مراجعات

العنف الطفولي وجذور الشرّ في سينما لين رامزي – آية طنطاوي

يقول الشاعر الفرنسي “شارل بودلير” في مقدمة ديوانه الشهير أزهار الشر:

“الحمق والضلال والإثم والشّح

تحتل نفوسنا وتجهد جسومنا

ونحن نغذي النّدم فينا

كما يغذي المتسوّل الطفيليات التي تتغذى من دمه

آثامنا عنيدة وندمنا جبان

ونحن ندفع غالياً ثمن اعترافاتنا”

يغرس بودلير في بداية ديوانه الآثام الذي تتغذى عليها النفس البشرية، فهذه النبتة المزروعة سلفًا بداخلنا هي أصل الشرور التي جاءت معنا بدون أن نتدخل فيها. عندما بدأ دانتي رحلة “الجحيم” رأى الشيطان ” كارون”، ورأى سلالة آدم الخبيثة تقذف بنفسها من ضفة واحدة كما تتساقط أوراق الخريف واحدة تلو الأخرى. الشر هو أصل كل ندم  وبلاء في الدنيا، والشر أصيل في النفس البشرية منذ أن وطأت أقدامنا هذه الحياة.

عام  1999 قدمت المخرجة الأسكتلندية لين رامزي أول أفلامها الروائية الطويلة Ratcatcher ثم انتقلت من اسكتلندا إلى إنجلترا وتوالت أفلامها الروائية الطويلة: Morvern Callar (2002)، We Need to Talk About Kevin (2011)، You Were Never Really Here (2017)

لين رامزي

والملاحظ أن أفلام رامزي تدور كلها في فلك فكرة/ موضوع واحد وتربطها موتيفات بصرية مشتركة تميز لغتها السينمائية بشكل فني واضح. في مقال بعنوان “ملاحظات حول سينما المؤلف” يحدد أندرو ساريس ثلاث عناصر لأسس سينما المؤلف وهي (الكفاءة العالية للمخرج، أن يفرض شخصيته وبصمته الخاصة على أفلامه، أن يحتوي كل عمل من أعماله على معنى داخلي). هذه العناصر الثلاث تتوافر كلها في سينما لين رامزي والتي نستطيع رصدها في نقطة رئيسة، وهي المعنى الداخلي المشترك في كل أفلامها؛ فموضوع “العنف الطفولي” الذي يمارسه الأطفال تجاه كل شيء، باعتباره جذورًا أصيلة للشر داخل النفس البشرية، هو المحور الذي تدور حوله أفلام رامزي، مع اختلاف كل فيلم في المعالجة الدرامية.

العلاقة بين الصوت والصورة

“إذا كانت الصورة تقول كل شيء حيِّد الصوت، وإذا كان الصوت يقول كل شيء حيِّد الصورة” هكذا كان يعتقد المخرج الفرنسي الشهير روبير بريسون، ولين رامزي كانت تسير على ذلك النهج أيضًا وتطبقه بإخلاص كما ذكرت في أحد المقابلات الصحفية معها، فهي لا تستهلك المتفرج بين المشاهدة والإنصات في آن واحد مما يساعد في تشكيل مفردات جديدة للغتها وتستكمل حالة التماهي مع شخصياتها قليلة الكلام التي لا تصرح بما في داخلها. ولنضرب أمثال مختلفة من أفلامها.

كنت أحسبه أنت: في المشهد الذي يرجع فيه جيمس إلى منزله في فيلم Ratcatcher  وأمه تقف في النافذة تظن أن الجثة التي تراها هي جثة ابنها. في هذه المشاهد يتوقف الصوت ويحل الصمت، نحن أمام مشهد تحبس فيه الأم أنفاسها فهي تظن أن ابنها هو من اكتشفوا جثته في البحيرة إلى أن ترى أنها جثة ابن جارتها ثم يعود بالتدريج مزيج لأصوات في الخلفية لقطار وأعمال حديد. يصعد جيمس بسرعة وهو مرعوب لكنه لا ينطق بكلمه، نسمع فقط أنفاسه. هذا الصمت وهذه الأنفاس تقول كل شيء، تلخص كل الخوف الذي يحمله بداخله.

ما لا نقوله أبدًا: السرد في فيلم We need to talk about kevin يقوم على مراوحه بين الحاضر والفلاش باك فلا نعرف الحقيقة كاملة إلا في النهاية، وما الذي حدث بين الأم وابنها، في أول مشهد لزيارة الأم لابنها في السجن في بداية الفيلم يحل الصمت على الاثنين، ستبدأ الأم في الحديث لكنها تتراجع، وينتهي المشهد دون أن نسمع أي كلمات. تتكرر لقطات مختلفة في مراحل مختلفة بين الأم وابنها تفصل بينهما مسافة ويحلّ عليهما الصمت، الصمت هو جوهر العلاقة بينهما، بالتحديد المشاعر المكبوتة التي يكنها الطرفين لبعضهما البعض ولا يصرحا بها، هذه الفجوة التي نظن أن الكلام بينهما سيضيقها لكنها للآسف تزداد اتساعًا. الصمت هنا مفتاح هام لفهم طبيعة العلاقة بينهما.

جثة أمي: في مشهد شديد القسوة في فيلم You Were Never Really Here نتتبع جو وهو يدخل بيته ويجد أمه مقتولة في سريرها ووجهها مغطى بوسادة، مشهد مؤلم ووقعه شديد الثقل، نتابع جو في كشفه لجثة أمه والصمت سيد الموقف، هنا اختارت لين أن تحيّد الصوت تمامًا وتتركنا نتابع بعيوننا مشهد الابن وهو يرى أمه قتيلة بسبب تسوية حسابات هو متورطٌ فيها.

سأستعير هنا مقطع من قصيدة “في الانتظار” لمحمود درويش ليساعدنا قليلاً على فهم حالة تحييد الصوت/ الصمت في المشاهد السابقة.

في الانتظار، يصيبني هوس برصد الاحتمالات الكثيرة

والانتظار هو لحظات الصمت التي يقضيها الشاعر في انتظار قدوم محبوبته، هذه اللحظات لا يحدث فيها شيء سوى مونولوج داخلي طويل لتخمينات الشاعر لماذا تأخرت حبيبته؟ والصمت عند لين توظفه في مشاهد عادية ومشاهد نتوقع فيها الكثير من الكلام، لكن تختار أن تواجهنا بالصورة فقط، كأنها تعطينا مساحة لتأمل ملامح الشخصيات لنسأل نفسنا “ترى، فيم يفكر؟” .. “ترى، ماذا ستفعل؟”. هذا الصمت يورطنا دون أن ندري في الحكاية، في تخمين الاحتمالات الكثيرة وفي الاستغراق في الدخول أكثر للشخصيات لنقول على لسانها/ لنفكر بلسانها في هذه المشاهد.

العنف كمعنى خفي

اشتهرت السينما الهوليودية بأفلام العنف، فإذا ذكرنا فيلم جريمة أو فيلم suspense أو فيلم western يتبادر لأذهاننا صوت طلقات النار والمعارك الطويلة والمطاردات بين الأشرار والأخيار. لكن العنف عند رامزي هادئ وخفي، في فيلم we need to talk about kevin نرى الجثث تخرج من المدرسة بعد ارتكاب قتل كيفن كل زملاؤه، ونرى جثة الأب والاخت في الحديقة فنقول حدثت هنا جريمة، تستدعي ذاكرتنا كل مشاهد القتل التي شاهدناها من قبل في أفلام أخرى أو حتى في الواقع لكن لين تختار أن تضعنا أمام نتيجة الجريمة/ العنف، فيكون المشهد أشد عنفًا. نفس المشهد نراه في فيلمها الأخير، مشهد موت الأم، وكل مشاهد القتلى في الفيلم، نصطدم بالجثث لا بالجريمة.

جذور الطفولة

الأفلام الثلاثة السابقة بينهما رابط واضح ومشترك، طفل لا يعيش طفولة سوية، يواجه مشاكل أسرية، ويمارس الجريمة. والحالة والأسباب في كل فيلم تختلف. في فيلم Ratcatcher يقتل جيمس صديقه بالخطأ ودون قصد في مناوشة بالأيدي على البحيرة، فيهرب ولا يخبر أحد بجريمته، ما فعله جيمس شيء وارد في سلوكه العادي، فهو يتشاجر مع أخته ويخنقها، يسير في الشارع ويتهاوش مع الطيور ويفزعها، هو والأطفال في حيه لا يتعاملون مع بعضهم ببراءة، ولا حتى مع الحيوانات، وبالتحديد الفئران التي تنتشر في مدينتهم الصغيرة وتنقل لهم الأمراض. الأطفال في سلوكهم مع بعضهم يتعاملوا بإيذاء ولا يجدوا من يقومهم. أهل جيمس غير مثاليين، يعيشون في فوضى غير آدمية، وسلوك الأبناء يعكس بيئتهم التي ينشؤوا فيها، حتى على مستوى الحي الفقير الذي تنتشر فيه القمامة في كل مكان. لا تشير لين بأصابع الاتهام تجاه الآباء بصورة مباشرة، لكنها تنهي الفيلم بإرتحال الأهل إلى البيت الجديد البعيد الذي اكتشفه جيمس بالصدفة، البيئة الجديدة التي يرتحلوا إليها ترمز للبيئة الجديدة التي ستجعل منهم أفضل.. ربما.

وفي فيلم we need to talk about kevin نتابع إيفا وفرانكلين في بداية علاقتهما مرورًا بالزواج وإنجاب كيفين الذي سيتحول للكارثة الجديدة التي ستدمر هذه الأسرة، بداية بالأم. كيفين مريض بفرط الحركة منذ صغره، ثم التأخر في الكلام، كل هذه الأمور الصحية -والتي لم يصفها الطبيب بالخطرة عليه- تسببت في أن يكون كيفن طفل غير طبيعي. ترهص لين بأن الأم لم تكن راغبة في هذا الحمل منذ البداية، وأن مشاعر عدم المحبة هذه ربما انتقلت إلى الطفل عبر الجينات، وهو ما أصبح عليه الطفل بالفعل فعلاقته بأبيه طبيعية وشديدة الحميمية، لكن علاقته بأمه غريبة، فهو يتعمد إيذائها ومضايقتها وعدم الاصغاء لكلامها منذ صغره ومنذ مرحلة تشكل وعيه بالعالم. يستمر الأمر معه إلى أن يصل لمرحلة المراهقة فيقوم بإرتكاب أبشع الجرائم، قتل زملائه في المدرسة، وقتل أبوه واخته الصغيره.

أما فيلمها الأخير you were never really here  فنحن أمام قاتل أجير، لكن هذا القاتل تراوده طول الوقت لقطات من طفولته حيث كان يختبئ في دولابه ويدفس رأسه في كيس بلاستيكي ليختبئ من شجارات والده العنيف مع أمه، وفي مشهد آخر بالغ القسوة، لا نفهم ملابساته، نجد شخصًا يعطيه حلوى في مقابل أن يقتل أحدًا. الحلوى مقابل القتل لقطة تشكل وعي طفل بالتأكيد سيصبح عندما يكبر قاتلًا. وهذا القتال لا يزال يحمل سمات طفولية واضحة في سلوكه، فهو يأكل الحلوى، يدندن طول الوقت أغاني أطفال، وفي علاقته مع أمه هو لا يزال فتاها الوحيد المدلل، فهو بداخله طفل كبير لم يكبر بعد.

مجانية الموت

    استكمالاً للنقطة الأخيرة (الحلوى مقابل القتل) نعود مرة أخرى لنقطة هامة تتكرر أيضًا في أفلام لين الثلاثة، فالموت فيها مجاني وسهل لا يحتاج مجهودًا، طفل يتهاوش مع صديقه فيغرق ويموت، مراهق يشتري أدوات خطرة عبر الإنترنت فتصله إلى البيت بسهولة ويرتكب بها جريمة قتل جماعي، وتتحول لعبة “السهام” التي تعلمها من أبيه من مجرد لعبة لأداة قتله له، وصولاً للقاتل المحترف الذي لا يحمل سلاح في جيبه بل يدخل أي سوبرماركت يشتري مطرقة  ويقتل بها. هذه الإشارات المتكررة في الأفلام تحيلنا إلى الشعور بسهولة القتل/ الموت، وهو ما يجعل الحياة بلا معنى أيضًا، وهو ما نجده بالفعل في حياة “جو” والذي يحاول أكثر من مرة الانتحار لكنه لا يكمل أي محاولة للنهاية.

ينهي بودلير قصيدته التي ذكرناها في البداية، فيقول:

وكل الوحوش التي تزمجر وتدمدم وتزحف

داخل نفوسنا الآسنة الوضيعة

هناك واحد هو أشدّها دمامة وخبثاً ونجاسة

وهو، وإن كان قليل الحراك ضعيف الصوت

مستعدّ بجولة واحدة أن يصنع من الأرض أنقاضاً

وبتثاؤبة واحدة أن يبتلع العالم

إنه الضجر الذي يحلم بالمشنقة وهو يدخّن نرجيلته”

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق