مقالات

أدب الشباب.. وموت الناقد – د. سامي العجلان

يدفعنا عنوان هذا المقال دفعاً منطقياً إلى أن نستهله بسؤالين مبدئيين عن مفهوم (الناقد) من جهة، وعن مفهوم (أدب الشباب) من جهة أخرى. فيما يخصّ مفهوم (الناقد) تحضرني ابتداءً هذه الحكاية الواقعية والمعبّرة التي رواها الكاتب الأمريكي سترثرز بيرت، يقول: ” في السنة التي سبقتْ الحرب الأولى، عندما كنتُ أُديرُ بعض المزارع الكُبرى، كان في خِدمتي فتى يعملُ راعياً للبقر ومساعداً لي في المزرعة، يُدعَى: آلْ، وقد كان فتى أميناً، ممتازاً، مُجِداً؛ غيرَ أنه من أكثر خلْق الله سذاجةً. أذكرُ أنني ذات يوم كنتُ في مقصبة المزرعة، وكان لها بابٌ من السلك المشبَّك، وإذا بــ: آلْ الذي عُهِد إليه بقتلِ ما يستطيع من الذباب خارجَ الباب يتوقف فجأةً، ويضغط بأنفه على المشبك، وينظر إليّ بعينين زرقاوين واسعتين وبريئتين، ويقول: مستر بيرت، ما الذي يجعلُ الذبابَ ذباباً؟ فجفلتُ لسؤاله، لقد كان سؤالاً فلسفياً مباشراً وعميقاً، لم يخطُر ببالي من قبل “([1]) .

في ضوء هذه الحكاية، وحتى أُرضيَ شيئاً من غرور الأدباء الشباب أتساءل بدوري وعلى نسق سؤال آل: ما الذي يجعل الناقد ناقداً ؟.. يردّنا هذا السؤال إلى المبادئ الأولية للنقد: أهو فِطري أم مكتسَب؟ أهو علم أم فنّ؟ أهو استجابة انطباعية وجمالية للنص الإبداعي، أم هو دراسة منهجية له ملتزمة بقوانين علمية صارمة وآليات تحليلية منضبطة؟ ما تزال هذه الأسئلة غير محسومة على الرغم من الإجابات الوثوقية التي تقدّمها المناهج الألسنية في هذا السبيل، وما آمله أن يتمكن هذا المقال من إثارة الكثير من علامات التشكّك حول هذه الإجابة الألسنية الواثقة.

أمّا ما يخصّ المفهوم الثاني في عنوان المقال، وهو مفهوم (أدب الشباب)، فهو يستدعي أيضاً بعض الأسئلة المبدئية: هل هناك أدب يختص به الأدباء الشباب وحدهم، ويميّزهم عن أدب الشيوخ؟ هل الحكم على الإبداع في النص مرتبط بعمر مُنتِج الأدب، أم بطبيعة النص المنتَج وسِماته الفنية؟ أليست قصائد محمود درويش وهو في عمر الخمسين، والستين أكثرَ شباباً وحداثةً وتجريباً من قصائده التقليدية في ديوانه الأول: أوراق الزيتون الذي أصدره وهو في عمر الثانية والعشرين؟.. ألم يرَ العقاد أن قصائد الشاعر الإنجليزي توماس هاردي في كهولته أكثرَ حيويّة وتدفّقاً من قصائده في مرحلة الشباب؟.. ألم يندم الشاعر الهندي طاغور على نشر أعماله الشعرية الأُولى؛ حتى قال: ” ليس هناك من سبيل يضمن التوبة في سنّ النضوج أفضل من النشر المبكِّر في الصِّغَر، لكن ما يعوّض ذلك هو أنّ النزوة التي لا تُقاوَم لرؤية المرء كتاباتِه مطبوعةً سُرعانَ ما تستنزفُ نفسَها: من هم قُرّاؤك؟ وماذا يقولون؟… هذه وأمثالها من التساؤلات المقلِقة تأخذ مجراها المألوف كأمراض الطفولة، وتترك فراغاً للمرء لاحقاً ليعتنيَ بأعماله الأدبية، وهو بحالة ذهنيةٍ أكثر صِحة “([2]).

النص إذن وتقنياته التعبيرية هي التي تحدّد عمر الإبداع، وليس عمر صاحبه، ومع هذا فإننا لا نستطيع أن نغضّ الطرف عن هذه الشكوى الرائجة في أوساطنا الثقافية، والتي تتلخص في: انصرافِ النقاد عن أدب الشباب، وضعفِ متابعتهم لإبداعهم، ولعل الشكوى الأهمّ هي: ضعف المردود من النتائج (العلمية) التي يصل إليها النقاد حين يتناولون أدب الشباب، فمع العناء الكبير الذي يبذله هؤلاء النقاد عند تحليل النصوص الأدبية؛ فإن تركيزهم إنما ينصبّ على تطبيق أدوات المنهج النقدي وآلياته على النص الأدبي، دون اهتمام كبير باستكناه الشفرة الإبداعية الخاصة بهذا النص تحديداً، أو بمبدعه على أقل تقدير.

ويحضُرني هنا قصة أخرى لافتة ومعبِّرة عن الحالة التي يعيشها أدب الشباب بين أيدي النقاد المعاصرين، والقصة للكاتبة الأمريكية: يودورا ويلتي، وتحمل عنوان (الطريق المنهَك)، بترجمة الأديب: خلف القرشي، وهي تحكي قصة امرأة طاعنة في السنّ تُدعَى (فينيكس) تتوكأ على عصاها؛ لتقطع طريقاً طويلاً جداً من الريف: حيث تسكُن، إلى المدينة: حيث عيادة الطبيب الذي يصرف لها بالمجان دواءً مسكّناً لحفيدها الذي تناول عن طريق الخطأ مسحوقاً قلوياً مخصّصاً للغسيل، فأحرق حنجرته، وأصبحت آلامه لا تُطاق، وهكذا وبدافع الشفقة المستمرة على هذا الحفيد تستمر هذه العجوز بانتظام متكرر ورتيب في عبور هذا الطريق الطويل بين الريف والمدينة؛ حتى اهترأ هذا الطريق، وتحوّل إلى ممر منهَك لشدة ما طرقتْه قدما هذه العجوز المثقلتان الوئيدتان، والقصة تروي تفاصيل دقيقة عمّا يعترض هذه العجوز في تردّدها المتواصل على هذا الطريق من مفاجآت وعوائق، وتنتهي فصول القصة والعجوز ما تزال تتردد على هذا الطريق وقد نسيتْ بفعل تراكم التعب والسنين: لماذا تتردد على هذا الطريق؟ ولماذا تأخذ هذا الدواء من الطبيب، وينتهي القارئ من آخر سطور القصة وهو لا يدري هل كان الصبيّ الحفيد موجوداً في المنزل فعلاً ؟ وهل ما يزال حيّاً ينتفع من هذا الدواء الذي ما فتئتْ جدّته المشفِقة تُحضره إلى المنزل؟ والسؤال الآن: أيكون حال هذه العجوز مع حفيدها هو حال نقدنا المعاصر المنهَك بالنظريات والآليات المرسومة مع النص الأدبي الفتيّ؟ هل نسيَ النقد المعاصر هدفه الحقيقي من استعمال المناهج وآليات التحليل، وهو: معالجة النص: إضاءةً، وتحليلاً، وكشفاً لأسرار التميُّز وأسباب الإخفاق، وأصبح سعيداً ومستمتعاً بفكرة التنزّه في الطريق نحو النص؛ عبر التعلّق المبالَغ فيه بآليات التحليل، والغرق في التقسيمات الشكلية للثِيمات والوظائف؟

أمام هذا الشلَل النقدي أخذ كثير من الأدباء الشباب زمام المبادرة، ورأينا كيف بدأتْ تتكوّن في فضاء الإنترنت مجموعات من القرّاء الهاوين؛ لتبادل الآراء في الأعمال الأدبية المشهورة، وكذلك في نصوصهم الأدبية الخاصة بهم أيضاً، كما اعتمدوا على ردود الأفعال التي تأتيهم من بقية القرّاء، بينما استقل الكثير منهم بحساباتهم الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، واكتفوا بتفاعل المتابعين مع نصوصهم، وهو التفاعل الذي يغلب عليه طابع المجاملات والإشادات الانفعالية والقراءات السطحية، وخضع بعضهم لمنطق السوق الذي تُديره دُور النشر، وربما غرّته الدعايات المبالغ فيها عن كتاباته؛ حتى صدّق كذبَهم، وهو داء شائع لدى ناشئة الأدباء في كلّ مكان، حتى قالت مديرة الدعاية في إحدى دُور النشر بأمريكا: إنّ الأديب الناشئ يعيش وسط الأكاذيب والتلفيقات المباَلغ فيها عن إنتاجه، وإذا لم يكن من شِيمته: التفكُّهُ على نفسه، فكان الله في عَونه([3]) !

وما نطلبه من الشعراء والأدباء الشباب يمكن تلخيصه في عبارة واحدة نقتبسها من الشاعر روبرت فروست، وهي: “الوقوف برهةً في وجه التشويش والفوضى”، ومشكلة كثير من الأدب الرائج هذه الأيام أنه مندمج تماماً مع حالة التشويش والفوضى، وما نشهده في وسائل التواصل الاجتماعي من اغترار بعض الكُتّاب والشعراء الضِّعاف بكثرة متابعيهم، وتجمّد إنتاجهم الأدبي عند مستوى فني منخفض؛ نتيجة الشعور الزائف بالرضا الإبداعي هو أحد الشواهد الدالّة على هذه الأزَمة، ومدى احتياج الأدباء الشباب إلى النقد التحليلي الرصين البعيد عن المجاملة والمحاباة .

وهذه الفوضى في صفوف الأدباء الشباب لا تقتصر على الشعر، فكلّنا نعرف الاندفاعة المحمومة نحو كتابة (الرواية) من قِبَل مجموعة من الكُتّاب الشباب، وقد جاءت هذه الموجة التي حملتْ الكثير من الغُثاء تحديداً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وعلى الأخص بعد أحداث عام 2003م الفارقة، وما تبعها من أجواء اجتماعية مغايرة.

على أنه ليست هذه هي الصورة الوحيدة لأدب الشباب لدينا؛ إذْ في مقابل ذلك الغُثاء: هناك أدب جديد يتشكل على يد نخبة من الشباب، والأسماء الجديدة التي برزتْ بعد الألفية متعددة؛ لكنْ لا بأس من استعراض بعضها؛ دون دلالة على الحصر والتحديد، ففي الشعر التناظري يلقانا محمد عبدالباري بلغته الكونية المدهشة، ويكاد يكون ظاهرة شعرية مستقلة عن جميع مُجايليه، وفي المشهد الشعري المحلي تبرز أسماء مهمة مثل: حاتم الزهراني، وحيدر العبدالله، وآسية العماري، وعبداللطيف بن يوسف، بينما تتجلى أسماء أخرى أكثر في قصيدة النثر مثل: حسن الألمعي، ومحمد التركي، وعلي عكور، بصياغتهم الشعرية المتميزة . وفي حقل الرواية والقصة القصيرة يلفت النظر الكاتب عدي الحربش الذي أصدر مجموعتين قصصيتين مختلفتين عن السائد التقليدي، وهما (حكاية الصبي الذي رأى النوم)، و(أمثولة الوردة والنطاسي)، بينما استهل خليف الغالب إسهامه الروائي برواية (عُقدة الحدّار) التي تعِد بالكثير من التميز الإبداعي القادم.

ولكنّ النقد التقليدي غير مدرك لهذا التغيّر الكبير في المشهد الأدبي، ولشروط هذه الحالة الإبداعية الجديدة: فمن بين كل الضجيج الذي يُرافق بعض الأصوات الضحلة هناك في المقابل جيل من الأدباء الشباب الآن يدركون ماذا يريدون، ويعرفون ماذا يقرأون، وما الغاية الأهمّ للتعبير الأدبي التي يسعون لتحقيقها في كتاباتهم الإبداعية، وما انعطاف الشعر العربي المعاصر في السنين العشر الأخيرة نحو (الكلاسيكية الجديدة)، وعودة القصيدة التناظرية بقوة محمّلة برؤى مختلفة وغير مكررة –على الرغم من المجافاة والاستهانة اللتين تعرّضتْ لهما على مدى سبعين عاماً من نقاد الواقعية ونقاد الحداثة- إلا رأس جبل الجليد الطافي على سطح البحر، والذي يؤكد الاستقلال المتنامي للإبداع الشعري عن الرؤى النقدية السائدة، ومن الأعراض الجانبية الجيدة للأحداث الكبرى التي تعصف بمنطقتنا أنها خلقتْ وعياً جديداً وشديد الخصوصية بالذات تراكَمَ عند هذا الجيل الشاب من الأدباء عبر ثلاث محطات متوالية ومتسارعة عكستْ تداخلاً غير مسبوق بين الأنا والآخر، وانقساماً فاجعاً للأنا، وتحوّلها إلى أنوات متناحرة، وهذه المحطات الثلاث هي: أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م، وغزو العراق ٢٠٠٣م، ثم أخيراً الأحداث العاصفة بدول المنطقة منذ عام ٢٠١١م . هذه الأحداث الفارقة -بالإضافة إلى الانفتاح الواسع وغير المسبوق على الأدب العالمي- جعلتْ كتابات هؤلاء الأدباء أكثر نُضجاً، وأبعد عن الشعارات الزاعقة واللافتات الفكرية العريضة، وأقدر على التعبير عن القلق الوجودي للإنسان المعاصر. والمؤمَّل أن يُؤتي هذا الوعي الجديد -الذي ما يزال ينمو ويتعمق- ثماراً إبداعية كبرى في مختلف حقول الأدب .

هذا عن حال أدب الشباب، فما حال النقاد لدينا ؟.. للإجابة الإجمالية على هذا السؤال يحسُن الإقرار في البدء بهذا الخُفوت الملحوظ لصوت الناقد الأدبي في الساحة الإبداعية، وتراجع مكانته في تشكيل الذائقة الفنية لدى مُنتجي الأدب وقُرّائه، ويمكن الإشارة هنا إلى عاملين مهمين كان لهما تأثير كبير في ضمور التمييز النقدي بين الأعمال الأدبية المعاصرة.

وأول هذين العاملين هو: حيادية المناهج اللسانية -المحتكِرة للفضاء النقدي- تجاه القِيَم الجمالية، وحرصها المبالَغ فيه على عدم إصدار أحكام قِيمية على النصوص الإبداعية، والاكتفاء بالوصف الظاهراتي للنص الأدبي، أو بالتوظيف (الثقافي) له.

والعامل الثاني هو: تسيُّد الذائقة الجماهيرية التي وجدتْ متنفّسها الأوسع في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد عزّزتْ هذه الذائقة الجماهيرية -البعيدة غالباً عن التبصُّر الفني الدقيق- من الزخم الذاتي لدى كثير من الأدباء الشباب، ومن شعورهم بالاكتفاء نتيجة هذا الثناء المتواصل الذي تُمطرهم به الاستجابات الفورية لمتابعيهم في وسائل التواصل([4]) .

ومع أن بعض هؤلاء الأدباء الشباب ربما يشارك في أداء المعزوفة الشائعة هذه الأيام حول ضُمور النقد الأدبي؛ فإن هذه الرغبة في عودة النقاد لأداء الدور المنوط بهم تجاه الأدب مشروطة عند كثير من هؤلاء الأدباء -وأحياناً دون وعي منهم- بأن يكون الناقد (خادماً) للنص الأدبي، ومروِّجاً لمكانة الأديب واقتداره الإبداعي؛ أي أن يكون معزِّزاً ومثبّتاً لما تم إنتاجه بالفعل من نصوص، وليس متطلّعاً –كما يُفترض في الناقد- للإمكانات الأخرى التي يمكن –أو يجدر- أن يصل إليها الأديب في المستقبل. وقد واجهتُ شخصياً هذا التصور المسبق عن الدور المفترَض للناقد عند بعض الأدباء الشباب، كما لمستُ قدراً من الحساسية المفرطة عند عدد منهم حين يطرح الناقد رؤية مُغايرة لما يتصورونه عن نصوصهم الأدبية.

أمّا الإجابة التفصيلية على السؤال السابق عن حال النقّاد، فيمكن تقديمها عبر تقسيم الحالة النقدية الراهنة إلى أربعة نماذج نقدية، وأودّ الإشارة في البدء إلى أن هذا التقسيم لا يشمل النقد الإرشادي التعليمي والمباشر؛ لأنه مع تقديرنا له، ولدوره في إضفاء التوازن على الحَراك الفكري والاجتماعي؛ فإنه ببساطة لا ينتمي إلى حقل النقد والأدب، والنماذج الأربعة للنقاد هي: الناقد الوظيفي، والناقد المتذوِّق، والناقد المهاجِر، والناقد الأدبي، وهم بالتفصيل كما يأتي:

١-الناقد الوظيفي:

وهو الأنموذج الشائع في الوسط الأكاديمي المعنيّ بتطبيق المناهج النقدية، فكثير منهم يكتفي بهذا الدور (الميكانيكي) دون أن يكلّف نفسه عناء الإصغاء إلى النص الأدبي؛ هذا مع ضعف واضح في التأهيل الأدبي: قراءةً، وتعبيراً؛ وينطبق عليهم وصف الكاتب أرشيبالد ماكليش حين قال: “إنهم كمن يضع خرائطَ لجبال العالم؛ غيرَ أنهم لم يتسلّقوا تلك الجبال قطّ”! وعن أمثالهم قال الشاعر الإنجليزي ويستن أودن: “إنّ مِن أسوأ أعراض العقم في ثقافتنا الحالية: هؤلاء المفكّرين الخالين من المحبة”([5]) !..أليس لدينا الآن نفس المشكلة: نقاد خالون من الحب الحقيقي للنص الأدبي؟

أمّا أسباب هذا العُقْم لدى هذا النموذج من النقاد فهي متعددة، ومن هذه الأسباب: ما أشار إليه الناقد ماثيسن، وهو: طبيعة الدراسات البحثية المتخصصة التي تجعل صاحبها لا يعرف شيئاً خارج تخصصه، فإذا لم يكن لديه ذلك الفضول المتيقظ نحو الميادين الأخرى تحجّر ذهنه([6])، بل إن ضمور الفضول النقدي وصل إلى حدّ تحجّر النقد الأكاديمي عند أسماء شعرية وروائية معينة؛ دون الالتفات إلى ما جدّ في الساحتين الشعرية والقصصية، وإلى الإنتاج الثريّ الذي يقدّمه الأدباء الشباب، وهذا الضمور الملحوظ في الفضول النقدي قد يعود إلى الطبيعة الحذِرة والمترددة التي تتسم بها الأجواء الأكاديمية تجاه النصوص الإبداعية الجديدة، كما قد يعود إلى انصرافها عن القِيَم الجمالية في النصوص؛ ولهذا يقول رونان ماكدونالد: “إنّ العاملَ الأساس الذي يفصل النقد الأكاديمي عن النقد غير الأكاديمي هو: إدارة الظهر للاهتمامات الجمالية”([7]) .

ومن أسباب عُقم هذا النموذج (الوظيفي) من النقاد أيضاً: لهاثهم المتواصل خلف النظريات النقدية الجديدة أو (الموضات) الفكرية بحسب تعبير العقاد؛ دون التمييز بين ما هو خالد من الأفكار والنظريات، وما هو مؤقَّت وعَرَض زائل. وأنضج وظائف الناقد -كما يقول ماثيسن- هي: أن يجمع في نقده بين الانخراط في عصره والانفصال عنه معاً؛ أي أن يستغرق في عصره ويعيش تجربته الكاملة فيه، ثم يكون له القدرة في الوقت نفسه على موازنة عصره بالعصور الأخرى؛ لاكتشاف الكُلّي من القِيَم والمعايير الأدبية([8])، وينطبق هذا التمييز على المناهج النقدية كذلك، وهو ما يجعل الناقد المتيقظ أقلّ اندفاعاً نحو المناهج الرائجة في وقته، والتي ما تلبث أن تضمحلّ وتذوي قوّتها بعد فترة من الزمن؛ ليحلّ غيرها من المناهج والنظريات، والواقع أنّ (ظاهرة الأُرجوحة) التي ما تزال تتحرك نحو الاتجاهين المتضادّين هي من أشد الظواهر المؤثِّرة في حركة التاريخ والفكر الإنسانيين، وهي تعود لسبب بسيط تكشفه جدلية هيغل (الديالكتيك)، وهو أن الظاهرة أو الفكرة المسيطرة تحمل بذور تناقضها داخلَها، وأن الفكرة المناقضة لها ليست سوى (جنين) ما يزال ينمو داخلها؛ متغذّياً من وجوه القُصور فيها، وكثيراً ما يتغذى هذا الجنينُ المستكنّ فيها والمناقِض لها في آنٍ معاً من الحماسة غير المحسوبة لأصحاب هذه الفكرة وتطرّفهم في تطبيقها، والمفارقة الغريبة هنا أن نموّ هذا الجنين المعارِض وولادته بعد ذلك، والذي سيحمل داخلَه هو أيضاً جنينه الخاص به والمعارِض له أيضاً.. المفارقة أن هذه الجدلية المتناقضة هي في النهاية لصالح الجميع ولخير الإنسانية وتقدُّم الفكر والتاريخ؛ لأنها هي الكفيلة بإيقاف أيّ تيار منتصر عن الإيغال والتطرّف في تطبيق مفاهيمه إلى درجة تشويه مفاهيمه نفسها، ولهذا قال جوستاين غاردر: “ما مِن شيء أفضل للتقدُّم من وجود معارضين أقوياء”([9]) .

ولهذا النموذج من النقاد الذي يتسِم بالتوجّه الوظيفي في مدارسة النص الأدبي تجلّياته البارزة، فمعظم رسائل الماجستير والدكتوراه هي أمثلة واضحة على هذا النموذج الوظيفي من النقاد، وكذلك البحوث التي تُنشر في المجلات العلمية المحكّمة، وكثيراً ما تجمع هذه البحوث (العلمية) بين الجمود النقدي، ورداءة العرض والتحليل، ويُصدَم القارئ ليس فقط من ضعف اللغة ووهْن الأسلوب، بل أيضاً من خُواء الأفكار، ونُدرة الأسئلة البحثية العميقة التي تغذّي الفكر، ثم هذا العِيّ العجيب في مواجهة النص الأدبي.

أمّا النتيجة من قراءة دراسات هؤلاء النقّاد؛ فهي: الشعور بالوحشة والفجوة المفاهيمية والإبداعية بين القراءة وما تقرأه، الناقد هنا (غريب) عن النص، وعن القارئ معاً، وهذه الغربة الفنية والذوقية تذكّرنا بالخبر الطريف الذي أورده أبو حيان التوحيدي، فقد “وقف أعربيٌّ على مجلس الأخفش، فسمِع كلام أهله في النحو وما يدخل معه، فحار وعجِب، وأطرقَ ووسْوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ قال: أراكم تتكلّمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا “([10]). وهي الغُربة الفنية نفسها التي شعر بها علي بن عيسى الوزير وهو يقرأ كلام العالِم البلاغي قدامة بن جعفر عن البلاغة، فقد رآه يُقنِّن قواعد البلاغة بأسلوب غيرِ بليغ ! وعن هذه المفارقة المربِكة يقول علي بن عيسى الوزير واصفاً جهد قدامة بن جعفر: “فوجدتُه قد بالغَ وأحسن، وتفرّد في وصف فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد… ولكني وجدتُه هجينَ اللفظ، ركيكَ البلاغة في وصف البلاغة، حتى كأنّ ما يصِفه ليس ما يعرفه، وكأن ما يدلّ به غير ما يدلّ عليه، والعرب تقول: فلان يَدلّ، ولا يُدَلّ “([11]) !

ولهذا كلِّه يبدو هذا النموذج تائهاً أمام النص المختلف، وخاضعاً للمقاييس القبْلية، وعاجزاً عن إدراك الشعر في غير النصوص الرسمية؛ لأن النقد الأكاديمي يميل بطبيعته إلى التصنيف المدرسي في تناوله للأعمال الأدبية، فهو يوزع الأدباء وأعمالهم الأدبية تحت واجهات معدّة سلفاً، ومبنية على الأحكام النقدية العامة والرائجة في الحقل النقدي، وقبل أن يُصغي إلى النبض الخاص لكل نص على حِدَة، ومن هنا لحظ الناقد أحمد درويش هذا التشابه الشديد بين الدراسات النقدية الأكاديمية في أدواتها ونتائجها، وطبيعة معالجتها للنصوص، فمهما تنوّعتْ النصوص المدروسة، وتباينتْ سِماتها الفنية؛ فإنك واجدٌ في هذه الدراسات الأكاديمية “التشابه والتكرار قاسماً مشتركاً بينها جميعاً؛ لأنها ركّزتْ على وسائل المنهج –وهي بالتأكيد متقاربة- وهمّشتْ غايات الدراسة التي هي النصوص -وهي بالتأكيد مختلفة- ومع التشابه والتكرار تنعدم شخصية الباحث اللاحق في الأخذ عن السابق، كما تنعدم شخصية السابق ذاته في عدم القدرة على التوازن بين الوسائل والغايات “([12]) .

ويبقى أن المعيار الحقيقي لأيّ ناقد هو: كيف يواجه النص الأدبي ويكتشف سحره الإبداعي، إذْ يستطيع الكثيرون أن يُتمتموا بالمصطلحات الأجنبية، وبأسماء المناهج الحديثة ومفاهيمها، وآليات التحليل فيها، ولكن يبقى في النهاية: أنّ المحكّ الحقيقي لأي عملية نقدية هو: كيف تواجه هذا الكائن الجمالي المتمنّع الذي يُسمَّى: النص الأدبي؛ بأوسع ما تعنيه كلمة: نص من معنى، وهنا فقط تظهر المقدرة النقدية الحقيقية.

أختم الكلام عن هذا النموذج بالقول: إن مصدر الإزعاج مع هذا النموذج ليس وجوده، فقد كان موجوداً باستمرار على مرّ العصور الأدبية، وإنما الخطر على الذائقة الأدبية في هذا العصر هو: تعاظُم وجود هذا النموذج واكتساحه للساحة النقدية.

٢-الناقد المتذوِّق، أو الناقد القارئ:

وهذا النموذج حاضرة بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي حيث تطغى الانطباعية والذوق الذاتي، والمجاملة أحياناً، وكانت بدايات هذا التوجّه الحر في القراءة النقدية انطلقت مع توهّج المدوّنات والمنتديات الأدبية على الإنترنت قبل خمسة عشر عاماً؛ كمنتديات: الساخر، وجسد الثقافة، ومع أُفول هذه المنتديات استمر هذا التوجّه النقدي والقرائي الحرّ في مواقع التواصل الأحدث: (الفيسبوك، وتويتر، وجودريدز)، ومجموعات القراءة على الإنترنت.

والمهتم بالأدب في هذه المنصات ليس ناقداً متخصصاً في الغالب، وإنما هو قارئ متذوّق، وبعض هؤلاء القرّاء أديب أيضاً، وقد يكون مبدعاً كذلك، وما يدفعه إلى النقد هو الباعث الفني المنفعل بجماليات النص؛ ولهذا نادراً ما يتوقف هذا النموذج من النقاد عند نص لا يحبه.

أمّا أبرز سِمات هذا النموذج فهي: انتفاء المسافة الفاصلة بين القراءة وما تقرأه، لأن الموقف العام لهذه القراءة ليس موقفاً نقدياً محايداً، وإنما هو: التبنّي، والتسويغ، والانبهار أحياناً، والشرح والتكميل، والناقد هنا (عاشق) للنص، وقراءته انطباعية ومتحررة من القيود المنهجية، وتصِل في أحيان كثيرة إلى أن تتحول بذاتها إلى نص إبداعي يضارع النص المنقود ويتماهى معه، وانطباعية هذا الموقف متعمّدة، ومبنية على نظرة ضدية ومعاندة للنقد الأكاديمي (البارد). ولكنّ النقد الحقيقي يجب أن يضع دائماً مسافة محسوبة بينه وبين النص الأدبي؛ حتى لا يقع في مزلق التماهي التفسيري أو التبجيلي مع النص؛ لأن اختلافك مع النص يُضيئه أيضاً، أي أننا في النقد بحاجة دائمة إلى الموافقة المشروطة، أو التمنّع المقيَّد: (نعم، ولكنْ)، أو: (لا، ولكنْ) .

٣- الناقد المهاجِر:

برز هذا النموذج من النقاد نتيجةً لتهاوي النظرية الجمالية المركزية، وتنامي الدراسات الثقافية التي انصرفتْ عن دراسة الإبداع الفني وآلياته في النصوص الأدبية، وقد تبدّى انعطاف هذه الدراسات الثقافية نحو المهمّش في ثلاثة مظاهر: المظهر الأول هو: الاهتمام بالنصوص الأدبية الهامشية التي كانت تُهملها النظرية الجمالية باعتبارها ذات مستوى فني متواضع؛ كالحكايات الشعبية، والسرد ذي البنية الشفاهية. والمظهر الثاني هو: التركيز على القِيَم الثقافية في هذه النصوص، وتجنُّب الانشغال بالقِيَم الفنية والإبداعية فيها؛ انطلاقاً من فكرة: أن الأدب متورّط بالتاريخ كما يقول رونان ماكدونالد([13])، ومتلبّس بالأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المزامِنة له. والمظهر الثالث لهذا الانعطاف هو: توسيع دائرة الاهتمام النقدي؛ بحيث لا تقتصر على النصوص والفنون الأدبية؛ من خلال الالتفات إلى تجسّدات المعنى الثقافي في نصوص وميادين خارج الحقل الأدبي، أو في المنطقة البينية أو الهجينة التي يلتقي فيها الأدب بالحقول الأخرى، وهو ما أدّى إلى ازدهار (الدراسات البينية) في الحقل النقدي والثقافي، وبهذا يتبين أن النص الأدبي عند نقاد هذا النموذج ليس هو النص الوحيد الذي يستأثر باهتمامهم، بل هو جزء من منظومة واسعة من النصوص؛ بالمعنى الفضفاض لكلمة (نص) التي يدخل في حيّزها جميع أشكال الإنتاج الثقافي للإنسان، بما في ذلك: فنون النحت والرسم والتصوير، وكذلك تجليات التعبير الشعبي، بل حتى أنشطة الحياة اليومية المعتادة، فالنص الأدبي في دراسات هؤلاء النقاد الثقافيين هو كما يعبّر رونان ماكدونالد: مجرد فرد واحد ضمن عائلة: العمليات الثقافية التي تهتمّ هذه الدراسات بها، مع إصرارها على استبعاد التراتبية الهرمية بينها: “مسطِّحةً كل شيء، ومحوِّلةً النشاط الإنساني كلَّه إلى ممارسات ثقافية مُحايدة فاترة”([14]).

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ اهتمامهم بالنص الأدبي لا يعود إلى خاصيته الأدبية، أو باعتباره فناً راقياً من فنون التعبير، بل بوصفه خطاباً يكشف كغيره من الخطابات والنصوص المضمَرات الثقافية والهيمنة الإيديولوجية للطبقات والأعراق المتفوّقة، وبهذا فقدَ النص الأدبي تميّزه من حيث هو إبداع فني عن غيره من النصوص، بل -ولمزيد من المفارقة- فإنّ الخاصية الإبداعية للنص الأدبي، وقيمته الجمالية أصبحتا مدعاةً للإدانة والتقريع؛ لأنها في نظر الدراسات الثقافية مجرد تمويه جمالي مخادع ومقصود لإخفاء النسق المضمَر ودلائل الهيمنة البشعة للخطاب السُّلطوي، فهي تحمل في أحشائها عار الإيديولوجيا، وهكذا -كما يقول رونان- فإنه: كما هدمتْ الدراسات الثقافية الحدود بين الثقافتين: “الرفيعة” و”الشعبية”، بين العمل الفني رفيع المستوى، والعمل الفني الشعبي الذي يهدف إلى مجرد التسلية، أسقطتْ أيضًا التمييز بين الثقافة كخلْق وإبداع من أي نوع، وبين السلوك اليومي للناس في المجتمع. بمعنى آخر: فقد أصبح المعنى الإبداعي الخلاق للثقافة جزءًا من المعنى الأنثروبولوجي. إنّ كتابة قصيدة، أو الذهاب إلى السينما، أو تنظيف أسناننا، هي جميعًا أجزاء من الطُّرُق المعقدة التي يتولّد من خلالها المعنى، وهي خاضعة كذلك لفحص المتخصصين في الدراسات الثقافية الماهرين في رسم الحدود الخاصة بــ(الخطابات) متواصلة الحضور التي تُغذّي الممارسة الاجتماعية، وباختصار: ” لقد جرى تسطيح الأشكال الفنية جميعاً: الرفيعة، والشعبية على يدي الدراسات الثقافية، وتحويلها إلى أنظمة من العلامات الثقافية “([15]).

ومع أن معظم النقاد المنتمين لهذا النموذج هم نقاد أكاديميون أيضاً؛ فإنهم يمتازون عن نموذج الناقد الوظيفي بمزيّتين: الأولى: أنهم أكثر التصاقاً بقضايا المجتمع والظواهر الثقافية العامة. والمزيّة الثانية هي: اطلاعهم الثقافي الواسع وتحرّرهم من وهْم: التخصص، وقراءتهم المتنوعة في حقول معرفية متعددة، وأحياناً متباعدة؛ للوصول إلى رُؤى فكرية وحضارية ذات بُعد كلي وشامل.

وفي تصديره لكتاب (موت الناقد) لرونان ماكدونالد قدّم الكاتب والمترجم فخري صالح صورة معبّرة عن هذا النموذج من النقاد –وإن لم يقصده تحديداً؛ لأن حديثه كان متجهاً بصورة عامة إلى مجمل النقد الأكاديمي- فقد لاحظ أنّ هذا الناقد لم يكتفِ بالانسحاب من المشهد، “بل إنه أطفأ نور القاعة بعد انسحابه”([16]) !

والمثال الأوضح لهذا النموذج المهاجر من النقاد هو د. عبدالله الغذامي بعد انعطافه نحو النقد الثقافي، وإعلانه الدرامي لموت الناقد الأدبي؛ كما أعلنه الناقد الإنجليزي رونان ماكدونالد، وهذا الإعلان هو امتداد لإعلانات موتيّة سابقة تبدأ من نتيشه (موت الإله)؛ مروراً برولان بارت (موت المؤلف)، وميشيل فوكو (موت الإنسان)، وجاك دريدا (موت الكلام) ([17])، وإن كنّا نعلم أنّ هذا الإعلان من كلا الناقدين: ماكدونالد، والغذامي هو إعلان إعلامي إشهاري وتسويقي، وليس إعلاناً فكرياً حقيقياً؛ لأنه ببساطة يتعارض مع مبدأ التعاقب الجدلي والدائري للأفكار وتولّد أضدادها من داخلها، وتبادل المواقع التناوبي الذي يدور بينها كما تلخّصه جدلية هيغل التي سبقت الإشارة إليها، ومثل هذه النسبية في الدلالة تنطبق على تعبير آخر، وهو تعبير: (النهاية)؛ كالقول مثلاً بــ: نهاية عصر النص، أو: نهاية التاريخ بحسب تعبير فوكوياما الذي تراجع عنه لاحقاً، فهذه كلها تعبيرات دعائية لا أكثر، ولعلّ هذا النظر النسبي لمثل هذه التعبيرات الانتشائية هو ما يفسّر تراجع رونان ماكدونالد في كتابه نفسه وبخاصة في أواخره عن الأُطروحة الأساسية لكتابه، وإقراره بأهمية دور الناقد المتخصص الذي لا تُغني عنه كتابات القرّاء العاديين؛ وإنْ كان قد وضع شروطاً محددة لعودة الناقد المتخصص إلى ممارسة دوره الطليعي في الحقل النقدي، ومن أهمها: الإبداع، وتجنّب الوصاية والتوجيه المباشر([18]) .

وينتمي لهذا النموذج من النقاد أيضاً: أصحاب الدراسات الثقافية المتأثرون بتيار (ما بعد الاستعمار) الذي تمثّل في أعمال: فرانز فانون، وإدوارد سعيد التأسيسية، التي وجدتْ صداها بعد ذلك في كتابات بعض النُقّاد المنعطفين نحو الدراسات الثقافية؛ كما هو واضح في أعمال عبدالوهاب المسيري على الخصوص، وللناقد الدكتور سعد البازعي اهتمام واضح بهذا الجانب في مؤلّفاته (عبر الثقافية)؛ مثل: (استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث)، و(المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية)، و(الاختلاف الثقافي وثقافة الاختلاف)، وكذلك في ترجماته لكتب جيرالد ديركس، وزيغمونت باومان، ولدينا أخيراً د. خالد الرشيد واهتمامه بالاستشراق الجديد. وفي معظم هذه الدراسات تحضر النصوص الأدبية؛ باعتبارها (شواهد ثقافية) على ظاهرة فكرية، وغالباً ما تكون ظاهرة غير مقبولة؛ كالانحياز العِرقي، أو الإقصاء الأيديلوجي، أو التغييب المجتمعي، فالنص الأدبي يحضر في هذا السياق ليس باعتبار أدبيته وإبداعه الفني، بل باعتباره مجرد شاهد يؤكِّد استشراء الأمراض الثقافية في خطاب الأنا، أو خطاب الآخر.

بعبارة مختصرة: يحضر النص الأدبي في شواهد هذا التوجه بوصفه: (نصاً غير أديب) بالمعنى الحضاري طبعاً؛ إذْ تُشرّح فيه مُضمَرات الخطاب، وعيوب الانحياز الطبقي، أو العِرقي، أو الأيديولوجي المختبِئة تحت قِشرة النص، وإن كان بعض نقاد هذا الاتجاه قد حاول أن يُزاوج -إلى حدّ ما- بين القراءة الإبداعية والقراءة الثقافية، ومنهم: سعد البازعي؛ وإنْ كان إغراء (النموذج الثقافي) الأكثر رواجاً وتصدُّراً يدفع مثل هؤلاء المختصين بعيداً وباستمرار عن الوفاء للقِيَم الجمالية.

٤- الناقد الأدبي:

للشاعر الأمريكي ذي التوجّه الرمزي: والاس ستيفنز قصيدة غنائية أقرب ما تكون إلى مقاطع الهايكو اليابانية: وعنوان هذه القصيدة هو بحد ذاته قصيدة معبّرة: (ثلاث عشرة طريقة للنظر إلى دُوريّ يغرِّد)! فهذا العنوان يعبِّر عن المعنى الحقيقي للنقد الأدبي من حيث هو: رؤية نقدية ما تزال تزداد خصوبة كلما أعادت النظر في النص، كما أنه يمثِّل هذا النموذج النادر والعزيز من النقاد، والذي يكاد ينطبق عليه عنوان المقال: (موت الناقد)، إذْ هو يسعى في قراءته للنص إلى تحقيق المعادلة الصعبة، وهي: تقديم تحليل نقدي يتسم بالاتزان الموضوعي تجاه النص، ولكنه في الوقت نفسه متوائم معه في روح الأدب: غرضاً، وأسلوبَ تعبير.

الناقد هنا (صديق) للنص، و: (صديقك من صدقك لا من صدّقك)؛ ولهذا لا يؤمن هذا النموذج من النقاد بهذا الوهْم (المنهجي) الذي روّجتْه المناهج اللسانية الحديثة، وهي: أنّ مهمة النقد الحقيقية تنحصر في (وصف) النص الأدبي؛ دون تقويمه، والحكم عليه، ورواج هذا الوهْم هو ما أشاع هذا الضعف اللغوي والإبداعي في الناقد والمنقود معاً، وأدّى -مع عوامل أخرى- إلى هذه الفوضى غير الخلاقة في الحقل الأدبي؛ بحيث أصبح كل من ينظِم أوزاناً لا روح فيها، أو يرصّ سطوراً لا جديد فيها يظنّ نفسه شاعراً كبيراً، وأديباً لا يُشقّ له غبار؛ مغترّاً بكثرة المتابعين غير المتبصّرين من جانب، وبتلقُّف النقّاد لنصوصه من أجل دراساتهم الوظيفية من جانب آخر، والضحية الأكبر من هذه الفوضى: المبدع الحقيقي الذي يُهمّش إبداعه ويُستبعَد من الواجهة، كما يُساوَى بين نصوصه المميزة، والنصوص الأخرى؛ بوصفها جميعاً: شواهد متساوية الدلالة على الوظيفة اللسانية، أو الظاهرة الثقافية المدروسة .

أقول أخيراً: إنه على الرغم من العنوان المتشائم لكتاب رونان ماكدونالد: (موت الناقد) فإن المؤلف يفتح في آخر كتابه نافذة أمل تعتمد على حقيقة أن موت الناقد هو: اختيار ذاتي من الناقد الأكاديمي نفسه؛ بسبب انسحابه من الفعاليات الثقافية وانكفائه داخل صومعته الأكاديمية، وبسبب إصراره على المنهجية العلمية المتوهّمة في النقد التي تجعله يتجنب التقويم الفني في دراساته وبحوثه، فإذا أراد الناقد الأكاديمي العودة إلى الساحة والتأثير الإيجابي فيها فعليه أن يتخلص من هذين الوهْمين، وهما: وهْم: الترفّع الأكاديمي عن متابعة ما يُطرَح في مواقع التواصل الاجتماعي من قضايا ونصوص أدبية، ووهْم: الموضوعية المنهجية المكتفية بالوصف البارد والمحايد للنصوص؛ دون تقويمها والموازنة الفنية والإبداعية بينها .

وفي التعبير عن هذا يقول رونان ماكدونالد: ” لربما لا يكون الناقد قد مات، بل جرتْ ببساطة تنحيتُه جانباً، أو أنه يأخذ سِنَةً من النوم، وتتمثل الخطوة الأولى الضرورية لإيقاظه -أو إيقاظها- في استعادة فكرة: الجدارة الفنية وزرعِها في قلب النقد الأكاديمي. إنّ (الحُكم) هو المعنى الأول من معاني الكلمة اليونانية: كريتوس (kritos) [النقد]، وإذا كان النقد راغبا أن يكون مقدّراً ذا قيمة، ومهتماً كذلك بالوصول إلى جمهرة القرّاء، فعليه أن يكون تقويمياً “([19]).

ولعلي أُضيف إلى هذين الوهْمين السابقين: ضرورة التخلص من وهْم ثالث يشيع بين النقاد الأكاديميين، وهو: بناء معرفتهم النقدية من خلال المؤلّفات المعنيّة بالتنظير للمناهج النقدية بمرجعياتها الفكرية واللسانية، والواقع أنّ ما يبني الحساسية النقدية الحقيقية عند الناقد هو في الأساس: القراءة المتعمّقة والمتواصلة للنصوص الأدبية والإبداعية؛ مع الاستعانة بكتب التنظير النقدي، وأقول: الاستعانة، وليس الإغراق فيها، والإدمان على قراءتها؛ كما هو حال كثير من النقاد الأكاديميين هذه الأيام، وهو ما يفسِّر حالة العجز النقدي المتفشِّية لديهم حين يواجهون النصوص العالية، فيفشلون في استنطاق أسرارها الإبداعية التي لا تخضع لنماذجهم الآلية المسبقة، فينفضُّون عنها غير مُدركين قدْر ما فاتهم من فرادة إبداعية تختزل إيقاع العالم ولغة الوجود، وكما يقول سعيد بنكراد فإننا في هذه الحالة ” لا نتحدث عمّا يمكن أن يقوم النص بتمثيله؛ أي: لا خلاص لنا خارج النص؛ ولكنّ الخارج في التصوُّر التأويلي لا يُحيل على وقائع مُستقاةٍ من عالم غُفْل، بل هو سلسلة من التداعيات الرمزية، مصدرها: النص ذاته، إنها موجودة في ما استوطن ذاكرته الأولى؛ أي: لغته “([20]) .

مرجعيتك الحقيقية إذن بوصفك ناقداً أدبياً هي: النص الأدبي، وليس: كتب التنظير النقدي؛ لأن النصوص الأدبية هي المِرآة الشفيفة التي تكشف لك حكمة الوجود، وأسرار النفس الإنسانية، وقِيَم الفنّ الخالدة، ومنها: قيمة أنْ تكون ناقداً للأدب، فتتناول النص الأدبي -حين تتناوله- بحفاوةٍ وحب، وتُصغي إلى نبضه الخاص المختلِف تماماً عن نبض أيّ نص أدبي آخر، وتنظر إليه؛ لا بوصفه: مجرد ميدان أجرد تنشئ عليه هياكلك النظرية الجوفاء المستعارة من المناهج النقدية المتعاقبة، بل تتجول في ردهاته؛ وكأنه حديقة من حدائق الطفولة؛ حتى إذا ملأتَ رئتيك من شذاه، وعينيك من ألوانه؛ رحتَ تتفحّصه؛ محاولاً الكشف في نقدك عن أعمق ما اشتمل عليه هذا النص الأدبي من قِيَم فنية وإنسانية، وربما مددتَ بصرك إلى قِيَم خالدة أخرى تظنّ أن النص هَجَس بها، أو حامَ حولها؛ دون أن يقبض بأصابعه عليها، وكان يمكن أن يحدث ذلك.. كان يمكن، ولكن لسببٍ ما، لانكسارٍ ما، لانبهارٍ ما.. لم يحدث.

لماذا حدث هذا في النص؟ ولماذا لم يحدث ذلك ؟.. هذا هو سؤال النقد الأكبر .

 


([1]) الأديب وصناعته: دراسات في الأدب والنقد، اختيار وترجمة جبرا إبراهيم جبرا/137-138 .

([2]) ذكرياتي، لطاغور/129 .

([3]) انظر: الأديب وصناعته/168 .

([4]) توسّع الناقد البريطاني رونان ماكدونالد في الحديث عن هذين العاملين وعوامل أخرى في كتابه: موت الناقد، انظر تلخيص المترجم فخري صالح لهذه العوامل في تقديمه للكتاب/9-14، وانظر في الكتاب كذلك/ 15-17.

([5]) الأديب وصناعته/ 184 .

([6]) انظر: الأديب وصناعته/ 185 .

([7]) موت الناقد، لرونان ماكدونالد/17 .

([8]) انظر: الأديب وصناعته/182-183 .

([9]) عالم صوفي، لجوستاين غاردر/385-386 .

([10]) الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي 2/139 .

([11]) الإمتاع والمؤانسة، للتوحيدي 2/145-146 .

([12]) أزمة تطبيق المناهج النقدية، لأحمد درويش، مجلة قوافل، ع34، ص131 .

([13]) انظر: موت الناقد/133 .

([14]) موت الناقد: 137 .

([15]) موت الناقد: 143 .

([16]) موت الناقد: 11 .

([17]) انظر: إشكالية التحيز في النقد العربي المعاصر، لعلي صدّيقي/75-87 .

([18]) انظر: موت الناقد: 154-159 .

([19]) موت الناقد: 159 .

([20]) لا خلاص لنا خارج النص، لسعيد بنكراد، مجلة قوافل، ع34، ص159 .

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق