مراجعات

الأيرلندي.. اترك باب الحكاية مفتوحًا – آية طنطاوي

(يحتوي المقال على حرق جزئي للأحداث)

 

لم نشهد اللحظة التي قضم فيها آدم تفاحة الشجرة المحرمة لكننا نعرف تفاصيل الحكاية؛ نتداولها يوميًا وإلى المنتهى، ننصت لها في كل مرة كما ينصت شهريار لحكايات محبوبته، نعرف عنها كل شيء، لكن الحكي يغوينا في كل مرة كأنها الأولى، ويذكرنا أن هناك خطايا وهناك أيضًا أبواب ممكنة للمغفرة. النظر إلى الحكاية بعيون الراوي ينطوي على متعة غامرة، ربما نعرف القليل عن عصابات نيويورك في القرن المنصرم، عن رجال المافيا وأعمال هذا العالم السفلي، لكن إن أنصتنا إلى الحكاية من وجهة نظر أحدهم سنعرف أنها ليست مجرد حكاية عن ثلة من الأشرار الذين تحالفوا مع الشيطان، ولديهم نهم جنوني للعنف، بقدر ما هي في الأساس حكاية عن عالم مليء بالتفاصيل والخطوط الإنسانية المتشابكة التي تلقي بظلالها على المجتمع الأمريكي ككل.

سمعت أنك تطلي البيوت

يعود المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي في فيلمه الأخير الأيرلندي The Irishman إلى عالم العصابات، تحديدًا إلى حكاية فرانك شيران أحد أهم أعضاء نقابة سائقي الشاحنات وهو أيضًا اليد المتورطة في أعمال إجرامية لصالح منظمة المافيا La Cosa Nostra. صدر عام 2004 كتاب Houses  I Heard You Paint لكاتب الروايات البوليسية تشارليز براندت وفيه يسرد براندت قصة شيران مع رجال المافيا واعترافه بالعديد من الجرائم التي لم يُعرَف مرتكبها وقت حدوثها، أشعل الكتاب فور صدوره الكثير من الأقاويل والانتقادات وأنكرت المصادر الآمنية الكثير مما ورد على لسان شيران، خاصة اعترافه بقتل “جيمي هوفا”– الذي قام بدوره آلا باتشينو- وهو الرئيس العمالي الذي نال شهرة ألفيس بريسلي في الخمسينيات، وشهرة البيتلز في الستينيات.

يبدأ السرد في فيلم الأيرلندي على لسان فرانك شيران –الذي يؤدي دوره روبيرت دي نيرو- في أواخر أيامه، يبدو فرانك كهلاً يجلس على كرسي كأنه لم يبرحه منذ أعوام تأهبًا لسرد حكايته، لا يبدأ معنا منذ طفولته، يبتعد تمامًا عن سرد حكايته كبطل أسطوري، بل يختار حكيًا  رائقًا من المنتصف وبالمراوحة بين ماضيه كسائق شاحنات ومرورًا باللحظة الآنية للحكي، يتلاعب بالزمن كأنه يقبض بيده لعبة يتحكم فيها، تتداخل الازمنة وتبقى الشخصيات أسيرة اللحظة التي تتبلور فيها محطات الحكاية. لكن ما المثير في حكاية ينتصر فيها الزمن على أصحابه؟

يقول سكورسيزي “يشغلني الأشخاص الذين أعرف أنهم جيدين لكنهم فعلوا أمورًا سيئة؛ فأصبحوا بسببها منبوذين سواء من المؤسسات الدينية أو من المجتمع حولهم”. تبلور هذه الفكرة خيطًا هامًا في حكاية فرانك التي يرويها لنا، هذا الرجل الذي مارس الجريمة على مدار حياته بأوامر من زعماء المافيا، قتل العشرات ونفذ أوامر وأعمال غير مشروعة، هذا الرجل أضحى في نهاية المطاف عجوزًا ووحيدًا وقد ذاب العالم من حوله، قُتِل كل من حوله، قتلوا ولم يبقَ سواه وفي جعبته حكايته التي يسردها لنا. هذا المجرم الذي لا يشغله من حوله، كل ما يؤرقه هو ابنته التي نبذته وابتعدت عنه لأن أباها مجرم وقاتل، ولأنها لم تقوى على المغفرة، فابتعدت إلى الأبد.

اختار صناع الفيلم أن تبقى الابنة “بيجي” مجرد ظلّ صامت على مدار الأحداث، الابنة هي شخصية نموذجية تتكرر في أفلام سكورسيزي، بطل ثانوي يتجلى مغزى وجوده عندما يكون صامتًا وغائبًا.

شخصيات على الحافة

“تدفعني الشخصيات لأعبر من خلالها” هكذا يصف سكورسيزي علاقته بأبطال أفلامه. فهو ينحاز إلى شخصياته ويندمج معها في علاقات قوية ليخرج كل ما فيها. وعندما سئُل عن الشيء الذي جذبه لصناعه فيلم الأيرلندي، التاريخ أم القصة؟ أجاب أن شخصية فرانك شيران هي التي جذبته، والقصة تجلت في خلفيتها. فلا الأشرار ولا الأخيار هم من يجذبونه، بل أولئك القابعين على الحافة في مساحة رمادية بين الاثنين، يقبض على الإنساني فيهم، يسرد حكايات الشخصيات المستحوذة، صاحبة النفوذ، لكنه مغرم بالضعف الإنساني بداخلها. على مدار ثلاث ساعات ونصف، هم إجمالي زمن الفيلم، ننصت إلى حكاية فرانك عن ماضيه، نراقب الخطوط المتقاطعة لعالمه الإجرامي، لكننا نخلص في النهاية إلى أن فرانك، وبعد مسيرة كتبت حروفها بالدماء، يحنّ إلى الماضي، ويطلب منا سكورسيزي أن ننظر له بشيء من الإنسانية، وأن نغفر له ما مضى. ولهذا السبب يتعلم فرانك الصلاة والتقرب إلى ربه ويترك بابه مفتوحًا منتظرًا ملائكة الرحمة تمنحه مسحةً مباركة على رأسه. هذا الجانب الطيب في شخصية فرانك، وفي شخصيات عالم سكورسيزي بصفة عامة، تحمل جزءًا أصيلًا يشبهنا بكل تناقضاتنا.

يلتهم القتال جزءًا من الثقافة الأمريكية، تسيل الدماء وتفرش ساحات العراك في الأزقة والشوارع المظلمة. لم يكن الأمر غريبًا على سكورسيزي الذي اشتهر بأفلام العصابات، كواحدة من أكثر الأنواع السينمائية تفردًا وتعبيرًا عن العنف، لا بغرض المتعة لكن كأسلوب حياة. يقول “لقد رأيت الكثير من العنف في الحي الذي نشأت فيه، كان جزءًا من الحياة اليومية وأنا أجني ظلال طفولتي في القصص السينمائية التي أرويها”. يميل سكورسيزي إلى هذه العوالم الضبابية واللاأخلاقية، ويستعرض شخصياته في حواف حلبات الملاكمة وعلى الأرصفة والكازينوهات الليلية، وهذه المرة يقدم فيلم عصابات كل أبطاله من العجائز. ساعدته تقنية ال CGI في التلاعب بالعمر، لكننا نعرف أنها مجرد حيلة مزعجة في عدد من المشاهد، لكنها مقبولة إلى حد ما في سياقها الدرامي، كي لا يستبدل أبطالنا بغيرهم في تمثيل مرحلة الشباب.

يتبدل إيقاع الفيلم بعد أن ينفذ “فرانك” مهمته ويقتل “هوفا”، كأن الصمت يحلّ فجأة ويركض الزمن لاهثًا بعد أن قتل البطل صاحبه. نرى وجه الابنة “بيجي” وهي تعاتب أباها بنظراتٍ صامتة، كأنها تشمّ رائحة الدماء في جسده المتواني، هذه النظرة تعبر عن المُشاهِد أيضًا الذي رافق فرانك على مدار الفيلم في رحلته في عالم الإجرام لكن لم يغفر له قتل صديقه. يتلقى فرانك الأوامر مذ كان جنديًا في الجيش، يجيد الإنصياع إلى الأمر وتنفيذه، لن يحكم على فرانك إلا بمقدار طاعته، وفرانك هذا الرجل الأيرلندي لم يتخاذل يومًا في عمله، ولم يندم على ماضيه المدفون في أنهار المدينة.

جمال السينما يكمن في كونها خادعة، فهي كما يصفها تاركوفسكي “نحت في الزمن” ينطوي فيها العالم، وبداخل السينما يمكننا أيضًا أن نرى العالم الذي تنطوي فيه. سلسلة لا نهائية من الصور الممتدة لتستكمل دائرة الحياة. يشكك البعض في حكايات فرانك شيران التي سردها في كتاب “I Heard You Paint Houses” لكن من منا ينكر أن ما شاهدناه في الفيلم هو واقعٌ أمريكي حقًا، بداية من الأغاني التي تلعب في الخلفية وصولاً إلى الشوارع الخلفية التي يمارس فيها القتل، وطاولات الطعام التي تعقد عليها صفقات القتل على خلفية نشرات الأخبار في التلفاز التي تعلن موت الرئيس جون كينيدي وفشل حرب كوبا، وكأن سكورسيزي يلتقط من التاريخ الأمريكي ما يبدو متجانس مع بعضه البعض. إنهم رجال المجتمع الأمريكي أصحاب البذلات الأنيقة والساعات والخواتم الذهبية يتحدثون بلغة المال والانتقام ويأكلون قطع اللحم البارد كأنهم يأكلون لحم بعضهم على طاولات مفروشة بالمحبة الزائفة، وكل ما هو خارج جدرانهم هو العالم الذي يشكل ساحة معاركهم. لكن عالم العصابات ليس حكرًا على القارة الأمريكية، بل له مثيلة المشابه تمامًا في كل مكان مادام يعرف الإنسان الجريمة، وتتملكه الرغبة في الانتقام.

ينتهي الفيلم وصوت روبيرت دي نيرو يتردد صداه ويقوض أركان العالم. ثلاث ساعات ونصف هم زمن حكاية فرانك شيران التي اختار سكورسيزي أن يحكيها، أن يستعيد معها عالم العصابات المحبّب إلى قلبه. وفي اللحظة التي تنتهي فيها الحكاية ويترجل البطل من مقعده يحل الصمت الأبدي وتبدأ موسيقى الفيلم في العزف من جديد، ننصت إليها وندرك أنها هناك في خلفية الفيلم طيلة الوقت، لكن الصمت يترك لنا متنفس جديد للاستمتاع، لنبتلع الحكاية على مهلٍ وننظر إلى باب فرانك شيران المفتوح.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق