مقالات

سارتر: مَنْشَأ الحُريَّة – ستيفن غامبارديلا

ترجمة: مروان الرشيد

في ٢٣ يوليو ٢٠٠٧، اقتحم ستيفن هايز وجوشوا كوميساريفسكي منزل عائلة بيتيت في كونيتيكت في الولايات المتحدة الأمريكية، وضرب اللصوص ويليام بتيت وقيّدوا يديه وقدميه، واغتصبوا وقتلوا زوجته وابنتيه البالغتين من العمر ١١ عامًا و١٧ عامًا.

جميع التفاصيل المؤلمة حول كيف نفّذ المجرمان هذا العمل الفظيع مذكورة في مطلع كتاب سام هاريس «الإرادة الحُرَّة».

على الرغم من هذه الجرائم المُفزعة، يعلن هاريس: «عليَّ أن اعترف أني لو تبادلت الأماكن مع أحد هذين الرجلين، ذرةً بذرةٍ، فإني سأكون هو: لن يكون ثمة جزء زائد بي يمكنه أن يُقرر أن يرى العالم بصورة مغايرة أو يُقاومَ نزوة العدوان على الآخرين».

عندَ هاريس، «الحظ» هو السبب الوحيد الذي لم يجعله مغتصبًا وقاتلًا؛ هذا لأنهُ يعتقد أن الإرادة الحرة -قدرة البشر على الاختيار بين مسارات فعل مُختلفة- وهمٌ لا أساسَ لهُ.

يُجادل هاريس أنهُ ليس لدينا خيارٌ في كيفية التصرف في حياتنا، حتى لو كنا نملك أرواحًا خالدة. يقول: «لا فضل لي في أني لا أمتلكُ روحَ مُختلٍّ عقليًّا».

في ثلاثينات القرن الماضي، بينما كانت الفاشية تنتشر في ربوع أوروبا، كان فلاسفةٌ كجون بول سارتر يواجهون المعضلة ذاتها إزاء الحريَّة والحتميَّة: هل الكون ما هو إلا حدثٌ يتبعُ آخرًا كقطع الدومينو المُتساقطة؟ هل «نحنُ» نختار أفعالنا، أم أنَّ «خيارنا» محكوم بأحداث الماضي؟

 

جون بول ساتر مع شريكته الفيلسوفة سيمون دي بوفوار، في بكين عام 1955.

 

من الصعب دحض الحتميَّة، ولكن من المُحال البرهنة على الحُريًّة، سواء أوجدت أم لم توجد. لا عالِمًا يمكن أن يُبرهن على أن أفعالنا حرة أو محتومة، لكن سارتر يعتقد أنه اكتشف أساس الحرية البشرية بالعقل.

فمثل هاريس، لا يعتقد سارتر بوجود «جزءٍ زائد» على العقل البشري أو بوجود روحٍ لها حرية التقرير، ولكن على الرغم من هذا فنحنُ نتمتعُ بالحريَّة. لقد وصل سارتر لاستنتاج مُذهل إزاء السبب: إن حريتنا «لاشيئيَّة».

احتاج الأمر قفزةً فكريةً عُظمى للوصول إلى هذا الاستنتاج. فطورًا تلو طور، منذ منتصف الثلاثينات إلى الأربعينات، اعتقد سارتر أن مشروعه الوجودي الكبير يبرهن على أن الكائنات البشريَّة حرةٌ في اختيارها بين احتمالات مُختلفة. كذلك فصَّلَ في معنى هذا للبشر والمجتمعات والأمم التي نعيش فيها، وقد بدأ بأكثر أشكال الوجود جذريةً.

إدفارد مونك، رقصة الحياة، 00-1899. (ملكيَّة عامة، المصدر: ويكيبيديا، بإذن من مشروع غوغل آرت).

أنواع الوجود

من أجل مرامي هذا المشروع، أكَّدَ سارتر أن هناك نوعين من الأشياء في العالم. النوع الأول، هو الأكثر شيوعًا، وهو الأشياء غير الواعية – كالكراسي والأشجار والشمس وناطحات السحاب وقطرات المطر وريش الطيور.

هذه الأشياء لا تمتلك وعيًا، ومصيرها محتوم. وهي لا تتصف بالسلبيَّة ولا الفاعليَّة، وإنما تُوجد فحسب. يضع سارتر هذه الأشياء في صنف «الوجود-في-ذاته»، وهذا الصنف من الوجود عاجزٌ عن تغيير ما هو موجود.

الآخر، هو الأشياء الواعية. والكائن الواعي ليس مَحْتومًا؛ إذ يُشارك البشرُ في تقرير مصيرهم، وبمقدورنا إعادة تعريف جوهرنا من لحظةٍ لأخرى.

ليس قدري أن أعملَ في مكتبٍ، يمكنني أن أتعلم العزف على الساكسفون وأن أعملَ عازفًا موسيقيًّا. لكن الشجرة لا يسعها إلا أن تكونَ شجرةً، ولا تأثيرَ للزنبقة على مصيرها، باعتبارها وجودًا-في-ذاته. ويسمي سارتر الوجود الواعي «وجودًا-لذاته».

 

علم وصف الظواهر: دراسة الخِبْرة

عُرِفَت فلسفة سارتر باسم الوجودية، لكن منهجه كان يُسمى علم وصف الظواهر (الفينومينولوجيَّة). وهي ببساطة تعني دراسة (لوغوس) الظواهر (الكيفيَّة التي تبدو بها الأشياء).

يقع علم وصف الظواهر في منزلة وسطى بين العلم والفلسفة، ويهدف إلى الكشف عن بِنْية الخبرة كما تتجلى في صورة وعي.

نشأت هذه الحركة الفلسفيَّة على يد إدموند هوسرل، وهو فيلسوف ألماني درسَ سارتر أفكاره في الثلاثينات. بدى علم وصف الظواهر لسارتر سبيلًا لفهم الوعي أساسًا للحُريَّة الجذريَّة التي يتمتع بها البشر.

يصف سارتر، في مقالته المُؤثِّرة -التي صارت كتابًا- «تعالي الأنا موجود»، نوعين من الوعي: الوعي المُتأمِّل، والوعي غير المُتأمِّل.

الوعي غير المُتأمِّل هو النوع الأكثر شيوعًا الذي نجد أنفسنا فيه. هذا هو الوعي الذي نُسيِّر به حياتنا اليومية، ونستقبل فيه الأفكار والأحاسيس على نحو يكاد يكون آليًا. أما الوعي المُتأمِّل فهو النوع الأقل شيوعًا – فهو يجري حين نضع أنفسنا في حالةِ تجربةٍ متوعيِّةٍ بالوجود.

مثالٌ على نوعيْ الوعي قد يكون تجربة طبخٍ فاشلة: حينما أُجهِّز الطعام وأطبخه، أكونُ في حالة من الوعي غير المُتأمِّل؛ وعيي يُركِّزُ على المهام التي في اليد – التقشير والتقطيع والتحريك والتسخين، ولا تمر لحظةٌ في هذا التحضير والطبخ أُفكِّرُ فيها بنفسي.

فجأة تُفلت من يدي بيضات وتتهشم على الأرضيَّة، فأتحول حينها إلى الوعي المُتأمِّل، لأني أوبِّخ نفسي على الخطأ. أُفكِّر: «بغباوتي أسقطتها! لماذا أنا أخرق؟ ما مُشكلتي؟!». تظهر «ياء المُتكلم» و«الأنا» في الوعي المُتأمِّل، فهذا الوعي هو تفكيرٌ في التفكير.

يصف سارتر الوعي بأنه «عفويَّةٌ لاشخصيَّة»، إنه فيضان عقليٌّ لا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ ولا يمكننا إيقافه ما دمنا مُستيقظ.

عملُ الوعي مهم جدًا، فالعالم كما نختبره من حولنا يتوحَّد بفضل الوعي. جميع مُعطيات الحس الجزئية والمُتشظية التي نستقبلها تتركَّب باتساق في تجربتنا وتصير كُلًّا واحدًا.

هاهنا تدخل كلمة «مُتعالي» في الصورة. تُسْتخدم هذه الكلمة في الفلسفة الغربية لوصف شيءٍ يستعصي على المعرفة؛ الله -على سبيل المثال- مُتعالٍ عند الكثير من الفلاسفة، لأن الله لا يُعْرف على وجه اليقين. فالله يتعالى على أفهامنا.

يعد سارتر كلَّ الأشياء مُتعالية، لأن ما يمكننا أن نعرفه عنها يعزُّ على العد. فلنأخذ الكُرسي على سبيل المثال: يمكن أن ننظر إليه من جهات لا تحصى وأن نرى تفاصيله بطرق لا تنتهي. فشيء ببساطةِ الكُرسي لا يمكن أن أُحيطَ به تمام الإحاطة.

ليس لنا أن نختبر الأشياء إلا جُزئيًّا. لذلك، الشيء في-نفسه (بكُليَّة الكيفيات التي يمكن أن يُعْرَف بها) مُتعالٍ؛ أي لا يمكن أن يُعرفَ تمامًا. ويعمل وعينا عملهُ في جعل فهمنا الجُزئي لجميعِ الأشياءِ تجربةً مُتماسكة.

نضعُ أنفسنا في هذه التجربة المُتماسكة عندما نتأمل أنفسنا في الوعي المُتأمِّل، فنحن نُفكِّر بأنفسنا كشيء في اللحظة التي نفكر فيها بأنفسنا.

الوعي دائمًا طوعي، ودائمًا مُوَّجهٌ نحو الأشياء. وعندما يتوجَّه الوعي نحو نفسهِ، يصير هو أيضًا شيئًا واعيًا.

يحتج سارتر بأن الأنا -«الأنا-أُفكِّر» للوعي المُتأمِّل- متعاليةٌ كما أن الكرسي أو الشجرة أو اللابتوب مُتعالٍ. وهذا هو المقصود بعنوان المقالة: «تعالي الأنا موجود».

ومثلما أنَّ الوعي يُركِّبُ شيئًا واحدًا من التجربة المُتشظية التي نكتسبها من الكُرسي، كذلك يفعل المثل تجاه أنانا ووعينا بالذات. ويصل سارتر لاستنتاج أنْ ليس هناك ذاتٌ أو أنا تُركِّب العالم في الوعي، وإنما الأمر على العكس: الأنا هي أثرٌ من آثار الوعي.

ليس للذات وجودٌ مُسبقٌ، وليست شيئًا كاملًا نكتشفه بالتفكير التأمُّلي – وإنما نحن نخلقها بالتفكير التأمُّلي.

هذا استنتاج مُذْهلٌ إن فكَّرتَ فيه. لقد اعتدنا أن نُفكرَ بأنفسنا كذاتٍ كاملة مُتكاملة تصنع العالم في عقلها. يجادل سارتر أن هذا الاحساس بذاتنا بفضل الوعي، وهي عمليةٌ لا سيطرة لنا عليها.

حينما فرَّشتَ أسنانكَ هذا الصباح، من المشكوك فيه أنك كنتَ تعي نفسكَ. لكن عندما جعلتُكَ تفكر فيها، فأنت تُفكِّر الآن بنفسك وأنت تُفرِّش أسنانكَ– لقد تحولت من الوعي غير المُتأمِّل إلى الوعي المُتأمِّل، من دون خيارٍ منكَ.

إدفارد مونك، كآبة مسائيَّة، 1891. (ملكيَّة عامة، المصدر: ويكيبيديا، بإذن من مشروع غوغل آرت).

الوعي ليسَ شيئًا

بينما نرى الوعيَ كصندوقٍ تنظر من خلاله «الذات» إلى العالم الذي نختبره، يحاول سارتر أن يُبيِّنَ أنَّ الوعي ليس هكذا.

فوعينا -بما يحويه- متعالٍ، بما في ذلك ذاتنا أو أنانا. وليس هناك ذاتٌ أو أنا توحِّد التجربة توحيِّدًا نشطًا. ولا شيء وراء التجربة، كل ما يُوجد هو التجربة فحسب.

الوعي تجربةٌ خالصة، وهو متعالٍ – ولذا ليسَ شيئًا. وبنية الوحي تتمحور حول تمييز الأشياء، وهذه التمييزات قائمةٌ على نفي الصفات التي لا تتصف بها الأشياء في كلِّ لحظة. يقول سارتر: «يختبرُ الوعي نفسه اختبارًا مُستمرًّا كنفيٍ لوجوده السابق». هذا النفي النشط المستمر هو ما يسمح لسارتر بوصف الوعي باعتبره لاشيء: «[الوعي]-لذاته… ليس إلَّا نفيًا للفي-ذاته [الأشياء غير الحيَّة]؛ كما لو أنَّهُ ثغرةٌ في صميم الوجود».

وبعبارةٍ أخرى، ليس الوعي شيئًا؛ لأنه يُعْدِم الأشياء، بما فيها نفسهُ. إنما الوعيُ استثناءٌ.

ماذا يعني هذا لنا؟ لا يسعنا إلا أن نكون أحرارًا في تحديد أنفسنا، رغمًا عنَّا. بنما لا يسع الصخرة إلا أن تكون صخرةً، على الفرد أن يُحققَ نفسه في كلِّ لحظة.

يمضي الوعي قُدُمًا وحسب. إنهُ ثغرة -لاشيء- في صميم وجودنا الذي نملأه باستمرار بخياراتنا، لكن هذا اللاشيء لا يكف عن أن يكون داخلنا؛ مثل ثقبٍ أسود في الفضاء، يبتلع أيَّ شيء ومع ذلك دائمًا فارغ. لذا نحن مجبرين على أن نتخذ القرارات على الدوام.

 

الحُريَّة

هذا تفريق هام في كتابِ سارتر بين الوعي وبين الأشياء غير الحية حولنا. الوعي استثناء في العالم، وهو ما يجعلنا أحرارًا.

لاشيئيَّة الوعي، وعملية الإعدام التي يقوم بها، تضمنُ أننا نمتاز عن الوجود-في-ذاته الذي، بطبيعته، محتوم بقوانين العلة والمعلول.

الوجود-لذاته متصف بالحرية لأنه فيضان لا يكل ولا يمل من الوعي. وغالبيتنا يشعر بالدوار الذي يصاحب مواجهة الخيارات. لقد وقفت على حافة سكة قطار وارتعبتُ فكرة أنَّ بقدرتي أن ألقي بنفسي. كذلك أتساءل ما الذي كان بمقدوري تغييره في الماضي: لِمَ لم أصبح عالمًا أو عازف موسيقى؟ فمصيري في يديَّ. أفكارٌ كهاته هي من التبعات التي لا مفرَّ منها للوعي؛ ولا بُدَّ لي من الحُريَّة.

يقول سارتر في محاضرته الشهيرة عام ١٩٤٦ «الوجودية مذهبٌ إنساني»: «الإنسان محكومٌ عليه بالحُريَّة. أقول محكومٌ عليه لأنهٌ لم يخلق نفسه، ولكنهُ حُرٌّ، ومنذ اللحظة التي يُلقى بها في هذا العالم هو مسؤول عن كُلِّ ما يفعله».

 

إدفارد مونك، الصوت/ليلة صيفيَّة، 1896. (ملكيَّة عامة، المصدر: ويكيبيديا، بإذن من مشروع غوغل آرت).

 

الوقائعيَّة

بالطبع حُريتنا محدودة بجميع جوانب حياتنا التي لا تصرف لنا فيها، ويسمي سارتر هذه الأبعاد «وقائعيَّة» وجودنا.

من الأمثلة على الجوانب التي تُشكِّل وقائعيتنا مكان ميلادنا وزمانه، ولون بشرتنا وهوية أبوينا، وكذلك أمورٌ كالإعصار الذي يمر ببلدتك ويدمِّر تجارتك. يمكنك أن تُغيِّرَ وضعكَ، لكن «الوقائعيَّة» هي نقطة بداية التغيير.

وخلافًا لكيس ورقي تعصف به الريح عبر الشارع، لديك تحكُّم في جوانبَ شتى من حياتك. تُواجهك باستمرار مُعضلات أخلاقيَّة إزاء السلوك الذي يجب أن تسلكه في كلِّ ظرف تجد نفسك فيه.

طبعًا لا تستطيع بإرادتك أن تُحلِّقَ في السماء، ولا أن تجعل أصغر بنصف ما هو عليه. الجاذبيَّة الأرضيَّة والسنة التي ولِدتَ فيها حقائق في وجودك لا طاقة لك بتغييرها. لكن سيقول سارتر: يمكن أن تتخذ خيارات حيال مواقفك وأفعالك.

إنك تخلق شخصيتك طوال مسار حياتك. ولك حرية أن «تتصرف على نحو لا يشبه شخصيتك»؛ لأنك خلقت شخصيتك بخياراتك، وليست جوهرًا ولِدتَ به.

لم تختر أن تُوجد، ورغم ذلك تواجهك باستمرار خيارات والمسؤولية عن هذه الخيارات. هكذا أنتَ «محكومٌ عليك بالحُريَّة».

لشخص حتميٍّ كسام هاريس، توجد استمراريَّة صارمة بين العِلَّة والمعلول، وبين الماضي والحاضر، الحاضر والمُستقبل؛ تُسبب أحداثُ الماضي أحداثَ الحاضر، والتي بدورها تُسبب أحداثَ المُستقبل.

سيرد سارتر بأنه على الرغم من أن الماضي له وقائعيَّته إلا أننا ما نزال مُخيرين. على سبيل المثال، لو أنِّي وُلِدتُ عام ١٩٧٨، ليس بمقدوري أن أكون بعمر العشرين، مهما حاولت. لكن لا حدثَ في الماضي يمكن أن يُسبب لي أن أفعل أمرًا أو أخرى، كأن أكذب بخصوص عمري أو أن أصْدُق.

يعتقد سارتر أن علة هذا أن اللاشيء يفصلنا عن الماضي، ونحن من يختار معنى الأحداث الماضية في اللاشيء يوجد بين حاضرنا وماضينا.

لذا لماذا يتصرف البعض على نحو قابلٍ للتنبؤ؟ وفقًا لسارتر، يختار معظم الناس جوانب من ماضيهم ويسقطونها على مستقبلهم باعتبارها جزءًا منهم، ثم يزعمون أنها إحدى خصائص شخصيتهم. لكننا نشعر بالكَرْب من المُستقبل لأننا نعلم أن اللاشيء هو ما يوجد بين حاضرنا وماضينا، ولا عُذْرَ لنا.

 

سوء النيَّة

يحتج سارتر بأن الناس يحاولون تجنُّب حريتهم، والرهبة والمسؤولية التي معها، بالتصرُّف بسوء نيَّة. عندما نتصرف بسوء نيَّة فنحن نُحوِّل أنفسنا إلى أشياء، ونحاول مُحاكاة الوجود-في-ذاته، ذلك النوع من الوجود الواقع تحت رحمة قوانين العلة والمعلول.

هذا يظهر في الأعذار التي تُقال حين لا يُفعل ما هو صائب: «لا حيلة لي فيما أفعل»، وهذا نوع من تشييء الذات الذي ستنغمس فيه حينما يواجهك خيار.

حينما نتصرف بسوء نية، نتظاهر أن لنا جوهرًا كتلك الأشياء التي يصنعها الإنسان. ضرب سارتر مثالًا بنادل راقبهُ في مقهى. يتصرف هذا النادل وفقًا للصورة الذهنية التي لدى الناس عمن يعمل نادلًا، لقد اختار أن يجعل نفسه شيئًا بتنميط سلوكه. يصف سارتر سلوكه كآلة ذاتيَّة الحركة، حين يتصرف على شاكلة النادل الذي يفترض أن الناس يتوقعون أن يكونه.

النادل، بالنسبة لسارتر: «يحاول أن يُحاكي في مشيته تصلُّب آلة ذاتية الحركة بينما يحمل صينيته بطيش من يمشي على الحبال المُعلقة بتوازنه غير المستقر والذي يتطلب منه إعادته بحركة خفيفة بالذراع أو اليد. […] إنه يلعبُ دورَ نادلٍ في مقهى».

سوء النيَّة شائعة جدًا، خصوصًا حين يتقيَّد الناس بفكرة حول ماذا يجب أن يكونوا. لكن حين يفعلون هذا فهم يختارون بحريَّةٍ أن يكذبوا على أنفسهم إزاء الاحتمالات التي يمكن أن يختاروها بحريَّة.

كتب سارتر: «إنهم يُحققون ما يطلبه منهم الجمهور […] كمنسكٍ من المناسك؛ رقصةٌ يؤديها البقال والخياط والدلَّال، يحاولون بها جهدهم أن يُقنعوا زبائنهم أنهم ليسوا إلا بقال وخياط ودلَّال».

نرتدي هذه الأقنعة تقيُّدًا بالتوقعات الاجتماعية والاقتصادية (الحقيقيَّة والمُتخيَّلة) حول كياننا، بدلَ أن نعتنقَ حُريتنا في أن نكون ما نشاء:

«يطلب المجتمع من [البقَّال] أن يحصر نفسه في مهمته بقَّالًا، مثلما أن الجنديَ في وضع التأهُّب يجعل نفسهُ جنديًّا-شيئًا».

العيش على هذا النحو أمر مشروعٌ للغاية، لكن عند سارتر هذه حياةٌ غير أصيلة. والعيش بنية سيئة هو عيشٌ على عذر.

نجد أنفسنا نعيش في عالمٍ آلي؛ كل ما حولنا محتوم بقوانين العلة والمعلول ومحكومٌ بها. يرى سارتر أن الوعيَ استثناء في هذه القاعدة.

اللاشيء الثاوي في صميم وجودنا يُجبرنا على أن نكونَ أحرارًا. هذه المُفارقة قد تبدو عبئًا، وقد تملئنا بالرهبة، لكن هذه الحرية تتيح لنا أن العالم من حولنا، وأن نأخذ مسؤولية رفاه الآخرين على عاتقنا، وأن نخلق أنفسنا. ولا عُذْرَ لنا.

اعتقدَ سارتر أن حريتنا تتسبب لنا الجزع، لأنه ليس لنا إلَّا أن نكون أحرارًا في مواقفنا وأفعالنا. إدفارد مونك، قلق، 1894. (ملكيَّة عامة، المصدر: ويكيبيديا، بإذن من مشروع غوغل آرت).
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق