مقالات

لا يُمكن تغيير الناس بالقوة – مارك مانسون

ترجمة: نورة آل طالب – مراجعة: أمل المظاهر

كلنا حظينا بذلك الشخص في حياتنا الذي لطالما تمنينا في دواخلنا ” لو أنه يستطيع …. ” شهرًا بعد شهر وعامًا بعد عام. نُحبُّه ونهتم لأمره ونقلق بشأنه، لكن حينما نُطفئ الضوء أو نغلق الهاتف نقول لأنفسنا “لو أنه يستطيع …. ”

قد يكون فردًا من العائلة، قد يكون مكتئبًا وحزينًا ويائسًا وربما لا يؤمن بذاته. وفي كل مرة تراه تحاول أن تغمره بالحب والثقة، كأن تُطري على ثيابه الجديدة، وتمتدح قصة شعره الجذابة. تحاول تشجيعه بشكلٍ عابر، وتسدي له بعض النصائح غير المجدية، وتقترح عليه بعض الكتب، وتُسِرُّ في نفسك، “لو أنه يؤمن بذاته … “.

أو قد يكون صديقًا، تراه متخبطًا تائهًا، يُسرف في الشرب، ويخون شريكته، ويبعثر أمواله على هوايته الغريبة المهووس بها. تحاول أن تحتويه، وتخوض معه حوارًا محفزًا كما ينبغي على الأصدقاء أن يفعلوا. قد تقترح عليه إلقاء نظرة على كشف حسابه المصرفي، أو قد تمنحه قرضًا أو قرضين. وفي هذه الأثناء يدور في خلدك، “لو أنه يستطيع أن يلم شتات نفسه … “.

أو قد يكون ما هو أسوأ من ذلك، ربما يكون زوجك أو زوجتك، حبيبك أو حبيبتك. أو ربما الأسوأ، قد يكون طليقك أو طليقتك أو حبيبك السابق أو حبيبتك السابقة. قد تكون العلاقة منتهية، لكنك تتعلق بأمل أن يتغير ذلك الشخص بطريقةٍ ما، وتأمل أن معلومة أو أمرًا قد فاته من شأنه أن يُغير كل شيء. قد تواصل تزويده بكتب لا يقرؤها أبدًا، أو تأخذه قسرًا لمعالجٍ نفسي. قد تحاول أن تبعث له رسائل بريدية صوتية في الثانية صباحًا تصرخُ فيها باكيًا: “لماذا لا تكتفي بي؟؟!!”

نعم، لكننا نعرف أن ذلك لن يجدي نفعًا …

كلنا حظينا بذلك الشخص في حياتنا. حبُّه مؤلم، ولا فِكاك من هذا الألم حتى لو تركناه. فنقرر أن طريقة الخلاص الوحيدة من هذه الخيبة العاطفية هي تغييره بطريقةٍ ما، ونسرّ في أنفسنا قائلين “لو أنه يستطيع … “.

في جولتي الخطابية هذا الربيع، عقدت جلسات قصيرة للاستفسارات في نهاية كل محاضرة. وفي كل مدينة كان شخص واحد على الأقل يقف، ويقدم شرحًا مفصلًا لوضعه البائس، ويُنهي حديثه بسؤال: “كيف يُمكنني تغييره/ها؟”، لو أنه يستطيع فعل (س) لتحسنت الأمور”.

وجوابي في كل موقف كان واحدًا لا يتغير: لا تستطيع ذلك.

لا يمكننا إكراه الأشخاص على التغيير، لكن يُمكننا أن نلهمهم إياه، ونثقفهم حوله، وندعمهم في تغييرهم، لكن لا يمكننا إرغامهم عليه؛ لأن إجبار الشخص على فعل شيء ما يستوجب إكراهه أو استغلاله وإن كان الأمر لصالحه. وفي بعض الحالات التدخل في حياته ينتهك حدوده مما يلحق الضرر بالعلاقة أكثر من إصلاحها، وهذه الانتهاكات تَمُر عادةً دون أن تُلاحظ، لأنها تقع بحسن نية.

لنتخيل حالة شخص اسمه تيمي، خسر تيمي وظيفته، ويقضي تيمي المفلس يومه مستلقيًا على أريكة أمه نادبًا حظه. فتبدأ أمُّه بتعبئة استمارات التوظيف نيابةً عنه، ثم تشرع في الصراخ عليه وشتمه ولومه على فشله. وقد ترمي أيضًا جهاز ألعاب الفيديو الخاص به من النافذة كإجراء إضافي ظنًّا منها أن ذلك سيمنحه جرعة تحفيزية إضافية.

رغم حسن نية الأم، ورغم أن البعض قد يرى في ذلك صورةً نبيلةً من صور الحب الشديد، إلا أن هذا النوع من السلوك يُثمر في النهاية عن نتائج عكسية؛ لأن فيه انتهاكًا للحدود يُفضي إلى إعفاء الشخص من تحمل مسؤولية أفعاله ومشاعره. وحتى لو جرى ذلك الانتهاك بأحسن النوايا فإنه يُفسد العلاقة.

لننظر في الأمر بهذه الطريقة. يشعر تيمي بالأسى على نفسه ويكافح ليجد أي مغزى من العيش في هذا العالم القاسي عديم الرحمة. ثم فجأة تدخل أمه وترمي جهاز ألعاب الفيديو الخاص به وهي تهمُّ بالخروج لتجد له عملًا. هذا لا يُبرهن لتيمي منظورَه البائس عن العالم فحسب، بل يُثبت له أيضًا أن ثمة مشكلة جوهرية تُحيط به. ففي نهاية الأمر لو لم يكن تيمي فاشلًا لما احتاج إلى خروج أمه لتبحث عن عمل له، أليس كذلك؟

بدل أن يدراك تيمي أن العالم بخير وأن بإمكانه التعامل مع الأمر، سيدرك معاناته من مشكلةٍ ما وأنه ما زال عالة على أمه رغم كونه رجلًا بالغًا.

وبهذه الطريقة تُسفِر أفضل المساعي لمساعدة شخصٍ ما عن نتائج عكسية؛ إذ لا يُمكننا إجبار الآخرين على التحلي بالثقة والاحترام تجاه أنفسهم أو على تحمُّل المسؤولية؛ لأن الوسائل المُستخدمة لفعل ذلك تُدمر الثقة والاحترام والمسؤولية.

ولكي يتغير الشخص بالفعل، عليه أن يشعر بأن هذا التغيير مُلكا له؛ فهو من اختاره وهو من يتحكم فيه، وبخلاف ذلك لن يكون له أي تأثير.

من الانتقادات الشائعة الموجهة لمؤلفاتي، هو أنني لا أُملي على الآخرين ما يجب عليهم فعله على عكس معظم مؤلفي كتب التنمية الذاتية. فأنا لا أُلقي الأوامر على المتلقي، ولا أضع خططًا عملية ذات خطوات متعددة، أو أنشئ عشرات التمارين نهاية كل فصل من الكتاب. وأنا لا أفعل ذلك لسبب بسيط للغاية: لا أستطيع تحديد ما يناسب المتلقي، ولا أستطيع تحديد ما يجعله شخصًا أفضل. وحتى لو قررت ذلك، فحقيقة أن أُملي على المتلقي ما يجب عليه فعله بدلًا من اتخاذ قراراته بنفسه يحرمه من معظم المنافع الانفعالية.

الأشخاص الذين يسعون وراء عالم التنمية الذاتية إنما يفعلون ذلك لعجزهم عن تحمل مسؤولية قراراتهم. إن ذلك العالم يكتظ بأناس كانوا يهيمون في حياتهم باحثين عن شخصٍ آخر أو عن سلطة -أو منظمة أو مجموعة من المبادئ- تملي عليهم الأفكار والاهتمامات والأفعال.

بيدَ أن المشكلة هي أن كل نظام قيمي يُخفق في النهاية، وكل تعريف للنجاح يُثبت فشله في نهاية المطاف. والاعتماد على قيم شخص آخر يُفقِد الشخص هويته، ويُشعِره بالضياع منذ البداية. فلو اعتلى المنبر شخصٌ مثلي أنا، وأملى على الناس ما يفعلوه، وتحمَّل عنهم مسؤولية حياتهم مقابل نصف مدخراتهم، فهو لا يُديم المشكلة الأصلية فحسب، بل إنه يُحقق أرباحًا طائلة في ظرفٍ قصير مقابل ذلك.

إن الأشخاص الناجين من الصدمة والذين كانوا يعانون من الهجر والعار والشعور بالضياع، إنما نجَوا من ذلك الألم نتيجة تمسكهم بالآراء السائدة التي تعدهم بالأمل. لكنهم لن يُشفَوا بالفعل حتى يتعلموا كيف يولِّدون ذلك الأمل لأنفسهم وكيف يختارون قيمهم الخاصة ويتحملون مسؤولية تجاربهم. ومن يتطفل، ويعرض قيمه الخاصة على طبقٍ من فضة؛ فإنه يُعمِّق المشكلة، ويبقيها حتى وإن حَسُنت نيته.[1]

(تنبيه: التدخل الفعلي في حياة الشخص قد يكون ضروريًّا إن كان ذلك الشخص يُشكِّل خطرًا على نفسه أو الآخرين. وعندما أقول “خطر” فأنا أعني الخطر الفعلي: تناول جرعات زائدة من المخدرات، سلوكيات عنيفة، هلوسات، الخ).

كيف يكون شكل المساعدة؟

إن لم يكن بمقدورنا إكراه الشخص على التغيير، وإن كان التدخل في حياته على نحوٍ يعفيه من تحمل مسؤولية قراراته لا يؤدي إلى النتيجة المنشودة، ما الذي يمكننا فعله؟ وكيف نساعد من حولنا؟

  • الإرشاد بالقدوة

أي شخص صنع تغييرًا كبيرًا في حياته لاحظ أن لذلك التغيير تأثيرًا مضاعفًا على علاقاته. يُقلع أحدهم عن الشرب وحياة اللهو ثم يشعر أصدقاؤه فجأة أنه يتجاهلهم أو أنه يفوقهم “صلاحًا”.

ولكن أحيانًا -فقط أحيانًا- قد يُفكر أحد أولئك الأصدقاء بالإقلاع عن الشرب أيضًا، ثم يحذو حذو صديقه. إنه يصنع ذات التغيير. لم يتدخل الصديق القدوة في شأن أصدقائه، ولم يطلب منهم الإقلاع عن الشرب، إنما بادر بالفعل فأصبح مصدر إلهام للبقية[2].

  • طرح أسئلة أفضل بدلًا من تقديم الحل

بمجرد أن نُدرك أن فرض حلولنا على الآخرين يُقلل من فائدة تلك الحلول فإن الخيار الوحيد المتاح هو مساعدة الشخص على طرح أسئلة أفضل.

فعوضًا عن قول: “عليك أن تُحارب للحصول على زيادة في مرَتَّبك.” يمكنك أن تسأل: “هل أنت راضِ عن مرَتَّبك؟”

وعوضًا عن قول: ” يجب أن تكف عن التساهل مع حماقات أختك.” يمكنك أن تسأل: “هل تشعر أنك مسؤول عن حماقات أختك؟”.

وعوضًا عن قول: ” توقف عن التغوط في بنطالك، هذا مقرف.” يمكنك أن تسأل: “هل سبق أن فكرت في الذهاب للحمام؟ دعني أرشدك لطريقة استخدامه.”

طرح الأسئلة على الأشخاص أمرٌ شاق؛ لأنه يتطلب صبرًا وتفكيرًا واهتمامًا، ولهذا السبب هو مفيد. عندما تدفع لمعالج نفسي، فإنك في الأساس تدفع مقابل تلقي أسئلة أفضل، لأجل ذلك يعتقد بعض الناس أن العلاج النفسي “لا طائل منه” لاعتقادهم أنهم سيحصلون على حلول لمشكلاتهم، بيدَ أنهم لا يحصلون إلا على مزيدٍ من التساؤلات.

  • عرض المساعدة بلا قيدٍ وشرط

ينبغي أن يسعى الشخص نفسه إلى تلك الحلول وهذا لا يعني أنه لا يمكننا تقديمها له.

ثمة فرق شاسع بين أن أقول “أعرفُ ما أنسب شيءٍ لك.” وأن تأتيني، وتقول “ما أنسب شيءٍ لي، برأيك؟”

أحد القولين يحترم استقلاليتك وحقك في تقرير مصيرك بينما الآخر لا.

من ثم، أفضل ما يُمكنك فعله غالبًا هو إشعار الشخص بأنك موجود متى ما احتاج إليك. إنه القول الكلاسيكي “أنا أعلم أنك تمر بوقتٍ عصيبٍ الآن. لا تتوانى عن اللجوء إلي في كل مرة ترغب فيها بالحديث”.

وقد يكون الأمر أكثر خصوصية. فقبل عدة سنوات كان أحد أصدقائي يواجه بعض المشاكل مع والديه. وبدلًا من نصحه أخبرته ببساطة عن بعض المشكلات التي واجهتها مع والديَّ في الماضي، وكنت أعتقد أنها مشابهة لمشاكله. لم يكن الهدف إرغام صديقي على الأخذ بنصيحتي أو الحذو حذوي أو حتى أن يهتم بشأن ما جرى لي، فهذا كله عائدٌ إليه.

أنا ببساطة كنت أقدم عرضًا. لو كان ثمة فائدة فيما قلته بأيِّ شكلٍ من الأشكال فيمكنه الاستفادة مما قلت وإن كان غير ذلك فلا بأس.

عندما يتم الأمر بهذه الطريقة تكون قصصنا محمَّلة بالقيم على نحوٍ منفصلٍ عنَّا، فلست أنا من يقدم النصيحة، إنما تجربتي هي من تُضفي منظورًا على تجربته. وفي هذه الحالة لا يُنتهك حقه في الاختيار أو في تحمل مسؤولية أفعاله، بل يكون حقُّه محفوظًا دائمًا.

لأنه في النهاية، لا يسعُنا إلا تغيير ذواتنا. بالتأكيد قد يحصل تيمي على عمل جيد، ويفقد جهاز ألعاب فيديو؛ لكن إن لم تتغير صورته عن ذاته، ولم تتغير مشاعره حول ذاته وحياته، سيظل تيمي القديم كما هو باستثناء أن أمه ستكون أكثر إحباطًا.

 


[1]للعلم فقط، ينبغي أن أذكر أنني أعتقد بأن 99% من مجال التنمية الذاتية لا يخلو من النوايا الحسنة حتى لو لم تظهر الممارسات التجارية بهذه الصورة دائمًا. هذه المسألة، مرة أخرى، هي مسألة حدود ومسألة الحدود هي في الأساس مسألة احترام.

[2] إنني أخفض سقف التوقعات في هذا المثال، لكن لا يهم.

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق