Newphilosopherمقالات

حياة جديرة بالعيش – باتريك ستوكس

ترجمة: نورة آل طالب

وجد العلماء عام 2006 حيوان بطلينوس كبير يعيش قبالة سواحل آيسلندا، وبيَّن فحصهم أن عمره يفوق الخمسمائة عام. وقد أطلقوا عليه اسم (مينغ) تيمنًا بالسلالة الصينية التي نشأت وقت مولده. وُلد (مينغ) حينما كان هنري الثامن في الثامنة من عمره. وحتى هذا الوقت، يُعد (مينغ) الحيوان الأطول عمرًا من بين الحيوانات التي نعرفها.

لكن هل كانت حياته طيبة؟

مثلما أشار (توماس نَيغل)، نحن لا نملك فكرة حقيقية عن شعور أن نكون خفافيش، ناهيك عن أن نكون حيوانًا بجهازٍ عصبيٍّ بسيط مثل البطلينوس، على افتراض أنه لا شيء يماثل تجربة العيش كحيوانٍ رخويٍّ على الإطلاق. لكن لنتخيل للحظة أن كونك حيوان بطلينوس يبدو أمرًا جيدًا، ليس عظيمًا ولا رائعًا، بل هو جيدٌ فحسب: حالة ثابتة ومرضية وبسيطة للغاية من الوعي منخفض المستوى.

والآن تخيل حياتك أنت بكل تعقيداتها وتقلباتها وانتصاراتها ومعاناتها. لنفرض أنك تستطيع قياس كل الآلام والملذات في حياتك، كأن تُعادل وجبةٌ شهية ثلاثينَ نقطة من اللذة، وفرقعة اللفائف الفقاعية خمس نقاط، وأول لحظة من الوقوع في الحب ألف نقطة، وهكذا. وبالنسبة للآلام، فإن ارتطام إصبع قدمك بقطعة أثاث قد يُعادل عشر نقاط سالبة، وفقدان حبيبك قد يعادل ثلاثة آلاف نقطة سالبة، وهكذا دواليك. ثم تجمع سائر الآلام والملذات في حياتك وتطرح الآلام من الملذات، ما سيتبقى لك هو إجمالي مقدار المتعة في حياتك.

لنفترض أننا نفعل الشيء ذاته مع (مينغ). في حالته، توجد مستويات ثابتة ومنخفضة جدًّا من المتعة، لنقل مثلًا أن معدلها 0,1 نقطة في اليوم. لكن حتى وإن تجاوز عمرُك السبعين عامًا التي يعدُك بها سفر الأمثال فإن حياة (مينغ) أطول من حياتك بأضعافٍ كثيرة ولا يعتريها أيّ من السلبيات. ومن ثم فإن معدل المتعة في حياة (مينغ) قد يفوق معدلها في حياتك.

إذن، هل سيكون من الأفضل أن تكون أنت أو (مينغ)؟ ولو كنت تفضِّل عيشَ حياتك أنت بدلًا من حياة بطلينوس يتجول حول المحيط الأطلسي لنصف قرن وراضٍ نوعًا ما؛ ولماذا؟

قد تظن أن فكرة محاولة تقييم حياتك من خلال جمع الملذات والآلام بهذه الطريقة ليست إلا فكرةً سخيفة، غير أن هذا النوع من الحسابات كان جزءًا رئيسيًّا من الأساس الذي وضعه (جيريمي بينثام) لمذهب النفعية، وما يزال أحد أكثر الأُطُر الأخلاقية نفوذًا وانتشارًا في العالم اليوم. أوجد بينثام خوارزمية “إحصاء السعادة” (felicific calculus) الرامية إلى تحديد مقدار السعادة التي قد تنتج عن أي سلوك. وبمجرد التوصل إلى المجموع الكلي للذة الخاصة بكل سلوك، فإننا نختار السلوك الذي يحقق أكبر قيمة.

لم يرَ (بينثام) أيةَ حاجةٍ لتفضيل أنواع معينة من المتعة دون الأخرى: “تتساوى لعبة الدبوس في قيمتها مع قيمة الفنون وعلوم الموسيقى والشعر”. كان هذا من بين المبادئ التي تشرَّبها (جون ستيورات ميل)، ابن صديق (بينثام) (جيمس ميل)، الذي كان خاضعًا منذ سنٍّ مبكرة إلى برنامجٍ دراسيٍّ نفعيٍّ مكثفٍ ووحشيٍّ في الواقع. امتلك (ميل) الشاب مخزونًا معرفيًا هائلًا تحت إشراف (بينثام)، وقد رُبِّيَ ليكون حاملًا مثاليًّا لفكرِه بعد رحيله. لقد تعلم اليونانية منذ سن الثالثة، وقرأ لأفلاطون من مؤلفاته الأصلية وهو في العاشرة. وقد أبقاه أباهُ معزولًا عن بقية الأطفال طيلة هذا الوقت.

بيدَ أن الأمور لا تبقى على حالها، ففي سن العشرين عانى (ميل) من القلق والاكتئاب. لم تكن تعاليم (بينثام) هي ما قاده إلى هذه الفترة المظلمة، إنما اطلاعه على شعر (وردزورث)، إذ أدرك من خلال الشعر أن هناك أشكالًا من القيمة لم تتمكن من تفسيرها حسابات (بينثام) للمتعة. فبعض أنواع المتعة كانت أفضل من الأخرى “أن تكون إنسانًا ساخطًا خيرًا من أن تكون خنزيرًا راضيًا، وأن تكون سقراطًا ساخطًا خيرٌ من أن تكون أحمقًا راضيًا.” كان (ميل) يُجادل بأن الحَكَم الكُفؤ سيختارُ دائمًا المتعةَ الأعلى، حتى لو بمقدارٍ بسيط، دونَ المتعةِ الدنيا ولو بأي مقدار.

قد يبدو ذلك وكأنه سيحُّل مشكلة (مينغ): إذا كانت ملذات كونك أنت أعلى من ملذات حيوان البطلينوس فإنها ستفوق أي مقدار من المتعة البطلينوسية. غير أن (ميل) يتحايل هنا، فلتحديد أي الملذات هي الأعلى ينبغي عليه أن يلتمس شهادة “الحُكَّام الأكفاء”، الذين يبدو أنهم نالوا صفة الكفاءة لأنهم يتفقون مع (ميل) حول أي الملذات هي الأعلى.

في الدنمارك، ينبري (سورين كيركجارد) أيضًا لمسائل اللذة والمعنى والحياة الطيبة. فأولى روائعه؛ كتاب إما/أو يُعد كشفًا شخصيًّا رائعًا لقصور الحياة الجمالية المكرًّسة للسعي وراء المتعة. لا يقدم كتاب إما/أو نفسه على أنه من تأليف (سورين كيركجارد)، بل يبدو أنه لمؤلفيَن مختلفيَن: شابٌّ مُنهك يلهث خلف المتعة وينفر من الالتزام، وصديقه الأكبر القاضي (ويليام) الذي يحثه على التخلي عن نمط الحياة الجمالية وعيش حياة يؤطرها الالتزام الأخلاقي (برجوازي راضٍ عن نفسه).

هذا الشاب المُحب للجمال يترفع عن الدونية والسفاهة، وذوقه يتماشى مع ملذات (ميل) العُليا؛ إذ يقدم لنا أطروحات عن الأوبرا والشعر والموسيقى، وحتى أن جزء (يوميات مغوٍ) المشهور من كتاب إما/أو يُعامل الجنس بوصفه أمرًا ثانويًّا ويركز بدلًا من ذلك على ملذات التذكر والترقب والتلاعب النفسي.

تتسم أوصاف (كيركجارد) للحياة الجمالية بالحيوية والتجانس وتُظهر ألفةً حقيقية، بيدَ أن رائحة الهلاك تفوح منها. إذ يرسم شخصيات تقضي حياتها في مطاردة اللذة لكنها تدرك على مستوىً ما أن ذلك ليس تعقبًا؛ إنما هو هروب. فالشاب يرتعب من الملل رغم رباطة جأشه البارعة. حيث يوجز في فصل (دوران المحاصيل) طريقته المدروسة في طرد الملل من خلال عدم الالتزام بأي شيء؛ انظر الفصل الأول من مسرحيةٍ ما، واقرأ الفصل الأوسط من كتابٍ ما، وقبل كل شيء لا تتورط في علاقات قد لا تجد لك سبيلًا إلى قطعها.

لماذا التركيز على الملل، هذا الداء الحديث الغريب؟ لأن الملل مرضٌ يولد من استشعار الزمن، إنه يُشعرنا بأننا قابعون تحت رحمة الزمن، تائهون في خضم الأحداث؛ فحين نشعر بالضجر فإن الزمن بحدِّ ذاته يكون هو المشكلة؛ لأنه يذكرنا بأنه قد أُلقيَ بنا في عالمٍ زمكانيٍّ (spatio-temporal) ليس من صُنعنا. وعالمٌ كهذا قد يحوي مهامًّا لم نختَرْها وقيمًا لم نأتِ بها.

رغم الاختلاف الجذري في فكريهما، إلا أن (ميل) و(كيركجارد) ينبريان في النهاية إلى الرأي القائل بأن العالم يمنحنا المعاني والقيم الآتية إلينا من الخارج والتي تتطلب منا استجابةً قد نجدها شاقة أو مزعجة أو مؤلمة. فبالرغم من ارتباط (ميل) بالنفعية، إلا أن شِعر (وردزورث) يكشف له عن نمطٍ من القيمة والجمال يتجاوز رغبتنا في المتعة ويفوقها عمقًا. تشير مطالب الالتزام الأخلاقي، كالزواج، أنه لا ينبغي أن يتحدد نمط حياتنا من خلال الشيء الذي يمنحنا أكبر قدر من المتعةِ فحسب. حيث يُلمح كلاهما إلى أننا مُطالَبون بأن نفعل ما يتجاوز العيش لأنفسنا ولمتعتنا الخاصة. إنهما يطالباننا بالانعتاق من أنفسنا ولنكونَ أكثر من مجردِ حُرَّاسٍ التجربة السارة. إنهما يقترحان أمرًا مبهجًا ومرعبًا في الآنِ ذاته: أن غاية وجودنا لا تقتصر على قضاء وقتٍ ممتع.

كل التقدير والاحترام للراحل (مينغ)، ولكن هذا النوع من النداء لن يصل إلى مسامع البطلينوس أبدًا.

 


 New Philosopher: Issue #10: fame

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق