مقالات

الاختلاف والتفكيك على هوامش الكتابة والكلام (جاك دريدا أنموذجًا) – الحسين أخدوش

كان الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (Jaques Derrida) ينظر إلى عبارة “الاختلاف” لا على أنّها تصوّر ما، أو مفهوم معيّن، وإنّما باعتبارها سلسلة من الحروف التي من الممكن أن يُنظر إلى كل حرف واحد منها بمعزل عن باقي الحروف الأخرى. وهكذا، من الممكن مثلًا أن يصبح الحرف «E»، بموجب هذا القلب، في لفظة «Différence» (اختلاف) حرف «A» في لفظة «Différance» المقابلة. إنّ هذا ما من شأنه أن يسمح باستحضار الدلالات الأخرى المخالفة للمعنى الأوّل من اللفظة السابقة (Différence)، فتكون الدلالة الجديدة لعبارة «Différance» منطوية على الإرجاء والخلاف والإخلاف معا. إنّ تفكيك اللفظة الأولى وفقا لهذه الطريقة في التأويل لهو عملية خلخلة وتصدّع للمعنى الأحادي المزعوم في الكلمات، بالانطلاق من كلّ ما من شأنه أن يشتّت ويقوّض بالآثار «Les traces» العالقة بهذا المعنى المزعوم. ولعلّ أوّل ما تقوّضه هذه الخلخلة النقدية هو الادعاء القائل بمركزية الوظيفة التعبيرية للغة، والبيّن أنّ هذا الزعم مجرد فرض مسبق لا يقدر على الصمود أثناء تفكيك التصور اللساني للعلامة اللغوية كما أسّس له دوسوسير.

يترك هذا الفعل التفكيكي الاستعانة بالمناهج التقليدية اللسانية والمنطقية، ويتعمّد ربط علاقات مختلفة مع النصوص لا على أساس كونها تمثلًا فكريًا وعقلانيًا، أو تصوّرات ومفاهيم تحتوي مضامين وأفكار محدّدة، وإنّما من خلال صرف النظر إلى الآثار الهامشية التي قد تصاحب تلك النصوص وتتعلّق بها دون أن تحوز مركز الصدارة بفعل عملية تهميش ميتافيزيقي مقصود أو غير مقصود. وأساس هذه العملية النقدية هو الدخول رأسًا في علاقات مختلفة وجديدة مع النصوص، تقوم على الإرجاء وتفكيك العلامة البارزة والكلمة الواحدة إلى سلسلة من الكلمات الأخرى، فيكون مقتضى النظر فيها على ما بينها من علاقات التوزيع والترابط والتسلسل والتباين لترك المجال للهوامش تبرز وتطفوا على سطح تلك النصوص. إنّ هذه الإستراتيجية الجديدة في التفكير هي ما يجعلنا بحقّ ندخل في أكثر من علاقة دلالية مع الكلمة الواحدة.

والواقع أنّ غرضه الأساسي من هذه العملية التفكيكية هو أن يمكّن تقويض هذه الخلخلة القدرة على مَحْو تلك الآثار العالقة بالمعنى الأوّل المزعوم للكلمة أو العلامة بعد إبرازها وكشفها. ولذلك، أصبح تفكيك الآثار العالقة بالعبارات والعلامات اللسانية وغير اللسانية ممارسة تفكيكية لعملية تخصيب مستمرة للكلمات والنصوص، ومن ثمّ إبراز الاختلافات التي تقبع فيها ورفع الحجب عن الهوامش التي توجد بداخلها. بمقتضى هذه الممارسة النقدية، تغدوا الاختلافات الثانوية في البنية الداخلية للنصوص استراتيجية فعّالة لتوزيع الدلالة المزعومة وتشتيتها. وفي هذه الحالة لا تعد لفظة “الاختلاف” تصوّرًا كما قد يمكن أن يفهم للوهلة الأولى من منطلق تمثّلي للغة، ولا هي بمفهوم خاص بدريدا، وإنّما هي مجرّد علامة مفتوحة الدلالة، يمكن تأويلها باستمرار حسب تغيّر النصوص ممّا يجعلها غير قابلة للترجمة إطلاقًا.

تقوّض هذه التفكيكيات الرافضة لوحدة الدلالة وثبات المعنى منظورات فلسفية تقليدية تبحث طرق قراءة وتأويل النصوص من منطلقات عقلانية وتمثلية مثل تلك التي كرّستها فلسفات الوعي واللسانيات القائمة على دعائم المنهج العقلاني. ورفضًا منه لهذه التوجّهات العقلانية التقليدية في التعامل مع النصوص، هاجم دريدا الشديد مقولة شفافية اللغة والكلام من خلال تقويضه لمركزية الصوت التي تشكّل تجليًا واضحًا لاستحكام ميتافيزيقا الحضور التي تحتقر الكتابة وتمجّد الكلام في صورته الشفويّة. أفرزت هذه المركزية الصوتية إقصاء مستمرّا للكتابة واحتقارًا دائمًا لها، حتى غدت ثانوية مقارنة بالكلام الشفهي (L’écriture et la différence).[1] وقد لازم هذا الإقصاء للكتابة تاريخ الثقافة الغربية منذ سقراط (في محاورة فيدر) مرورا بروسو (في أصل اللغات) وانتهاء بدوسوسير (في أبحاثه حول اللغة واللسانيات)، ولم يفعل المعاصرون بدورهم غير استعادته وتعزيزه أكثر فأكثر. وكانت الكتابة طيلة هذا التاريخ مجرّد ملحقة مكمّلة للصوت، بحيث أنيط بها أن تعلب دوًرا هامشيًا من حيث هي تمثّل درجة أدنى في تمثيل المعنى، مقابل الكلام الشفهي الذي يجسّد الحضور الدائم والاتصالي للحدث وللمتكلّم والسامع والقصد في آن واحد.

خلافا للتصوّرات النظرية التمثّلية والميتافيزيقية التي تصدر عنها نزعة مركزية الصوت (Phonocentrisme)، تَعْتبر الممارسة التفكيكية الكتابة أصلاً لغة وليس الكلام كما يزعم التقليد اللساني عادة. لقد كانت الكتابة منذ البدء حسب دريدا ولم يكن الكلام كما تزعم النظرية الكلاسيكية للغة. وهذا ما كشفت عنه تصريحاته في مؤلفه “النحويات” (De la grammatologie) حين بيّن أنّ “اشتقاق الكتابة المزعوم من الكلام، ومهما كان حقيقيًا، لم يكن ممكنًا إلاّ بشرط أساسي هو: أنّ اللغة الأصلية الطبيعية (..) لم توجد بتاتًا أو قل لم تمسّها الكتابة ولم تلمسها، وإنّما كانت على الدوام كتابة في حد ذاتها(..) فهي الكتابة الأم، تلك التي نريد أن نبيّن ضرورتها هنا ونحدّد مفهومها الجديد، والتي نستمر في إطلاق اسم الكتابة عليها لأنّها تتّصل أساسًا بالمفهوم البسيط للكتابة. إنّ هذا المفهوم البسيط لم يتسنّ له أن يفرض نفسه تاريخيًا إلاّ بإخفاء الكتابة الأم، وبالرغبة في كلام يقصي كلامًا غيره، أي يقصي نظيره، ويعمل على تقليص اختلافه.”[2]

كشف دريدا في هذا التصريح عن الدعوى الفلسفية المؤسّسة لموقفه ككل من مركزية الكلام، تزعم هذه الدعوى منظورًا جديدًا لبحث مسألة اللغة وذلك انطلاقًا من اعتبار الكتابة أصل اللغة حتى قبل أن تتحقّق في الخطاب الشفهي. انتقد من خلال هذه الدعوى منظور الفلاسفة التقليديين القائم على مركزية الصوت وأولوية الكلام على المكتوب، وجعل الكتابة، على خلاف مألوف التصوّر التقليدي، ذات أولوية في كلّ عملية تأويلية أو قراءة أو تفكيك. إنّ الكتابة لم تعد طفيلية كما صوّر التقليد الميتافيزيقي، ولا هي قشرة أو غلاف أو مجرّد لباس للكلام كما كرّس ذلك التصوّر الأفلاطوني المسيحي للمسألة في الثقافة الغربية، وإنّما هي أصل ومفصل الكلام نفسه. إنّها ليست حضورًا مسبقًا للمعنى، ولا تخزينًا أو تسجيلًا للألفاظ، وإنّما هي معرفة أنّ ما لم ينتج من علامات ليس له مأوى آخر غير الحرف؛ بالتالي على المعنى المزعوم فيما يُقال أو يُكتب أن يخلخل وقوّض بالتفكيك حتى يصبح ما يكون باختلافه. إنّ الكتابة هنا ليست مأوى الصوت أو جسدًا له، بل هي مجرّد رسم في سطح يخلق المعنى بإيداعه في نقش نسعى إلى أن يكون قابلاً للإيصال إلى ما لا نهاية.

لقد استدعى منه إثبات أولوية الكتابة هذه أن سلك مسلكًا مختلفًا عن المعاصرين له من المفكرّين والفلاسفة المهتمّين بالترجمة ونقد النصوص وتأويلها، فأقام أنموذجًا نقديًا جديدًا مختلفًا عن كلّ ما سبق، نموذج ينطلق من اعتبار اللغة خطابًا مكتوبًا لا شفهيًا وكلاميًا. والكتابة في هذا الأفق الجديد الذي وضعها فيه دريدا ظاهرة ثانوية مقارنة بالكلام، كما أنّها ليس مجرد نسخًا للخطاب الشفهي أو صورًا تمثيلية له، ولا هي ترجمة للأصوات وكفى؛ بل هي لغة مكتوبة تسبق الكلام نفسه، من حيث كونها أشكالاً وحروفًا مكتوبة ترتسم فيها الآثار ويحضر فيها الاخـ(ت)ـلاف. الكتابة بهذا المعنى إذاً تتجاوز ما نفهمه من اللغة عادة، إنّها تعني في استخدامها الجديد: العلامة وما وراءها، الدال وما وراء، الفكر والتفكير، الوعي واللاوعي، الحضور والغياب.

إنّ الكتابة لدى دريدا ظاهرة أوسع من أن يحيط بها مفهوم معيّن، وبالتالي تتجاوز النسق التصوري الكلاسيكي الذي أسّس من خلاله دوسوسير لازدواجية العلامة اللسانية (دال / مدلول). فليس في الكتابة حضورًا مسبقًا للمعنى ولا إبلاغًا عنه، بل على خلاف ذلك تعني خلق دائم لهذا المعنى عبر صياغته المستمرة حين إيداعه الحروف والنقوش والرسوم على سطوح معيّنة، ليبقى بذلك قابلاً للإيصال الدائم إلى ما لا نهاية. انطلاقًا من هذا التعويم الفلسفي للغة، باعتبارها كتابة، ينتقل بنا دريدا إلى القول بوجود الاختلافات بين المعاني والدلالات إلى حدّ تعذّر المعنى داخل النص والخطاب الواحد. أمّا السبب في استحالة المعنى القارّ الثابت هذا، فإنّما يعود إلى هدم المنظور الدلالي اللساني التمثّلي للعلامات اللسانية كما صاغه اللساني دوسوسير لغرض رفض أسبقية الكلام على الكتابة. ولقد جعل دريدا عكس هذا التصور ممكنًا بتأسيس فلسفة للاختلاف تسمح باعتبار اللغة من حيث هي كتابة لعبة ومتاهة أكثر منها دلالة ومعنى يتداول وينقل ويعبّر عنه.

الظاهر ممّا سبق أنّ الكتابة في ظلّ فلسفة الاختلاف هذه، لهي استراتيجية نقدية لتفكيك ميتافيزيقا الحضور القاضية باعتبار اللغة مقولات وقوالب للتفكير العقلي. ويستتبع تقويض مركزية الصوت والكلام في هذه الفلسفة الاختلافية تقويض مركزية العقل من حيث هو لوغوس الكلام المشحون بالصوت وبالدلالات والإشارات العقلية والتمثّلية المشبعة بميتافيزيقا الحضور.[3] إنّه لا يمكن للكتابة هنا أن تكون مفهومًا أو موضوعًا لممارسة منهجيّة محدّدة، كما أنّها لا يمكن أن تعرف كموضوع للدراسة المنهجية، بالتالي فالنحويات، أو ما يمكن إنّ يسمّى أيضا بعلم الكتابة، لن يكون علمًا إطلاقًا بالمعنى التقليدي الذي نعرف به العلم. ولكن خلافًا لذلك، الكتابة هنا لعبة تدمير إمكان قيام أي نسق تصوّري للدال والمدلول للعلامات، إنّها لعبة تأويل لانهائي للعلامة حدّ تقويضها وخلخلتها.

 

 


[1] Derrida. (J): L’écriture et la différence ; éd du seuil, Paris, 1967,pp 166-167.

[2] Derrida. (J): De la grammatologie; éd minuit, Paris  1967, pp 82-83

[3] Derrida. (J): La dissémination ; éd du seuil, Paris, 1972, pp226-227.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق