مراجعات

العمل العميق: قواعد النجاح المركز في عالم مشتّت

ترجمة: بشاير الشهري | مراجعة: أمل المظاهر

إن من أفضل الكتب التي قرأتها مؤخرًا في تطوير الذات كتاب العمل العميق، لكاتبه كال نيوبورت، ومما يميز هذا الكتاب بالنسبة لي هو بعده عن القصص الركيكة والمكررة خلافًا للعديد من الكتب التي تصبّ في هذا المجال. ورغم إيجاز هذا الكتاب إلا أنه جاء مليئًا بالأفكار النيرة التي تلامس مواضيع في غاية الأهمية. واختيار نيوبورت هذا العنوان تحديدًا كان مدخلًا جيدًا، ومناسبًا لما هو بصدد طرحه.

ويعرف نيوبورت العمل العميق بأنه: “مهام صعبة تُؤدَّى بتركيز، وبوسط خالٍ من مسببات التشتيت مما يدفع قدرتك الإدراكية إلى أقصاها، هذا النشاط يخلق قيمة جديدة، ويطور من مهارتك، وليس من السهل تكراره”. (العمل العميق، كال نيوبورت)

ربما يتساءل بعضكم عمَّا إذا كان بحاجة إلى قراءة كتاب بأكمله عن هذا الموضوع، وجدوى تلك القراءة وغايتها بالنسبة له، وهنا لا يترك الكاتب هذا السؤال دون إجابة منه، فهو يسعى إلى إقناعنا بأن العمل العميق في عصرنا هذا يُعدُّ أكثر أهمية من أي وقت مضى، قائلًا: ” لتبقى ذا قيمة في اقتصادنا الحالي، عليك إتقان فنّ تعلم الأشياء المعقدة بسرعة. وهذه المهمة تتطلب العمل العميق. وإذا لم تصقل هذه المهارة فإنك على الأرجح ستخطو خُطىً متأخرة في ظل تقدم التكنولوجيا وتطورها.

والسبب الآخر الذي يجعل العمل العميق ذا قيمة هو أن الثورة الرقمية سلاح ذو حدّين. فإذا كان بمقدورك تقديم شيء ذي فائدة، فهذا سيعود عليك بالنفع لكثرة عدد المستفيدين منك، كالموظفين أو العملاء. ومن جهة أخرى إذا كان إنتاجك متواضع المستوى فإنك في معضلة؛ لأن المستفيدين من المنتج يستطيعون الحصول على بديل أفضل بسهولة على شبكة الانترنت”. (العمل العميق، كال نيوبورت)

يتبيّن لنا إذن أن العمل العميق هو الفارق بين أولئك القادرين على دعم أنفسهم بمهنة أو عمل من اختيارهم، وأولئك المُكرهين على القبول بأي نوع من الوظائف المتاحة لهم. وهذا يعني بمعنى آخر أن العمل العميق هو مفتاح الذين يتطلعون إلى تشكيل ورسم مصائرهم بأنفسهم بدلاً من السير في الحياة بخطىً هائمة.

إن القدرة على العمل العميق لا تقف على الاختيار فحسب، بل هي مهارة من المهم صقلها وتنميتها، ولهذا يُعد كتاب العمل العميق مرجعاً قيّماً؛ لاهتمامه الكبير بالجانب الإجرائي من خلال ذكر كثير من الخطوات والتمارين التي تؤهلنا لإتقان هذه المهارة.

أشار البحث الذي أجراه الطبيب النفسي انديرز اريكسون إلى أن حدّ التركيز المكثف المطلوب لأداء العمل العميق بالنسبة لشخص مستجد على هذه المهارة هو ساعة كحد أقصى. يمتلك الذين يتعمدون تطوير مهارة العمل العميق القدرة على جعل أدائهم عالي التركيز يمتد إلى أربع ساعات. يطلق آريكسون على هؤلاء لقب “الخبراء”. هؤلاء الذين يصلون إلى هذا المستوى المتقدم عادة هم الذين يُنظَر إليهم بعين الدهشة؛ نظراً لغزارة إنتاجهم إن كانت لديهم ملَكات خاصة منذ الولادة. ولكن ما يميز هؤلاء الأشخاص هو قدرتهم على العمل العميق لفترات طويلة، بيدَ أنه بإمكاننا جميعاً صقل هذه القدرة.

إضافة إلى ما سبق ذكره، من المهم الإشارة إلى أن قوة بعض الأشخاص في الإنجاز – في حالة العمل العميق- تخور حتى في الفترات القصيرة؛ نظراً لأثر التكنولوجيا الجديدة التي تسلب منا الانتباه والتركيز.

يقول نيوبورت: ” إذا تعود الدماغ على مشتتات الانتباه المحيطة به والتي يسهل الوصول إليها؛ فإنه من الصعب كسر هذا الإدمان حتى مع رغبتك على التركيز. ولتوضيح الصورة أكثر: في كل مرة يخالجك الشعور فيها بالملل، كالانتظار في الطوابير أو الجلوس وحيداً في مطعم لِحين وصول صديقك، تسترق النظر فيها إلى هاتفك الذكي، فإن عقلك يصل إلى نقطة لا يكون فيها مستعداً للعمل العميق، حتى وإن انتظمتَ على وقت معيّن للتدرب على ممارسة مهارة التركيز هذه”. (العمل العميق، كال نيوبورت)

يقدم كتاب نيوبورت سلسلة من الطرق المفيدة التي “تدرّب عقلك” -كما يصف الكاتب-، و”تغير” عاداتك في العمل لتجعل العمل العميق من صميم حياتك العملية “.

وتحتوي هذه الطرق على خطوات إرشادية لتطوير مهارة التركيز العالي لدى الأشخاص، بالإضافة إلى مساعدتها مدمنيَّ مشتتات الانتباه على ترك هذه العادة.

بينما تُحسّن مهارة العمل العميق إنتاج الشخص وتزيد في جودته من جانب، فإنها كذلك تحسّن جودة الحياة كَكُل من جانب آخر، كما أشار عدة فلاسفة وأطباء نفسيين؛ لأن الحياة الجيدة تتطلب غاية جيدة، ولن نمضي قدُماً في تحقيق غايتنا دون هذه المهارة التي تمنحنا الشعور بالرضا إزاء تحقيقها.

ويشير كال نيوبورت كذلك إلى أهمية المشاركة وفاعليتها في العمل العميق، فإذا طوّر الناس هذه المهارة فإنهم سيلاحظون أنهم يحُرزون تقدمًا ملحوظًا في تحقيق أية أهداف تُسهِّل عليهم الوصول إلى غاياتهم. فمن السهل أن نمتلك أحلاماً كبيرة، ولكن إذا كانت أحلامنا لا تقودنا إلى شيء ذي بال، كما هو حال الذين لا يتقنون مهارة العمل العميق، فإن الحياة لن تعدو أن تكون صِراعًا داخليًا مستمرًا. لهذا أوصي وبشدة بقراءة كتاب العمل العميق.

 


المصدر

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق