مقالات

القوةُ في قَوْلِ «لا أدري» – ستيفين غامبارديلا

 ترجمة: رؤى الحربي – مراجعة: أروى الفهد

 

إنَّ مواجهة جَهْلنا يُقوّينا على نحوٍ مدهش!

 

رسم الانطباعيون العالم كما رأوه: بتأثيرات الضوء والظل. أدرك «ميشيل دي مونتين» بأننا لا نملك أي سبيل إلى حقيقة أو حقائق مطلقة، ولا توجد صورة واضحة تخبرنا بماهية الأشياء. إننا نملك فقط انطباعاتنا عن العالم كأساسٍ لفكرنا. لوحة: مونيه كلود (انطباع، شروق شمس)، 1872

استُضيف معلقٌ مالي، رفيع المستوى، للحديثِ في برنامجٍ تلفزيونيّ، فبينما كان يستعد للظهور، قال له المنتج: «مهما تفعل فلا تقل أبدًا «لا أدري»؛ لأنك إن قلتها؛ فلن نستضيفكَ مرة أخرى!».

وهنا يكمن السبب في كون وسائل الإعلام تضجّ بالتفاهات، حيث لا يُسمح لأحدٍ بقول «لا أدري». ولهذا السبب -أيضًا- ستجد أنه حتّى الأشخاص الذين يعجبونك وتحترمهم يبدون متشبّثين بآرائهم ومتغطرسين في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فقول: «لا أدري» لا تحصد التفضيلات أو إعادة التغريد، ولكن في الحقيقة إنَّ «لا أدري» أذكى وأشجع ما يمكنك قوله في العديد من المواقف.

في حياتي المهنية، أقول للأشخاص الذين أعلّمهم: «بأنه لا يوجد شيءٌ اسمه سؤال غبي، بل إن عدم طرح الأسئلة هو الغباء بعينهِ». فالإقرار بقول: «لا أدري» ليس مثل الجهل المتعمد، حيث يوجد فارق بين «لا أدري» و«لا أهتم»؛ أن تُقِرّ بأنك لا تدري؛ يعني أن تُهيِّئ نفسك لفهمٍ أفضل للموقف.

«ماذا أعرف؟»

كان الفيلسوف الذي خلق من «لا أدري» فنًّا هو «ميشيل دي مونتين». ولد مونتين في عائلةٍ حديثة عهدٍ بالثراء في فرنسا، عام 1533. كما كانت طفولة كاتب المقالات الكبير شاذّةً -على أقل تقدير-، حيث كان والده تاجرًا؛ فاحش الثراء، لكنه لم يُرِد لحياةِ الرفاهيّة المبكرة أنْ تُفسد ميشيل، فعهَّد بالصبي لعائلة فلاح ترعاه لثلاث سنين؛ حتى يدرك أنَّ العملَ الشاق، وحتى الجوعَ، كانا واقعًا بالنسبة لمعظم الناس. كما أنه نشأ ليتحدَّث اللغة اللاتينية كلغته الأم، وأصبح معروفًا ببراعته الاستثنائية في الأدبِ الكلاسيكي.

أصبح مونتين محاميًا، وكان لتدريباته، التي تنطوي على موازنة جانبين من الحجة، تأثيرًا بليغًا على كتاباته الفلسفية. فأصبح الفيلسوف سيّد الشك (وثمرة الشك)، كما اشتهر بإسهامه في إحياء فلسفة الشكوكية اليونانية القديمة، حيث تشير مقالاته إلى مراجع للشكوكيين وخاصة « پيرّون» مؤسس هذه الفلسفة.

ظهرت الشكوكية تقريبًا في نفس الفترة التي ظهرت فيها الأبيقورية والرواقية. كان العالم اليوناني القديم في حالة فوضى بعد وفاة الإسكندر الأكبر في عام 323 قبل الميلاد. حيث مات الإمبراطور في سن الثانية والثلاثين فقط؛ دون وجود وريثٌ صالح. وفي ظلِّ غياب السلطة مُزق العالم الناطق باليونانية نتيجة بطش الديكتاتوريّين المتنازعين على المنطقة. ومثل الأبيقوريين والرواقيين كان هدفُ الشكوكيين هو تمكين الناس من العثور على الهدوء الروحي أو العاطفي في عالمٍ تعمه الفوضى.

«ماذا أعرف؟» لوحة لمونتين، لرسام مجهول

 

باختصار، جادل الشكوكيّون بأنه لا يمكننا أبدًا التأكد مما نعرف. فإذا سلّمنا بذلك، وأوقفنا إصدار أحكامنا على الأشياء، فيمكننا حينها تحقيق الطمأنينة ((ataraxia.

بدأ مونتين بكتابة الفلسفة في أواخر الثلاثينات من عمره. فقد توفي والده وتوقف الكاتب عن العمل ليكرس نفسه «لعزلة تفكر» – المشابهة لـ(otium) (وقت فراغ ذو قيمة) التي أيّدها «سينيكا». فأصبح منعزلًا في مكتبتهِ «القلعة» وهي برجٌ يقع في قصره الريفي خصصها لـ(حريته وسكينته وتفكره) لمدة عقد من الزمن ظل يكتب فيه. كان تواضعه مريحًا ولكنَّ خلفَهُ تكمن قُوّته بوصفهِ مُفكرًا.

كتب: «إن كتاباتي هذه ما هي إلا هذيانُ رجلٍ لم يقدر على أكثر من تذوق القشرة الخارجية للمعرفة»

كانت كتابته للمقالة في أول الأمر لمساعدته في تخفيف الاكتئاب الناجم عن وفاة صديقٍ حميم. وتتأمل المقالات الأولى في الموت والحزن وجهوده العلاجية لتهدئة عقله.

صرّح مونتين بأنه ليس خبيرًا في أي مجالٍ محدد، ولذا فإنه جعل من نفسه الموضوع الرئيسي في كتاباته. وحتى عندما خرج من اكتئابه درس نفسه أكثر.

كتب: «أنا أدرس نفسي أكثر من أي شيء آخر». «هذه ميتافيزيقياتي وهذه فيزيائي […] عملي وفني هو أن أعيش.»

إن هذه الذاتية موجودةٌ في صميمِ شكوكيّته، فهو الذي صاغ شعار «ماذا أعرف؟» (“Que sçay-je?”). بالنسبة لمونتين فإن التجربة هي السبيل لنيل الحكمة لا المعرفة الفكرية. لكن الأهم هو فحص وتدقيق تجربتك بدلاً من الأخذ بحقيقة سُلّمت إليك دون تمحيص. فكّر في كيفية قراءة لغة الجسد ونبرة الصوت عندما نتحدث مع الآخرين، إن قراءتنا البديهية لهذه الجوانب اللاشعورية من التواصل مهمةٌ؛ تمامًا مثل استعمالنا للغة المتعلمة.

كتب مونتين باستفاضة عن التعليم، وأدلى بملاحظات نفسية وتربوية لها تأثيرها في يومنا الحاضر. فقد كان يعتقد بضرورة الحوار بين الأطفال ومعلميهم في الوقت الذي كان فيه التعليم بالحفظ، طريقة تعليمهم الوحيدة.

وكان الفيلسوف يعتقد بأن التعلم الفردي مُهمًّا؛ لاستخدام الطفل للتجربة في الفكر بدلًا من الرجوع إلى العقائد الموروثة لهم.

تتغير انطباعاتنا عن الأوضاع وفقًا لظروف أو سياقات مختلفة. بالنسبة لمونتين كانت البديهة والتجربة مهمة بقدر أهمية المعرفة الكمية. اللوحات: كلود مونيه، القناة الكبرى في البندقية، 1908. نسختان.

الإيمان والحقيقة

كان مونتين مسيحيًا ورِعًا طوال حياته. وكان مؤمنًا بأن إيمانه لا يتعارض مع شكوكيته، بل في الواقع كانت شكوكيته هي التي أتاحت المجال للإيمان. ومع تسارع حداثة العالم في عصر النهضة أخذت الأفكار العلمية عن العالم تحل محل الأفكار الدينية. وحذر مونتين من الإيمان بالنظريات كحقيقة. وقد يكون الاعتقاد المستوحى من العلم الحديث بأننا سنجد «نظرية كل شيء» أمرًا يختلف مونتين معه.

في العالم العلماني غالبًا ما يوضع العلم كبديلٍ للدين، وهذا خطأ في التصنيف؛ فأن تؤمن بالعلم ذلك بمثابة امتلاك «إيمان» جديد لم يوجد بعد. إذن، هل كان مونتين لا عقلانيًا ومناهضًا للعلم؟ إطلاقًا. كان مونتين براغماتيًا، لا مؤمنًا صريحًا بالنسبية. فهو لم يؤمن بحقيقة مطلقة، ولكنه آمَن بالعديد من الحقائقِ التي لها قيمة عملية.

وللعلمِ فوائده العملية التي أسبغها على البشرية، فقد سمحت لنا الاكتشافات والتقنيات بالسير على سطح القمر، وعلاج الآلاف من الأمراض. ولكن يجب ألا نخلط بين تقدم التقنية والمفهوم العلمي لـ«الحقيقة». فحتى التفكير العلمي يرتكز على الشك، فالمِنهاج العلمي يؤكد بأن النظريات صحيحةٌ حتى تدحض.

الفكر -الذي يختلف عن المعرفة– يسمح لنا بإصدار الأحكام استنادًا إلى مستوى المعرفة الذي نملكه؛ فالافتقار إلى اليقين لا يُقيدنا، بل ربما يحررنا.

كتب مونتين أنه يفضل رفقة الفلاحين ضعيفي التعليم؛ لأنهم «لم يتلقوا تعليمًا كافيًا ليفكروا بصورةٍ خاطئة»

وهذه وجهة نظر روحانية وكذلك فكرية. فيمكن لتعليمنا أن يصبح عقيدةً متعنِّتة تُحيل دون إمكانات العيش بطريقةٍ أفضل. ويمكن لأفكارنا حول الحقيقة وماهية الأشياء أن تعمينا عن الطرق الأخرى الممكنة لرؤية العالم. كان من الممكن أن نكون قادرين على رؤية العديد من وجهات النظر المختلفة في وضعٍ يسمح لنا بالاستفادة من الفكر.

كان پيرّون؛ الأب الفلسفي للشكوكية، جنديًا في جيش الإسكندر الأكبر عندما غزا المقدونيّون أُمَمًا مختلفة. وحينها أدرك پيرّون بأن لكل ثقافة حقائقها، فلماذا تكون وجهة نظر ما أدق من الأخرى عندما يكون لكل منهما مزاياها العملية؟

جعلت شكوكية مونتين مواقفه تتميز بالحداثة على نحوٍ مدهش. فكان يعتقد بأنه ليس منطقيًّا الاعتقاد بأن البشرَ أسمى من المخلوقات الأخرى (بالتسوية الضمنية للبشر مع الحيوانات، قبل مئات السنين من داروين). وكان يعتقد بأن «الهمج» الموجودين في الأراضي التي استعمرها الأوروبيون شرفاء وأخيار حسب طريقتهم، كان لهم ببساطة أولويات وعادات مختلفة.

نحن غالبًا ما نستبق النتائج استنادًا إلى معتقداتنا، لكن ماذا لو تمعناها قليلا؟ انظر من المنظور الآخر. فهذا الاستنتاج – الانزعاج الذي شعرت به؛ لأن صديقًا لم يرد على رسالتك النصية متعمدًا، على سبيل المثال– قد لا يكون هو التفسير. وطالما أنه لا يوجد تفسير فلا يوجد مبررٌ للانزعاج.

عدم الإيمان بأي حقيقة معينة سيساعدك عاطفيًا وفكريًا، فوحدها المعتقدات ما تسبب لك الانزعاج، فإذا اتخذت موقفًا غير متقيد بالأدلة من حولك، فلن تجد بعض السلام وحسب بل -أيضًا- ستفتح الباب للفضول بحريةٍ وإبداع.

وفي عالمٍ رقمي يُسهم في التشدق المفرط بوجهات النظر المجتمعية المتعارضة والمتعنتة، كثيرًا ما يكون من المفيد قولَ «لا أدري»؛ الكلمتان الأولى نحو فهمٍ أفضل للعالم ولبعضنا بعضا.

 


المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق