مقالات

العزلة: فنُّ البقاءِ وحيدًا

ترجمة: عبدالله بن قعيّد

 

“عظيمٌ هذا الهدوء العميق الذي أحيا فيه وأنمو ضدّ هذا العالم، هدوءٌ أحصدُ فيه ما ليس في استطاعة أحدٍ أنْ ينتزعه مني.. ولو بقوة الحديد والنار!” – غوته

الإنسان – في المقام الأول – كائنٌ اجتماعي. هذا ما نادت به مدرسة التحليل النفسي في القرن العشرين، وهذا ما شددت عليه المجتمعات الغربية أيضًا في ذات القرن، إذ حظيتْ العلاقات الشخصية بأهميةٍ قصوى، فهيمن على ثقافتنا إجماعٌ عامٌ وضمني يرى أن السبيل إلى تحقيق الرضا وإيجاد المعنى في هذه الحياة لا يتأتى إلا من خلال علاقاتنا بالآخرين. وقد شكلت هذه الفكرة جوهر مدرسة التحليل النفسي، وتُدعى بـ نظرية العلاقات بالموضوع[1]، حيث تتمثل احتياجات الإنسان الأساسية في بناء علاقات اجتماعية آمنة ومجزية.

يقول ديفيد بولبي، وهو الأوسع شهرة ضمن تيار التحليل النفسي في القرن العشرين: “إن الروابط الوثيقة بين الناس هي المحور الذي تدور حوله حياة الإنسان، ليس فقط في فترة الرضاعة أو الطفولة أو المدرسة بل في مجمل حياته منذ سن المراهقة إلى مرحلة النضج وحتى الشيخوخة، إنه ومن خلال هذه الروابط الوثيقة يتسنى للإنسان أن يستمد قوته ومدى استمتاعه بهذه الحياة، ومن خلال هذه الروابط أيضًا يمنحُ القوةَ والمتعة للآخرين بما يقدمه من إسهامات. إن جميع المسائل المحيطة بهذا الموضوع هي ما تأتلف حوله كلٌّ من العلوم المعاصرة والمعارف التقليدية” (ديفيد بولبي، Attachment and Loss).

تتجاذبنا نحن البشر قوتان متعارضتان: قوة تدفعنا نحو الحب والصداقة وتنمي لدينا حس المجتمع مع الناس، وقوة أخرى تدفعنا نحو السعي إلى التميز والاستقلالية والحرية، وفي حين ينصب مجمل تركيز مجتمعاتنا على أهمية إشباع الدافع الأول، فإن المحصلة تكون على حساب الدافع الثاني. هذه المبالغة في التعاطي مع أهمية العلاقات الشخصية أسهمت في صرف أنظارنا عن أهمية العزلة. الحب والصداقة عنصران مهمان لخوض تجربةٍ مفعمة بالحياة، ولكنهما ليسا المصدر الوحيد لتحقيق الرضا، او لإضفاء معنىً إلى وجودنا، لذا فإن هذه المقالة، مدفوعةً بأفكار آنتوني ستور في كتابه المميز: “العزلة: عودة إلى الذات” (Solitude: A Return to the Self)، تبحث في كيفية العثور على السعادة والمعنى والرضا من خلال إعلاء قيمة العزلة وتعلم كيفية اتقان فن البقاء وحيدًا.

الصحة النفسية والقدرة على أن تكون لوحدك

افترضَ معظمُ أطباء الصحة النفسية والمعالجين في القرن الماضي وجودَ طريقة وحيدة لقياس كلٍّ من الصحة النفسية ونضج الانفعالات، وتتمثل هذه الطريقة في مدى قدرة الفرد على بناء علاقات آمنة، ولكنّ الطبيب النفسي دونالد وينيكوت أصبح في خمسينيات القرن العشرين من القلائل الذين تحدوا هذا الرأي، إذ أعلن في مقالةٍ له بعنوان “القدرة على أن تكون وحيدًا”، أن قدرة الفرد على احتواء العزلة والتفوق يجب أيضًا أن تكون ضمن عوامل قياس الصحة النفسية، يقول: “ربما يصح القول إنه قد كُتب في أدبيات التحليل النفسي عن الخوف من أن تكون لوحدك، أو الرغبة في أن تكون لوحدك، أكثر مما كُتب عن القدرة على أن تكون لوحدك. أضف إلى ذلك تلك الكمية المعتبرة من الأعمال التي أُنجزت عن الحالة الانسحابية، التي تُعرَف بأنها منظومة دفاعية تنطوي على توقع الاضطهاد. يبدو لي أن مناقشة الجوانب الإيجابية للقدرة على أن تكون لوحدك قد تأخرت كثيرا”.

الجوانب الإيجابية للقدرة على أن تكون لوحدك

العزلة وحدث التحول

يمكن للعزلة ان تكون أرضًا خصبة لتحفيز التحول الذاتي، وهذا ما أدركه الكثير ممن تعلموا فن البقاء لوحدهم، ولكننا نجد في المقابل أولئك الذين يعيشون في حالة انصياع تام، أي أنهم اختاروا نمط حياة ينسجم مع توقعات الآخرين لهم، بدلًا من تلك التي تنسجم مع مضمون دواخلهم، ومن هنا تبدأ شخصياتهم في النمو بطريقة مصممة لإرضاء الآخرين، وفي الأثناء يظلون منفصلين تمامًا عن أعمق احتياجاتهم، ولكونهم يعيشون في حالة عمىً تجاه مشاعرهم وغرائزهم الحقيقية، فإنهم في نهاية المطاف يشعرون بأن حياتهم لا معنىً لها، وبدلًا من إمكانية النظر الى الحياة على أنها لوحة تجريبية، تمنحنا فرصة اكتشاف ذواتنا الحقيقية، فإنهم، في المقابل، يتكيفون مع العوامل الخارجية بكل ما تحمله من توقعات وآراء.

ولذا فإن العزلة، كإطار للتحول الذاتي، تمنحنا فرصة التحرر من قبضة الانصياع، إنها فرصة زمنية تمكننا من العودة مجددًا لفهم احتياجاتنا ومشاعرنا الحقيقية أولاً، ثم ضبطها بطريقة تنسجم مع بوصلتنا الداخلية، الدليل الوحيد الذي يمكن الوثوق به حيث تقودك نحو الرضا.

ليس من المستغرب إذاً أن يعتزل العظماءُ من زعماء الأديان هذا العالمَ لفترة مهمة من الزمن، يبحثون فيها عن حكمةٍ عميقةٍ لها طابع الديمومة والأثر، وعندما يعثرون عليها فإنهم حينها يعودون إلى مجتمعهم بقصد العطاء والمشاركة. يقول آنتوني ستور عن أهمية العزلة في خضم السعي إلى تحقيق الذات: “يبدو إذاً أن تطوير قدرتك على أن تكون لوحدك أمرٌ ضروري إذا تحقق للدماغ أن يعمل بأفضل حالاته وإذا كان للفرد أن يحقق أعلى إمكانياته، فالبشر ينشقون بسهولة عن أعمق احتياجاتهم ومشاعرهم. العزلة تمكنك من إعمال العقل والفكر والابتكار والحفاظ على دوام التواصل مع عالمك الداخلي” (أنتوني ستور، Solitude: A Return to the Self).

ونجد أيضًا بجانب آنتوني ستور كُلاً من الفيلسوف: ميشيل مونتين وعالم النفس كارل يونج اللذان فَهِما بدورهما أهمية العزلة. فمونتين يرى أن الحاجة إلى العزلة تكمن في التخلص من القيود التي يفرضها الآخرون، بينما يرى كارل يونج أن الحاجة إلى العزلة تتمثل فيما أسماه بـ “العمل الداخلي”، أي استكشاف أعماق النفس الباطنة، ذاك “الكون الصغير” في دواخلنا.

“يجب أن نحتفظ بمخزن صغير، يكون بأكمله لنا وحدنا دون مقابل، نأسس فيه حريتنا الحقة، ونحقق لأنفسنا الانزواء والعزلة” – مونتين

“لطالما كانت السنون التي تبعت فيها صوري الداخلية هي الأهم في حياتي، بها تقرر كل الأشياء الأساسية” – يونج 

العزلة والابداع

إنْ كانت العزلة تحفز الذات على التحول، فإن إحدى الطرق للاستفادة من العزلة هي في ممارسة شكلٍ من أشكال العمل الابداعي، فالإنسان حيوانٌ اجتماعيٌّ بدرجة عالية، تتشكل هويته الذاتية وتنمو من خلال تفاعله مع الآخرين، ومن هنا يمنحنا العمل الإبداعي فرصة فريدة لتغيير هويتنا والاعتماد على الذات كمرجعية. فالخيال ومحاولة تجسيد الأعمال الابداعية لهما القدرة على إعادة تعريف نظرتنا إلى العالم من حولنا، وتغيير شعورنا تجاه ذواتنا أيضًا، يقول آنتوني ستور: “يعيش الشخص المبدع في حالة سعي مستمرة لاكتشاف ذاته، لإعادة تشكيل هويته، لإيجاد معنى في هذا العالم من خلال ما يخلقه ويبدعه. ويجد في هذه العملية قيمة تكاملية ثمينة، والتي مثلها مثل الصلاة أو التأمل، ليس لها أي علاقة بالآخرين، إذ لها أحقيتها المستقلة. إن أجمل لحظات المبدع هي تلك التي يحرز فيها شيئا من التبصر، أو تلك التي يبتكر فيها اكتشافات جديدة، وهذه اللحظات هي في الغالب، إن لم يكن دائمًا، تلك التي يكون فيها وحيدًا”.

العزلة في العصر الحديث

تعتبر العزلة عنصرًا أساسيًا لإشباع دوافعنا نحو التفرد والاستقلال وتحقيق الذات، ومع ذلك أصبح من الصعب تحقق العزلة في عصرنا الحديث. فإنسان اليوم لا يمارس العزلة تمامًا حتى وإن كان لوحده جسديًا، فهو إما بصحبة التلفاز، أو منزويًا مع أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف الذكية. ومع ازدياد أولئك الذين يَحرمون أنفسهم من ممارسة العزلة تزداد أيضًا الصعوبة في التفرد، في أن تصبح فردًا مستقلًا وفريدًا يدرك نفسه بنفسه. منغمسون هؤلاء في لجة آراء الناس وأفكارهم وتوقعاتهم، حتى وإن كانوا لوحدهم جسديًا، يمتثلون تلقائيا الى منظور المجتمع للعالم، ويسلكون مسارًا توقعه الآخرون منهم، بدلًا من ذاك الذي يلبي احتياجاتهم العميقة ويحقق العدالة لتفردهم.

العزلة لمن تحققت ذواتهم

الحاجة إلى العزلة ضرورةٌ إنْ كنتَ من تلك الأقلية التي كرّست حياتها لعملية التفرد، لتصبح الشخص الذي في وسعه أن يكون بتحقيق أقصى إمكانياته. عليك أن توجد الوقت والحيز لتصبح وحدك مع أفكارك، إما بالتأمل، أي استكشاف صورك الداخلية، أو ممارسة الإبداع.

تجمعك فترات العزلة بالجانب العميق في ذاتك، مانحةً إياك القدرة على اكتشاف ذاتك وما الذي تريده من حياتك، وتمنحك القدرة على الانخراط في تحول الذات بتعزيزٍ من ذاتك أنت. تمنحك العزلة الراحة من هذا العالم، فالضجيج والانهماك والمتاعب التي عصفت بعالمنا لها القدرة على أن تكون مدمرة وساحقة وأن تؤثر على صحتنا النفسية. يمكن للعزلة، خاصةً في عالمنا هذا، أن تقدم نفسها كترياق لجنون هذا العالم.

“حين يفصلنا هذا العالم العجول عن ذواتنا النقية

ننحني، ضجرون من انشغالاته، من متعه ومتعبون جدا،

ما أجملَ، وما أعذب العزلة” – وردزورث

 


[1] Object Relations Theory

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق