مقالات

كرة القدم بوصفها مسرحاً للعالم المعاصر – عثمان لكعشمي

«أصبحت اللعبة فرجة، بأبطال أقلّ ومتفرِّجِين أكثر. صارت كرة القدم موضوعاً للمشاهدة، حيث أضحت الفرجة مِن أكثر الأعمال ربحاً في العالم».

«كَمْ مِن المَسارح يوجد في مَسرح كرة القدم العظيم؟ كم من المَشاهد يتسع لها المستطيل الأخضر؟».

إ. غاليانو

بشذرة تحت عنوان “كرة القدم”، استهلّ الكاتب والصحفي الأوروغواياني إدواردو غاليانو، كتابه الموسوم بـ: “كرة القدم، في الظل والشمس”. يقدّم لنا بشكل مكثّف، سيرورة التحوّل الذي مسّ لعبتنا. نسوق منها: «تاريخ كرة القدم هو بمثابة سفر حزين، من المتعة إلى الواجب. فلمجرّد أنْ تحوّلت إلى صناعة، أبعدت عنها الجمال الذي تولّد من لذّة اللعب من أجل اللعب ذاته. في نهاية قرننا هذا، أضحت كرة القدم المهنية ترفض كلّ ما لا يفيد، وما لا يفيد عندها هو مرادف لما لا يعود بالنفع أو الربح».

هل كرة القدم مجرّد لعبة ورياضة وترفيه وتسلية، أم أنّها صارت هي الكرة الأرضية عينها، كوكبنا، لمّا تحوّلت إلى كُوَيْرَة بيْن قدميْن، إلى لعبة سياسية ورياضة اقتصادية، إلى استعارة للكوكب واقتباس للكائن، بل إلى مسرح للعالم المعاصر باعتباره عالماً للفرجة spectacle: عالم فرجويّ Monde spectaculaire قبل أيّ شيء آخر؟

التهميش الساذج

على الرغم مما كتب وأنجز عن كرة القدم، مِن نصوص وأبحاث ودراسات باختلاف مجالاتها ومشاربها المعرفية، وباختلاف الأزمنة التاريخية والسياقات المجتمعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، منذ ميلادها إلى اليوم، فإنه لا يتم التعامل مع لعبتنا بالاهتمام المعرفي اللازم والكافي (كي لا أقول الجدية المعرفية)، خاصة في دروب معرفية من قبيل الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية. فهي تبقى منجزات محتشمة إلى حد ما، إذ لا تتجاوز في كثير من الأحيان العمل الصحفي المسترسل، أو السرد الأدبي الممل، أو التناول التقنوي الصرف… لكن ذلك لا يمنعنا من القول باجتهادات فكرية وأدبية في هذا الشأن رغم قلتها وندرتها في هذا السياق أو ذاك، في هذا الميدان المعرفي أو ذاك، سواء عند غيرنا- في العالم اللا عربي- أو عندنا- في العالم العربي- بدرجة أقل.

يعود ذلك التهميش إلى عدة شروط واعتبارات ومحددات. تتمثل أهم تلك الشروط والاعتبارات والمحددات في الأحكام المسبقة عن كرة القدم من ناحية، كما تتمثل في المواقف المِعيارية التي تُنسَج عنها، بغض النظر عن طبيعتها، أخلاقية كانت أم إيديولوجية، من ناحية ثانية. حيث تطال مثقفين من طينة كبرى كما هو الشأن بالنسبة للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس على سبيل المثال لا الحصر، الذي طالما عُرف واشتهر بموقفه المضادّ من كرتنا. لكن موقفه هذا مشروط بالسياق السياسي والمجتمعي الذي كانت تعيشه الأرجنتين ومختلف دول أمريكا اللاتينية آنذاك. نتحدث هنا عن السلطة التوتاليتارية التي كانت تبسط قبضتها على مختلف مجالات المجتمع، من خلال توظيف عدة وسائل مِن بينها كرة القدم كقناة جماهرية لشرعنة الفعل السياسي للدولة العسكرية، آنذاك.

رغم الشعبية التي تتمتع بها رياضتنا، فإنها لم تحظى بالاهتمام الكافي في المجالات المعرفية الآنفة الذكر. هنا تكمن المفارقة. حيث وجدت نفسها محاصرة بين من يعتبرها مجرد لعبة رياضية ترفيهية، ومن يعتبرها شكلاً من أشكال السذاجة الشعبوية المرتبطة بثقافة الجماهير، التي تغطي بشكل او بآخر على القضايا الحقيقية، القضايا والمسائل الكبرى. ألم يحن الوقت بعد للفلسفة والعلوم الاجتماعية، من أجل النظر والتفكير في كرة القدم، على ضوء الحياة المعاصرة؟ ألم يحن الوقت بعد لفتح ميدان كرة القدم كدرب جديد، من بين دروب نموذجية أخرى، لفهم ما يُعتمل في العالم المعاصر؟

كرة القدم أفقاً للتفكير

لم تكن الفلسفة إلى وقت قريب لتقحم نفسها في التفكير في كرة القدم كموضوع للممارسة الفلسفية أو السؤال الفلسفي أو التفلسف حتى، لم تكن لتعير اهتمامها إلى ظلال الموضوعات، لم تكن لتكلِّف نفسها عناء المشي في دروب الحياة اليومية الساذجة. لكن سرعان ما تبيّن أنّ ظلال الموضوعات تلك هي صلب الموضوعات الحقيقية، موضوعات العالم الراهن، والحال أن الفلسفة في نهاية المطاف ليست أكثر من مساءلة هذا الراهن، مساءلة الحياة المعاصرة في أقصى تجلياتها، واستشراف مآلات الكائن والوجود معاً. فبعدما كانت الفلسفة تبحث عن ذاتها في تاريخها، ها هي اليوم تكشف عن ميتافيزيقاها، ليس في النصوص الفلسفية فحسب وإنما في الحياة اليومية المعيشة التي نتنفّسها. تكشف عن ميتافيزيقا الحياة اليومية نفسها وأنطلوجياها، بغية خلخلتها وتقويضها، إلى درجة صارت فيه بمعنى أو بآخر سيميولوجيا للحياة اليومية. وهل هناك ما هو أكثر ميتافيزيقية وميثولوجية في حياتنا المعاصرة مِن كرة القدم؟

نقرأ لعبد السلام بنعبد العالي، في مقال له موسوم بـ : “فرقنا الكروية… أوطاننا الجديدة؟”، عن البعد الميتافيزيقي لكرة القدم: «إن لهذه الرياضة اليوم بُعدًا ميتافيزيقيًّا من ناحية أنها تروّج الفانتاسمات وتخلق الهويات، أو تكرّسها على الأقل، فتؤجّج الانتماءات، وتسوِّق وهْم الولاءات، وتحدد موازين قوى وتضبط علائق… فقد يجد الواحد منا نفسه اليوم مع هذا البلد وهذا الفريق، كي ينتقل في الغد القريب إلى فريق آخر ربما كان هو خصم الأمس. لا يعود هذا فحسب لما يسمى عادة روحًا رياضية بقدر ما يرجع إلى “تعدد الألوان” التي تتسم بها الهوية بما هي كذلك؛ إذ تكشف الولاءات أن كلًّا منا باستطاعته أن يغير بين يوم وآخر موقعه داخل دوائر متمركزة فيخرج من إحداها ليقتحم أخرى، وهو الأمر الذي يجعلني أنتصر للفريق العربي ضد الفريق الإفريقي اليوم، لكنني سأجد نفسي مع الفريق الإفريقي غدًا ضد بلد أوربي، بل مع البلد الأوربي مرة أخرى ضد بلد أوربي آخر».

على عكس الفلسفة فإنّ العلوم الاجتماعية بشكل عام، وكل من السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا بشكل خاص، من حيث هي علوم، ظلّت وفيّة لموضوعها، الاجتماعي والثقافي، ظلّت وفية للحياة اليومية المعيشة في مختلف أبعادها ومستوياتها. دون أن تعني عبارة وفية، أي حميمية أو تطبيع مع الحسّ المشترك، وإنّما معايشته وملامسته، مع أخذ المسافة الموضوعية اللازمة. مسافة الباحث في العلوم الاجتماعية. إلى درجة يمكن فيها الحديث عن هوامش تخصصية، كما هو الشأن بالنسبة لأنثروبولوجيا الرياضة أو سوسيولوجيا الرياضة. الشيء الذي يمكنّنا من التساؤل عن دور رياضة ككرة القدم في تشكيل وإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية والثقافية المعاصرة، على ضوء التحولات المجتمعية الجديدة. هذا، بغض النظر عنما يمكن لمجال معرفي كالسيميولوجيا أنْ يقدمه لنا عن عالم المستديرة: التعامل معها كنص غني بالعلامات والدلالات والرموز، والكشف عن التداخلات والتمفصلات الدلالية.. التعامل مع كرة القدم كحقل سيميولوجي. كميدان حرب رمزية.  دونما تجاهل، لأهمية التحليل النفسي في هذا المقام، الذي يمكنه أنْ يُشرِّح لنا سيكولوجياً: سيرورة اللّاوعي التي تحرّك اللّعبة واللّاعب والجمهور. لا يُشرّح فحسب، بل يعالج أيضاً: أوليس التحليل النفسي علاجاً لأمراض العصر؟

من السذاجة بمكان التفكير في كرة القدم على نحوٍ معرفي تخصصيّ ضيّق لهذا المجال المعرفي أو ذاك، فلا الفلسفة، ولا السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، ولا السيميولوجيا والتحليل النفسي، بإمكانها بشكل أحادي، أنْ تسبر أغوار عالم كرة القدم. هو وحده التِّرحال والترحُّل المعرفي بين تلك المعارف وغيرها.. يمكنه أنْ يلامس الكويرة ويخاتلها، فكرياً وعلمياً وأدبياً. بأيّ معنى يمكن اعتبار كرة القدم أفقاً للتفكير؟ بالمعنى الذي نجعل فيه كرة القدم درباً جديداً من بين دروب أخرى ممكنة، لاستكشاف ورصد الحياة المعاصرة في مختلف تجلياتها وتحولاتها. بهذا المعنى تكون كرة القدم أفقاً للتفكير، أفقاً للتفكير المتعدد والمغاير.. بوصفهاً مفتاحاً لفهم العالم المعاصر.

كرة القدم بوصفها مسرحاً للعالَم المعاصر

يميز الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجي، صاحب “من أجل أنثروبولوجيا للعوالِم المعاصر ”في العالم المعاصر الحالي، بين ثلاثة عوالم أساسية: الفرد، والظواهر الدينية الناتجة عن المجتمعات عن الاستعمار، والمدينة. إذا ما أردنا أنْ نضيف عالَمًا آخر، عالَم رابع من بين عوالم أخرى ممكنة، سيكون: عالم كرة القدم. ما الذي يجعل من كرتنا عالماً معاصراً؟  إنها عالم بالمفرد المتعدد، أي عالم من بين عوالم أخرى تساهم بشكل أو بآخر في صياغة وإعادة صياغة العالم المعاصر، وليست هي العالم المعاصر ذاته.

ويتجلى ذلك في كونها:

  • تحظى بشعبية عالية: تهدم الجدران وتخترق الحدود، تكتسح الجغرافيا وتسكن الأوطان، تسحر الجماهير وتحتضن الأوطان.
  • ليست مجرد رياضة أو لعبة، وإنما هي اقتصاد وسياسية، أو بالأحرى اقتصاد سياسي معولم.
  • تساهم بشكل أو بآخر في مسرحة العالم، وأسطرة الكائن: إنتاج وإعادة إنتاج الفرجة.

بهذا المعنى، تقدِّم كرة القدم نفسها باعتبارها مسرحاً للعالم المعاصر.

إذا ما طرحنا سؤال شعبية كرة القدم على بورخيس: لماذا تتمتع كرة القدم بشعبية عالية؟ سيجيبنا بـ: تتمتّع كرة القدم بشعبية عالية، لأنّ السذاجة تتمتّع بشعبية عالية. ما الذي يريد أنْ يقوله بورخيس والحالة هذه؟ إنّ هذا الجواب أو القول المكثّف، يعكس لنا بشكل مكثّف موقف كاتبنا من المستديرة. إنّنا أمام موقف سياسي وإيديولوجي مضادّ. ويكفي أنْ نشير إلى المحاضرة التي ألقاها كاتبنا حول إشكالية الخلود، التي تزامنت مع مباراة المنتخب الأرجنيني الافتتاحية، في مونديال 1978. هل هناك سخرية أكثر من هذه؟

إنّ كرة القدم أو بالأحرى قاعدتها الجماهيرية الواسعة، تتجاوز الجمهور نفسه، من حيث هي آلية من آليات النظام السياسي لشرعنة مشروعيته، خاصة في السياقات السلطوية، كما هو الحال في الأرجونتين آن ذاك، كما أسلفنا الذكر في بداية هذا المقال. هل ينطبق ذلك على عالم المستديرة اليوم في مختلف السياقات؟ لم يقف الأمر قطّ عند بورخيس، فهناك دعوات كثيرة متجددة من العديد من المثقيفين في هذا السياق أو ذاك، خاصة الماركسيين منهم، حتى في المجتمعات والدول المغرقة في الديمويقراطية، تحذرنا باستمرار من خطورة الكويرة، وذلك لما تتمتع به من شعبية، وبالتالي من إلهاء للجماهير من ناحية، والتغطية على الإشكالات السياسية والمجتمعية الكبرى من ناحية أخرى. باعتبارها: “أفيون الشعوب” كما قيل. قد تكون لعبتنا أفيون، لكن الأشد، هو عندما يتحوّل هذا الموقف المضادّ، إلى أفيون لصاحب الموقف ذاته: ما هذا العماء الإيديولوجي؟ لا سيما، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار فاعلية الجمهور، إذ لا يخفى على أحد تحوّل التشجيع في أحيان كثيرة، في سياقات متعددة، إلى شكل من الأشكال الاحتجاجية الجديدة، في مدرجات الملاعب وغيرها: حيث يغدو الجمهور هو اللاعب الفعلي، واللاعب هو الجمهور. فتغدو المدرجات نتيجة لذلك ميداناً للّعب الحقيقي، ليس بين الجماهير المتنافسة فحسب، بل بين الجمهور والسلطة السياسية نفسها: شعارات، أهازيج، اهتزازات، تعبيرات…،إلخ. لهذا، فبالقدر الذي تبدو عليه الكرة أفيوناً للشعوب، فإنّها يمكن أنْ تشكّل في نفس اللّحظة قنبلة موقوتة للسّلطة السياسية. لذلك، لا ينبغي أبداً التعامل مع كرة القدم بهذه السذاجة الإيديولوجية. التي تقتل أيّة محاولة معرفية لفهم مغاير لعالم كرة القدم، على ضوء المعاصرة.

لا ريب في كون كرة القدم تحظى بشعبية كبيرة أكثر من غيرها في مجمل كيانات المعمورة. فطالما حظيت بشعبية عالية، على عكس رياضات أخرى، التي كانت، وربما لازالت، نخبوية وطبقية، تقتصر على الطبقات العليا والمتوسطة في أقصى درجات انحدارها في تراتبية السلم الاجتماعي، كما هو الحال بالنسبة للغولف مثلاً.

لا تقتصر على السياق الذي شهدت فيه اللعبة ميلادها الرسمي: إنكلترا وباقي الكيانات الأوربية، والأمريكية لاحقاً، بقدر ما طالت مجمل كيانات المعمورة: العوالم الثلاثة، بل طالت أفقر المجتمعات، وأشدّها هشاشة وتهميشاً؛ الهامش والهوامش. هذا، إنْ لم نقل إنها أضحت أكثر شعبية وأوسع انتشاراً في هذه الهوامش، أكثر منها في مسقط رأسها ونشأتها. كما هو الشأن في أمريكا الجنوبية: خاصة في البرازيل، الأرجنتين، المكسيك والأورجواي.

لكرة القدم شعبيتها الواسعة أكثر من غيرها. لا يعود ذلك إلى كونها “ساحرة الجماهير” كما قيل، أو إلى شروط سيكولوجية صرفة مرتبطة بالمتعة والإمتاع، أو إلى كرة القدم من حيث هي لعبة ورياضة في ذاتها، أو إلى كونها “أفيون الشعوب”… فحسب، و إنما يرجع إلى كونها اقتصاد وسياسية أكثر منها لعبة ورياضة.

نعم، كرة القدم اقتصاد وسياسة. ولأنها كذلك، فلها سوقها الخاص- سوق كروية- وسياستها الخاصة، سياسة كروية. ليس لأنها تدبير يخضع للنظام؛ نظام مزدوج، اقتصادي وسياسي. لها اتحادها الدولي FIFA فيفا، والاتحادات الوطنية باختلاف مشاربها. أو لأن لها نظام اقتصادي، منطق السوق الليبرالي، كمنتوج اقتصادي. بل لأنها أصبحت شأناً عاماً من ناحية، وآلية تنموية للاقتصاد، إنْ لم نقل للمجتمعات والدول، أيضاً.

ويكفي أن ننظر إلى الكيفية التي تقام بها المباريات، والتفاعل معها من طرف الجماهير، أكانت مباريات بين “فرق محلية” أو أخرى “دولية”، قُطرية كانت أم قارية وعالمية، كيف تتحول إلى حرب هويّاتية، بين هويات كروية، بل ثقافية وقومية، إن لم نقل تاريخية. لكي نستشف أننا، لسنا أمام “مجرد لعبة رياضية”. ويكفي أيضاً، أن نشير إلى الأهمية البالغة التي يكتنفها تنظيم المونديال بالنسبة للدول، والصراع القائم بينها للظفر بشرف هذا التنظيم، تنظيم كأس العالم. لكي نبيِّن ونتبيَّن في نهاية التحليل، أنّ كرة القدم لم تغدو مجرد لعبة تنافسية أو رياضة حتى، بقدر ما غدت رياضة اقتصادية لعبة سياسية لها اقتصادها السياسي، إن لم تكن جيو-سياسة.  وفي هذا المضمار كتب بنعبد العالي: «فكما لو أن الكرة «بنية تحتية» لا تكتفي بأن تحدد التراتبات الاجتماعية وترسم العلائق الدولية وتعلي من دول وتحط من أخرى، إنما تذهب حتى أنْ تحدد الهوية وترسم الأوطان. وهي لا تكتفي بأن تفعل في السياحة والاقتصاد، إنما هي التي تحدد اليوم الجغرافية السياسية والعلائق الدولية والولاءات للأوطان، إلى حد أن فرقنا الكروية غدت اليوم هي أوطاننا الجديدة».

لا شك، أنّ للتلفزيون، إحداث قنوات خاصة بكرة القدم بغض النظر عن حضورها في مجمل القنوات التلفزيونية، نقلاً وتحليلاً للمباريات، أو لبث أخبار كروية…، إلخ، ولمنظومة العولمة “عولمة الكرة” هي الأخرى، فضلاً عن الإنترنت والوسائط الإعلامية الجديدة، دوراً مهماً، إنْ لم يكن محرّكاً في إضفاء الطابع الشعبي على “ساحرة الجماهير”، في مجتمع الجماهير، وفي مجتمع الفرجة. كل تلك الشروط بمفعولاتها المتعددة والمنشبكة: جعلت الـ “ساحرة”، “تسحر» الكائن، وتفعل فعلها في الإنسان المعاصر.

تلك الفاعلية، التي هدمت الجدران واخترقت الحدود، واكتسحت المجالات العمومية، منها والخاصة: الخطاب السياسي، الإعلام والإشهار، الأزقة و الشوارع، الساحات، المقاهي، النوادي، أماكن العمل، المنازل، وغرف النوم… وغيرها. تماماً، كما اخترقت الجسد: الوشم، تقليعات الشعر، اللباس، المشي…، إلخ. باختصار، بتلك الفاعلية، صنعت كرة القدم مجالها في الحياة اليومية، إنْ لم نقل أصبح لها يوميّها الخاص، يوميّ كرويّ؛ الحياة اليومية الكرويّة أو بالأحرى كرويّة الحياة اليومية.

وعلى هذا النحو، فإن كرة القدم أضحت خاصية الكائن المعاصر، كائن الفرجة قبل أيّ شيء آخر. إنّ كرة القدم صارت هي الكرة الأرضية عينها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق