Newphilosopherمقالات

أنت وحياتك ولا شيء آخر – أنتونيا كيس

ترجمة: يزن الحاج

يُعلّمنا الفلاسفة الوجوديّون أنّنا وحدنا مسؤولون عن خلق حياةٍ ذات مغزى في عالمٍ عبثيٍّ ومُجحِف.

واقفًا عند حافّة، يُخيّم عليك إحساس تيهٍ وارتباك. فأنت لا تخشى السّقوط وحسب، بل تخشى أيضًا الاستسلام للحافز الذي يحرّضك على رمي نفسك. لا شيء يردعك. يتصاعد الذّعر، والقلق، والأسى.

يصف الفيلسوف الدنماركيّ سورين كيركغورد هذه الحالة بوصفها حالة «الفرع الوجوديّ» (existential angst) لأنّك هنا، عند طرف الحافّة، تُمارس حريّتك في تجربةٍ مباشرة. بوسعك فعل ما يحلو لك – أن تتقدّم إلى الهاوية المتثائبة أو أن تبقى حيث أنت. هذا رهنٌ بك. إنّ إدراك امتلاكك حريّةً مطلقةً في تقرير مشار حياتك – أن تقفز أو ألّا تقفز – مُدوِّخٌ مثل شعور الدّوار، بحسب تفسير كيركغورد الذي يشير إلى أنّنا نواجه القلق ذاته في خيارات حياتنا كلّها. فكلُّ فعلٍ نقوم به خيارٌ قرّرناه نحن، لا غيرنا.

محاجّة كيركغورد بأنّ الحياة سلسلة خيارات – وأنّ هذه الخيارات تمنح (أو لا تمنح) معنى لحياتك – هي حجر زاوية الوجوديّة. بدلًا من إلقاء المسؤوليّة على المجتمع أو الدِّين، يكون كلُّ فردٍ مسؤولًا أوحد عن منح حياته معنى وعن عيشها بأصالة.

موضوع الأصالة كان موضوعًا مفضّلًا لدى الفيلسوف الألمانيّ مارتن هايدغر: لمَ تبدو مشروعاتنا اليوميّة بلا معنى حين نواجه الموت؟ يموت قريبٌ أو صديقٌ فيشقُّ الحادث مسارًا جديدًا لنا؛ نترك عملنا ونتوقّف بالتّالي عن القلق حيال الشّواغل اليوميّة ونبدأ بالاهتمام بمجالات كنّا نتجاهلها من قبل.

في كتابه الكينونة والزّمان، يشير هايدغر إلى أنّ معنى كينونتنا لا بدّ أن يكون متلازمًا مع الزّمان. إنّنا كائنات زمنيّة – ولدنا في عالمٍ وُجِد قبلنا بدينه وثقافته، وكان تاريخه مكتوبًا، ولا بدّ لنا من الانخراط في أزمنة ماضية عديدة من أجل فهم هذا العالم والتّماشي معه. قد يكون لنا عائلة، أو نبني مسيرةً مهنيّةً أو بيتًا، ومن خلال أداء هذه الأفعال نضع أنفسنا في مسارٍ يتّجه إلى مستقبلٍ من نوعٍ ما. ولكن ثمّة حدٌّ لمشروعاتنا، نقطة يصل فيها كلُّ شيءٍ إلى نهايته، أكان هذا الشيء قد اختُتِم أم لا، وهذا الحدّ هو موتنا. هذا ما يسمّيه هايدغر «الكينونة-نحو-الموت» (being-towards-death).

وفي مطلق الأحوال، نغرق بفعل أزمنتا الماضية والإلهاءات بحيث ننسى – ببساطة – وجود حدٍّ أقصى لمساعينا؛ وبذا نعيش حياةً غير أصيلة، تبعًا لهايدغر. ولا يمكن لنا أن نبلغ الحياة الأصيلة إلا حين نُوجِّه حيواتنا إلى أفق موتنا.

الأصالة والميديا

يحاجج كيركغورد بأنّ الأخبار تمنع الناس من العيش بأصالة؛ إنّها فاعلٌ متطفِّل يقطع طريقنا المُفضية إلى التّجارب الحقّة. تخلق الثّقافة الشّاملة فقدانًا للمغزى الفردانيّ، الذي يسمّيه التّسوية (leveling). ووفقًا لكيركغورد، فإنّ معظمنا يتبنّى الآراء التي تُكوِّنها الأخبار تبنّيًا منفعلًا، بدلًا من الانخراط في فكرٍ أصيلٍ من خلال صياغة آرائنا الخاصة.

الواقع موجودٌ في الفعل

يخبرنا الفيلسوف الفرنسيّ جان-پول سارتر أنّنا وحيدون، منبوذون على الأرض وسط مسؤوليات لا حصر لها. ليس لنا غايةٌ إلا الغاية التي نُهيِّئ أنفسنا من أجلها؛ ولا مصير إلا المصير الذي نصوغه.

ولكنّ كثيرين منّا يبقون في حالة إنكار لمسوؤليّاتهم، كما يكتب سارتر. إذ نقع أسرى اعتقادٍ زائفٍ، نخدع أنفسنا بشأن هذه الحريّة الجذريّة. في كتابه الوجوديّة أنسنيّة، يكتب سارتر بصراحة لا ترحم. إذ يؤكّد: «عقيدتنا تُرعب الناس، ولا سبيل آخر لديهم للتخلّص من بؤسهم إلا حين يفكّرون: ´كانت الظّروف ضدّي، أستحقّ حياةً أفضل بكثير من الحياة التي لديّ. بصراحة، لم أعش حبًا عظيمًا أو صداقةً استثنائيّة؛ ولكن هذا يعود إلى أنّي لم ألقَ رجلًا أو امرأة جديرًا؛ لم أؤلّف كتبًا عظيمةً لأنّني لم أجد وقت فراغٍ يتيح لي التّأليف؛ ليس لديّ أطفال يمكن أن أتفرّغ لهم لأنّني لم أجد رجلًا أشاطره حياتي. وبذا أجد داخلي مجموعة مزايا حيويّة حقًا ولكن غير مُجرَّبة، أهواء وإمكانيّات تُسبغ عليّ قيمةً لا تتّضح عند استقصاء أيّ فعل من أفعالي السابقة.`

«ولكن بالنّسبة إلى الوجوديّين لا حبَّ إلا فِعال الحبّ … لا عبقريّة إلا التي يُعبَّر عنها في الأعمال الفنيّة؛ إذ تكمن عبقريّة پروست في أعماله بكلّيّتها؛ تُوجَد عبقريّة راسين في سلسلة تراجيديّاته، وما من شيء خارجها.

«لا شكّ أنّ هذه الفكرة قد تبدو قاسيةً لشخصٍ لم يحقّق نجاحًا في حياته. ولكن من جهة أخرى، إنّها تساعد الناس على فهم أنّ الواقع وحده هو ما يهمّ، وأنّ الأحلام، والتوقّعات، والآمال لا تُفيد إلا في جعل الإنسان حلمًا مكسورًا، وآمالًا مُجهَضةً وتوقّعات عقيمة؛ بمعنى آخر، إنّها تُعرّفه سلبًا، لا إيجابًا.»

تبعًا لسارتر، لسنا إلا محصّلة أفعالنا.

يقوم أوّل مبدأ من مبادئ الوجوديّة على أنّ الوجود يسبق الجوهر، وهذا يعني أنّه على عكس مؤقّت سلق البيض المُصمَّم من أجل سلق بيضة، ليس للبشر غاية محدَّدة. عبر أفعالنا وحسب نبدأ لاحقًا تحديد ما ستكون عليه غايتنا في الحياة. «الإنسان ليس إلا مشروعه»، كما يكتب.

ولكن، كما هي حال الأشياء الماديّة المحض، يخدع البشر أنفسهم حين يفكّرون بأنّهم محكومون بما هم عليه، بحيث يلقون بمسؤوليّة أفعالهم على الآخرين أو على شريعة أخلاقيّة. الواقع موجودٌ في الفعل فقط، تبعًا لسارتر. ففي الحياة، نُلزِم أنفسنا، ونرسم صورتنا، وما من شيء خارج هذا.

مناورة الرّغبة

القول إنّنا نمتلك حريّةً مطلقةً في السعي إلى معنى حياتنا يفترض مسبقًا عدم وجود شيءٍ يعيق طريقنا. ولكن الحال ليس هكذا دومًا.

في كتابها إتيقا الالتباس، تشير المؤلّفة والفيلسوفة الوجوديّة سيمون دو بوڨوار إلى أنّنا – كالأطفال – لا نتحمّل أدنى مسؤوليّة؛ إذ نعيش في عالمٍ موجود سلفًا بقيم موجودة سلفًا. ومع نضجنا وتكيّفنا مع حريّتنا سيصير بوسعنا البدء بالاضطلاع بمسائلنا. ومع ذلك، فإنّ كثيرين منّا ينكصون إلى طرق طفولتهم، مقايضين الحريّة بالأمان. ما السبب؟

بعضنا تتقطّع به السُّبل عن أهدافه؛ يُدفَع كثيرون منّا إلى ملاحقة رغبات ليست لنا. يمكن لنا أن نتصلّب في ملاحقة مساعٍ عقيمة فنُقصى بالتّالي من إمكانيّة خلق مستقلٍ ذي معنى لأنفسنا.

المشكلة هي أنّ المقموعين لا يدركون بأنّهم مقموعون في الغالب؛ إذ يرون العالم بوصفه عالمًا عصيًا على التّغيير، بوصفه «وضعًا طبيعيًا». والمهرب الوحيد هو التمرّد، تبعًا لدو بوڨوار. «لا يمكن للمقموع أن يحقّق حريّته بوصفه إنسانًا إلا بالتمرّد».

وبحسب تعبير دو بوڨوار: «الحياة مشغولةٌ بإدامة نفسها وبتجاوز نفسها في آن؛ ولو كان كلُّ ما تفعله هو صون نفسها، لن يكون العيش إلا عدم الموت فقط». تبعًا لدو بوڨوار، الحياة تتّسم بالتغيّر المتواصل، منظومةٌ [سستم] متغيّر يضيع فيه التّوازن ويُستعاد على الدّوام. تبعًا لها، العطالة مرادفٌ للموت.

 


New Philosopher: 6 January 2014

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق