مقالات

بين (دولة العالم) واليوتوبيا المبهمة: تأملات حول الديستوبيا واليوتوبيا النقدية – حسين إسماعيل

في عام ١٩٧٤، نشرت أورسولا لي غوين خامس روايةٍ فيما عُرف لاحقًا بمجموعة هاينش بعنوانين رئيسيٍّ وفرعيٍّ مثيرين للاهتمام: “المسلوب: يوتوبيا مبهمة”. سرعان ما حصدت الرواية العديد من الجوائز، وصارت منذ نشرِها جزءًا من حركةٍ أدبيةٍ كانت آخذة بالتبلور فيما بين ستينات وثمانينات القرن الماضي، وهي الحركة التي أسماها توم مويلان لاحقًا باليوتوبيا النقدية [i]. وبذا أُضيف مفهومٌ جديد للمفاهيم الأخرى الكلاسيكية من يوتوبيا وديستوبيا، مفهومٌ لم تكن معالمه واضحةً تمامًا. بل أن مسألة جوهر اليوتوبيا النقدية وما إذا كان المفهوم مختلفًا جوهريًا عن بقية المفاهيم –الديستوبيا على وجه الخصوص- مسألةٌ تناولتها العديد من الأبحاث [ii]. هذه المقالةُ محاولةٌ للانتصار لليوتوبيا النقدية من خلال البرهنة على أهمية المفهوم كمجالِ بحثٍ مستقل، كمبحثٍ يتجاوز حدود المفاهيم الأخرى.

السؤال الأول الذي يمكن طرحه هنا: لماذا؟ ما الذي يمكن جنيه من وراء فصل أدب اليوتوبيا النقدية عن الأجناس الأخرى، حتى وإن كان الفصل نظريًا أو على مستوى المقاربة وحسب؟
هناك نقطةٌ رئيسيةٌ تستوجب الطرح هنا، وهي النقطة التي تتمايز بها أعمال اليوتوبيا النقدية عن غيرها: الديالكتيكية الجوهرية. بشكلٍ عام، يمكن القول بأن أعمال اليوتوبيا النقدية تتجاوز الوسوم التقليدية الجامدة باتجاه العمليات التي تنتج هذه الوسوم. بعبارة أخرى، في ذات سياق عنوان المسلوب الفرعي “يوتوبيا مبهمة”، تُخضع هذه الأعمال وصفي اليوتوبيا والديستوبيا مثلًا لمساءلة تحاول الإجابة على أسئلةٍ من قبيل: يوتوبيا لمن؟ وما الذي يجعل عالمًا ما ديستوبيًا؟ بل ما هو الواقع الذي صارت أي يوتوبيا نقيضه؟

لا أهدف هنا لرسم حدود النقد وما يندرج أو لا يندرج تحته. ما يهمني هنا أنّ الأدب اليوتوبيّ ينطلق من عملية التغيير والإنتاج بحد ذاتها أكثر من انطلاقه من المنتج النهائي نفسه إن صح التعبير، أي أنه يمثل خطاب نقدٍ يستهدف البنية والعمليات القائمة ضمنها.

في سبيل الانتصار لليوتوبيا النقدية، سأحاول في هذه المقالة المقارنة بين مفهومي اليوتوبيا النقدية والديستوبيا لإثبات أنهما يشكلان مقاربتين مختلفتين حتى وإن تناولا ثيماتٍ متشابهة. أقدم هنا قراءةً لعملين أدبيين: عالمٌ جديدٌ شجاع للروائي البريطاني آلدوس هكسلي، والمسلوب للروائية الأمريكية أورسولا لي غوين. تصنف رواية هكسلي عادة على أنها رواية ديستوبية، فيما تصنف رواية أورسولا على أنها يوتوبيا نقدية. اخترتُ هاتين الروايتين تحديدًا لأنهما تمثلان جنسهما الأدبي بامتياز.

لكن قبل التطرق إلى كل ذلك، من الضروري تقديمُ استعراضٍ وجيز عن الافتراضات الداخلة في تشكيل متن الأطروحة وتحديدُ جوانب قصورها. يتعلق الافتراض الأول بمعنى كلٍّ من اليوتوبيا والديستوبيا واليوتوبيا النقدية. فبما أن هذه المفاهيم الثلاثة تشكل نقطة الأساس لكل ما يلي، من المهم إرساءُ تعريفات هيكلية توضح كيفية ترابط المفاهيم مع بعضها البعض وتمايزها في الآن نفسه.
أبدأ أولًا باليوتوبيا، المفهوم الذي أعتقد أنه الأكثر انتشارًا من بين الثلاثة. يمكن تعريف مفهوم اليوتوبيا بحد ذاته على أنه مكانٌ تخيّلي حيث الحياة كاملة، حيث لا ظلم ولا خوف ولا غدر ولا أحزان. عطفًا على ذلك، يصبح العمل الأدبي اليوتوبي “أمرًا [متعلقًا بـ] موقف، [نوعًا] من ردة الفعل على حاضرٍ غير مرغوب، وطموحًا للتغلب على كل الصعوبات من خلال تخيل البدائل الممكنة.” [iii] تبدأ اليوتوبيا إذن من حاضرٍ ما باتجاه نقيضِ كل ما فيه من مساوئ إن صح التعبير.

لكن السعي وراء اليوتوبيا قد لا ينتهي بتحقيقها فعلًا، بل قد يؤدي بدلًا من ذلك إلى الديستوبيا. الديستوبيا في هذا السياق يوتوبيا معكوسة أو مقلوبة، إذ هي ” تُشكّل خللًا في تكامل الكامل.” [iv] وبرغم أن الديستوبيا نقيض اليوتوبيا إلا أن كلاهما يدوران في نفس الأطر؛ كلاهما مُتخيّلان ككينونات تمتد مكانيًا وجغرافيًا، كمُثُل جمعية، كنقائض لواقع معين[v]. هذا يعني أنهما متجسدان في المكان والزمان، وأنهما يتمثلان كواقعٍ مُعاشٍ عند من يقطنهما. وبالإضافة لذلك، كلاهما يدور في فلك نظامي إن صح التعبير، مما يعني تعلقهما بالأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية وعواقب تفاعلها على المجتمع[vi].

ماذا يتبقى لليوتوبيا النقدية إذن؟ هل هي مزيجٌ منهما أم مجرد مفهوم وسيط؟ الحقيقة أن من الصعب تحديد ماهية المفهوم دون التعريج ولو بشكلٍ بسيط على أصوله التاريخية. بدأ مفهوم اليوتوبيا النقدية بالظهور كحركة أدبية في الستينات [vii]، وهي تتجذر في الحراكات الاجتماعية المتعددة بأمريكا وقتها. ولأن الحراكات متمحورةٌ حول قضايا الديموقراطية الاشتراكية والنسوية وسياسات السيادة وغيرها، تبلور المفهوم ضمن الأفق الذي تتجلى فيه هذه الصراعات وآثارها [viii]. وكما يشير مولان أيضًا، تميزت أعمال اليوتوبيا النقدية عن اليوتوبيا والديستوبيا بإفصاحها أو تعبيرها عن عملية التغيير الاجتماعي في حدوثها، فهي “وعيٌ بحدود الإرث اليوتوبي” في مجابهة الواقع وإعادة صياغةٍ لما تجري عليه الأمور[ix]. هذا يعني أن أعمال اليوتوبيا النقدية ليست مُسودةً لما يمتد مكانيًا وجغرافيًا (كاليوتوبيا والديستوبيا)، وليست مجرد إسقاطٍ منقوضٍ للواقع كما هو عليه، بل هي محاولةٌ “لتحدي وتقويض بنى القوى السياسية المهيمنة”، محاولةٌ لوضع الأسس التي تقوم عليها الظواهر محل التساؤل [x]. وعطفًا على كل ذلك، لا تتناول أعمال اليوتوبية النقدية عمليات التغيير الاجتماعي من باب التأريخ أو التوثيق، بل تُخضعها للتصورات المثالية عما يُفترض أن يكون أو لا يكون، أي أنها تستمد نقدها من الإرث اليوتوبي والديستوبي بغاية ترسيم الوعي بحدود المثاليات.

أعرج هنا سريعًا على مثالٍ توضيحي. يستمد جنس اليوتوبيا اسمه من رواية توماس مور المنشورة في مطلع القرن السادس عشر، وهي تحكي ما يرويه رافايل -إحدى شخصيات الرواية- عن جزيرة يوتوبيا والحياة الكاملة هناك[xi]. في وصف رافايل ليوتوبيا، نراه يعرج على المنظومة السياسية-الاقتصادية والعبودية والدين والملكية الخاصة وما إلى ذلك. بغض النظر عما تتضمنه يوتوبيا، نرى أن الثيمات المذكورة كلها متعلقةٌ بواقعٍ أوروبي محدد، أي أن الحياة الكاملة على الجزيرة مرهونةٌ بنقيض بعض الهموم والظواهر التي كانت حاضرةً في بعض مناطق غرب أوروبا في القرن السادس عشر. لو أُعيدت صياغة الرواية في إطار يوتوبيٍّ نقدي، لربما أمكن مثلًا تسليط الضوء لا على التناقض بين الملكية الخاصة والملكية العامة، بل حول ما تعنيه الملكية بالنسبة لفئات المجتمع المختلفة وآثار تلك التصورات. بعبارةٍ أخرى، ستتطرق الرواية بشكلها الجديد إلى العلاقات والعمليات دون أن تعطي هذه النتيجة أو تلك قيمةً مطلقة.

الأمر الوحيد المتبقي قبل تحليل الروايتين هو تحديد مواطن قصور المقالة. أولًا، بما أن المقالة تتناول روايتين وحسب، فإن الجنسين الأدبيين سيُقاربان على ضوء نموذجيتهما. بعبارةٍ أخرى، ستحلل المقالة الديستوبيا واليوتوبيا النقدية من خلال أبرز تجلياتهما وتنميطهما في العملين. وثانيًا، نظرًا لاقتصار المقاربة على بعض الأبعادِ النموذجية، فإن المقالة تضطر أسفًا لتصوير المفهومين في لحظةٍ تاريخية وحيدة، أي أنها تحللهما بما يتسامى عن جذورهما وتطوراتهما التاريخية المباشرة.

كما ذكرتُ أعلاه، الغاية من هذه المقالة هي التوكيد على أهمية اليوتوبيا النقدية بوصفها مجال بحثٍ مستقل. وفي سبيل القيام بذلك، سأقارن بين مفهومها والديستوبيا من خلال تحليل روايتي عالم جديد شجاع أولًا، والمسلوب ثانيًا. أركز المقارنة على ثيمتين رئيسيتين يتشاركها العملان: طبيعة النظام السياسي، وصراع بطل الرواية الداخلي. لتسهيل المقاربة، سأتناول تجليات كل نقطة في كلا الروايتين قبل الانتقال للنقطة التي تليها.

الدولة في رواية هكسلي دولةٌ كونيةٌ تشمل الكوكب بأجمعه، واسمها حرفيًا “دولة العالم”. يدير دولة العالم من يتسمون بمراقبي أو مديري العالم إن صح التعبير (أو “المتحكمون بالعالم” إن أردناها ترجمة حرفية). مهمة مراقبي العالم هي الحفاظ على استقرار الوضع الراهن من خلال تنظيم عمليات التوليد الاصطناعي والجَبْر الاجتماعي (social predestination) والتكييف، إضافةً لترويج نوعٍ من التخدير الجمعي من خلال حبوب السوما [xii]. طبيعة دولة العالم الشمولية جليّةٌ منذ عبارات الرئيس الأولى أثناء إعطائه جولةً داخل مركز التفريخ والتكييف: “هذا سر السعادة والفضيلة: حبّ ما يجب عليكم القيام به. كل التكييف يهدف لذلك، لجعل الناس يميلون إلى قدرهم الاجتماعي الذي لا مفر منه”[xiii].

كما أن من الممكن استنباط المزيد من المعلومات عن دولة العالم من شعارها: “المجتمع، الهوية، والاستقرار”. والحقيقة أن ترتيب الأولويات في الشعار بحد ذاته فعلٌ سياسي؛ لغاية الحفاظ على المجتمع، لا بد من قولبة طينة الناس على الانصياع والتناغم، أي لا بد أن يكون المجتمع متناغمًا. ولأن هذا التناغم مرهونٌ بتصالح الفئات المختلفة مع بعضها، فلا بد من خلق هويةٍ تبجل هذا الاختلاف وتمجده. هذا ما حدا بدولة العالم لصنع هويةٍ جينيةٍ في مراكز التفريخ، حيث تُعدل الأجنّة (إن صح تسميتها ذلك) ومن ثم تُكَيّف سيكولوجيًا في مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة لتكريس الطبقية وتطبيعها، ولترسيخ فكرة أن الصعود على السلم الاجتماعي –سواء على مستوى الفرد أو الجماعة- أمرٌ خارجٌ عن الطبيعة أساسًا. أما فيما يتعلق بالاستقرار، فإن اقتباس الرئيسِ أعلاه كفيلٌ بتوضيحه؛ تعمل كل القيم الثلاث في الشعار لمصلحة السعادة والفضيلة، لمصلحة استقرار دولة العالم.

ما الذي يعنيه كل ذلك؟ بادئًا ذي بدء، يعني غياب أي حسٍّ بتفرد المرء الحقيقي. الأولوية للمجتمع ولتناغم المجتمع، وكل أفراده مُصاغون ومحتومون للطبقة الاجتماعية التي يُقبلون للحياة عليها[xiv]. وبالإضافة لذلك، غياب التفرد يعني أن الجميع (أو أفراد كل طبقةٍ بالأحرى) سواسية. فلولا وجود “محمية الهمج” التي يقطن فيها البشر “البدائيون” لما كان هناك أي مفهوم للآخر في السرد، أي لكانت كل الشخصيات في الرواية مواطنةً في دولة العالم بذواتٍ مُغيبةٍ في الجمع الأكبر.

تتضح أهمية هذه الجوانب وقتما قورنت بنظيراتها في رواية المسلوب. فعلى عكس دولة العالم الموحدة في رواية هكسلي، تُمَوقِعُ أورسولا أحداث روايتها في نظامٍ بين-كوكبيّ مُكونٍ من عدة كواكب. الكوكبان الرئيسيان في الرواية هما آناريس وأوراس. العلاقة بين هذين الكوكبين معقدة. ينحدر نسل شعب آناريس من الأناركيين الذين رفضوا ما آلت إليه الحياة على أوراس، فقدموا إلى كوكب آناريس الجاف وغير الصالح للسكن بغرض تشييد نظامٍ اجتماعي جديد مغايرٍ لأوراس. يصف كوفرلي هذا المجتمع بأنه “مجتمعٌ أناركيٌّ بلا سيطرةٍ حكومية ولا أي نوعٍ من المؤسسات الاستبدادية.”[xv] من الجدير بالذكر أن كوكب أوراس نظيرٌ لكوكب الأرض إلى حد كبير، إذ أن جميع الأوصاف خلال الرواية تشير إلى كونه كذلك. هذا يعني أن آناريس هو النقيض اليوتوبي لأوراس، وأن العلاقة بينهما تتجاوز الاختلاف المكاني.
ومن فصول الرواية الأولى، بغض النظر عن شكل الحياة المرهق على آناريس، يُخيّل السردُ للقارئِ أن الحياةَ على كوكب أوراس أسوأ من ذلك. بل أن أحد أفلام البروبغندا عن الحياة على أوراس يصوره كما لو أنه الشر الأعظم، كما لو أن المصائب والمآسي جزءٌ من طبيعة تكوينه. كان الفيلم يُعرض على صبيةٍ من آناريس، وتستحق الجزئية الاقتباس كاملةً:

ورأى الصبية كذلك جثث الأطفالِ المغطين بالشعر، متراكمون كحديد الخردة، متصلبون وصدئون، على الشاطئ حيث كان الرجال يصبون الزيت على الأطفال ويشعلونه. “مجاعةٌ في مقاطعة باكيفويل بدولة ثو” قال صوت القائد. “تُحرق أجساد الأطفال الموتى من الجوع والأمراض على الشواطئ.[xvi]

في سياق الفيلم، وُضِعتْ هذه الصورة المفجعة للأطفال قبال حياة الرفاهية التي تعيشها طبقة الملاك على أوراس، وهي الطبقة المسيطرة على المؤسسات المختلفة. من شأن هذه المقارنةِ تأطير الأبعاد اليوتوبية والديستوبية بالكوكبين.

يشير استعراض بنية الدولة في الروايتين أعلاه إلى العديد من الثيمات الصالحة للمقارنة. فعلى النقيض من الدولة الشمولية المتناغمة في رواية هكسلي، عالم رواية المسلوب تعددي جوهريًا، أي أنه يحتوي العديد من التشكيلات الاجتماعية والسياسية الممكنة. بعبارةٍ أخرى، فيما لا يمكن أن يوجد نظامٌ سياسيٌّ آخر بجوار دولة العالم عند هكسلي (حتى محمية الهمج تُدار من قبل الدولة، فلا يمكن اعتبارها نظامًا مستقلًا)، قامت أورسولا بتشييد مجتمعات أناركية وديموقراطية واشتراكية وتضمينها في روايتها. هاتان النقطتان (الشمولية والتعددية) متجذرتان في الظروف الاجتماعية-الاقتصادية التي تبلورت فيها الأبعاد الديستوبيّة واليوتوبية النقدية. نُشرتْ رواية عالم جديد شجاع عام ١٩٣٢م، في فترة ما بين الحربين العالميتين، وهي ذات الفترة التي برزت فيها النزعات الآيديولوجية القومية وتسارع فيها السباق العسكري للتسلح.[xvii] وبالإضافة لذلك، يمكن مثلًا قراءة ثيمة الجملة في الرواية (كالثقافة بالجملة والتحكم بالجملة) عبر آراء هكسلي الحادة عن أَمْرَكة أوروبا وعن الاستهلاك بالجملة وعن غيرها من الأفكار الشبيهة.[xviii] هذا يعني إمكانية اعتبار مؤسسات دولة العالم إسقاطًا وتنبؤًا بما سيصبح عليه المستقبل الناتج من هذه الظواهر، الناتج مما كان هكسلي يشعر أنه انحدارٌ نحو الديستوبيا.

على الجانب الآخر، نَشِرت رواية المسلوب عام ١٩٧٤م، في فترة الانتفاضات السياسية وحراكات الحقوق المدنية والحرب الباردة وتغير موازين القوى العالمية.[xix] تشكلت الأبعاد التعددية في رواية أورسولا، إذن، على ضوء هذه الظواهر وبتأثير منها. لكن ما يجري في رواية المسلوب مخالفٌ إلى حدٍّ كبير لما يجري في رواية هكسلي، إذ أن في المسلوب نوعًا من العملية التطورية إن صح التعبير؛ ليست المفاهيم هنا إلا بنىً اجتماعية، وتتغير نسبيّة هذه المفاهيم مع مرور أحداث الرواية وزمنها. أوضح الأمثلة على هذه الفكرة متعلقٌ بكيفية تصوير الكواكب المختلفة في السرد، فلا آناريس ولا أوراس ديستوبيا بشكل مطلق، بل أنهما يتبادلان هذا الدور في السرد، أو من وجهة نظر بطلها على الأقل. بعبارةٍ أخرى، يتحول وسما اليوتوبيا والديستوبيا من بنية السرد نفسها إلى زاوية مرتبطةٍ بموقع الفرد ضمن المنظومة. هذه الضبابية في تحديد المفاهيم وعدم إعطائها قيمةً مطلقةً ثابتة يترافق في الرواية مع التعبير عن عملية التغيير الاجتماعي الكامنة في قلب السعي إلى اليوتوبيا، وهي كما ذكرت إحدى خصائص الأعمال اليوتوبية النقدية[xx].

اقتصر الطرح حتى الآن على طبيعة الدولة في مؤسسيتها، أو في المنظومة السياسية المباشرة. رواية هكسلي تحتوي دولة شمولية، ورواية لي غوين تحتوي على منظومتين مختلفتين لا يمكن توصيفهما بمعزلٍ عن موقع الأفراد ضمنها. ولكن العلاقة بين السياقات المختلفة والأفراد الذين يعيشون ضمن هذه السياقات ما تزال غامضة حتى الآن. هل يمكن إعطاء وجهات نظر الشخصيات في الرواية اعتبارًا حقيقيًا أم أن علينا وضعها ضمن الإطار الذي يسعى السرد تشييده؟
الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة. الأفراد (والشخصيات أيضًا) أبناء وبنات بيئاتهم إلى حد أكبر مما يتصورون، إذ أنهم يتشكلون بشكل كبيرٍ بالأطر الفكرية المتضمنة في هذه البيئات. لكن العلاقة بين الفرد والبيئة التي ينشأ فيها ليست علاقة أحادية، إذ أن من شأن الوعي بالبدائل أو الخيارات تحفيزَ الأفراد لكي يُعيدوا تشكيل واقعهم أو ليغيروه.[xxi] إذن، الأطر التي تعيش فيها شخصيات الروايتين تؤثر على طريقة تعاطيهم مع الواقع وتصورهم لما يفترض أن تكون الأمور عليه. هذه العلاقة بين الأفراد والمجتمع، أو تجلياتها في الروايتين بالأحرى، محور النقطة التالية.

ينتمي بيرنارد ماركس، وهو بطل رواية هكسلي الرئيسي، إلى الطبقة الاجتماعية الأعلى: طبقة الألفا+. ولكنه بالرغم من ذلك غير راضٍ بمجرى الأمور. ليست حالة عدم الرضا هذه ناتجةً عن عيبه الجسدي “الخلقي” مقارنة بغيره ممن ينتمون للألفا+، بل لاعتقاده بأنه يستحق أكثر مما يمتلك بالفعل. فعلى سبيل المثال، في نقده للمنظور الشائع عن الحب والرغبة والجنس، يصف أعضاء طبقته بأنهم “ناضجون فكريًا في أوقات العمل […]، ورُضَع فيما يتعلق بالمشاعر والرغبة”، وهذا الوصفُ مرتبطٌ بغيرته على لينينيا واختيارها للشركاء الجنسيين.[xxii] بل تعليق بيرنارد عن “فائدته” المحتومة للمجتمع مثالٌ آخر على عدم رضاه:

“كيف يمكنني؟ […] لا، المشكلة الحقيقية هي: كيف لا يمكنني، أو بالأحرى –لأنني أعلم تمامًا لِمَ لا يمكنني-، ما [الذي سيكون] عليه الأمر لو استطعت، لو كنت حرًا غير مستعبدٍ بتكييفي.”[xxiii]

بغض النظر عما يحمله بيرنارد من آراء تجاه الحياة في دولة العالم، “حر” في سياق حديثه لا تعني بالضرورة التحرر إلى منظومات بديلة. بل الحقيقة أن محاولته لاستخدام جون الهمجي في الرواية وسيلةً للصعود في السلم الاجتماعي، بالإضافة لخوفه من أن يُنفى لآيسلندا، دليلان على أنه كان يطمح لامتلاك سلطة ضمن الوضع الراهن القائم. فبالنسبة له، العالم ثابت، والبديل أو الخيار الرئيسي جزءٌ من العالم نفسه.

يمكن من خلال موقف بيرنارد تجاه دولة العالم والوضع القائمة فيها استشفاف عجزه إن صح التعبير، فهو يعرف تمام المعرفة أنه كفرد غير قادر على تغيير الواقع.[xxiv] هناك نقطةٌ أخرى جديرة بالذكر في نفس السياق. تقول وورفيلد أن “استهلال جون الهمجي إلى دولة العالم” كان يستهدف في الحقيقة ضعضعة النظام، وذلك نتيجة تقديم فاعلٍ خارجي.[xxv] لكني لا أعتقد أن هذه الفكرة منطقية تمامًا. فحين نأخذ بعين الاعتبار أن محمية الهمج بحد ذاتها جزء من دولة العالم، وأنّ استهلال جون كان بإدارةٍ من النظام نفسه، فلا يبدو هذا الاستهلال إلا محاولةً من قِبَل بيرنارد للصعود على السلم الاجتماعي ووسيلةً لتدعيم النظام بالنسبة لمصطفى موند.

تمتلك حالة شفيق في رواية المسلوب خصائص شبيهة ومغايرة في الآن نفسه. كحال بيرنارد، شفيق هو الآخر ساخط على الوضع الحالي في كوكبه الأصلي آناريس، إذ كان منذ البداية يتصرف كما لو أنه مخلصٌّ يهدف لتحقيق الوفاق والتناغم والسلام الكوني، وهذا بالرغم من المعارضين على آناريس.[xxvi]  بل الحقيقة أن هدفه الأساسي يوم غادر آناريس باتجاه أوراس كان من البداية توحيد العالمين وإنهاء حالة الشقاق الحادة بينهما. ولكن برغم ذلك، لما أخذ يدرك الأبعاد السياسية فيما بدا لا-سياسيًا (كأبحاثه في الفيزياء)، بدأت أفكاره عن التغيير الاجتماعي تنضج أكثر، إذ بات يدرك أنّ أحلامه المثالية عن الحرية الأكاديمية على أوراس مثلًا ليست مستقلةً عن الشرور القائمة في بعض مناطق الكوكب. وما انضمامه لثورة البنبليين إلا أحد أدلة هذا النضوج.

أحد الأدلة الأخرى على النضج، وهو يسبق الدليل الأول زمانيًا، متعلقٌ بوعي شفيق بحدود اليوتوبيا الآناراسية. يعتقد كوفيرلي أن محاولة تحقيق شفيق لطموحاته العلمية جعلته منبوذًا اجتماعيًا على آناريس.[xxvii] هذا النبذ نتيجة بديهية في سياق تحدي الوضع الراهن على آناريس، الوضع القائم على التمرد الأناركي الأساسي على أوراس بشكلٍ عام. ولأن كل مجتمعٍ يحتوي في أي نقطةٍ زمنيةٍ مُثُلًا يتشاركها الأفراد بشكلٍ أو بآخر، يمكن تفهم ما جعل شفيق منبوذًا بكوكبه، إذ أن العلم الأوراسي كما أسلفتُ ليس كينونةً مستقلة عن ذات المنظومة التي تُفرز المصائب، ولذا يبدو سعي شفيق وراء التطور العلمي سعيًا للمُثُل الأوراسية المنافية جوهريًا للأسس التي قام عليها مجتمع آناريس الأناركي.
لكن الوضع على آناريس يختصّ بميزةٍ مُحيرة، فهو تأسس في البداية كما قلتُ نتيجة تمرد أناركي، أي نتيجة تمردٍ كان يهدف من البداية إلى الإطاحة بكل المثل. الاقتباس التالي من الرواية يدعم الفكرة: “تكوّن المجتمع الأودوني كثورةٍ دائمة، والثورة تبدأ أول ما تبدأ في العقل المفكر.”[xxviii] ولأن مبدأ الثورة الدائمة يقوم على إلغاء التحجر الذي من شأنه إعلان نهاية الثورة إن صح التعبير، يمكن اعتبار محاولة شفيق في تجاوز حدود البحث العلمي المتاحة على آناريس “ثورةً” جديدة. بعبارةٍ أخرى، لحظة اصطدام شفيق بالحدود الاجتماعية هي اللحظة التي صار يبحث فيها عن ثورةٍ على المنظومة القائمة، عن حلّ يغير جذر الوضع القائم، هي لحظة سعي شفيق للعودة للمبادئ الأودونية الأصيلة ردًا على تحجر الثورة الدائمة.[xxix]

من المفترض أن يكون واضحًا الآن أن دور الوعي الفردي في الأدب الديستوبي مختلف جوهريًا عن الأدب اليوتوبي الناقد. في الديستوبيا، يقر الفرد بمنظومةٍ ثابتةٍ لا مفر منها، ويسعى لتقليل عواقبها السلبية أو الهرب إلى نقيضها، وقد يقتصر هذا النقيض على   أما الأدب اليوتوبي الناقد فيتصف بإدراك أن موازين القوى متقلبة، مما يمكن الفرد من التعبير عن آليات التغيير الاجتماعي.

 

 


 

Bibliography

Balasopoulos, Antonis. 2006-2010. “Anti-Utopia and Dystopia: Rethinking the Generic Field.” Utopia Project Archive (Athens: School of Fine Art Publications) 59-67.

Claeys, Gregory. 2010. “The Origins of Dystopia: Wells, Huxley, and Orwell.” In The Cambridge Companion to Utopian Literature, edited by Gregory Claeys, 107-131. Cambridge: Cambridge University Press.

Clarke, John L. 2013. “Europe’s Armed Forces in Civil Security.” Connections (Partnership for Peace Consortium of Defense Academics and Security Studies Institutes) 12 (2).

Coverley, Merlin. 2010. Utopia. Herts: Pocket Essentials.

Fernandes, Tiago. 2013. “Religion and Politics: Revisiting Interwar Democracy and Dictatorship.” Analise Social 48 (209): 971-975.

Huxley, Aldous. 2014. Brave New World. New York: HarperCollins Publishers Inc.

Jaeckle, Daniel P. 2009. “Embodied Anarchy in Ursula K. Le Guin’s The Dispossessed.” Utopian Studies 20 (1): 75-95.

Lancaster, Ashlie. 2000. “Instantiating Critical Utopia.” Utopian Studies (Penn State University Press) 11 (1): 109-119.

Le Guin, Ursula K. 2001. The Dispossessed. New York: Harper Voyager.

Mills, C. Wright. 2000. The Sociological Imagination. Oxford: Oxford University Press.

More, Thomas. 2012. Utopia. Translated by Dominic Baker-Smith. New York: Penguin Classics.

Moylan, Tom. 2014. Demand the Impossible: Science Fiction and the Utopian Imagination. Bern: Peter Lang AG.

—. 2000. Scraps of the Untainted Sky. Boulder: Westview Press.

Vieira, Fatima. 2010. “The Concept of Utopia.” In The Cambridge Companion to Utopian Literature, edited by Gregory Claeys, 3-27. Cambridge: Cambridge University Press.

Warfield, Angela. 2017. Utopia Unlimited: Reassessing American Literary Utopias. Self-Published.

[i] Moylan, Tom. 2014. Demand the Impossible: Science Fiction and the Utopian Imagination. Bern: Peter Lang AG.

[ii] انظر مثلًا:

Balasopoulos, Antonis. 2006-2010. “Anti-Utopia and Dystopia: Rethinking the Generic Field.” Utopia Project Archive (Athens: School of Fine Art Publications) 59-67.

&

Claeys, G. (Ed.). (2010). The Cambridge Companion to Utopian Literature (Cambridge Companions to Literature). Cambridge: Cambridge University Press.

[iii] Vieira, Fatima. 2010. “The Concept of Utopia.” In The Cambridge Companion to Utopian Literature, edited by Gregory Claeys, 3-27. Cambridge: Cambridge University Press.

[iv] Moylan, Tom. 2000. Scraps of the Untainted Sky. Boulder: Westview Press.

[v] Warfield, Angela. 2017. Utopia Unlimited: Reassessing American Literary Utopias. Self-Published.

[vi] Coverley, Merlin. 2010. Utopia. Herts: Pocket Essentials.

[vii] Moylan, Tom. 2014. Demand the Impossible: Science Fiction and the Utopian Imagination. Bern: Peter Lang AG.

[viii] المصدر نفسه.

[ix] المصدر نفسه.

[x] Lancaster, Ashlie. 2000. “Instantiating Critical Utopia.” Utopian Studies (Penn State University Press) 11 (1): 109-119.

[xi] More, Thomas. 2012. Utopia. Translated by Dominic Baker-Smith. New York: Penguin Classics.

[xii] Claeys, Gregory. 2010. “The Origins of Dystopia: Wells, Huxley, and Orwell.” In The Cambridge Companion to Utopian Literature, edited by Gregory Claeys, 107-131. Cambridge: Cambridge University Press.

&

Warfield, Angela. 2017. Utopia Unlimited: Reassessing American Literary Utopias. Self-Published.

[xiii] Huxley, Aldous. 2014. Brave New World. New York: HarperCollins Publishers Inc.

[xiv] Coverley, Merlin. 2010. Utopia. Herts: Pocket Essentials.

[xv] المصدر نفسه.

[xvi] Le Guin, Ursula K. 2001. The Dispossessed. New York: Harper Voyager.

[xvii] Clarke, John L. 2013. “Europe’s Armed Forces in Civil Security.” Connections (Partnership for Peace Consortium of Defense Academics and Security Studies Institutes) 12 (2).

&

Fernandes, Tiago. 2013. “Religion and Politics: Revisiting Interwar Democracy and Dictatorship.” Analise Social 48 (209): 971-975.

[xviii] Coverley, Merlin. 2010. Utopia. Herts: Pocket Essentials.

[xix] Moylan, Tom. 2014. Demand the Impossible: Science Fiction and the Utopian Imagination. Bern: Peter Lang AG.

[xx] Coverley, Merlin. 2010. Utopia. Herts: Pocket Essentials.

&

Warfield, Angela. 2017. Utopia Unlimited: Reassessing American Literary Utopias. Self-Published.

[xxi] Mills, C. Wright. 2000. The Sociological Imagination. Oxford: Oxford University Press.

[xxii] Huxley, Aldous. 2014. Brave New World. New York: HarperCollins Publishers Inc.

[xxiii] المصدر نفسه.

[xxiv] Warfield, Angela. 2017. Utopia Unlimited: Reassessing American Literary Utopias. Self-Published.

[xxv] المصدر نفسه.

[xxvi] Moylan, Tom. 2014. Demand the Impossible: Science Fiction and the Utopian Imagination. Bern: Peter Lang AG.

[xxvii] Coverley, Merlin. 2010. Utopia. Herts: Pocket Essentials.

[xxviii] Le Guin, Ursula K. 2001. The Dispossessed. New York: Harper Voyager: 333.

[xxix] Jaeckle, Daniel P. 2009. “Embodied Anarchy in Ursula K. Le Guin’s The Dispossessed.” Utopian Studies 20 (1): 75-95.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق