مقالات

الشيء ومعناه – رولان بارث

ترجمة: د.سعيد بنكراد

أود أن أقدم لكم بعض الملاحظات حول الشيء* كما يتم تداوله في حضارتنا التي نطلق عليها عادة “الحضارة التقنوية”. وأود أن أضع هذه الملاحظات ضمن دراسات تُنجز حاليًا في بلدان كثيرة تحت اسم السميولوجيا، أو علم العلامات. ولقد كان اللساني السويسري الكبير فيردناند دوسوسير منذ ما يقارب الخمسين سنة هو من صاغ حدود هذا العلم الذي يطلق عليه بالإنجليزية السميوطيقا. فلن تكون اللسانيات مستقبلًا في تصوّره سوى جزء من علم عام هو ” علم العلامات”، الذي أطلق عليه السميولوجيا. ولكن هذا المشروع السميولوجي سيعرف قفزة نوعية بفضل ظهور علوم جديدة كعلوم الإعلام واللسانيات البنيوية والمنطق الشكلي وبعض الأبحاث في الأنتروبولوجيا. فقد تبنت هذه العلوم مجتمعة هذا التخصص ووجهت كل اهتماماتها نحو البحث في الطريقة التي يمنح من خلالها الإنسان معنى للأشياء. لقد كانت اللسانيات، إلى يومنا هذا، هي العلم الذي اهتم بالطريقة التي يعطي من خلالها الإنسان معنى للأصوات المتمفصلة.

ولكن كيف يعطي الإنسان معنى لأشياء لا تُصنف ضمن الأصوات؟ هذا ما يجب أن يقوم به الباحثون اليوم. وإذا لم يكن هذا البحث قد تبلور فعلًا، فأسباب ذلك عديدة. أولًا لأننا لم ندرس في هذا المستوى سوى بعض الأسنن البسيطة التي لا قيمة سوسيولوجية لها من مثل مدونة السير؛ وثانيًا لأن كل ما يدل في العالم هو دائمًا، بهذا الشكل أو ذاك، ممتزج باللغة: لا وجود أبدًا لأنساق دالة لموضوعات خالصة. إن اللغة تتدخل دائمًا، باعتبارها رابطًا، كما هو الشأن في أنساق الصور، أو باعتبارها عنوانًا أو تعليقًا أو مقالًا. لذلك ليس صحيحًا ما يقال إننا نعيش داخل حضارة خالصة للصورة.

وضمن هذا الإطار العام للبحث السميولوجي أود إدراج هذه الملاحظات السريعة والمختصرة حول الطريقة التي تدل من خلالها الأشياء في العالم المعاصر. وأود أن أؤكد أنني أعطي معنى قويًا لكلمة “تدل”؛ علينا ألا نخلط بين التدليل والإبلاغ، فالتدليل معناه أن الأشياء ليست حاملة لأخبار فقط، فهي في هذه الحالة لا تقوم سوى بالتبليغ، إنها، بالإضافة إلى ذلك، تُشكل أنساقًا من العلامات المدرجة ضمن بنية، أي أنساقًا للخلاف والتقابل والتضاد.

أولا كيف نحدد ماهية الأشياء (قبل أن نتطرق لطريقة التدليل فيها)؟ تُعطي القواميس للشيء تعريفات فضفاضة: الشيء هو ما تراه العين، هو ما يكون موضوع تفكير عند ذات تفكر، وباختصار إنه شيء، كما تقرر ذلك أغلب القواميس. نحن هنا أمام تعريفات لا تعطينا أي شيء، إلا إذا نحن حاولنا البحث عن بعض الإيحاءات لكلمة شيء. أما أنا فأرى أن هناك مجموعتين كبيرتين من الإيحاءات: هناك مجموعة أولى تتشكل مما أسميه إيحاءات وجودية للشيء. وفي هذه الحالة، فإن الشيء يتخذ سريعًا في نظرنا مظهرًا أو وجودًا لشيء من طبيعة غير إنسانية تفرض كينونتها على الإنسان وضدًا على رغبته. وفي هذا الأفق كانت هناك الكثير من الدراسات والكثير من المعالجات الأدبية للشيء: لقد خصص سارتر في كتابه الغثيان مجموعة كبيرة من الصفحات لعناد الشيء وإصراره على أن يكون خارج الإنسان، محدثًا بذلك نوعًا من غثيان السارد أمام جذوع أشجار في حديقة عمومية أو يراها بين يديه.

ويضعنا مسرح يونيسكو بطريقته الخاصة، أمام توالد غريب للأشياء: أشياء تغزو إنسانًا عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، ويعيش بمعنى من المعاني، حالة اختناق. وهناك معالجة من طبيعة جمالية للشيء هذه المرة، فهو يَمْثُل أمامنا باعتباره يخفي جوهرًا في حاجة إلى تشكيل، وهذه المعالجة هي التي نعثر عليها عند فناني الطبيعة الميتة، ونعثر عليها أيضًا في السينما عند بعض المخرجين الذي انصب اهتمامهم على التفكير في الشيء (أشير إلى بروسون). أما في ما يطلق عليه الرواية الجديدة، فهناك تعامل خاص مع الشيء، فالروائي فيها يكتفي بوصف ظاهره الخالص.

وفي جميع هذه الحالات هناك دائمًا نوع من هروب الشيء نحو الذاتية المطلقة، وتبعا لذلك، فإن هذه الأعمال مجتمعة تجنح إلى تبيين أن الشيء يمثل عند الإنسان نوعًا من العبث، إن له معنى اللامعنى، إنه هنا لكي يدل على أن لا معنى له. وهكذا نجد أنفسنا، في هذا الأفق ذاته، داخل مناخ يعجّ بالدلالة.

وهناك مجموعة أخرى من الإيحاءات، هي التي ستكون موضوع مداخلتي: يتعلق الأمر بالإيحاءات “التكنولوجية” للشيء. يتحدد الشيء في هذه المجموعة باعتباره يحيل على ما هو مُصَنع، إنه يتشكل من مادة خالصة، متشكلة ومُطَبَّعة، أي خاضعة لمعايير التصنيع والجودة. وفي هذه الحالة يتحدد الشيء باعتباره عنصرًا موجهًا إلى الاستهلاك: يتم استنساخ فكرة حول شيء ما وإخراجها بعد ذلك في ملايين من النسخ: هاتف، ساعة يدوية، تحفة، صحن، كرسي، قلم. يتعلق الأمر بما نطلق عليه عامة الموضوعات، إن الشيء هنا لا يجنح إلى الذاتي الخالص، بل إلى ما يشكل الاجتماعي. وسأستند إلى هذا التصور الأخير للشيء.

نعرف الشيء عادة باعتباره “شيئا يصلح لشيء ما”. وتبعا لذلك، يكون الشيء منذ الوهلة الأولى موجها نحو غاية استعمالية، أي ضمن ما نسميه وظيفة. واستنادًا إلى ذلك، فإننا ننظر إليه عفويًا، باعتباره يتجاوز نفسه: يستعمل الإنسان الشيء لكي يؤثر في العالم، في تغيير هذا العالم، لكي يحضر في هذا العالم بشكل حركي. إن الشيء هو واسطة بين الفعل والإنسان. وفضلا عن ذلك، لا وجود في هذه الحالة لشيء لا يصلح لأي شيء. بالتأكيد هناك أشياء تتخذ شكل تحفة بلا فائدة، ولكن هذه التحف لها دائمًا غاية فنية. إن المفارقة التي أود الإشارة إليها هي اعتقادنا أننا نتعامل مع هذه الموضوعات، المالكة مبدئيًا لوظيفة وغاية واستعمال، باعتبارها أدوات خالصة، والحال أنها حاملة لأشياء أخرى، إنها أشياء أخرى: إنها حاملة لمعنى. بعبارة أخرى، إن الشيء يصلح فعلًا لشيء آخر، ولكنه يُستعمل من أجل تسريب معلومات؛ وهو ما يمكن أن نختصره في جملة واحدة بالقول إن هناك دائمًا معنى يتجاوز الشيء. فليس هناك من شيء أكثر وظيفية من الهاتف. ومع ذلك، فإن ظاهر هذا الهاتف يمكن أن يكون له معنى مستقلًا عن الوظيفة: يشير هاتف أبيض إلى نوع من الترف أو الأنوثة. بل هناك هواتف بيروقراطية، وأخرى متقادمة قد تشير إلى فترة ولت (1925). وباختصار، إن الهاتف ذاته يمكن أن يكون جزءًا من نسق للأشياء-علامات. والأمر كذلك مع القلم، فهو يُعبر عن نوع من الثراء والبساطة والجدية والفنتازية. وتلك حالة الصحون أيضًا، تلك التي نتناول فيها طعامنا، إن لها دائمًا معنى، وعندما لا يكون لها معنى، عندما توهمنا ألا معنى لها، في هذه الحالة سيكون لها معنى هو ألا معنى لها. وتبعًا لذلك لا وجود لشيء لا معنى له.

فمتى يصبح الشيء مستودعا للدلالة؟ ومتى تبدأ دلالة الشيء؟ أسارع إلى القول إن هذا يحدث لحظة إنتاج الشيء وتوجيهه إلى الاستهلاك في مجتمع الناس، أي منذ لحظات تصنيعه وتطبيعه. وهنا يقدم لنا التاريخ الكثير من الأمثلة. نحن نعرف مثلًا أن جنود جمهورية روما كانوا يضعون أحيانًا على أكتفهم غطاء وقاية من المطر والعواصف والريح والبرد. لا وجود في هذه الحالة للغطاء كشيء. فهو هنا بلا اسم ولا معنى، لقد كان أداة استعمالية فحسب. ولكن عندما تم التصرف في هذا الغطاء وأنتجت منه نسخ كثيرة ومُنح شكلا ممعيرًا ومُنح معنى، حينها أصبح هذا اللباس زيا عسكريًا أُطلق عليه البينولة (pénule)، في هذه اللحظة أصبح هذا الغطاء العريض يحيل على معنى هو “العسكرة”. فكل الأشياء المتداولة في مجتمع ما لها معنى. فمن أجل العثور على أشياء بلا معنى، يجب أن نتصور أشياء مرتجلة. والحال ألا وجود لهذه الأشياء. هناك صفحة شهيرة لكلود ليفي شتراوس في كتابه “الفكر البري” تقول لنا إن ” الترتيق”، أي أن يخلق شخص ما شيئًا، أي يرتق، ويكون في ذلك هاويا، معناه أنه يرغب في فرض معنى عليه.

فمن أجل العثور على أشياء مرتجلة يجب استحضار حالات غير اجتماعية؛ يمكن أن نستحضر حالة ذلك المتشرد الذي يضع أوراق الجرائد حذاء له، إنه بذلك يصنع شيئًا حرًا، ولكنه ليس كذلك في واقع الأمر، ذلك أن ورقة الجريدة سرعان ما ستصبح علامة على التشرد. وفي المجمل، فإن وظيفة الشيء في أدنى حالاتها تصبح دائما علامة لهذه الوظيفة: لا وجود لأشياء في مجتمعنا بدون مضاف وظيفي، مسحة خفيفة تجعل الأشياء دالة في ذاتها. مثلا قد أكون فعلًا في حاجة إلى أن أقوم بمكالمة، ويجب أن يكون عندي هاتف فوق الطاولة، ولكن الهاتف سيصبح في أعين بعض زواري الذين لا يعرفونني جيدًا علامة، علامة على أنني شخص تقتضي مهنته ربط علاقات مع الآخرين. بل إن كأس الماء هذا الذي استعملته فعلًا أمامكم لأنني كنت فعلًا عطشانًا، رغم كل هذا لا يمكنني أن أمنعه من أن يكون دالًا على أنني ألقي محاضرة.

إن الشيء، كما هو حال كل العلامات، يوجد في موقع توسطي بين محددين، أي تعريفين. أولى المحددات هي ما أسميه المحدد الرمزي: لكل شيء عمق استعاري، إنه يحيل على مدلول. فللشيء مدلول واحد على الأقل. وأمامي الآن الكثير من الصور: إنها صور مستوحاة من الإشهار: نرى مصباحًا، ونُدرك سريعًا أنه دال على المساء، على الليل بشكل دقيق، وإذا كنتم أمام إشهار للعجائن الإيطالية (أشير إلى إشهار فرنسي) فمن البداهة أن العلم الثلاثي الألوان (أخضر أصفر وأحمر) يشتغل باعتباره دالًا على ” الطلينة”*. وعلى هذا الأساس، يستند المحدد الأول، المحدد الرمزي، إلى أن كل شيء هو دال لمدلول.

أما المحدد الثاني فأسميه محدد التصنيف أو محدد الصنافة (الصنافة هي علم التصنيف). لا يمكننا العيش دون أن نستبطن داخلنا حالة من حالات تصنيف الأشياء، وهي حالة يفرضها علينا المجتمع أو يوحي بها. إن تصنيف الأشياء هذا هام جدًا في المقاولات الكبيرة أو المصانع الكبيرة، حيث يجب معرفة الطريقة التي تُصنف بها كل القطع وكل مسامير آلة في المخزن، يتم ذلك كله استنادًا إلى معايير للتصنيف. وهناك نظام آخر للوقائع يكتسي تصنيف الأشياء داخله أهمية خاصة، وهو نظام من صلب اليومي: المخزن الكبير، فهذا المخزن الكبير تتحكم فيه أيضًا فكرة حول ترتيب الأشياء، وهذه الفكرة ليست مجانية بطبيعة الحال، إنها تشتمل على نوع من المسؤولية. وهناك مثال آخر على أهمية تصنيف الأشياء هو ما تقدمه الموسوعة. فبمجرد ما نفكر في إنشاء موسوعة، فإننا نضطر إلى ترتيب الكلمات حسب الأبجدية، وعلينا أن نتبنى أيضا ترتيبًا للأشياء.

وهكذا وبعد أن أثبتنا أن الشيء هو دائمًا علامة، يتحكم فيه محددان، محدد عميق، رمزي، ومحدد ممتد، الترتيب، سأقول الآن شيئا عن النظام الدلالي للأشياء. يتعلق الأمر بملاحظات استباقية، ذلك أن البحث في هذا المجال مازال في بدايته وفي حاجة إلى تعميق. هناك في واقع الأمر عائق كبير يمنعنا من دراسة معنى الأشياء أطلق عليه “عائق البداهة”. فإذا كان علينا دراسة معنى الأشياء فسيكون علينا أن نبدأ بخلخلة أنفسنا أولًا، علينا أن نتخلص من الأشياء لكي يتخذ الشيء بعدًا موضوعيًا، أي أن نضع دلالته ضمن بنية: ومن أجل ذلك هناك وسيلة باستطاعة أي باحث في دلالات الأشياء الاستعانة بها وهي استحضار نظام للتمثلات يُوضع فيه الشيء أمام الإنسان بطريقة فرجوية وصريحة وقصدية، وهذا النظام هو نظام الإشهار والسينما أو المسرح.

بالنسبة للأشياء التي يعالجها المسرح أذكِّر بأن هناك إشارات بالغة الأهمية والغنى والذكاء أشار إليها بريخت في العديد من أعماله في الإخراج. وأشهرها تلك الملاحظة الخاصة بإخراج مسرحية “الأم شجاعة”، حيث يشرح لنا بريخت بشكل جيد الاهتمام الكبير والمعقد ببعض الأشياء في الإخراج لكي تصبح دالة على هذا المفهوم أو ذاك. ذلك أن قانون المسرح هو ألا يكون الشيء الممثل واقعيًا، بل يجب أن يكون المعنى منفصلًا عن الواقع: لا يكفي أن نعرض على الجمهور معطفًا مهترئًا لنادلة لكي يدل على الاهتراء، بل على المخرج أن يبتكر علامات دالة على الاهتراء.

إن استعانتنا بمتن جاهز، ولكنه ثمين، كما هو الحال مع المسرح والسينما والإشهار، سيمكننا من عزل دوال ومدلولات داخل الموضوع الممثل. إن دوال الشيء هي بطبيعة الحال وحدات مادية، كما هو الحال مع كل الدوال في أي نسق من العلامات، ما يعود إلى الألوان والأشكال وخصائص أخرى وإكسسورات. وسأشير هنا إلى حالتين من الدوال حسب نظام تصاعدي يقودنا من البسيط إلى المركب.

هناك حالة من طبيعة رمزية خالصة، وهو ما يحدث، كما أشرت إلى ذلك، عندما يُحيل دال، أي شيء، على مدلول واحد، وهي حالة كل الرموز الأنتروبولوجية الكبيرة، من قبيل الصليب أو الهلال، وفي هذا المجال تتوفر الإنسانية على خزان معروف من الأشياء الرمزية، إنه خزان أنتروبولوجي، أو هو على الأقل خزان تاريخي يمكن رده إلى علم بعينه، أو على الأقل إلى تخصص يمكن أن نطلق عليه: الرمزية. ولقد دُرست هذه الرمزية بشكل جيد فيما يعود إلى المجتمعات القديمة، من خلال مساءلة الأعمال الفنية التي تقوم بتمثيلها. ولكن هل قمنا نحن بدراستها فعليا في مجتمعنا المعاصر؟ علينا أن نتساءل ماذا بقي لنا من هذه الرموز الكبيرة في مجتمع تقنوي، كما هو حال مجتمعنا، فهل هذه الرموز اختفت، هل تحولت، هل هي مستترة؟ أسئلة يمكن أن نطرحها على أنفسنا. وتحضرني الآن وصلة إشهارية كانت معروضة في كل الطرق الفرنسية. يتعلق الأمر بإشهار لنوع من الشاحنات. وهو مثال بالغ الأهمية، ذلك أن الإشهاري الذي صمم هذه اللوحة قام بإشهار سيء، لأنه لم يفكر في القضية من خلال منطق العلامات. فقد حاول أن يبرهن على أن هذا النوع من الشاحنات يقاوم الزمن طويلًا فوضع في الصورة كفا يتخللها صليب، اعتقادًا منه أن الصليب يشير إلى خط حياة الشاحنات. ولكنني متأكد، استنادًا إلى قواعد الرمزية ذاتها، أن الناس سينظرون إلى الصليب المرسوم على اليد باعتباره دالًا على الموت: فحتى في النظام العادي للإشهار يجب البحث عن التنظيم الذي يتحكم في هذه الرمزية القديمة.

وهناك حالة دالة على وجود علاقة بسيطة-مازلنا نتحدث عن العلاقة الرمزية بين الموضوع والمدلول-، ويتعلق الأمر بكل العلاقات التي تُستعمل خارج سياقها: أعني هنا أن الموضوع يُنظر إليه في كليته، وإذا تعلق الأمر بالإشهار، فإن حضوره الكلي لا يتم إلا من خلال عنصر من عناصره. وبين يدي أمثلة كثيرة: برتقالة مثلًا، فرغم حضورها الكي أمام ناظري، فإنها لا تدل إلا من خلال إحالتها على خاصية وجود وفرة في العصارة والارتواء. فالعصارة هي المقصودة من تمثيل الموضوع وليس كليته: هناك إذن زحزحة للعلامة. فعندما نمثل لجعة، فإن الجعة هنا ليست هي التي تشكل الإرسالية، بل طابعها المثلج: هناك أيضا زحزحة. وهو ما نطلق عليه زحزحة لا تُصنف ضمن الاستعارة، بل تكون من طبيعة كنائية، أي من خلال تحويل للمعنى. إن هذه الدلالات الكنائية تَرِد بكثرة في عالم الأشياء. يتعلق الأمر بآلية هامة، ذلك أن العنصر الدال هو في الوقت ذاته مرئي- نتلقاه بشكل صريح، ولكنه في الوقت ذاته معوَّم، لقد تم تطبيعه داخل الكينونة الظاهرة للموضوع. وسنكون أمام نوع من التعريف المفارق للموضوع: البرتقالة في هذا النمط البارز في الإشهار، هي العصارة + البرتقالة. إن البرتقالة موضوعة هنا باعتبارها موضوعًا طبيعيًا من أجل تدعيم خاصية من خصائصها التي تحولت إلى علامة.

بعد دراستنا للعلاقة الرمزية علينا أن نوجه اهتمامنا لدراسة كل الدلالات المرتبطة بمجموعة من الأشياء، أو تعددية منظمة من الأشياء؛ وهي الحالات التي يكون فيها مصدر المعنى هو التجميع المعقلن للأشياء، لا الشيء في ذاته: إن المعنى ممتد بشكل ما. يجب ألا نقارن الموضوع بالكلمة في اللسانيات، ونقارن مجموع الموضوعات بالجملة. إنها مقارنة غير صحيحة، لأن الموضوع المعزول هو جملة. إن الأمر يتعلق بقضية سبق أن شرحها اللسانيون وهي قضية الكلمات-جمل. فعندما تشاهدون في السينما مسدسًا، فإن المسدس ليس معادلًا للكلمة الدالة عليه، فالمسدس هو أصلًا جملة، إنها بطبيعة الحال جملة بسيطة، وسيكون معادلها اللساني هو: هذا مسدس.

بعبارة أخرى، لا يُنظر أبدًا إلى الموضوع- في العالم الذي نعيش فيه- باعتباره جزءًا من مدونة. فمجموعات الموضوعات الدالة كثيرة جدًا، خاصة في الإشهار. لقد أشرت إلى الرجل الذي يقرأ جريدة المساء: في هذه الصورة أربعة أو خمسة موضوعات دالة تساهم كلها في بلورة معنى واحد، هو لحظة استرخاء، لحظة راحة: هناك المصباح أولًا، وهناك فخامة الكنزة الصوفية، وهناك الأريكة الجلدية، وهناك الجريدة، إن الجريدة ليست كتابًا، فليس لها الجدية ذاتها، إنها تشير إلى عالم التسلية: كل هذا يعني أننا يمكن أن نشرب القهوة في طمأنينة في المساء دون قلق. يشكل هذا التجميع للأشياء مركبات، إنه شظايا ممتدة للعلامات. إن تركيب الموضوعات هو بطبيعة الحال تركيب بالغ البساطة. فعندما نضع أشياء مع بعضها بعضا، فإننا لا يمكن أن نُسند إليها خصائص معقدة كتلك التي نعثر عليها في اللغة الإنسانية. أما في الواقع، فإن الموضوعات- سواء تعلق الأمر بموضوعات الصورة أو موضوعات واقعية في غرفة أو في شارع- لا ترتبط بينها إلا من خلال شكل واحد من الروابط، الذي هو الإرداف*، أي التراكب الخالص بين عناصر بسيطة. ويمكن العثور على هذا النوع من التركيب بكثرة في الحياة: إنه النظام الذي يتحكم مثلًا في كل ما يؤثث غرفة. هناك غاية واحدة من تأثيث غرفة (أسلوب) من خلال تراكب لعناصر. وإليكم مثالا على ذلك: يتعلق الأمر بإشهار لنوعية من الشاي. يجب إذن ألا نحيل مباشرة على إنجلترا، ذلك أن الأشياء حساسة جدًا، بل على “النجلزة”*، إذا جاز التعبير، أي ما يشكل الهوية الصريحة للإنجليزي. هناك ستارة المنازل الاستعمارية، وتتجلى من خلال تركيب منظم بدقة، وهناك لباس الرجل وشاربه وهيام الإنجليز بالبحرية والبوهيمية، الذي يتجسد هنا في هذه البوارج النادرة، وفي شعره البرونزي، وفي الأخير نقرأ بشكل عفوي في هذه الصورة، من خلال تراكب بعض الأشياء فقط، مدلولًا قويًا جدًا هو بالضبط هذه النجلزة التي تحدثت عنها.

فما هي طبيعة مدلولات أنساق الموضوعات هاته، وما هي المعلومات التي تقدمها هذه الموضوعات؟ لا نستطيع هنا تقديم سوى جواب ملتبس، ذلك أن مدلولات الموضوعات لا تعود إلى باث الإرسالية بل إلى المتلقي، أي قارئ الموضوعات. ذلك أن الموضوع متعدد المعاني، أي أنه قابل لقراءات متعددة: فأمام موضوع ما هناك دائما قراءات كثيرة ممكنة، وهذا التعدد لا يتعلق بكثرة القراء، بل قد تكون عند القارئ الواحد أحيانًا. بعبارة أخرى، يحمل كل إنسان في داخله وحدات كثيرة ومستودعات متعددة للقراءة حسب معرفته وحسب مستواه الثقافي. فكل هذه المعارف وهذه الثقافة والوضعيات قابلة للاستحضار أمام موضوع ما وأمام مجموعة من الموضوعات. بل يمكننا القول إننا ننحاز، ونحن أمام موضوع أو مجموعة من الموضوعات، إلى قراءة فردية نَصُبها في فرجة الموضوع، ما يمكن أن نطلق عليه نفسية خاصة: نحن نعرف أن الموضوع يمكن أن يستثير فينا قراءات من مستوى نفساني. وهذا لا يلغي القراءة النسقية، ما يعود إلى الطبيعة المسنة للموضوع. فحتى في الحالة التي نسبر فيها أعماق الفردي، فإننا لا يمكن أن نفلت من سلطة المعنى. فإذا أخْضعنا آلاف الأفراد لرائز رورشاش * فسنجد أنفسنا أمام نمذجة دقيقة للأجوبة: فبقدر ما نعتقد أننا نتوغل في رد الفعل الفردي، بقدر ما نجد أنفسنا أمام معاني بسيطة ومسننة: سنلاحظ في عملية قراءة الموضوع، كيفما كان المستوى الذي نضع أنفسنا فيه، أن المعنى يخترق دائمًا كيان الإنسان والموضوع.

هل هناك موضوعات موجودة خارج المعنى، أي تشكل حالات خاصة؟ لا أعتقد ذلك. فالموضوع غير الدال بمجرد ما يحتضنه المجتمع- ولا أعرف كيف لا يحتضنه- يشتغل على الأقل باعتباره علامة على اللا-معنى، إنه يدل على نفسه باعتباره دالًا على غياب المعنى. والأمر يتعلق بحالة يمكن أن نعثر عليها في السينما: يقوم فنّ بعض المخرجين على الإيحاء بموضوعات غير دالة، وذلك لأسباب تشكل في ذاتها حجة. إن الموضوع الغريب ذاته لا يوجد خارج المعنى، إنه يبحث عن المعنى: هناك موضوعات نتساءل أمامها: ما هذا؟ وقد يتعلق الأمر بحالة صادمة، ولكن هذا القلق لا يدوم طويلًا، فالموضوعات تُقدم من تلقاء ذاتها جوابًا ما، وتبعا لذلك تهدئ من روع النفوس. وبصفة عامة، لا وجود في مجتمعنا لموضوعات لا تسلمنا في نهاية الأمر معنى وتندرج بذلك ضمن السنن الكبير للموضوعات التي نعيش داخلها.

لقد قمنا بعملية تفكيك مثالية للموضوع. لاحظنا في مرحلة أولى (وكان ذلك عملا إجرائيًا خالصًا) أن الموضوع يمْثُل أمامنا باعتباره يصلح لشيء ما، إنه وظيفي: إنه ليس سوى استعمال، إنه واسطة بين الإنسان والعالم. فالهاتف يُستعمل لإجراء مكالمة، ويستعمل البرتقال للتغذية. وفي مرحلة ثانية رأينا أن الوظيفة تكون دائمًا حاملة لمعنى. فالهاتف يشير إلى نوع من النشاط في العالم، والبرتقال دال على الحيوية، فهو مصدر العصير الذي يحتوي على فيتامينات. والحال أننا نعرف أن المعنى ليس سيرورة للفعل، بل لمعادلات. بعبارة أخرى، لا يمتلك المعنى قيمة متعدية، إنه جامد، بمعنى ما قار. يمكننا القول إذن، إن هناك في الموضوع نوعا من الصراع بين نشاط وظيفته وبين جمود دلالته. إن المعنى يَشُل حركة الموضوع، إنه يجعله غير متعدي، إنه يمنحه موقعًا قارًا داخل ما يمكن أن نطلق عليه لوحة حية داخل المخيال الإنساني.

إن هاتين المرحلتين غير كافيتين في تصوري لشرح مسار الموضوع، وسأضيف من جهتي مرحلة ثالثة: تلك اللحظة التي تَحْدث فيها حركة مضادة تعود بالموضوع من العلامة إلى الوظيفة، حتى وإن كان ذلك يتم بطريقة خاصة. ذلك أن الموضوعات لا تكشف عن المعنى الحاملة له بطريقة صريحة ومعلن عنها. فعندما نقرأ لوحة خاصة بمدونة السير، نكون أمام إرسالية صريحة، فهذه الإرسالية لا تراهن على عدم وجود إرسالية، إنها تعبر عن نفسها باعتبارها إرسالية. وبالمثل فعندما نقرأ حروفًا مطبوعة ينتابنا إحساس بأننا نتلقى رسالة. إن الموضوع على العكس من ذلك، إنه، وهو يقترح علينا معنى، يظل في أعيننا دائمًا موضوعًا وظيفيًا: يتجلى الموضوع دائمًا من خلال طابعه الوظيفي، حتى في اللحظة التي نقرأه فيها باعتباره علامة. سنظل نعتقد أن المعطف يقينًا من المطر، حتى وإن نظرنا إليه باعتباره علامة دالة على حالة طقس.

إن هذا التحول الأخير للعلامة إلى وظيفة طوباوية غير واقعية (يمكن أن تقترح علينا الموضة معاطف واقية لا تقينا أبدا من المطر)، هو في واقع الأمر، واقعة إيديولوجية، خاصة في مجتمعاتنا. إن المعنى هو دائما واقعة ثقافية، إنه منتج من منتجات الثقافة. والحال أن هذه الواقعة الثقافية خاضعة دائمًا في مجتمعنا لعملية تطبيع، إنها تتحول إلى طبيعة من خلال الكلام الذي يحملنا على الاعتقاد أننا أمام وضعية متعدية للشيء. نعتقد أننا في عالم عملي للاستعمالات والوظائف والتدجين الكلي للأشياء، إلا أننا نكون في واقع الأمر، من خلال هذه الموضوعات ذاتها، داخل عالم للمعنى والأسباب والمسوغات: إن الوظيفة تولِّد العلامة، ولكن هذه العلامة تخضع لتحول داخل فرجة الوظيفة. إن هذا التحول من الثقافة إلى طبيعة مقَنَّعة هو ما يحدد في اعتقادي إيديولوجية مجتمعنا.

 

 


 

 

المصدر:  Roland Barthes: L’aventure sémiologique, éd du Seuil, 1985 , pp. 249-260

*-الموضوع: objet يحيل في الفرنسية على شيء محسوس. إنه يتضمن كل الأشياء التي يتداولها الناس في حياتهم. لذلك فضلنا أن نستعمل الشيء بصفة عامة على كل ما نستعمله في حياتنا من أدوات وآلات وألبسة (المترجم).

*-طلينة italianité

*-Parataxe: كلمات داخل جملة ليس فيها أدوات الربط.

*-النجلزة anglicité

*-نسبة إلى Herman Rorschach test de

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق