات لتحسين الديمقراطية والتعليم.

وبرغم أن مفهوم الاغتراب مفهوم ماركسي، فإن ماركس لم يكن صاحب رؤية سلبية عن التكنولوجيا. كان معجبًا بالتكنولوجيا لتحرير العمال من المصاعب وإهانات العمل اليدوي، ولإسهامها في الانتاج الضخم لبضائع يمكن شراؤها. ولم يكن معجبًا بها لمحتواها الفكرى والفني الغني. أما هيدجر في “السؤال المتعلق التكنولوجيا” فكان ناقدًا لها بهدف تأمين حرية الإنسان ضد هيمنة الآلة أو تجنب الاسترقاق البشري.

الموجة الثانية: موجة ناقدة، أبرز من يمثلها فلاسفة مدرسة فرانكفورت، إذ رأى أدورنو وماركيوز وهابرماس أن التكنولوجيا تعد خطرًا سياسيًا وثقافيًا.

الموجة الثالثة: موجة أقل تشاؤمًا ويمثلها إلبرت بورجمان في كتاباته مثل”التكنولوجيا وسمة الحياة المعاصرة: بحث فلسفي”1984، وهوبرت درايفوس (توفي 2017) في كتابين ما الذي لا تستطيع أن تفعله أجهزة الكمبيوتر: حدود الذكاء الاصطناعي 1972، وما الذي لا تستطيع أن تفعله أجهزة الكمبيوتر حتى الآن: نقد الذكاء الاصطناعي 1992 بالإضافة إلى كتاب بالاشتراك مع ابنه ستيوارت العقل فوق الآلة 1986. وفلاسفة هذه الموجة أقل تشاؤمًا مقارنة بالسابقين وأكثر براجماتية.

الموجة الرابعة: يحاول فيها بعض الفلاسفة إعادة النظر في نقد فلاسفة المراحل السابقة للتكنولوجيا كما هو الحال مع هيدجر، ويطرح هؤلاء أفكارًا جديدة أيضًا مثل البحث عن أخلاق تكنولوجية لا إنسانية. وأبرز الذين يروجون لهذه الأفكار في الوقت الحالى بيتر بول فيربك صاحب كتاب ماذا تفعل الأشياء 2005. (Don Ihde, 2009: viii- xiii)

3 – مراحل التكنولوجيا وعلاقة التكنولوجيا بالعلم

كانت التكنولوجيا موجودة مع أول مطرقة أو سهم صنعه الإنسان في العصر الحجري. وكانت التكنولوجيا القديمة تهدف إلى إرادة البقاء واشباع الحاجات البيولوجية للإنسان، وتتمثل في حرف من صناعة رؤوس السهام من الصوان إلى الطهي والكتابة. وهذه التكنولوجيا تم ابتكارها وممارستها من دون مساعدة العلم. أما التكولوجيا الحديثة فتهدف إلى السيطرة على الطبيعة وتستعمل نتائج العلوم الأساسية مثل الهندسة الزراعية، والكمبيوتر، وصناعة الإعلان، وطب الأسنان، ونحو ذلك. والتصنيف اليسير لمراحل التكنولوجيا هو تصنيف ما مفورد، ويقسم تطورها إلى ثلاث مراحل:

  • المرحلة القديمة، وكان الإنسان يعتمد فيها على الماء، والرياح، والخشب مثلًا.
  • مرحلة ما قبل التاريخ، واعتمد فيها الإنسان على البخار، والفحم، والحديد.
  • المرحة الجديدة، ويأتي الاعتماد فيها على الكهرباء، والتشكيل الصناعي،وغير ذلك.

وتصنيف تطور التكنولوجيا إلى مرحلتين قديمة وحديثة يعتمد على السؤال: هل التكنولوجيا حرفة أم مؤسسة على العلم؟ وهذا السؤال يطرح سؤالا آخر عن العلاقة بين العلم والتكنولوجيا. هناك خلاف بين الباحثين في النظر إلى التكنولوجيا القديمة والحديثة والعلاقة بينهما. يرى فريق أن التكنولوجيا الجديرة بالعناية هي التكنولوجيا الحديثة والتي بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر. ويرى فريق آخر أن التكنولوجيا تنحصر في المراحل المبكرة، وفي المراحل المتأخرة يمكن استخدام مصطلحات أخرى غير التكنولوجيا مثل العلم التطبيقي applied science أو العلم التقني techno science.

الفريق الأول على خطأ لأنه يضيق واسعًا، ويهمل دون حق صور التكنولوجيا الموجودة في حضارات أخرى غير الحضارة الغربية المعاصرة. والذي يعنينا هو إهمال الحديث عن التكنولوجيات الإسلامية.

والفريق الثاني على خطأ أيضًا لأنه يغض الطرف عن فكرة أساسية وهي أن التكنولوجيا الجديدة هي امتداد لتكنولوجيات مبكرة، ويفوته أيضا أن التكنولوجيا والعلم هما في الحقيقة شكلان منفصلان من الفاعلية رغم الصلة الوثيقة بينهما.

في المراحل المبكرة كان كل منهما يتمتع باستقلال نسبي، وكانت التكنولوجيا تقود الطريق إلى التقدم النظري. وهذا واضح في حالة المحرك البخاري الذي ظهر لأول مرة في صورة مضخة تعمل بالبخار، وجرت محاولة لتحسين فاعليتها أدت إلى تأسيس الديناميكا الحرارية. وأنت ترى هنا أن التكنولوجيا تقوم على الحرفة. وفي المراحل المتأخرة، أصبحت الريادة للبحث النظري، ثم تأتي التكنولوجيا لتكون ذراعًا تنفيذية للعلم. وظهر ذلك منذ منتصف القرن التاسع عشر. وتلاحظ معي أن التكنولوجيا هنا يقودها العلم.

يهدف البحث العلمي إلى الصدق، وتهدف التكنولوجيا إلى المنفعة، وهذا هو السبب في أن النظريات العلمية، على خلاف التكنولوجيات، لا تمنح براءة اختراع، والسبب أيضًا، كما يرى بونجي، في أن الشركات الخاصة لا ترعى البحث في علم الفلك، وعلم المتحجرات، والأنثروبولوجيا. وتختبر النظريات العلمية للصدق، وتختبر التصميمات التكنولوجية للمنفعة.

وتستطيع أن تعقد مقارنة بين العلم والتكنولوجيا تكشف لك عن بعض السمات المميزة لكل نشاط منهما:

  • العلم يهدف إلى الصدق، أما التكنولوجيا فتهدف إلى المنفعة.
  • العلم دولي من حيث المبدأ، والتكنولوجيا المتقدمة عديمة الفائدة في البلدان ما قبل الصناعية.
  • العلم محايد أخلاقيًا، والتكنولوجيا متحيزة أخلاقيًا، ما دامت توجد تكنولوجيا مفيدة وتكنولوجيا ضارة.
  • العلم مستقل أو مدفوع ذاتيًا، والتكنولوجيا تابعة أو قائمة بغيرها.
  • العلم ينتج أعمالًا ثقافية جيدة، والتكنولوجيا تنتج مصنوعات.

 

4 – الولع بالتكنولوجيا أو الهلع منها

هناك موقفان أساسيان إزاء التكنولوجيا: القبول الأعمى، أو الولع بالتكنولوجياtechnophilia ، والرفض، أو الهلع من التكنولوجياtechnophobia . والمولعون بالتكنولوجيا يتابعون بشغف وسعادة كل ابتكار جديد ويغضون الطرف عن الآثار السلبية للتكنولوجيا. والرافضون لها قد يدفعهم إلى ذلك ألفتهم الشديدة بالقديم وخوفم الدائم من الجديد. وقد يكون الدافع دينيًا كما هو الحال مع الناقد والمفكر الفرنسي جاك إيلول صاحب كتاب خدعة التكنولوجيا (وله ترجمة عربية)، وربما يكون الدافع علمانيًا كما هو الحال مع مارتن هيدجر في مقال “السؤال المتعلق بالتكنولوجيا”.

والحالة الغريبة الأخرى للولع التكنولوجي هي حالة عالم الرياضيات المجري الأمريكي جون فون نيومان (1903-1957) الذي شارك في المشروع الأمريكي النووي خلال الحرب العالمية الثانية المعروف باسم مشروع منهاتن، والذي تسمى في القمر حفرة بإسمه. أعلن نيومان أننا نعيش في الفترة السابقة على “التفرد الأساسي” essential singularity. وخلاصة هذه الفكرة أن الآلات المفكرة سوف تصبح ذات يوم متطورة إلى الحد الذي يجعلها قادرة على اختراع آلات أخرى من دون أى تدخل بشري. وهذا يعني أن انفجار الذكاء الاصطناعي سوف يؤدي إلى تفرد تكنولوجي. وكان نيومان من الملهمين لتأسيس جامعة التفرد في عام 2008.

 

5 – مستقبل التكنولوجيا

على أن التغير التكنولوجي الكبير الذي طرأ على حياتنا المعاصرة يكشف عن مجموعة من الدروس يجب أخذها بعين الاعتبار، من بينها: (Topy Walsh, 2018:152-162)

  • هناك ثمن لا بد من أن يدفع. بالنسبة لكل فائدة تتحقق، تستطيع أن تعين خسارة مناظرة. ولا يوجد ضمان بأن الفوائد سوف تفوق الخسائر قيمة.
  • ليس كل إنسان يربح. سوف يوجد رابحون وخاسرون. ولا يتأثر كل إنسان بالتكنولوجيا بالطريقة نفسها.
  • التكنولوجيا تجسد أفكارًا قوية.
  • التغير التكنولوجي ليس إضافيا في أحوال كثيرة.
  • التكنولوجيا تصبح المعيار. التكنولوجيا الجديدة سرعان ما تصبح جزءًا من النظام الطبيعي.
  • يميل الناس إلى التنبؤ السيء بمستقبل التكنولوجيا. والنتيجة هي أننا سوف نكون فقراء جدًا في توقع أي التكنولوجيات الجديدة ستكون ناجحة.
  • نحن نميل إلى السير نحو المستقبل ونحن نائمون (السائرون نيامًا). فالتكنولوجيات يتم ابتكارها بسرعة. ولكن القوانين والمسائل الاقتصادية والتربية والمجتمع تلحق بها ببطء. والمثال هو أن أن التليفون المحمول تم ابتكاره منذ أكثر من ثلاثين عامًا ومع ذلك لا تزال بعض الأماكن لا تنصّ على منعه أثناء القيادة، أو تأخرت كثيرًا في ذلك. فالقوانين تستغرق عقودًا لتطويرها أما التكنولوجيات الجديدة فتظهر كل ربع ساعة.

وفيما يتعلق بمستقبل التكنولوجيا، يضع الخبراء مجموعة من التنبؤات من قبيل: (Topy Walsh, 2018:164-169)

  • سوف ترى الدكتور يوميًا. بحلول عام 2050 سوف تحصل على نصيحة طبية من دكتور كل يوم. ولا يفعل ذلك المصابون بوسواس المرض فقط وإنما سنفعل ذلك جميعًا تقريبًا. وهذا الدكتور سيكون الكمبيوتر الخاص بك. صحيح أن جانبًا كبيرًا من ذلك متاح اليوم، ولكنه ليس متكاملًا.
  • سوف تتكلم مع الحجرات. سوف تتوقع شيئًا من الحجرة يرد عليك. ربما يكون التليفزيون، أو النظام الصوتي، أو حتى الثلاجة.
  • بحلول عام 2050 البحار والسماوات والسكك الحديدية سوف تعبرها سفن وقطارات وطائرات خالية من الناس، أي لا يقودها بشر.

 


المراجع

Bunge, Mario. 1983. “Toward a Philosophy of Technology,” in Carl Mitcham; Robert Mackey (eds.), Philosophy and Technology : Readings in the Philosophical Problems of Technology, New York: The Free Press, pp. 62-76.

Bunge, Mario. 2014. “Philosophical Inputs and Outputs of Technology,” in Robert C. Scharff and Val Dusek (eds.), Philosophy of Technology, The Technological Condition: An Anthology, Second Edition, Malden, Oxford: Wiley Blackwell, pp.191-200.

Ihde, Don. 2009.”Foreword,”  in Jan Kyrre Berg Olsen , Evan Selinger  and Sّren Riis (eds.), New Waves in Philosophy of Technology, Hampshire, New York: Palgrave Macmillan, pp. viii- xiii.

Olsen, Jan Kyrre Berg, Stig Andur Pedersen and Vincent F. Hendricks (eds.) 2009.  A Companion to the Philosophy of Technology  Malden, Oxford: Wiley-Blackwell.

Walsh, Topy. 2018. Machines That Think: The Future of Artificial Intelligence, New York: Prometheus Books.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق