Newphilosopherمقالات

أطلِقوا عنانَ أطفالكم – تيفاني جينكنز

ترجمة: هديل الدغيشم - مراجعة: أروى الفهد

لو ذهبتَ إلى صالة التوربين في متحف «تيت مودرن» في لندن، فإنك ستجده قد تحول إلى صالة لعبٍ ضخمة، لطالما حلمت بها في طفولتك، إذ تزخر تلك الصالة، ذات المساحة الشاسعة (٣٥٥٢٠ قدمًا)، بالأراجيح الثلاثية التي تتسع، بأريحيّة، لثلاثة أشخاصٍ بالغين ممتلئي الأبدان.

كان المكان مكتظًّا حين زرتُه، حيث احتلّ الآباء الصُلْع الأراجيح، متدليةً أرجلهم الطويلة منها، مستمتعين بعلوها وهبوطها، متأرجحين جيئةً وذهابًا. بالإضافة إلى مئات الزوار الذين تتجاوز أطوالهم خمسة أقدام، فارجين أذرعهم وأرجلهم، ومستلقين على السجادة الناعمة المطاطية المقلَّمة بخطوطٍ ملونة غامقة، والمستوحاة من سبعينيّات القرن العشرين -البرتقالي، والبني، والأحمر، والسماوي-، حيث كانت تلك السجادة مفرودةً على الأرض. ومن السقفِ تتدلى مرآة كروية ضخمة، تنعكس عليها أوجه المارّة؛ إذ يرون أنفسهم من خلالها بينما تتأرجح جيئةً وذهابًا.

ابتُكِر العمل الفني «واحد، اثنان، ثلاثة؛ تأرجح!» من قبل الفرقة الفنية الجماعية الدانماركية سوبرفلكس التي تعتقد بأن في إمكان الناس الاستمتاع بالفن أثناء التفكّر بمسائل محورية؛كالرأسمالية، والانتماء، والهوية. ويتضح بأن العمل الفنّي مُقَسّم إلى ثلاثة أجزاءٍ مُعنوَنة بالفتورِ، والإنتاجية، والحركة؛ بالرغم من صعوبة التمييز بينها.

ولا تُعدّ هذه المرة الأولى التي يحاول فيها متحف «تيت» الفني أن يمزج اللعبَ بالفن، إذ دعا الفنّان «كارستن هولر» الناسَ في عام ٢٠٠٧ لركوب لعبة زلاقات القلعة؛ لخلق شعورٍ «بالبهجة والجنون»؛ إذ يرى بأن الزلاقات يجب ألا تقتصر على لعب الأطفال، بل ينبغي أنْ يلعبها الكبار أيضًا. كما نرى فكرةً مشابهة في مكانٍ آخر؛ حيث كانت فعالية قضاء ليلة في متحف التاريخ الطبيعي شائعةً للأطفال، إلا أن المؤسسة بدأت مؤخرًا ببيع تذاكر لفعالية مشابهة للبالغين سمّتها: فعاليّة شخير الديناصورات للبالغين التي تُقدّم موسيقا، وعرضًا كوميديًّا، وغرفة ألعابٍ ذات تصميمٍ ديناصوريّ، قبل خلود البالغين إلى النوم في أكياس نومهم، بعيدًا عن الضوء، كما يمنع اصطحاب الأطفال!

وما يثير الغرابة هو أن اهتمام الأطفال قد صار معاكسًا لهذا التوجه، إذ لا نجد وعودًا بالموسيقا، ولا غرف لعب ذات تصميمٍ ديناصوري، أو أيَّ عرضٍ كوميديّ في غرفة شخير الديناصورات للأطفال في متحف التاريخ الطبيعي، إذ إن الأطفال -الذين تتراوح أعمارهم بين ٧-١١ سنة- يمكنهم التجول في المتحف بعد حلول الظلام، حسب ما يتضح في الإعلان الترويجي «الجمع بين المتعة والتعليم»، وبإمكانهم كذلك حضور عرضٍ علميّ يُقدمه عالم متاحف. عندما رافقتُ ابنة أخي -ذات الثماني سنوات- إلى فعالية قضاء الليلة في المتحف البريطاني للأطفال، فقد شارَكتْ في نشاطٍ فني متعلق بالدين، وأجرت اختبارًا قصيرًا عن طبيب القرن الثامن عشر «هانز سلون» الذي كانت إصداراته موجودة في المتحف. حيث قضت وقتًا ماتعًا ورائعًا، وبالطبع فإني أردتها أن تتعلم شيئًا ما، ولكنها كانت فعالية تعليمية جليّة، بدلًا من أن تكون للمتعة فحسب.

ويبدو بأن هناك تبادلًا في الأدوار؛ فبزوغ فكرة لعب البالغين قد قلب الأمور رأسًا على عقب؛ إذ إن لعب البالغين يتيح لهم الهروب من العالم، بينما لعب الأطفال يستهدف نتائج محددة، أو أن يكون مبنيًا ومحددًا حسب طريقة تعليمية معينة؛ الغرض منه سُرعة النمو.

وبحسب تقرير أجرته هيئة السوق المحلية المحدودة عام ٢٠١٧، فإن مبيعات الألعاب للبالغين قد ازدادت قرابة ثلثين خلال الخمس سنوات المنصرمة، ويصل سوق ألعاب البالغين الآن -بعيدًا عن الألعاب الزوجية وألعاب الكومبيوتر- إلى ٣٠٠ مليون جنيه إسترليني في المملكة المتحدة، إذ ينمو بسرعة فائقة، طاغيًا على سوق ألعاب الأطفال، بينما -في المقابل- يتفجر سوق الألعاب التعليمية للأطفال.

أما بالنسبة للعب الخارجي الحر، فقد نسيه الأطفال حاليًا، إذ يغمرهم الخوف من الأخطار المجهولة، والاختطاف، والسيارات وأخطارها وحوادثها، مما يعني بأنهم يُحصَّنون، ويُقادون إلى المدرسة أو النادي، ثم يعودون إلى منازلهم، ويستلقون على الأرائك، ليقضوا معظم أوقاتهم ما بين تلفاز وأجهزة لوحية، ثم أداء الواجبات المدرسية. إن الخوف على الأطفال من الأخطار أحد أهم الأسباب التي أدت إلى تضاؤل درجة لعب الأطفال خارج المنزل بنسبة ٩٠ بالمئة في الثلاثين عام المنصرمة، ولكن رغم ذلك لم تقل الأخطار التي يتعرضون إليها.

وتلك حجة واحدة تجعل أرقام تعداد الألعاب الداخلية ترتفع ارتفاعًا حادًا وسريعًا، ووفقًا لشركة البحث «منتال»، فإن قيمة السوق الآن ١٠٦ مليون جنيه إسترليني. وكما هو من الممتع مشاهدة الأطفال يلقون بأنفسهم في الإسفنجة الصفراء ويضيعون بين الكرات النطاطة الحمراء، إلا أن الأمر لا يماثل خروجهم من المنزل وقضاء ساعات خارجه، وإقبالهم على أي فعلة تثير بهجتهم، بغض النظر عن سوئها، ولا يعودون إلا حينما تُنادى أسماؤهم من الأعلى عند حلول وقت العشاء. ذاك النوع من اللعب الذي يجهل فيه الوالدان معظم ما تفعله، ووقوعك في مأزق ومحاولة الخروج منه، لقد أصبح هذا النوع من اللعب ذكرى للبالغين الآن. إن الأمر أضخم من أن يوصف للأطفال، ونتيجة لذلك فإن عالمهم يتضاءل تدريجيًا.

نادرًا ما يحصل الأطفال على فرصةٍ لِلَّعبِ في البراري، بحُريةٍ مطلقة بمفردهم، وبلا رقابة، وذلك قد يُفسّر كونهم عبيدًا للتقنية الحديثة، إذ إنه لا وجود لعالمٍ آخر لهم ليستكشفوه، ولكن اللعب في تطبيقٍ ما على جهازٍ لوحيّ لا يماثل ذلك الشعور الذي يغمرك عندما تلعب في الخارج لساعات؛ أي حين تعود للمنزل متأخرًا، وتكون مجروحًا ومرهقًا، ولكنك مع ذلك تشعر بالحرية المطلقة.

لو غادروا منازلهم دون مرافقيهم الكبار، فإن هناك شعورًا غامرًا بالغضب، كما جرّبت سيدة نيويورك «لينور سكينازي»، وكتبت مقالةً حول أحد فترات الصيف عندما سمحت لابنها -ذي التسع سنوات- أن يركب القطار لوحده، حيث أثارت تلك المقالة ضجيجًا ودعت إلى تلقيبها بمنتهكة الأطفال، للدرجة التي طالَبَ فيها بعض المعلّقين باعتقالها؛ لمخاطرتها بالطفل.

تمسّكت «سكينازي» برأيها، مكونة بذلك حركة «تحرير الأطفال»، وأشارت إلى أن منح الأطفال الاستقلالية بدلًا من «فرط الأبوة»؛ أي حين يفرط الوالدان في التفكير بكل صغيرةٍ وكبيرة، ويتدخلان في كل لحظةٍ من حياة أطفالهم؛ فبدلًا عن ذلك؛ فإن منح الأطفال تلك الحرية تراه أسلوبًا أنسب وأصحّ لنموهم؛ للوالدين والأطفال. إنها محقة، حيث إنَّ أحد نقاط القوة في اللعب الحر هو التحليق الحر، والفوضى، واللاجدوى، وبعيدًا عن سُلطة السوق.

علينا أن نُطلق عنان الأطفال، فلا بأس؛ سيذهبون لاحقًا لإتمام امتحاناتهم، ويمكننا ببساطة تضميد ركبهم وجروحهم عند عودتهم إلى المنزل. إن البالغين بحاجةٍ إلى أنْ ينضجوا، ويدعوا الأطفال يقضون أوقاتهم وحدهم، لممارسة أنشطتهم الطفولية؛ إنه وقتُ لعبهم، وليس وقتكم.

 

 


 

New Philosopher: Issue #20: play

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق