مقالات

الشّكوكيّة – ستيفن غامبارديلا | ترجمة : جوزيف بو شرعة

يقولون «عندما تكون في روما افعل ما يفعله الرّومان»، لكنّ الفيلسوف الإغريقيّ قرنيادس «Carneades» كانت لديه آراء أخرى بهذا الشّأن.

أُرسل رئيس أكاديميّة أثينا المشهورة إلى روما سنة 155 ق.م. في بعثةٍ ديبلوماسيّة. فقد غرّم الرّومان أهل أثينا خمسمئة طالنط لمهاجمتهم مدينة أوروبوس «Oropus»، وكان على عاتق قرنيادس وأصدقائه الديبلوماسيِّينَ إقناع حكّامهم الرّومان على تخفيض الغرامة.

ولأنّ الأثينيّينَ كانوا مشهورينَ بإتقان فنّ الخطابة وُجِّهَتَ دعوةٌ لهذا الفيلسوف الشكّاك «Sceptic/Skeptic» إلى إلقاء خطبةٍ أمام جمهورٍ رومانيّ. وقد كان الرّومان، وخصوصًا الأجيال اليافعة منهم، معجبينَ آنذاك بتفنُّن الثّقافة الإغريقيّة.

قَبِلَ الفيلسوفُ العرض، وأعطى أوّلَ محاضرةٍ له حول فضيلة العدالة. وحسنًا تحدّث عن قيمة العدالة وقوانين روما، مستندًا بذلك على أفكار أفلاطون «Plato» وأرسطو «Aristotle».

وجادل أنّ العظمة لا تأتي إلاّ للرّجل العادل، لأنّ الظُّلْمَ يؤذي الظالم مثلما يؤذي المظلوم. وقد أُعجب بشكلٍ هائلٍ هذا الجَمْعُ المُحتشد حول الفيلسوف بكلامه.

وفي اليوم التّالي صعد قرنيادس على المسرح وتفوّهَ بنقيض ما قاله في اليوم السّابق.

فنكر المفهوم القائل بأنّ العدالة طبيعيّةٌ، وسخر من فكرة أنّ الدّولة الرّومانيّة دولةٌ عادلةٌ. إذ تصبح الأمم العظيمة – مثل روما – عظيمةً بفعل الأفعال الشرّيرة التي مورست ضدّ الضّعفاء. لذا لا فائدةَ من العدالة، والرّومان كانوا حكماء في كونهم ظالمينَ.

كان هدف هذه المحاضرات برهنة أنّ أيّ مزعمٍ ينادي بالمعرفة والحقيقة هو قائمٌ على أسُسٍ غير متينةٍ. فيمكن إقناع الجَمْع بأنّ العدالة هي أعلى فضيلةٍ يومًا، ثمّ إقناعهم بأنّها بُهتانًا في اليوم التّالي. لم يكن كلا الاستنتاجين «مُصيبينِ»، بل كان كلّ استنتاجٍ غيرَ مبرّرٍ له.

كان الرّومان اليافعون محتارين لكنّهم على الرَّغم بقوا مذهولينَ، أمّا الرّومان البالغون فتملّكهم الذُّعر. وهكذا بسبب سفسطة قرنيادس أعاد السّناتور المُتزمّت كاتو الأكبر «Cato the Elder» هؤلاء الدّيبلوماسيّينَ الإغريق إلى بلادهم.

بيرون: طريقةٌ جديدةٌ في التفكير

لدى الشكوكيّة مشكلة علاقاتٍ عامّةٍ «public relations problem» في العالم المعاصر للسّبب نفسه. فقد كانت في العالم القديم متفنّنةً أكثر بكثيرٍ من المدارس المنافسة لها، ومنها الرّواقيّة «Stoicism» والأبيقوريّة «Epicureanism»، لكنّها لم تملك عامل الجذب نفسه الذي امتلكته تلك المدارس. وذلك لأنّ الشكوكيّة مضادةٌ للعقيدة «anti-doctrine»، وتتمحور حول كون المرء ذكيًّا بدلاً من كونه مُحِقًّا. وعوضًا عن امتلاك مجموعةٍ من الاعتقادات حول العالم ذات تعريفاتٍ إيجابيّةٍ، رأى الشكّاكون أنّ الخلاص كامنٌ في نبذ كلّ اعتقادٍ ليس بفطريّ فعلاً.

إنّ تشديد هذه المدرسة على النّقد عوضًا عن تركيب وجهات نظرٍ كلّيّةٍ «universal perspectives» ونظمٍ أخلاقيّةٍ هو ما يجعلها أقلّ جذبًا للنّاس الذين يحاولون اكتشاف دربهم في العالم. وتبدو الشكوكيّ في ظاهرها أكاديميّةً جدًّا، ولكن لطالما كانت غايتها معالجة الاضطراب الذّهنيّ «mental disturbance».

تعود أصول الشّكوكيّة إلى القرن الرّابع ق.م. مع بيرون الإيلسيّ «Pyrrho of Elis». إذ كانت مهنة مؤسّس هذه المدرسة الرّسم لكنّه ما لبث أنْ أصبح مُهتمًّا بالفلسفة.

صورة لبيرون الإيليسيّ من كتاب تاريخ الفلسفة لتوماس ستانلي، 1655 (المصدر: ويكيبيديا).

 

سافر بيرون مع جيش الاسكندر خلال فتوحاته في آسيا (إنّ مسألة اشتراكه في الحرب خِلافيّةٌ). ففي الهند وبلاد فارس تعرّف على أفكار مختلف الفلسفات الشّرقيّة، ومن ضمنها الفلاسفة العراة «naked philosophers» (أو الحكماء العراة «Gymnosophists») في الهند، والذين التَزَموا بحياة نسكٍ «asceticism» وتأمّلٍ كاملٍ.

عاد بيرون إلى إيليس «Elis» عازمًا على عيش حياة نسكٍ واكتفاءٍ ذاتيّ. وقد طوّر طريقةً جديدةً في التفكير عوضًا عن نظامٍ جديدٍ للتّفكير، هذه الطريقة رفض عبرها بيرون العقائد الفلسفيّة السّابقة التي تعلّمها. لم يكتب بيرون شيئًا، وكلّ ما نعرفه عنه وصلنا بمعظمه من مصادرَ ثانويّةٍ.

وما نعرفه من أفكار الفيلسوف الرئيسة وصلنا عبر عددٍ من المصادر، وأشهرها ما كتبه طبيبٌ رومانيٌّ يُدعى سكستوس أمبيريقوس «Sextus Empiricus»، الذي عاش حوالى 400 سنة بعد بيرون. يُطلعنا سكستوس على أفكار البيرونيّة «Pyrrhonism» الرئيسة وكيف طُبّقَت على أيدي بيرون وأتباعه في الممارسة الفعليّة.

اِلْتَزَمَ الفيلسوف بأسلوبٍ يسهل تحديده. إذ إنّ هدف البيرونيّة هو بلوغ حالة الطّمأنينة «Ataraxia» – أي التّحرّر من الاضطراب الذهنيّ _ ويمكن الوصول لهذه الحالة عبر التخلّص من الأحكام المتعلّقة بتجاربنا عن العالم.

بالنّسبة لبيرون لا يمكن الاعتماد على إدراكاتنا الحسّيّة، وتاليًا ليست اعتقاداتنا صادقةً أو كاذبةً ولا ينبغي علينا الاستناد عليها. ولذلك لا ينبغي علينا الاعتقاد أو ربط أنفسنا بآراء، لأنّ آراءنا واعتقاداتنا لن تسبّب لنا سوى الاضطراب الذهنيّ.

ولكي أصوغَ الأمر بشكلٍ سهلٍ فإنّ أساس الشّكوكيّة هو الآتي: اليقين من أيّ شيءٍ أمرٌ مستحيلٌ، والاعتراف بذلك يفيدنا أكثر ممّا يضرّنا.

وبالمعنى الحديث لكلمة الشكوكيّة، أنْ تكونَ شَكّاكًا يعني ألّا تعتقدَ. إذ يوصف العلماء أمثال ريتشارد دوكينز «Richard Dawkins» بالشكّاكين لأنّهم يعدّونَ الدِّين والماورائيّات أفكارًا كاذبةً. لكنّ المدرسة الشّكوكيّة في اليونان القديمة مختلفةٌ عن المعنى المعاصر للكلمة. لذا من المهمّ أنْ نفهمَ أنّ الشكوكيّة القديمة مرتبطةٌ بتعليق إطلاق الحكم بشكلٍ كاملٍ، أي النّظر إلى الأمور على أنّها ليست صادقةً ولا كاذبةً، لا النّظر إليها على أنّها مجرّد كاذبة. أمّا اللّفظة اليونانيّة لهذا التّعليق فكانت إيبوخه «Epoché».

اعتَقَدَ بيرون وأتباعه أنّه كي يعيشَ المرء من دون رأيٍ، ومع عقلٍ منفتحٍ دومًا لا يختار بين هذا الطريق أم ذاك، يعني أن يعيشَ المرء في حالةٍ من الطّمأنينة.

الطّمأنينة (الأتاراكسيا)

إنّ كلمة «أتاراكسيا» مهمّةٌ جدًّا في الفلسفة اليونانيّة القديمة، وتُترجم تقريبيًّا بـ«غير مضطربٍ». وغالبًا ما استُعملت الكلمة في السّياق العسكريّ على أنّها حالة الثّبات المثاليّة لذّهنيّة الجنديّ قبل خوضه المعركة.

 لوحة الصيف لجون فرانسيس بيترز، صيف 98، 1998 (المصدر: جون فرانسيس بيترز مع أخذ الإذن منه مشكورًا).

إنّها حالةٌ طبيعيّةٌ «هادئةٌ» للسّكينة، عوضًا عن كونها حالةً ذات تعريفٍ إيجابيٍّ، مثل «سعيدٍ» أو «متحمّسٍ»، لكنّها على الرّغم من ذلك حالةٌ ذهنيّةٌ إيجابيّةٌ. كما هي الحال عندما تكون أجسادنا الخالية من الأمراض في حالةٍ من الاستِتباب «Homeostasis» كذلك تكون الطّمأنينة بكلّ بساطةٍ غيابًا للاضطراب.

يأتي الاضطرابُ بأشكالٍ متعدّدةٍ، لا في هيئة خوفٍ فقط – فقد نرغب شيئًا لا نستطيع امتلاكه، أو قد نكون مُجهَدينَ أو حزينينَ بشأنِ فقدان شيءٍ امتلكناه. بكلّ أسفٍ إنّها حالةٌ حيث يمضي فيها العديد من النّاس معظم حيواتهم – قلقينَ بأمور المال، والشعبيّة، وضغط العمل أو الحياة العائليّة.

في حالات الذّهن المضطرب جميعها، سيجادل الشَّكّاكُ أنّك أطلقتَ حُكمًا يتعلّق بما يزعجك. إذن إنّ السّبب الأساسيّ لاضطرابك هو رأيك.

على سبيل المثال، قد أكون مضطربًا «perturbed» لأنّ لديّ رغبةً قويّةً للاستحصال على قطعةٍ من المجوهرات. إنّ أساس تلك الرّغبة هو اعتقادي بأنّ المجوهرات تستحقّ رغبتي فيها لأنّها جميلةٌ. لكنّ الشَّكّاك سيسأل: على أيّ أساسٍ حَكَمْتُ على هذه القطعة من المجوهرات أنّها جميلةٌ؟

إنّه حكمي أنّ تلك القطعة من المجوهرات جميلةٌ هو ما جعلني مضطربًا. لذا طالما أنّي أعلّقُ الحكم – عبر اعتبار المجوهرات أنّها ليست جميلةً ولا عاديّةً ولا قبيحةً – سأكون في حالة الطّمأنينة.

وثمّة مثلٌ غالبًا ما يُستعمل لوصف حالة الطّمأنينة، وهو قصّةٌ قيلت عن ردّة فعل بيرون حينما ضربت عاصفةٌ السّفينة التي كان هو مسافرًا على متنها. فقد كان الركّاب مرعوبينَ من إمكانيّة تحطّم السّفينة جرّاء العاصفة. بيد أنّ بيرون، بحسب ما ذكره ديوجينيس اللاّيرتيّ «Diogenes Laertius»، بقي «هادئًا وساكنًا، ثمّ قال، مشيرًا إلى خنزيرٍ صغيرٍ كان على متن السّفينة يأكل بعيدًا عنه، أنّ على الحكيم أنْ يستريحَ في حالة تحرّرٍ من الاضطراب كحالة ذلك الحيوان.»

إنّما خلافًا للخنزير استوعب بيرون الموقف الخطير الذي كان فيه. لكنّه علّق حكمه حول إمكانيّة تحطّم المركب، أو تعرّضه للأذى، أو إذا كان الموتُ شيئًا سيّئًا.


 لوحة مستوى الأرض لجون فرانسيس بيترز، 1993 (المصدر: جون فرانسيس بيترز مع أخذ الإذن منه مشكورًا). إنّ تعليق الحكم يعني تخليص تجربتنا في الحياة من آراء البشر.

هذا يناقض تمامًا الحكاية التي قصّها سينيكا «Seneca» عن الرواقيّ في البحر الذي تحوّل لونه شاحبًا خوفًا حينما واجه العاصفة، وعلى الرّغم من ذلك لم يستسلم للانفعال البدائيّ «Proto-passion» للخوف كي يصبح مرعوبًا كحال باقي الركّاب.

وفي حين أنّ الرواقيَّ سيتقبّل حقيقة أنّ الموقف كان خطيرًا، ومن ثمّ سيجادل أنّ الوضعَ كان خارج سيطرته، سيرفض الشكّاك ببساطةٍ الالتزام بأيّة اعتقادٍ تستلزمه كلمة «خطر».

ويذكر ديوجينيس عددًا من النّوادر لبيرون حيث يضع نفسه في مواقفَ خطيرةٍ عبر نفيه واقع وجود العربات التي تجرّها الأحصنة، الكلاب الضّارية، والمنحدرات.

فيما قد تكون تلك النّوادر مبالغاتٍ فإنّ أسلوبَ بيرون يوحي بالجنون. كيف بإمكانك أن توجد إذا نفيت الوقائع الأساسيّة التي تمكّننا من العيش، أنّ باستطاعة النّار أنْ تكون حارّةً، أو أنّ باستطاعتنا الموت إذا ما تُركنا ظمآنين؟

يبدو الجواب على أنّ الشكّاكين أمثال بيرون عاشوا وفقًا لحاجاتهم الفطريّة، ولتقاليدهم، ولأعرافهم. ما أعنيه بـ«حاجاتهم الفطريّة» هو أنّهم استمعوا إلى أجسادهم، مثلاً أطاعوا الجوع. وما أعنيه بالعادات والأعراف أنّهم احتكموا إلى قوانين وعادات المجتمع الذي عاشوا فيه من دون الاعتقاد فعليًّا بهذه القوانين أو العادات.

وكتب سكستوس أمبيريقوس: «نحن الشكّاكون نتّبع في الممارسة سير هذا العالم، ولكنْ من دون الاحتفاظ بأيّ رأيٍ متعلّقٍ بهذا العالم.»

فقد سار الشكّاكون في عبادة آلهة المدن في اليونان وروما من دون الاعتقاد أو عدم الاعتقاد بوجودهم، وذلك لكي «يتجنّبوا اندفاع العقائديّينَ.»

وربّما لهذا السبب رأى برتراند راسل «Bertrand Russell» الشكوكيّة على أنّها فلسفةٌ ضعيفةٌ. وكتب في تاريخ الفلسفة الغربيّة «History of Western Philosophy»: «كانت الشكوكيّة عزاء الإنسان الكسول، لأنّها أظهرت الجاهل حكيمًا تمامًا كمثل رجال العلم المحترمين.»

ضدّ العقائد

لكنّ الشكوكيّة تبدّلت كثيرًا، وأصبحت أكثر تعقيدًا مع تقدّم العصر الهلنستيّ. ومن يجادل أنّ أفكار المدرسة مرادفةٌ للجهل فهو لا يفهم مهمّة هذه المدرسة وقدرتها الفكريّة المتضمّنتينِ في المجادلة الشّكوكيّة.

إذ سيجادل الشكّاك أنّ الجاهل هو الذي يسعى إلى العقائد «Dogmas» – أي تلك التفسيرات السّهلة لمشاكل حيواتنا، فقط لكي يعثرَ على مشاكلَ جديدةٍ عبر الالتزام بالاعتقادات.

وكتب ميشال دو مونتين «Michel de Montaigne»، الفيلسوف الذي أحيا الاهتمام بالشّكوكيّة خلال عصر النّهضة: ««ماذا عليّ أن أختار؟» «ما تحبّه طالما أنّك تختار!» ثمّة جوابٌ تافهٌ تتوصّل إليه العقائد كلّها على الرّغم من كلّ شيء، وعبره لا يُسمح لنا عدم معرفة ما لا نعرفه.»

سنة 267 ق.م. سيطر الشكّاكون على الأكاديميّة الأثينيّة «Athenian Academy» التي أسّسها أفلاطون قبل قرنٍ من هذا التاريخ.

وفي هذه الحقبة من «الشّكوكيّة الأكاديميّة» «Academic Sceptisim» طوّرت المدرسة مجموعة أدواتٍ فكريّةٍ ومواقفَ لتؤكّدَ أنّ قوّة التفكير تستطيع التّقليلَ من شأن مزاعم الحقيقة واليقين كلّها. وطُوّر عددٌ من الأسباب لتأكيد أنّ لا حقيقة صائبةٌ «valid» فعليًّا.

وبقيت مسألة العيش الكريم «well-being» محتلّةً مركز هذه الفلسفة، لكنّها بالغت في التّعقيد إلى حدّ أنّها باتت نوعًا من فلسفةٍ مضادّةٍ لا تفيد إلاّ التّقليل من شأن أيّ نوعٍ من الاعتقاد.

كان الشكّاكون معارضين شريسين للرّواقيّين والأبيقوريّين – وهما نظاما اعتقادٍ هيمنا على العالم القديم – وربّما قد طوّر قرنيادس مفهوم «البيثانون» «Pithanon» كردٍّ على اتّهامات بالعدميّة «nihilism»، ويُترجم المفهوم تقريبيًّا «بالممكن» أو «المقبول».

ذلك المفهوم لم يكتبْه قرنيادس، ولقد كان موضع خلافٍ بين الفلاسفة حول ما قصده قرنيادس فعليًّا بهذه الفكرة.

يمكن قراءة المفهوم بطريقتين: واحدةٌ سلبيّةٌ وأخرى إيجابيّةٌ. بالمعنى السّلبيّ يستطيع البيثانون التّقليل من شأن أيّ مزعمٍ بالحقيقة، مثلاً: إذا سيجادل رواقيٌّ بوجود الأنيما «Anima» (الرّوح) فيستطيع شكّاكٌ الردّ عليه «بأنّها فكرةٌ مقبولةٌ، إنّما كذا». يمكن لمصطلحٍ ذي بنيةٍ متينةٍ منطقيًّا أو مبنيّةٍ على الملاحظة أنْ يكون مقبولاً، بيد أنّه لا يمكن أنْ يكونَ صادقًا كلّيًّا. وبالمعنى الإيجابيّ يسمح لنا البيثانون بتشكيل أفكارٍ حول العالم تمكّننا من العيش بشكلٍ أفضل، لكنّها تعجز على أن تكون مزعمًا بالحقيقة. هذا يعطينا المجال للتفكير في حين أنّه يُبقي على الأسلوب اللاملتزم الذي تتطلّبه الطّمأنينة.

لقد كان الأسلوب اللاملتزم لدى الشكّاكينَ أسلوبًا حكيمًا في زمن صراعات العقائد. في حين أنّ البعض منهم كان مستعدًّا للتّماشي مع الممارسات والتّقاليد المشتركة للمجتمع (وذلك بحسب خطورة وضعهم للتساوي)، وهؤلاء الذين ساءلوا الأيديولوجيّات المهيمنة – وأحيانًا على حساب حياتهم كما في حالة قرنيادس المذكورة سابقًا – كانوا يضعون المجتمع أمام المُساءلة.

يمكن لاعتقاداتنا أن تكون مدمّرةً لا لأنفسنا فقط، لكنّها تستطيع أيضًا أنْ تحرّضَنا على بعضنا. بذلك تكون الشّكوكيّة بحالٍ أو بأخرى فلسفةً طوباويّةً «Utopian philosophy» _ ألاّ تلتزمَ باعتقادٍ يعني ألاّ تلتزمَ بصراعٍ أو بخلافٍ.


لوحة ضد الموج لجون فرانسيس بيترز، 1998 (المصدر: جون فرانسيس بيترز مع أخذ الإذن منه مشكورًا).

عدم الالتزام

ثمّة ميلٌ فينا جميعًا للالتزام بوجهات نظرٍ للعالم. إذ بنا نلتزم بالمعتقدات، والفلسفات، والقناعات السياسيّة، والأذواق، والفِرَق الرّياضيّة. فقط ألقِ نظرةً على تويتر حيث لدى الجميع سيرةً مصغّرةً «bio» تعلن ما ومن يكونونَ. إنّ اعتقاداتنا المتعلّقة بالعالم تحدّدُنا جزئيًّا وأحيانًا كلّيًّا.

يبدو أنّ النّاس يختارون من قائمةٍ العقائد والاعتقادات اللّامتناهية المتعلّقة بالعالم، ثمّ يلتزمون بها. إذ لديك المحافظ، اللّيبراليّ، الاشتراكيّ، الجمهوريّ، الملكيّ، القوميّ، الأُمميّ، الرّواقيّ، الأبيقوريّ، الوجوديّ، واليوغيّ «Yogi». كم نسبةً من إرادتنا الحرّة أودت بنا إلى هذه العقائد؟

فقد تنبّه شيشرون «Cicero» لهذا الأمر في مختلف الاعتقادات الفلسفيّة في العالم القديم. وكتب «مهما تكن العقيدة التي اقتيدوا إليها، كأنّما اقتادتهم إليها عاصفةٌ، فهم يتشبّثونَ بالعقيدة كأنّهم يتشبّثونَ بالصَّخر.»

إنّ عشوائيّة وفوضويّة وجودنا يوصلانِنا بتزامنٍ إلى رؤيةٍ للعالم ويضمنانِ تشبّثنا بها كملجأٍ من الفوضى نفسها التي أتت بنا إليها. غالبًا ما يحدث هذا من دون حكمٍ سابقٍ وقبل النّضوج.

إذا ترعرعت في بيتٍ محافظٍ فستكون على الأرجح محافظًا طوال عمرك. وإذا ترعرعت في منطقة سالفورد «Salford» من مقاطعة مانشستر «Manchester» في إنكلترا فستكون على الأرجح مشجّعًا لفريق مانشستر يونايتد «Manchester United» طوال عمرك.

لهذا السّبب يُعدّ الفخر القوميّ نفاقًا ذاتيًّا سخيفًا. إذا ولدتَ في دولةٍ غنيّةٍ فتهانينا، إنّك قد ربحت اللّوتو الكونيّ. إنّما كذلك كان من السّهل أن تولدَ في الصّومال أو في بنغلادش حيث الفقر متوطّنٌ. لذا قم بحسنةٍ لهؤلاء النّاس، ولا تحتقرهم باعتقادك أنّ أُمَّتَك متفوّقةٌ.

وكتب ميشال دو مونتين عن بيرون:

«الميزات الكاذبة والخياليّة الرّائعة التي نسبها الإنسان لنفسه، من ترتيب الحقيقة وتنظيمها، وترسيخها، قام [بيرون] صراحةً بجعلها منبوذةً ومتروكةً.»

الكلمة المفتاح في هذا المقطع هي الصّراحة «Honesty». كم شخص منّا يعتقد فعليًّا بالقضايا والعقائد التي يؤيّدها؟ هل نعتقد بهذه الأشياء لأنّنا نعتقد أنّها محقّةٌ أم لأنّ الحياة أسهلُ حينما يُجرف المرء بمدّ وجزر آراء النّاس الآخرين ذات التّفسيرات الجاهزة؟

رأى بيرون ببساطةٍ أنّ الاعتقاد بأيّة حقيقةٍ مفترضةٍ هو مسعى عقيمٌ لا يؤدّي إلاّ إلى الرّغبة، لأنّ لا شيء جيّدًا أم سيّئًا خارج الاعتقاد. وللعثور على السّكينة من الأفضل ألّا نرغب في المقام الأوّل، وتاليًا إنّ من الحكمة التوقّف عن الاعتقاد. أكّد الشّكّاكونَ أنّ ما من شخصٍ لديه ولوجٌ امتيازيٌّ لأيّة حقيقةٍ للعالم. وكما يصوغ الأمر ميشال دو مونتين: «على أعلى عرشٍ في العالم، نحن لا نزال جالسينَ على مؤخّراتنا.»

 

 


 

ثبت المصطلحات

عربيّ انكليزيّ
الشكوكيّة الأكاديميّة Academic Scepticism
مضادّ(ة) للعقيدة Anti-doctrine
أرسطو Aristotle
نسك Asceticism
الطّمأنينة/الأتاراكسيا Ataraxia
الأكاديميّة الأثينيّة Athenian Academy
برتراند راسل Bertrand Russell
قرنيادس Carneades
كاتو الأكبر Cato the Elder
شيشرون Cicero
ديوجينيس اللّايرتيّ Diogenes Laertius
العقائد Dogmas/Doctrines
الأبيقوريّة Epicureanism
تعليق الحكم/إيبوخه Epoché
الحكماء العراة Gymnosophists
الاستِتْباب Homeostasis
مانشستر Manchester
ميشال دو مونتان Michel de Montaigne
الفلاسفة العراة Naked philosopher
العدميّة Nihilism
اللّامُلتزم Non-committal
أوربوس Oropus
البيثانون Pithanon
أفلاطون Plato
انفعال بدائيّ Proto-passion
بيرون الإيلسيّ Pyrrho of Elis
البيرونيّة Pyrrhonism
ريتشارد دوكينز Richard Dawkins
سالفورد Salford
الشَّكَّاك Sceptic/Skeptic
سينيكا Seneca
سكستوس أمبيريقوس Sextus Empiricus
تفنّن/تعقيد Sophistication
سُفسطة Sophistry
الرّواقيّة Stoicism
فلسفة طوباويّة Utopian philosophy
العيش الكريم Well-being

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق