مراجعات

قراءة مسرحية «الأيام الجميلة في أرانخويث» لبيتر هاندكه – سعيد بوكرامي

 كاتب المسرحية بيتر هاندكه Peter Handke حصل مؤخرًا على نوبل للأداب 2019

 

يكفي أن نتذكر مسرحيات الكاتب النمساوي بيتر هاندكه العظيمة التي أخرجها كلود ريجي وقامت ببطولتها جان مورو وجيرار ديبارديو ومايكل لونسدال. هذا وحده سيرسخ تصورنا بأننا أمام كاتب بارع وعميق يستحق نوبل منذ زمن بعيد. رواياته المنفلتة من سياق السرد الأوروبي تعد تحفًا أدبية، ونذكر منها الشقاء العادي والمرأة العسراء وخوف حارس المرمى…ما لا يعرفه الكثيرون أن بيتر هاندكه كاتب مسرحي من عيارٍ ثقيل.. مسرحياته الفاتنة لا تقل كثافة وملحمية عن رواياته العديدة. اليوم وبمناسبة فوزه بجائزة نوبل المستحقة، نقدم قراءة لأروع مسرحياته وأجملها: ” الأيام الجميلة في أرانخويث”[1][2].

كتب بيترهاندكه المسرحية مباشرة باللغة الفرنسية، وهي تركز على حوار مؤثر للغاية عن الحب، بطريقة كلاسيكية يمكن أن ترتد إلى عهد أفلاطون. امرأة ورجل متواطئان في الألفة الطويلة التي تسمح لهما، على الأرجح، خلال ليلة صيفية جميلة، بأن يتحدثا عن الحب. كما في المرة الأولى، يتقاسمان الذكريات السعيدة أو الحزينة داخل حديقة كما الحديقة الأولى “الفردوس” أو اللقاء الأول. يتحدثان وكأنهما يريدان أن يتذكرا كل ما في الحب من جليل أو تافه، من صعوبة في بعض الأحيان، يمجدان نفسيهما إلى درجة سامية، تنير بضوء ملائكي. أو يخطّئان نفسيهما إلى درجة التحقير. ومن خلال هذه الذكريات تختلط، كما هو الحال دائمًا في كتابة هاندكه، وتمتزج الأوصاف التي تشهد باهتمام استثنائي بالعالم، والطبيعة، وأثارها العزيزة المنال التي هي جزء لا يتجزأ من أسرار الحب التي يحاول الرجل والمرأة تفكيك شيفرته.

قدمت المسرحية لأول مرة بمهرجان فيينا للمسرح في الفترة ما بين 15  مايو – 7 يونيو، 2012، وقام بإخراجها  لوك بوندي[3]، وقامت بدور المرأة الفنانة دويرتي ليسفسكي، وبدور الرجل الفنان ينس هارزر .

.2

كان منتظَرًا أن يقوم المخرج الفرنسي لوك بوندي بعمل جديد ومختلف بعد توليه إدارة مسرح أوديون الأوروبي. بحيث أنه قدم مسرحية “الأيام الجميلة في أرانخويث” في عرض أول وافتتاحي للمسرح. كان رهانًا كبيرًا وطموحًا أكبر خصوصًا وأن مسرحية بيتر هاندكه ذات مستوى عال جماليا ودلاليًا. كما أن العودة إلى تقديم مسرحيات هاندكه كان مغامرة أيضًا بسبب منع عرض مسرحياته على المسارح الفرنسية منذ 2007 بعد موقفه خلال مشاركته في مأتم الديكتاتور ميلوسيفيتش. بالإضافة إلى ما قد يتعرض لوك بوندي من خطر الجدل الذي يثار حول المؤلف.

ليس من الضروري أن يكون لمسرحية “الأيام الجميلة في أرانخويث”  دوي إعلامي، لكن يجب أن يُقطّر رحيقها الفني بمهارة تصادق النصّ وتتحداه، توافق التقاليد المسرحية وتتجاوزها بجذرية. فوق خشبه شبه فارغة نرى ممثلين: رجل وامرأة، يتحاوران داخل فضاء هو المسرح نفسه، ديكور خال من البهرجة، وحشد الممثلين، خالٍ من الضجيج والإثارة الغريزية والأصوات العالية. خال أيضًا من أحداث مهمة.  هناك فقط هذان الممثلان اللذان لا نعرف عنهما أي شيء. من أين جاءا أو إلى أين سيذهبان؟ ماهي العلاقة الغامضة والملتبسة التي تجمعهما؟

لا تخضع المسرحية إلى أي تصنيفٍ أو انتماء فني، فهي تكتسب مكانتها العالمية بقصتها الإنسانية، وأفكارها العميقة، ومشاعرها الفياضة، دون تحيز لأفكار جاهزة.

تدريجيًا تتطور إلى نوع من المنزلة بين المنزلتين بين المكان والزمان الملتحمين بحياتهما، يتحقق في هذا الفضاء بمناظره الخلابة الرائعة، (أشرفت على سينوغرافيته زوجة بيتر هاندكه أمينة هاندكه). وكما هو الحال دائمًا مع لوك بوندي، فإننا نفاجأ دائمًا بميله الجمالي الرفيع إلى إشراك المشاهد في الإحساس بالجمال والكمال: الألوان المتناسقة، للمواد والعناصر. حركة الأجساد داخل الفضاء. وكذا بانتباهه الشديد إلى الرؤية التشكيلية للخشبة، بأناقة وشاعرية تنبض بحرارة المشاعر الإنسانية. “الأيام الجميلة في أرانخويث ” هي وليمة للعيون والآذان، ومتعة للحواس.  نريد أن نتذكر كل جملة، تذوق كل جزء من المشاهد، القبض على جميع الخفايا، وكل ما هو خارج عن الإدراك منخرطين بقوة داخل الحوار الدائر بين المرأة والرجل، نتقدم أكثر فأكثر للإصغاء لكل نفَس وكل رغبة. بعيدًا عن نمطية اللغة، وشيفرات التواصل المتداولة. نعلم أن لغة هاندكه هي مزيج من قسوة وتعقيدات وبساطة وخفة الحياة، ونسيج من حتميات الحياة وتابوهاتها. يتحدث بها ممثلان بارعان داخل لوحات فائقة الدقة والاشراق وبإمكانات دلالية منفتحة على أقانيم إبداعية كثيرة: شيلر، تشيخوف، تينيسي ويليامز وغيرهم.

يقف الممثل ينس هارزر والممثلة دورتي ليسيفسكي في هذا الزمن الثابت، دون أن يعلم أحد ما الرابطة التي تجمعهما، يدخلان في لعبة غريبة، لكن لها قواعدها الخاصة. قدر محتم أم اقتراف مقصود؟ يواصل الانخراط في اكتشاف الماضي وكأنهما يعرفان بعضهما لأول مرة. يغمرهما فيض العالم وارتجافاته، فيواصلان الاختراق مدركين فجأة أنهما قادران على الاحساس بالطيور فوق الأشجار، بدبيب اليعسوب، بالماء في البحيرات، وبالنظرات التي تمر مشعة، فنطفئُها بالخوف والتردد والتأويل.

.3

نجد في هذه المسرحية تجربة بيتر هاندكه في الكتابة والحياة كاملة، ثنائية الضوء والظل، ومسألة كيفية أن نكون في عالم مصطنع، اجتاح الكائنات والأشياء بضجيجه ويبابه. وماذا يمكن أن نجد من شغفٍ وطاقة وأمل بالحب، والجمال، في مثل هذا الكون المعتم. هل الخوف والقلق من المستقبل من يدفع الانسان إلى خلق أعدائه؟ وهل الصراع بين الجنسين صورة شوهاء عن عجزهما عن إدراك الحقيقة؟ أم نتيجة عن تفوق الطبيعة وتحدياتها الخارقة والملزمة؟

يحيل عنوان مسرحية “الأيام الجميلة في أرانخويث” على عنوان قطعة الشطر الأول من قصيدة شيللر ” الدون كارلوس:

“مضت الأيام الجميلة في أرانخويث ”

يستدعي بيتر هاندكه فكرة الفردوس المفقود. هذا الشعور بالفقدان الأبدي يطوره بيتر هاندكه في مشهد التفاحة التي تدور بين الرجل والمرأة، ثم تتلاشى تدريجيًا. وهذا أيضا إيحاء بالجمال المفقود. الفن المفقود تدريجيًا لصالح العلاقات المشبوهة والتسطيح الثقافي والنزعة الاستهلاكية.

تدور المسرحية في صيف مذهل بنوره وبحره اللازوردي وما بين الطراوة ورائحة الشمس الحارة. هذا ما ينبغي أن يكون على خشبة المسرح انطلاقًا من النص الأصلي، هذا ما كان يتوقعه قارئ المسرحية، لكن نحن في المسرح لا نشاهد غير ستارة حمراء كبيرة تحجب عنا هذا الحلم. وعلى السكك الحديدية الممتدة والمنحرفة بالقطيعة والتعذر. تجعلنا ندرك أننا أمام وهم ممتد إلى ما لا نهاية لا يمكن أن تتحقق الاستمرارية إلا إذا تحقق التوازن بين الرجل والمرأة وليس أمامهما غير المصالحة والاعتراف والتسامح. لكن ما هي الظروف التي يمكن أن يجبرا فيها هذه الكسور ويعيدا الأمور إلى سكتها الصحيحة، الظروف التي يقترحها بيتر هاندكه هي العودة للعيش على الطبيعة وبين الطبيعة ونسغها الشافي و المرمم للشروخ والمحيي للجذور الأصيلة.

لهذا نجد الشخصيتان تتحدثان كثيرًا عن الطبيعة، لكن أين هي هذه الطبيعة؟ نبحث فوق الخشبة، نجد أخيرًا خلفية تمثل مناظر طبيعية رعوية رسمت من قبل الرجل. قطعة من الطبيعة في مساحة وهمية للمسرح. ربما هي الجنة المفقودة؟ حيث الأذواق والروائح في ذاكرتهما الحسية تتداعى حزينة، وتُستدعى عند اللزوم، على شكل ذكرى رائحة التوت البري. كما يتذكر الرجل أنه كان رسامًا أو يتذكر أنه كان يمشي بين الخضرة و المياه الناعسة بين ضباب الفجر المشقشق بأصوات الطيور.

وكما لو أنهما ينامان في أعماق لغز العالم، تستيقظ في لحظة من لحظات المكاشفة المرأة على نداء الفتاة الشابة متذكرة أرجوحتها الساحرة. هل هي أرجوحة الحياة الخفاقة نحو المستقبل المستحيل والمرتدة نحو ماض مريب؟ خلال الحوار كانت المرأة تدرك دائمًا الأسئلة التي لا يطرحها الرجل. بل يمكن القول إن الرجل كان يتعمد إخفاءها. لا يقول ما يريد قوله وحينما يقول لا، يقول ما فكر في قوله. لعبة الإظهار والإخفاء من تقنيات الكتابة الجميلة عند بيتر هاندكه. الرغبة في طرح السؤال والامتناع عنه. ومع ذلك تعترف المرأة وتجيب عن الأسئلة الصعبة. بوحشية وغضب. وكأنها تتحمل مسؤوليةً عن الفقد.

.4

في هذه المسرحية الفاتنة، توجد الحياة الحقيقية في مكان آخر. لكن نحن أمام زوجين يستحقان هذه الحياة قبل فوات الأوان، فطموحهما المهيب في عيش أفضل جدير بالتقدير والاحترام. هل سينجحان في ذلك؟

كانت النهاية من أجمل المشاهد حينما تبددت ستارة المسرح الحمراء –التي كانت طوال مدة العرض منسدلة وسط الخشبة، لكنها تظهر وتختفي، بدأت تتوارى ببطء، وبطء شديد، كاشفة سماء ليلية مرصعة بالنجوم. وبهذا يكون العرض قد انفتح لأول مرة على الليل والكون، مثل كتابة بيتر هاندكه التي تفتح الوعي والبصيرة. وكأن بيتر يريد أن يقول للمشاهد ليس ما يحدث فوق الخشبة هو المهم، المهم ما يوجد خارج المسرح.

في النهاية، وفي النهاية فقط وفي اللحظة الأخيرة، نعرف أن الرجل يدعى فرناندو وزوجته، تدعى سوليداد.

 


[1]   أرانخويث مدينة اسبانية، وتقع  44  كم جنوب مدريد على الضفة اليسرى من نهر التاجة. هذه المدينة مناسبة للزراعة فحسب لأن تربتها جيدة وقريبة من مصادر الري ، لأنها قريبة من نهري التاجة وجاراما.

[2]  تحولت المسرحية إلى فيلم سينمائي رائع من إخراج ويم فندرس 2016

[3]  أمضى لوك بوندي جزءا من طفولته ومراهقته في فرنسا ، حيث درس بباريس.
استقر في عام 1969 في هامبورغ ، حيث أخرج مسرحيات لكبار الأدباء: ( جينيه ، يونيسكو ، شكسبير ، غوته ، بكيت… ).

من عام 1985 إلى عام 1987، أصبح مدير مسرح ديتر شتورم ببرلين.
في عام 1994 ، انتخب عضوا في أكاديمية الفنون ببرلين .
في عام 1997 ، بدأ تدريس المسرح  يعلم  بمدرسة راينهارت.
في عام 2001 ، أصبح لوك بوندي مدير مهرجان فيينا ..
لاقت مسرحياته نجاحا باهرا في أوروبا جميعها.

اعتبر إخراجه لمسرحية “الخادمات” التي كتبها جان جينيه، من أنجح وأرقى عروضه. قدمت بمسرح فولكسبوهن ببرلين  عام 2008
في 2012 أصبح مدير المسرح الأوروبي أوديون وبداية موسم 2013 قدم مسرحية بيتر هاندكه :” الأيام الجميلة في  أرانخويث” ويشرف حاليا على عرض مسرحية  هارولد بينتر”العودة”. و”الاعترافات الخاطئة لماريفو 2014.

قدم للمسرح لوك بوندي أكثر من ثلاثين مسرحية كبيرة وأخرج ثلاثة أفلام سينمائية. كما نال عددا من الجوائز: الجائزة الكبرى لسينما الشباب 1981 بمهرجان هيريس. جائزة النقد الألمانية 1984. جائزة موليير عن مسرحية يونيسكو “الكراسي” 2011.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق