مقالات

في مبررات ماريا دي كوينونيس.. نقد إبستمولوجيا المعجزة – عبد الله الحميدي

(1)

حاملةً ابنتها البكماء، كانت ماريا مويسس دي كوينونيس   Maria Mueses de Quinonesتهمّ بعبور نهر جواياتارا، الذي ينتصف مسافة الطريق من قرية بوتوسي إلى إيبياليس في كولومبيا، لتجد نفسها عالقة وسط عاصفة شديدة، وهو ما اضطرها للبحث عن ملجأ تحتمي فيه هي وابنتها، وفي داخل أحد الكهوف حيث لجأت، بدأت الطفلة التي كانت عاجزة عن النطق منذ ولادتها، تصرخ بشدة مشيرة إلى صورة العذراء قائلة إنها تتحدث إليها. بعد سنوات من هذه الرؤيا بُني ضريح وكنيسة لتكريس هذه المعجزة[1] .

(2)

روى محمد بن المنكدر عن سفينة قال: ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحًا منها فطرحني اللوح في أجمة الأسد، فأقبل يريدني فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله ﷺ، فطأطأ رأسه وأقبل إلي فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق، وهمهم فظننت أنه يودعني فكان ذلك آخر عهدي به [2].

على الرغم من اختلاف المغزى الأيديولوجي العام لهاتين الحكايتين بيد أنهما على المستوى الإبستمولوجي تقولان الشيء نفسه، بمعنى أن انتظامًا ما في سير القوانين الطبيعية خُرِق من أجل إثبات فكرة أخرى، فنطْق الطفلة البكماء والمشي على الماء كلاهما يرومان إلى إثبات فكرة معينة، ترتبط على وجه الخصوص بإثبات صحة المضامين الدينية والأيديولوجية لكل منهما؛ إذ ليس المقصود بكسر قوانين الطبيعة سوى هذه الدعوى.

سأحاول من خلال هذا المقال استعراض فكرة المعجزة من زاويتين: أولًا- من زاوية إبستمولوجية؛ لكن ليس من خلال التطرق لمسألة إمكانية حدوثها من عدمه؛ بل من زاوية الشخص المتلقي لهذا الخبر، وما المبررات المتاحة لهذا الشخص للتصديق بالخبر المتعلق بهذه المعجزة على وجه التحديد أو الأخبار التي تندرج تحت هذا الصنف عمومًا أو رفضها، وذلك على افتراض وقوعها بوصفها حدثًا خارقًا للعادة. بمعنى أننا سنفترض جدلًا وقوع أمثال تلك المعجزات؛ إلا أننا سنحاول فحص ماهية المبررات التي يمكن تقديمها لمن لم يعاين هذه المعجزات.

وللتبسيط سأطلق مصطلح (الطرف الأول) على الشخص أو الأشخـــاص الذين شهــدوا الحدث الخارق للعادة، في مقابل مصطلح (الطرف الثاني) على الشخص أو الأشخاص المتلقين لخبر هذا الشخص الأول، دون أن يشهدوه بشكل مباشر. وهذا الطرف بالتحديد هو الطرف الذي سأتناول من خلاله إشكالية الحدث المعجز. مجادلًا في الوقت ذاته بأن الشخص الوحيد الذي يملك مبررًا للتصديق بالمعجزة – على فرض وقوعها – هو الشخص الذي وقعت أمامه، وعليه فليس ثمة أحد باستثناء كل من ماريا وسفينة يملك مبررًا للتصديق بهذا الخبر[3]، في حين أن من هم في خارج هذه الدائرة التي يقف عليها كل من ماريا وسفينة – دائرة اختبار الحدث المعجز عيانيًّا – لا يملكون مبررات كافية للتصديق بذلك، ليس هذا فحسب؛ بل ولا حتى الطرف الأول، أي الشخص الذي شهد المعجز عيانيًّا يملك أي حجة عقلانية لإقناعهم، طالما كانت طبيعية أي (موضوع عقلاني) هي قابليته للاختبار نظريًّا على الأقل من الجميع، وهو الشرط الذي يفتقده الحدث المعجز في الحادثتين أعلاه. وسأتناول من ناحية ثانية فكرة تعارض المضامين الأيديولوجية التي تحاول المعجزةُ التأكيدَ عليها وذلك على مستوى الأديان والمذاهب.

1- قابلية التبرير:

ما نقصده بقابلية التبرير هنا متعلق بماهية المبررات أو الحجج التي يملكها الطرف الأول لتقديمها للطرف الثاني لإقناعه بواقعية الحدث الذي زعم وقوعه أو مشاهدته، إضافةً إلى الأرضية التي على أساسها يمكن للطرف الثاني القَبول بمبررات الطرف الأول.

إن ما يميز الطرف الثاني هنا يكمن في عدم اختباره للحدث بشكل مباشر؛ وعليه فإن جل مبررات التصديق لديه هي بالضرورة مبررات غير مباشرة، بمعنى أنها مبررات لا تحيل بشكل مباشر إلى الحدث الأصلي، فهي تستند في محاولة إقناعها على “رواية” أو في أحسن الأحوال إلى “حدث” آخر خارق للعادة يحيل بدوره بشكل غير مباشر إلى الحدث الأول. فبمجرد اختفاء صورة العذراء التي خاطبت ماريا، فإن جميع الأشخاص بدءًا من أولئك الذين عاصروا ماريا وحتى المصلين اليوم في كنيسة لاس لاخاسLas lajas  هم أطراف ثانية، ولن يغير من ذلك شيء حتى لو استطاعت ماريا التدليل على صدق روايتها حول سماع صوت العذراء من خلال التنبؤ بأحداث مستقبلية أو المشي على الماء أو اجتراح أي معجزات أخرى؛ إذ إن الفجوة ما بين المتلقي (الطرف الثاني) والمعجز (سماع صوت العذراء) ستظل قائمة، وهي بالمناسبة فجوة لا تجسرها الحجة المعتادة من أن قبول صحة خبر ما لا يمكن أن يعتمد دائمًا على الاختبار المباشر، فروايات مثل تلك التي نجدها في قصة ماريا أو الأسد، على الرغم من عدم اختبارنا لها بشكل مباشر، لا تختلف في شيء عن معارفنا التاريخية والعلمية والتي قُبِلت من جهتنا بوصفنا أطرافًا ثانية، أي إنها حصيلة “رواية” بالمعنى العام؛ وبالتالي فإن الحجة التي يمكن لهذا الطرف تقديمها لقبول رواية كل من ماريا وسفينة هنا هو أن القبول بتصديق مثل هذا الخبر يماثل القبول بمعرفتنا التاريخية عن سقراط ونابليون وعن قرية بوتوسي ونهر جواياتارا، والتي لم يتح للكثير مشاهدتها على نحو مباشر، مع ذلك لا نجد صعوبة في القبول بها. كما أن معرفتنا مثلًا بأن الغلاف الجوي يتكون من 78% من النيتروجين، و23.15% من الأكسجين، و0.934% من الأرجون، و0.046% من ثاني أكسيد الكربون، هي الأخرى من نمط المعارف التي لم يتح لنا اختبارها بشكل مباشر، بل تحصلنا عليها في الأغلب من مختصين اختبروا هذه المكونات؛ وعليه فإن المؤيد لفكرة الخارق للعادة يذهب إلى القول إننا في حال أصررنا على ربط تصديقنا لماريا أو سفينة بالمشاهدة أو الاختبار المباشر؛ فإننا بحسب هذا المنطق نقع في تناقض حينما نقبل ذلك الكم الهائل من المعرفة التاريخية والعلمية دون أن نكون “طرفًا أو لا” فيها.

إن هذا التبرير يواجه في الواقع إشكالية المماهاة ما بين المعارف التي من نمط معرفة ماريا أو الأسد وبين المعرفة التي من نمط معرفتنا بوجود قرية بوتوسي مثلا. فعلى الرغم من أننا نشكل “طرفًا ثانيًا” إزاء كل من خبر ماريا وخبر مثل وجود قرية بوتوسي، إلا أن وضعيتنا كطرف ثان غير متماثلة في كل من هذين المثالين، فوضعيتنا في مثال قرية بوتوسي والتي ربما كان جل ما نعرفه عنها يتوقف على ما سمعناه أو قرأناه، إلا أنها تظل معرفة قابلة للتحقق نظريًّا على الأقل؛ إذ يمكن لأي شخص حال توافر الإمكانات والظروف المناسبة زيارة هذه القرية والتحقق من وجودها، ما يعني أن معرفتنا كطرف ثان في هذا المثال هي معرفة قابلة للتحقق، ليس من قبلي وحسب، بل ومن قبل الجميع بشرط توافر الإمكانيات اللازمة، على عكس معرفتنا في قصة الأسد حيث إننا نظل غير قادرين على التحقق منها.

إن كوننا مجرد طرف ثانٍ في المعرفة هو أمر تقتضيه “محدودية الوضع البشري” من ناحية استحالة كوننا أطرافًا أُولى في كل معرفة، فلا يمكن أن نختبر ونشاهد جميع موضوعات المعرفة من حولنا، فلا إمكاناتنا المعرفية أو وضعياتنا التاريخية تسمحان بذلك -في المعرفة التاريخية على الأقل-، فمن الاستحالة ألّا نكون إزاء معركة واترلو على سبيل المثال سوى أطراف ثانية -. فليس شرطًا في كل عملية تصديق أن نكون طرفًا أولًا، ولا يقتضي كوننا طرفًا ثانيًا، التسليم بكل ما يرد عن الطرف الأول. وهنا يكمن الاعتراض الأساسي على التصديق برواية ماريا، إن عدم قبولنا لرواية ماريا أو جهة، وقبولنا لرواية معركة واترلو أو معرفتنا بمكونات الغلاف الجوي لا يرتبط بكوننا أطرافًا ثانية؛ بل يرتبط بطبيعة معرفة الطرف الأول لموضوع معرفته.

سأحاول هنا عرض طبيعة هذه المعرفة التي تتضمنها رواية ماريا وطبيعة المعرفة التاريخية والعلمية.

ثمة خصائص ثلاث لمعرفة ماريا، فهي في المقام الأول حدثٌ “غرائبي”، من حيث كونه نادر الحدوث، إضافة إلى غرائبيته هذه فإنه يقع عمومًا خارج نطاق معرفتنا الحسية، وأخيرًا صعوبة اختباره أو إعادة تكراره مرة أخرى، بهذه السمات الثلاث تتميز معرفة ماريا عن بقية المعارف التاريخية والعلمية، فضلًا عن كونها مسؤولة بشكل مباشر عن جعل أمثال كل من رواية ماريا روايات فاقدة للمبررات التي تجعلها معرفة جديرة بالتصديق.

فحدث سماع صوت بشري في مكان لا وجود فيه لأحد، ليس حدثًا غرائبيًّا وحسب؛ بل ويقع خارج نطاق خبراتنا عمومًا، فقد كان من الممكن أن يكون الحدث الذي شهدته ماريا غرائبيًّا، ومع ذلك يقع في نطاق خبراتنا الحسية بشكل عام، كأن تزعم مثلًا أن سربًا هائلًا من النسور قد هاجمها، وبعد ذلك لاحقتها مجموعة من الذئاب؛ لكنها نجت بالقفز في النهر وجرفها التيار إلى الضفة الأخرى، ثم نجت بعد ذلك من مجموعة من قطاع الطرق، فعلى الرغم من الغرابة كلها التي تنطوي عليها هذه الرواية، إلا أنها تظل رغم ذلك أحداثًا، وإن لم يختبرها الناس على نحو مباشر إلا أنها تظل أحداثًا اعتيادية في مجملها، صحيح أن الكثير منا لم يختبر أن يهاجمه قطاع طرق أو حيوانات مفترسة، إلا أننا نستطيع معرفة ذلك بوجود اللصوص وكون الحيوانات المفترسة تهاجم، وذلك من خلال مشاهداتنا الجزئية عنها. بيد أن سماع صوت بشري في مكان لا وجود فيه لأحد، أو الزعم بأن أسدًا يستطيع فهم الكلام ويرشد التائهين في الصحراء، فهو إلى جانب غرائبيته، بعيد عن الوقوع في مجال خبراتنا الاعتيادية. والأهم من ذلك كله عدم تمكُّن أشخاص آخرين من تكراره، ومن ثم ليس ثمة سبب يحملنا على تصديق تلك المشاهدات حتى من قبل الذين عاينوها، ولا تكفي حتى السمات الأخلاقية العالية للرواة، ما لم نختبر تلك الأحداث على نحو مباشر أو على الأقل يكون في إمكاننا اختبارها حال توافر الظروف المواتية.

إن القدرة على تكرار الحدث واختباره تعني ببساطة القدرة على التحقق من إمكانية حدوثه من عدمه، ومن ثم فهي تعني كون الحدث قابلًا للتفنيد، فمن دون إمكانية التفنيد هذه فإننا نظل على مستوى معرفة واحدة، ثابته، للحدث، غير قادرين على معرفة أو تصور الحالة التي يمكن فيها تصور هذه الحدث بوصفه حدثًا “كاذبًا”.

إن سبب اطمئناننا في قَبول بعض المعارف المتعلقة بنتائج الأبحاث في نطاق العلوم أو الجغرافيا، مردُّه إلى كون هذه النتائج (مفتوحة) على الدوام للاختبار، -نظريًّا على الأقل-، وقابلة للتكرار في حال توافر الشروط اللازمة، وهو ما تفتقده المعجزة. إن ما يجعل من القضية المتعلقة بمكونات الغلاف الجوي، قضية جديرة بأن نأخذها بعين الاعتبار، هي أنه بإمكان أي شخص التحقق منها، ومن ثم اكتشاف مدى صحتها من عدمه، فمعيار الصدق فيها ليس مرتبطًا بالسمعة الحسنة للعلماء ولا حتى بعدد العلماء الذين اختبروا هذه المكونات؛ بل فقط لأن ادعاءات أولئك العلماء هي ادعاءات قابلة للاختبار من قبل أي شخص آخر يملك الوقت والإمكانات اللازمة لذلك.

فلا يمكن أن يكون حدث المعجزة أو الخارق للعادة إذا ما أريد تبريره مقصورًا على الشخص الذي شاهده؛ بل لا بد أن يكون الآخرون محل الإقناع قد شاهدوا الحادثة أو اختبروها على نحو مباشر، ودون ذلك لن يكون تصديق الحدث ملزمًا إلا لمن اختبروه مباشرة. ومن ثم فإذا كانت ماريا تمتلك مبررًا للتصديق بسماع صوت العذراء؛ فإنها في المقابل لا تمتلك أي وسيلة لإقناع الآخرين بصدق روايتها، ما دامت هذه الرواية واقعة في معضلة كل من الغرائبية والخروج عن المعتاد بالإضافة إلى عدم القابلية للتكرار، وعدم إمكانية إيجاد وقائع مماثلة لها في خبراتنا الاعتيادية، ولن تكفي حتى سمعتها الحسنة لتصديقها ما دمنا نرغب في المعرفة لا الإيمان.

وبعبارة أخرى فليس ثمة سبب يحملنا على تصديق تلك الأحداث حتى من قبل الذين عاينوها، ما لم نختبر تلك الأحداث على نحو مباشر أو على الأقل يكون في إمكاننا اختبارها حال توافر الظروف المواتية.

إضافة إلى أنه لا يمكن مقارنة معرفة ماريا بالمعارف التاريخية الأخرى كمعركة واترلو على سبيل المثال، بواقع أن كلًا منهما لا يمكن التحقق منه تجريبًا أو اختباره؛ ذلك بسبب أن معرفتها تمتاز بخاصية أخرى تجعل من شروط قبولها مختلفًا عن الشروط التي تجعلنا نقبل أحداث واترلو. من حيث إن أحداث هذه الأخيرة تقع في نطاق الخبرة الحسية العامة على عكس أحداث قصة ماريا، فلم يكن ثمة ملائكة تقاتل إلى جانب التحالف السابع في واترلو ضد نابليون؛ بل جل أحداث المعركة يمكن إرجاعها إلى مجمل الخبرة الحسية.

فكلما كانت الواقعة كما يقول ديدرو Diderot أقل احتملًا فقدت الشهادة التاريخية قيمتها، فسوف أصدق -يقول ديدرو– مقولة رجل صادق بأن الملك قد انتصر على جميع أعدائه، إلا أنني لن أصدق جميع أهل باريس بأن رجلًا مات ثم بعث من بعد مماته”[4].

إلا أن بعضهم يجادل بأن احتمالية حدوث معجزة يجب ألا تتم من خلال “حوادث فردية”؛ بل يجب النظر إليها من خلال وجودها ضمن سلسة من حوادث مشابهة، وفي سياق محدد. لنفترص أنني أُخبرتُ بأن شخصًا ما قد استطاع أن يصيب هدفًا في كرة السلة من مسافة 500 قدم. إن معرفتي الأولية بعدم احتمالية ذلك، تجعلني أرفض تصديق هذه الحادثة. إن كل ما أستطيع فعله هو النظر فيما إذا كان هناك حوادث مشابهة سابقة وحتى لاحقة للفعل نفسه، فإذا وجدت وقائع مشابهة، فعندها يمكنني الثقة بهذا الخبر[5]5، وعلى هذا الأساس يمكن أن نصدق شهادة ماريا، بمعنى أن واقعة كحدث سماع ماريا لصوت العذراء سيفقد مصداقيته حال النظر إليه بوصفه واقعة فردية، بيد أن الأمر سيختلف بمجرد النظر إليه من خلال وجود حوادث مشابهة، باعتبار أن احتمالية حدوثه تتعزز من خلال الإشارة إلى وجود وقائع أخرى تدعم الفكرة نفسها التي تدعمها فكرة ظهور العذراء. كما هو الحال فيما يسمى بالظهورات المريمية Marian apparition، وهو عبارة عن اعتقاد سائد بين العديد من الفرق المسيحية والتي تعتقد بظهور أو تجلي العذراء بغية إيصال رسالة أو نبوءة معينة؛ إذ إنه وفي القرن العشرين فقط – بحسب الباحثين في جامعة دايتون – سُجِّلت 386 حالةً لتجلي السيدة العذراء[6]. وبناءً على ذلك فإن شهادة ماريا تدعمها العديد من الحوادث السابقة واللاحقة من هذه التجليات المريمية، فضلًا عن كونها تأتي في سياق ديني محدد يدعم فكرة دين ومذهب معين.

تستند هذه الحجة إلى عدد الشهادات التي تدعم واقعة معينة، بمعنى أنه كلما كثر عدد الوقائع التي تتضمن أحداثًا خارقة للعادة، دل ذلك على احتمالية حدوثها، بيد أن تعدد الشهادات هذا يجب أن ينظر إليه بالكثير من الريبة، خصوصًا فيما إذا كان ضمن سياق ديني أو مذهبي معين، كما يلاحظ هيوم Hume من أن الحماسة الدينية من شأنها أن تحمل الشخص على تصديق أمور غير موجودة أصلًا واختلاقها أحيانًا. فالدين “إذا ما اجتمع إليه حب – الأمر الخارق والعجيب-، كان ذلك نهاية العقل السليم، وفقدت به الشهادة الإنسانية في هذه الظروف كل ادعاء للمصداقية، وإنه ليجوز للمتدين أن يكون من الذين تأخذهم الحماسة، فيتخيل أنه يرى ما لا وجود له، كما يجوز أن يكون عارفًا بوهم ما يروي، وأن يستمر عليه وهو على أحسن سريرة، خدمة لدعواه المقدسة”[7]. فضلًا عن أن واقعة المعجزة أو الخارق للعادة في المجال الديني تنطوي على خصوصية تجعها مختلفة عن المعجزة في السياق العادي. فتعدد الشهادات في رواية أحداث من قبيل إصابة هدف كرة سلة من على مسافة 500 قدم أو حتى الادعاء بوجود فيلة تطير، يختلف عن تعددها في مسألة ظهورات العذراء مثلًا أو التصديق بوجود أسد يكف عن افتراس أصحاب دين معين؛ وذلك بسبب اختلاف طبيعة المضامين في كل من الخبر الغرائبي في سياق الدين والسياق العادي. فالمضامين المتعلقة بهذه الأخيرة لا تتعدى حدودها “الحكائية” في الغالب، من حيث ما توفره من مادة جذابة للحديث. في مقابل المضامين الأيديولوجية العديدة التي يتضمنها الخبر المعجز في السياق الديني. فالقبول برواية ماريا أو الأسد ليس قبولًا برواية “غير صحيحة” فحسب؛ بل ينطوي على قبول بما تحاول هذه الرواية أن تشير إليه، من مقولات أخلاقية واجتماعية وسياسية وميتافيزيقية. وهو ما تفتقر إليه “معجزة السياق العادي” والتي تبدو “بريئة أيديولوجيًّا” مقارنة بالمعجزة الدينية، التي تبدو مهيأةً أيديولوجيًّا لاستنبات فكرة الغريب والخارق للعادة.  فحدوث المعجزة في الحرب يجعل منها حربًا عادلة في نظر المؤمن، فعندما نقرأ أن قائدًا عسكريًّا استطاع أن يسير بجيشه على الماء لملاقاة أعدائه، فإن المنطق الضمني الذي تحمله هذه المعجزة لا بد وأن يشير إلى أن الحرب التي كان يخوضها ضد أعدائه كانت حربًا عادلة [8]، بمعنى أن المعجزة في السياق الديني لا تقف عند حدودها الغرائبية بل تتعدها لتحيل إلى منظومة ثقافية شاملة، ذات تبعات عميقة، يصعب التخلص منها دون مصادمة للأبنية الثقافية والاجتماعية المرتبطة بها.

2- تعارض المضمون:

كل قضية يتطلب التصديق بها بحاجة إلى تبرير مضمونها، وإلا كانت محض ادعاء، وتعد المعجزة إحدى أهم المبررات إن لم تكن هي الوحيدة للتدليل على صحة المضمون العقدي للدين بشكل عام وللنبوة بشكل خاص؛ إذ “لا بد للنبوة من العلم المعجز”[9]، إذ إن ضرورتها مرتبطة بوجوب النبوة[10].

ليست المعجزة سوى إحدى أهم التبريرات لفكرة دينية في الغالب، ولأن جزءًا كبيرًا من المضامين العقدية التي تكتنف المنظومة الدينية هي مضامين ميتافيزيقية يصعب تبريرها من خلال التجربة المباشرة، بمعنى أنها لا تقع في نطاق الخبرات البشرية، ومن ثم كان تبريرها يتم في الغالب من خلال حدث المعجزة بوصفها خارقًا للعادة.

في الاعتراض أو المعضلة الأولى كنا قد بينا الصعوبة الإبستمولوجية التي تواجهها المعجزة من حيث افتقارها – بوصفها خبرًا- لمبررات التصديق، وإذا كانت المعضلة الأولى تتعلق بمناقشة المعجز من داخل الدين أو المذهب الواحد؛ فإن المعضلة التي نحاول مناقشتها هنا تتعلق بمناقشة المعجز على مستوى الأديان أو المذاهب المتعارضة، وذلك من حيث كون المضامين التي تحاول المعجزة تبريرها وإقامة الادعاء على صحتها هي مضامين متعارضة على مستوى الدين عمومًا. فإذا كنا في المعضلة الأولى قد سلمنا بوقوع المعجز، إلا أننا في أثناء فحص شروط قَبوله خلصنا إلى عدم امتلاكه لمبررات كافية للتصديق به، غير أننا هنا ونحن نتناول هذه المعضلة، سنسلم بإمكانية تبريرها، أي بامتلاكها من المبررات ما يكفي للتصديق بها. بمعنى أنه إذا كانت ماريا في المعضلة الأولى بالرغم من يقينها من سماع صوت العذراء، عاجزة عن تبرير ما حدث لها للطرف الثاني، والذي يفتقر هو الآخر لأي مبررات عقلية من شأنها أن تحمله على تصديق روايتها؛ فإننا هنا وفي سياق عرضنا للمعضلة الثانية سوف نسلم بإمكانية وجود مثل هذه المبررات، أو على الأقل سنفترض أنه حتى في ظل غياب هذه المبررات فإن الطرف الثاني مدفوعًا بالعاطفة والمشاعر الدينية والسمعة الحسنة لماريا، قد صدق بوقوع هذا الحدث؛ وبذلك فإننا نتجاوز المعضلة الأولى، بيد أن معضلة أخرى تواجه فكرة المعجزة هنا، وتكمن في الحاجة إلى تبرير وجود أمثال هذه الروايات في سياقات دينية مختلفة ومتعارضة، خصوصًا إذا علمنا أن المعجزة من حيث العموم لا تشير فقط إلى أن مضمون العقيدة أو المذهب “س” هو مضمون صادق وصحيح؛ بل تشير كذلك وإن بشكل غير مباشر إلى أن مضمون العقيدة أو المذهب “ص” هو مضمون كاذب.

إن ملاحظة هذه الإشكالية تبدو عصية ما دام الشخص ينظر إلى المعجزة من داخل سياقه الثقافي والديني، ومن ثم تبدو الحاجة إلى استحداث موقف نقدي تُستحْضَر من خلاله نماذج مشابهة ذات سياقات مختلفة من شأنها إتاحة إمكانية إقامة موقف نقدي من المقولات الثقافية والدينية الخاصة بالشخص، وإلا فإن أي مقاربة لهذه المقولات محكومة بأن تظل في الدائرة المقدسة holy circle  بحسب تعبير جيبون Gibbon [11].

***

في العام 312 ميلادية، كان الإمبراطور قسطنطين Constantine، على أهبة الاستعداد لمعركة حاسمه مع غريمه مكسنتيوس Maxentius، وقد كان قسطنطين في اليوم السابق على المعركة، قد رأى صليبًا في السماء وقد نقشت عليه عبارة “بهذا فلتغْلِبْ” ليظهر له المسيح مرة في الحلم حاملًا ذات العلامة السماوية التي رآها؛ فسرعان ما أمر قسطنطين بعدها بأن تُنقَش هذه العلامة على دروع جنوده وراياتهم، الأمر الذي سيعده الكثير من المسيحيين سببًا للانتصار الساحق لقسطنطين في معركة جسر ميلفيا  [12]Milvian Bridge.

ما تحاول هذه الرواية أن تقوله بشكل مباشر هو أفضلية الدين الذي وقف قسطنطين بجانبه من دين منافسه الوثني، فإله المسيحيين هو الإله الحقيقي مقارنة بإله الوثنيين، بدليل تحقق النبوءة التي رآها قسطنطين في منامه. أما ما تقوله هذه الرواية بشكل غير مباشر؛ فإنه إذا ثبت أن المسيحية من خلال المعجزة هي الدين الحق، فليس الوثنية فقط هي الدين الباطل؛ بل كل ما يخالف المسيحية هو بالضرورة باطل.

سنرى النتيجة ذاتها إذا أخذنا هذا النموذج وطبقناه على حادثة مشابهة؛ ولكن في سياق ديني وثقافي مختلف. كحادثة مشي العلاء بن الحضرمي في أثناء توجهه لمحاربة الفرس بجيش يبلغ تعداده أربعة آلاف جندي على الماء، دون أن تبتل أقدامهم. عن أبي السّليل ضريب بن نفيرٍ، قال: كنت مرافقًا للعلاء بن الحضرميّ حين بعث إلى البحرين فسلكنا مفازةً فعطشنا عطشًا شديدًا حتّى خشينا على أنفسنا الهلاك وما ندري ما مسافة الأرض، فذكر ذلك له فنزل فصلّى ركعتين ثمّ قال: يا حليم يا عليم يا عليّ يا عظيم اسقنا، قال: فإذا نحن بسحابةٍ كأنّها جناح طائرٍ قد أظلّتنا حتّى أتينا على خليجٍ من البحر ما خيض قبل ذلك اليوم ولا خيض بعده، فالتمسنا سفنًا فلم نجد، فذكرنا ذلك له فصلّى ركعتين ثمّ قال: يا حليم يا عليم يا عظيم أجرنا، ثمّ أخذ بعنان فرسه ثمّ قال: جوزوا باسم اللّه، قال أبو هريرة: فمشينا على الماء فواللّه ما ابتلّت قدمٌ ولا خفّ بعيرٍ ولا حافر دابّةٍ، وكان الجيش أربعة آلافٍ، فلمّا جزنا قال: هل تفقدون شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فأتينا البحرين فافتتحها وأقام بها سنةً ثمّ مات رحمة اللّه عليه، قال أبو هريرة: فكنت فيمن مرّضه وغسّله وكفّنه وصلّى عليه ودفنه، فلمّا دفنّاه تلاومنا في دفنه، وقالوا: ينبشه كلبٌ أو سبعٌ، فكشفنا عنه التّراب فلم نجده في قبره”[13].

إن الإشكال الذي تواجه كلًّا من هذه الروايتين لا يكمن في كونها نصًّا غرائبيًّا فحسب؛ بل وفي تناقض المضامين والدلالات التي تحاول كل منهما -وهي تتوسل بمنطق المعجزة- أن تشير إليها.

فإذا كانت المعجزة التي أسهمت بانتصار قسطنطين في معركة جسر ميلفيا أمارةً على صدق المضامين الدينية التي تبناها الإمبراطور، هي ذاتها التي جعلت جيشًا قوامه أربعة آلاف مقاتل يعبرون البحر دون أن يصيبهم بلَل، هذا من ناحية. وكان السياق الديني لكل من المعجزتين يتعارض مع الآخر، من ناحية أخرى؛ فإن المعجزة تكفّ عندها أن تكون دليلًا أو أمارةً على صحة دين أو مذهب معين، طالما كانت الأديان تستند إلى المعجزة للتدليل على صحة مضامينها العقدية.

مع ذلك ستبقى ماريا على يقين بما شاهدته وسمعت به، بيد أنها لا تملك أن تلوم الناس على عدم تصديقها. ذلك أن فكرة امتلاك يقين ما حول فكرة معينة هو أمرٌ يختلف عن القدرة على إقناع الآخرين به. ولن يقلق طمأنينتها ذلك الكم الهائل من المعجزات الأخرى التي تدعم اعتقادات مخالفة لما تؤمن به، طالما كانت الطمأنينة هي الفضيلة العظمى.

 


[1] http://www.miraclehunter.com/marian_apparitions/approved_apparitions/guaitara/index.html

[2] الطبراني، المعجم الكبير. القاهرة: مكتبة ابن تيمية. ج 7، ص 94.

[3] مع التحفظ هنا على كلمة مبرر، حيث لا يعني ذلك أكثر من سبب دافع للتصديق بغض النظر عن صموده للتحليل العقلي أم لا.

[4] Gay, Peter: The Enlightenment: an interpretation: The Rise of Modern Paganism. New York.

[5] Bonevac, Daniel: The Argument from Miracles in: http://philosophical.space/papers/MiraclesOxford.pdf

[6] https://udayton.edu/imri/mary/a/apparitions-statistics-modern.php

[7] هيوم، تحقيق في الذهن البشري. ترجمة محمد محجوب. بيروت: المنظمة العربية للترجمة. 2010. ص156. ما بين القوسين مني للتوضيح.

[8] انظر الطبراني، المعجم الكبير. القاهرة: مكتبة ابن تيمية ج 18، ص 95. “عن أبي هريرة قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى البحرين تبعته فرأيت منه ثلاث خصال لا أدري أيتهن أعجب. انتهينا إلى ساحل البحر فقال: سموا الله وتقحموا فسمينا وتقحمنا فعبرنا فما بل الماء أسافل خفاف إبلنا. فلما قفلنا صرنا معه بفلاة من الأرض وليس معنا ماء فشكونا إليه، فقال: صلوا ركعتين ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس ثم أرخت عزاليها فسقينا واستقينا فمات فدفناه في الرمل فلما صرنا غير بعيد قلنا: يجيء سبع فيأكله فرجعنا فلم نره”.

[9] عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة. تحقيق عثمان عبد الكريم. القاهرة: مكتبة وهبة. 1996، ص568.

[10] وهو وجوب يذهب إليه المعتزلة من باب اللطف الإلهي؛ إذ إن فيها بحسبهم صلاحًا للمكلفين، وكل ما كان فيه صلاح للمكلَّف، وجب على المكلِّف فعله. “وإن البعثة متى حسنت وجبت، على معنى أنها متى لم تجب، قبحت لا محالة، وأنها كالثواب في هذا الباب، فهذه أيضًا مما لا ينفصل حسنه عن الوجوب” وذلك “لا يجوز الإخلال به” المصدر السابق 564 وانظر أيضًا: الماتريدي. كتاب التوحيد. بيروت: دار الكتب العلمية، ص 134، حيث يذهب إلى وجوب “القول بالرسالة بضرورة العقل في إيجاب الحاجة لها دينًا ودنيا”.

[11] دائرة القداسة the holy circle وهو مصطلح أطلقه المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون Edward Gibbon، قاصدًا به نمطًا من القراءة النقدية التي تمكن صاحبها من الاستقلالية برأيه عن رأي المؤلف. انظر Gay, Peter 358.

[12] جيبون، اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها. ترجمة محمد علي أبو درة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط 2. 1997. ج1. ص 407-411

[13] اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، الإسكندرية: دار البصيرة. تحقيق نشأت المصري. ص 1362.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق