مقالات

هل تعدُّ اللّهجاتُ العربيَّةُ القَديمةُ لغاتٍ؟ – جوزف بوشرعه

من المسلّم به عند المؤرّخين أنّ شبه الجزيرةَ العربيّة في مرحلة ما قبل الإسلام كانت بلادًا تمتاز بالتّعدّديّة الدِّينيّة والحضاريّة، هذه التّعدّديّة لم تنقلها لنا المصادر الإسلاميّة القديمة وحدها، بل نجد ذِكرًا لها أيضًا في المصادر اللاّتينيّة واليونانيّة القديمة والقروسطيّة. لكنّ المؤرّخين والباحثين يغفلون ذكر «التّعدّديّة اللّسانيّة» (Linguistic Pluralism)، ما يسقط عنصرًا أساسيًّا من الدّراسات والأبحاث التّاريخيّة الأكاديميّة، وهو العنصر اللّغويّ. فاللّغة هي خزّان الحضارة، وعماد كلّ فكرٍ، سواءٌ أكان ذلك الفكرُ دينيًّا أم فلسفيًّا. وتبعًا للمصادر العربيّة والرّواية التّقليديّة انقسمت العرب قسمين: عرب شمالٍ، وعرب جنوبٍ. تكلّم أهل الشّمال بالعدنانيّة، في حين نطق أهل الجنوب بالقحطانيّة. وعن العدنانيّة تفرّعت لهجاتٌ عدّةٌ اختلفت بين قبيلةٍ وأخرى، خصوصًا أنّ كلَّ قبيلةٍ من القبائل استخدمت لفظة «لغة» لوصف «تنويعتها» (Variety)[1]، أي محكيّتها أو لهجتها أو لغتها…. وبقي الأمر على تلك الحالة حتّى ظهور القرآن بلهجة أهل قريش، فتوحّدت القبائل العربيّة تحت راية الإسلام، ما أدّى إلى اختفاء تلك اللّهجات العربيّة القديمة تدريجيًّا. وفي هذا السّياق تبرز إشكاليّاتٌ حول مسألة دراسة التّنويعات عند العرب القدماء، أوّلها متعلّقٌ بالفرق بين اللّغة واللّهجة، ولعلّها الإشكاليّة الأساس التي تمهّد لإشكاليّتين أخريين: لماذا اعتبر العرب القدامى لهجاتِهم لغاتٍ؟ وهل نستطيع أنْ نعدّ هذه اللّهجات لغاتٍ؟

صعوبة تعريف اللّغة واللّهجة والتّمييز بينهما

«اللّغة كنظام اتّصالٍ … كتلةٌ من الاصطلاحات الضّروريّة التي يتبنّاها المجتمع لتمكين أفراد المجتمع من استخدام القدرة اللُّغويّة»[2]، ويقابلها في المصطلح الأجنبيّ (language) (من اللاّتينيّة (lingua) أي لغة، كلام، تعبير، لهجة[3]). وقد ميّز اللّسانيّ السّويسريّ «دو سوسّور» (F. De Saussure) بين اللّغة كقدرةٍ وملكةٍ وبين اللّغة كوسيلةٍ للتّواصل، حيث دعا الأخيرة «اللّسان» (langue)، فاللّسان هو التّمظهر الفِعليّ لملكة اللّغة ويمثّل البُعد الاجتماعيّ فيها. إذ يضمّ كلُّ لسانٍ خصائصَ مورفولوجيّةً وصوتيّةً وتركيبيّةً… مميّزةً تميّزه عن غيره أو مشتركةً تجمعه مع غيره من الألسن، وتبعًا لهذه الخصائص يتمّ تصنيف الألسن بين «حاميّةٍ _ ساميّةٍ» (Hamito-Semitic)، «هندوأوروبيّةٍ» (Indo-European)، «صينيّة _ تبتيّة» (Sino-Tibetan) وغيرها….

أمّا «اللّهجة» (Dialect) فتجمعُ المعاجم العربيّة القديمة على أنّها لفظةٌ من مترادفاتها اللّسان واللّغة، ويذهب البعض من العلماء إلى تعريف اللّهجة على أنّها اختلافٌ صوتيٌّ ونحويٌّ ومعجميٌّ بين لسانٍ وبين ما اشتقّ منه في منطقةٍ جغرافيّةٍ معيّنةٍ. ولكنْ تبعًا لهذا التّعريف أليست الفرنسيّة والإسبانيّة والبرتغاليّة والكتالونيّة وغيرُها لهجاتٍ لاتينيّةً؟ ألم تُعتبرْ كذلك في مرحلةٍ من التّاريخ؟ هنا لا بدّ لنا من أنْ نقدّم مقولة الألسنيّ الرّوسيّ «ماكس فاينرايخ» (M. Weinreich) «إنّ اللّغةَ لهجةٌ مع جيشٍ وبحريّةٍ».

فقد بقيت اللّغة اللاّتينيّة منذ أيّام الفتح الرّومانيّ مهيمنةً على شعوب بلاد أوروبا الغربيّة من النّاحية: الدّينيّة (لغة الطّقس اللاّتينيّ الكاثوليكيّ، ولغة الإنجيل)، السّياسيّة (ارتبطت اللاّتينيّة بالسلطة الكنسيّة على أنّها لغة رأس العالم الكاثوليكيّ)، والفكريّة (كُتبت الأعمال اللاّهوتيّة والفلسفيّة والعلميّة… في الغرب باللاّتينيّة). وحافظت اللاّتينيّة على مكانتها على الرّغم من اختفاء النّاطقين بها منذ القرون الوسطى، إذ نظر الكتّاب نظرةً دونيّةً للأعمال المكتوبة باللّغات «المحكيّة» (Vernacular) (ومعظم تلك الأعمال كانت أدبيّةً، وتحديدًا شعريّةً). هذه النّظرة الدّونيّة تُعرف في علم «اللّسانيّات الاجتماعيّة» (Sociolinguistics) باسم «المقام اللّسانيّ» (Linguistic prestige)، حيث يُطلقُ حكمٌ شخصيٌّ على «لغةٍ قياسيّةٍ / فصيحةٍ» (Standard language)، أي اللّغة أو اللّهجة المتعارف عليها والمتّخذة مثالاً للاستعمال في مختلف المجالات. هذا الحكم الشّخصيّ قائمٌ على التّفاضل (كالمقام المعطى للعربيّة الفصيحة، إذ توضع الأعمال الأدبيّة المكتوبة بالعربيّة الفصيحة في منزلةٍ أرفع من تلك المكتوبة باللّهجة الخليجيّة مثلاً، ويقال لهذه الأخيرة أدبٌ شعبيٌّ وعامّيّ بقصد التّقليل من شأنها وتمييزها عن الأدب المكتوب بالعربيّة الفصحى والمسمّى أدبًا رفيعًا، حتّى لو كانت مواضيعها المعالجة تأمّلاتٍ فلسفيّةً). وتلعب الأيديولوجيا دورًا أساسًا في هذه العمليّة، فتؤثّر بشكلٍ مباشرٍ على «الإدراك» (Perception).

لكنّ نشوء الوعي القوميّ لتلك الشّعوب الأوروبيّة، ونقد التّمركز الدّينيّ للكثلكة، بالإضافة إلى العامل الجغرافيّ القائم بين روما من جهةٍ وبين شعوب فرنسا، إسبانيا، البرتغال، وغيرها من جهةٍ أخرى وما نتج عنه من هوّةٍ ثقافيّةٍ، كلّها عواملُ ساهمت بانسلاخ تلك اللّهجات وانفرادها كلغاتٍ مستقلّةٍ. وهذا الانسلاخ لم يكن سهلاً، إذ أُعدم حرقًا كلُّ من حاول ترجمة الإنجيل إلى تنويعة شعبه المنطوقة.

هكذا تتّخذ اللّغة واللّهجة أبعادًا جغرافيّةً، اجتماعيّةً، وسياسيّةً. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك اللّغة المقدونيّة، وهي إحدى اللّغات التي تمّ الاعتراف بها حديثًا في البلقان إلى جانب «الصّربيّة» (Serbian) و«الكرواتيّة» (Croatian) و«البوسنيّة» (Bosnian)، وينطقها سكّان دولة «مقدونيا الشّماليّة» (North Macedonia) المعروفة سابقًا بـ«جمهوريّة مقدونيا اليوغوسلافيّة السّابقة» (Former Yugoslav Republic of Macedonia). فاللّغة المقدونيّة هي أقرب إلى اللّهجة البلغاريّة، ولا ترتبط إلاّ اسمًا بمقدونيا القديمة التي تكلّم أهلها باليونانيّة. وعلى هذا الأساس كان تصنيفها لهجةً عند اللّسانيِّين، أضف إلى تلك الأسباب تأخّر سكّان هذه المنطقة في طرح مسألة هويّتهم القوميّة والتّبعات السّياسيّة التي تلت ذلك، إذ لم يتمّ الاعتراف بالمقدونيّة كلغةٍ إلاّ مؤخّرًا نظرًا للخلافات السّياسيّة مع اليونان.[4]

إذن بإمكاننا الجزم أنّ «اللّهجات يجب أنْ تُعرّف كلغاتٍ فرديّةٍ (individual languages) حيث تؤخذ بعين الاعتبار إلى جانب السّمة اللِّسانيّة البحتة تلك الملامح المابعدلسانيّة (extralinguistic aspects) مثل الطّوبوغرافيا (الجبال والأنهر كحدودٍ طبيعيّةٍ)، الطّرق التّجاريّة، والتّمركز السّياسيّ والدّينيّ.»[5] لذا يصعب على المرء التّمييز بين اللّغة واللّهجة. وقد برزت هذه الصّعوبة أيضًا في الرّؤية العربيّة القديمة لمسألة اللّغة-اللّهجة، والتّحوّل الذي طرأ عليها في العصور اللاّحقة، مع ما تبع ذلك من نتائج حدّدت على مدى قرونٍ اتّجاهات فقه اللّغة واللّسانيّات العربيّة.

المنظور العربيّ القديم لمسألة اللّغة-اللّهجة

لا بدّ لنا من العودة إلى السّياق التّاريخيّ لتبيان الوقائع والعوامل التي دفعت بالعرب إلى إلحاق مفهوم اللّغة لا اللّهجة بتنويعة كلّ قبيلةٍ من قبائلهم. فهم لم يميّزوا بين المصطلحينِ، والدّليل على ذلك هي ما ذكرته المعاجم العربيّة القديمة في أنّهما مترادفان. لكنّ الأخبار والأقوال التي سُجِّلت عن تلك المرحلة تعطينا فكرةً ضبابيّةً عن المنظور القديم للتّنويعات، إذ كان يُقال «لُغةُ بني كذا» …، فهل القيمة الدّلاليّة لمصطلح اللّغة، أي اللّغة القياسيّة الفصحى، هي التي سادت بين القبائل العربيّة ورؤية كلّ واحدةٍ منها لتنويعتها؟ للإجابة على هذا السّؤال سأكتفي بالتّطرّق إلى العامل السّياسيّ الاجتماعيّ والعامل اللّسانيّ في تحديدهما لرؤية العرب القدامى للمسألة المطروحة.

  1. الواقع السّياسيّ الاجتماعيّ

إنّ العرب في عصر ما قبل الإسلام لم يشكّلوا أمّةً موحّدةً تجمعها ثقافةٌ واضحةُ المعالم، بل كانوا قبائلَ متفرِّقةً في شبه الجزيرة العربيّة تتّبع نظامًا قبليًّا متشدِّدًا سمّاه ابن خلدون «العصبيّة». هذه العصبيّة قد منعت العرب من تأسيس أمّةٍ أو تشكيل دولةٍ، فالعشيرة أو القبيلة «وحدةٌ اجتماعيّةٌ قائمةٌ بذاتها تذود عن حوضها مطلقةُ الحرّيّة»[6]. وإنّ التّعصّب للقبيلة ولزعيمها أنهك العرب بالحروب القبَليّة المعروفة بــ «أيّام العرب»، وأسقط فكرة إنشاء أمّةٍ.

هذا ما يدفعنا إلى تقديم مفهوم «الدّولة-القبيلة» (Tribe-State) المشابه للنّظام الإغريقيّ القديم «الدولة-المدينة» (City-State)، حيث كانت كلّ قبيلةٍ بمنزلة دولةٍ لها قائدُها وسيادتُها وهويّتُها ولغتُها. فالعنصر اللّغويّ لم يَعُدْ فقط سمةً لغويّةً تدلّ على مجتمعاتٍ قبليّةٍ متنوّعةٍ، بل أصبح ركنًا أساسًا في تحديد الهويّة، أي هويّةِ كلّ قبيلةٍ. فما هي الخصائص اللّسانيّة التي ميّزت تنويعةَ قبيلةٍ عن أخرى؟

2. الواقع اللّسانيّ

في عرضي لهذا «التّنويع اللّغويّ» (Language variation) سأكتفي بذكر أمثلةٍ عن الخاصّيّة الصوتيّة (Phonetic) والخاصّيّة الصّرفيّة (Morphological). وعن الأولى نجد عند الثّعالبيّ في كتاب «فقه اللُّغة وسرِّ العربيّة» ذكرًا للبعض منها في «فصل في حكاية العوارضِ التي تعرض لألسنة العرب»، فيقول:

«الكَشْكَشَةُ: تَعرض في لغة تميم، كقولهم في خطاب المؤنّث: ما الذي جاء بشي؟ يريدون: بِكِ. وقرأ بعضُهم: “قَدْ جَعّلَ ريُّشِ تَحْتَشِ سَرِيًّا”. لقوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.

الكَسْكَسَةُ: تَعرض في لغة بكر، في خطاب المؤنّث، كقولهم: أبوسِ وأُمُّسِ، يريدون: أبوكِ، وأمُّكِ.

العَنْعَنَةُ: تَعرض في لغة تميم، [وهي إبدالهم العين من الهمزة] كقولهم: ظننت عَنَّكَ ذاهبٌ، أي أنَّك ذاهبٌ وهذا كما قال ذو الرُّمّة:

أعَـنْ تَـوَسَّـمْـتَ مِـنْ غَـرْقـاء مَـنْـزِلَـةً

مـاءُ الصَّـبـابَـةِ مِـنْ عَـيْـنَـيْـكَ مَـسْـجُـومُ

اللّخْلَخانِيَّةُ: تَعرض في لغات أعرابِ الشّحر وعُمّان، كقولهم: مَشَا اللهُ كان، يريدون: ما شاءَ اللهُ كانَ. الطُّمْطُمانِيَّةُ: تَعرض في لغة حِمْير، كقولهم: طابَ امْهَواء. يريدون: طاب الهواء.»[7]

وهنا لا بدّ من التّعليق على نصّ الثّعالبيّ، فبعض الشّواهد الصّوتيّة المعطاة لا تعبّر فقط عن اقتصادٍ لغويّ قائمٍ على «مبدأ الجهد الأدنى» (principle of least effort)؛ مثلاً سماء / سما (كما في تنويعة أعراب الشّحر وعمّان)، بل تختلف بعض أصوات التنويعات اختلافًا جذريًّا عن أصوات نظرائها، فلا يشترك الصّوت في المخرجِ عينِه، كما في تنويعة قبيلة بكر:

شكل الحرف الصّوت المخرج الصّوتيّ
س /S/ احتكاكيّ، لثويّ، صافر، مهموس
ك /K/ انسداديّ، طبقيّ، مهموس

 

أمّا من النّاحية الصّرفيّة، فنعثر في مسألة تصريف المثنّى على اختلافٍ واضحٍ بين تنويعات القبائل العربيّة. تتّجه معظم التّنويعات، ومن ضمنها تنويعة قريش، إلى تصريف المثنّى بزيادة ألف ونون على آخره في حالة الرّفع، وياء ونون في حالتي النّصب والجرّ. في حين نعثر عند تنويعات القبائل تصريفًا مغايرًا للمثنّى: ألفٌ ونونٌ في الرّفع، والنّصب، والجرّ. وتاليًا يتحوّل المثنّى من معربٍ إلى اسمٍ مبنيّ.

الحالة الأعرابيّة في تنويعة قريش وغيرها في تنويعة بلحارث وغيرها
الرّفع وَصَلَ الصّيّادانِ وَصَلَ الصّيّادانِ
النّصب لَمَحْتُ الصّيّادَيْنِ لَمَحْتُ الصّيّادانِ
الجرّ وقفتُ بين الصّيّادَيْنِ وقفتُ بين الصّيّادانِ

إذن إنّ المنظور القديم رأى أنّ العرب تكلّمت لغاتٍ منفصلةً، وما عزّز ذلك المنظور بشكلٍ أساسٍ هو البعد السّياسيّ والاجتماعيّ في عصر ما قبل الإسلام، والاستقلال التي تمتّعت به كلّ قبيلةٍ عن الأخرى. أضف إلى ذلك البعد اللّسانيّ الخالص، وما حمله من خصائصَ صوتيّةٍ، صرفيّةٍ… وغيرهما. فكيف تبدّل ذلك المنظور؟ وما تبعات تبدّله؟

التّحوّل في المنظور العربيّ القديم ونتائجه

تبدّل هذا المنظور مع ظهور الإسلام، الذي أرسى دعائمَ جديدةً، ووضع مفاهيمَ سياسيّةً ثورويّةً للقبائل العربيّة آنذاك. فظهور القرآن مكتوبًا بتنويعة قريش، وربط تلك التّنويعة بالمقدّس الدّينيّ، أوجد عمليّة «تقييس» (standardization)، أي جعل تنويعة قريش المقياس والأساس لصياغة وكتابة التّنويعات العربيّة الأخرى. وعلى هذا الأساس فَصَل النّحاة بين الخطأ والصّواب في اللّغة والكلام، وما كان لغةً عربيّةً بات اللّغة العربيّة. كان لهذا التّحوّل تداعياتٍ عدّةً لا يزال أثرها واضحًا في الدّراسات اللّسانيّة العربيّة منذ أنْ نشأت في العصر الإسلاميّ، ونذكر منها اثنينِ: نشوء ظاهرة الازدواجيّة اللّسانيّة (Diglossia) مع ما يتبعها أي المقام اللّسانيّ، وانتفاخ المعجم العربيّ (Arabic Lexicon).

  1. نشوء ظاهرة الازدواجيّة اللّسانيّة (Diglossia)

تمتاز اللّغات القياسيّة، المعياريّة، أو الفصيحة بأنّها القياس لصياغة صحيح الكلام، فيصبح كلّ تركيبٍ ونطقٍ مغايرين عن تركيبها ونطقها محكيّاتٍ يُنظر إليها نظرةً دونيّةً. هكذا تنشأ ظاهرة الازدواجيّة اللّسانيّة، حيث تتعايش تنويعةٌ معياريّةٌ مع تنويعةٍ أخرى (ومعظم هذه التّنويعات تكون محكيّاتٍ، وتمتاز بطبيعتها المتطوّرة والمتغيّرة، خلافًا للّغة المعياريّة التي تنفرد بالثّبات والمحافظة). لذا وضع العربيّ تنويعة قريش في مقامٍ أرفع وأعلى من تنويعة قبيلته، فأدّى صلاته بها، وبها ألّف الكتب، ولها وَضَعَ النّحوَ…، في حين تكلّم مع أهله بتنويعتهم، وربّما أنشد شعرًا بهذه التّنويعة أيضًا، لكنّ المقام الرّسميّ كان دائمًا لتنويعة قريش.

ومن الأمثلة الحديثة على ذلك هي ما حصل في اليونان حيث قام علماء اللّغة اليونانيّون بوضع لغةٍ يونانيّةٍ نقيّةٍ تقرب من اليونانيّة القديمة وتتخلّص من الألفاظ الغريبة (وبمعظمها ألفاظٌ تركيّةٌ)، هذه التّنويعة عُرفت باللّغة النّقيّة «Katharevousa»، في حين نطق اليونانيّون بلغة الشّعب «Dimotiki». ونالت اللّغة النّقيّة مقامًا لسانيًّا بوصفها اللّغة القوميّة للمجتمعات اليونانيّة، ولكن «بعد مدّةٍ من الانحطاط أعاد مكانتها الرّسميّة في الدّولة انقلابٌ عسكريٌّ محافظٌ حَكَمَ اليونان من 1968 إلى 1974، لكنّ اللّغة النّقيّة فقدت هذه المكانة بعد سقوط الحكم العسكريّ وصعود حكومةٍ أكثر ديمقراطيّةً وتقدّميّةً.»[8]

لقد قامت الازدواجيّة اللّسانيّة عند العرب القدامى على تقييس تنويعة قريش، وهذه الواقعة ستطرح إشكاليّةً جديدةً: هل العرب عرفت ثنائيّةً لسانيّةً «Bilingualism» (أو ثلاثيّةً لسانيّةً أو أكثر) قبل عمليّة التّقييس؟

2. انتفاخ المعجم العربيّ

إنّ تقييس تنويعة قريش واعتبار التّنويعات الأخرى لهجاتٍ لها أدّى إلى جمع مسمّيات الموجودات تحت ظاهرة المشترك اللّغويّ (Synonym) أو التّرادف. والواقع أنّ هذه الظّاهرة موجودةٌ في كلّ الألسن، لها أسبابها وعواملها، لكنّ الغريب فيما يخصّ التّرادف في العربيّة هو وجود هذا العدد الهائل من المترادفات للموجود الواحد، فنعثر على ستّة آلاف لفظةٍ للجمل، وحوالي ألف لفظةٍ للسّيف. لا يمكن إنكار الحاجة الطّبيعة التي تفرضها الجغرافيا على اللّسان، حيث تتعدّد الأسماء لوصف الأشياء المهمّة في حياة متكلّم لغةٍ معيّنةٍ – النّاقة خير مثالٍ على ذلك – لكنّ بلوغ عدد الأسماء إلى ما يفوق خمسمئة لفظةٍ أمرٌ يثير الدّهشة والغرابة والشّكّ. وإذا قارنّا هذه الظّاهرة بالواقع اللّسانيّ في عصر ما قبل الإسلام لكانت أقلّ دهشةً وغرابةً، أي إذا أخذنا بعين الاعتبار مسألة التّنويع لَتقلَّصَ هذا لعدد بشكلٍ كبيرٍ.

وهذا ما أوقع الدّارسين في فخّ الالتباس بين ما اعتُبِرَ اللّفظة الواحدة وما عُدَّ من مترادفاتها الكثيرة، وزاد من حجم المعجم العربيّ بحجّة التّرادف. فقد راح العلماء العرب في العصر العبّاسيّ يطوفون البادية ويجمعون ما يُجمع من ألفاظ القبائل العربيّة كلِّها، ونجد الفيروزأباديّ يُفرد كتبًا خاصّةً بالمترادفات حيث يُحصي في إحداها أسماء الخمر[9] (الخندريس، الأحمر، الأدماء…). «وكما سار هؤلاء المؤلّفون في جمعهم اللّغة على نظريّة وحدة اللّغة، ساروا في تسجيلهم للنّوادر على نظريّة وحدة اللّغة – أيضًا – بقطع النّظر عن اختلاف القبائل العربيّة.»[10]

خاتمة

إذن للإجابة عن سؤال «هل تُعدُّ اللّهجات العربيّة القديمة لغات؟» نقول بأنّ ما صُنِّف لهجاتٍ عربيّةً هو في سياقها التّاريخيّ لغاتٌ توافرت فيها العناصر اللّسانيّة وما بعد اللّسانيّة كي تستقلّ كألسنةٍ لها خصائصُها وخصوصيّاتُها. هذه الوقائع الموضوعيّة اختلفت مع ظهور الإسلام ومع بروز الحاجة السّياسيّة لتوحيد القبائل العربيّة تحت لسانٍ موحّدٍ، ما أدّى إلى تغيير المنظور العربيّ القديم للتّنويعات العربيّة، خصوصًا أنّ مرحلة التّدوين وتأريخ تلك الظّواهر اللّسانيّة برزت متأخّرةً (أي بعد انتصار العقيدة والأيديولوجيا الإسلاميّة سياسيًّا واجتماعيًّا).

إنّ الدّراسة اللّسانيّة للّغات العربيّة القديمة أمرٌ أساسيٌّ لفهم الواقع الاجتماعيّ والثّقافيّ للشّعوب العربيّة القديمة، وتتبّع «التّغيير اللّغويّ» (language change) الذي طرأ على تلك اللّغات يساهم في ربط تلك الشّعوب في سياقها التاريخيّ مع الشّعوب السّاميّة الأخرى، ومنها الشّعب الأراميّ السّريانيّ. إذ نعثر وراء البنى اللّسانيّة بنى حضاريّةٍ لا تزال تخاطبنا من خلال الشّذرات التي وصلتنا منها، تلك الشّذرات المنثورة في الكتب التّراثيّة العربيّة. لذلك، إذا كانت الكلمة «كاشفةَ النّفس» (Proditor animi)، بحسب «ألكوينوس» (Alcuinus)، فإنّ اللّغة كاشفة الثّقافة (Proditor culturae).

 

 


[1]  سأستخدم مصطلح «تنويعة» العلميّ للإشارة إلى كلام العرب القدامى، لأنّ مصطلحي لهجة ولغة يحملان حكمًا ضمنيًّا، وهذا أمرٌ لا يجوز في الدّراسات الأكاديميّة.

[2]  كوبلي، بول، دليل رواتليدج لعلم السِّيمياء واللّغويّات، ترجمة هبة شندب، المنظّمة العربيّة للتّرجمة: بيروت _ لبنان، ط1، آب 2016، ص 404.

[3] Gaffiot, Félix, Dictionnaire abrégé Latin Français, Hachette: Paris _ France, pas de date.

[4] Shea, John, Macedonia and Greece the struggle to define a new Balkan nation, McFarland: NC _ US, first edition, 1997, p 192 – 210.

[5] Bussmann, Hadumod, Routledge dictionary of language and linguistics, translated by Gregory Trauth and Kerstin Kazzazi, Routledge: London, 1st edition, 1996, p 307.

 

[6]  حتّي، فيليب، تاريخ العرب، ترجمة إدورد جرجي وجبرائيل جبّور، دار الكشاف للنّشر والطّباعة والتّوزيع: بيروت _ لبنان، ط 13، 2009، ص 57.

[7]  الثّعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمّد بن إسماعيل، فقهُ اللُّغة وسرُّ العربيّة، تحقيق جمال طلبة، دار الكتب العلميّة: بيروت _ لبنان، ط 4، 2008، ص 145 _ 146.

[8] Hock, Hans Heinrich, Joseph, Brian D., Language history, language change, and language relationship, an introduction to historical and comparative linguistics, Mouton De Gruyter: Berlin, 2nd edition, 2009, p 326.

[9]  الفيروزأباديّ، محمّد بن يعقوب، الجليس الأنيس في تحريم الخندريس، تحقيق لطفي محمود منصور، دار الفكر ناشرون: الأردن، ط 1، 2010.

[10]  أبو مسحل الأعرابيُّ، عبد الوهّاب بن حَرِيش، كتاب النّوادر، تحقيق محمّد عثمان، مراجعة إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلميّة: بيروت _ لبنان، ط1، 2011، ص 6.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق