مراجعات

لا تقرؤوا جحيمَ دانتي – محمد السعيد

بدأتُ بقراءة الجحيم عندما حان دورها في القائمة. وإنني، بالطبع، قبل الشروع في قراءة أي عمل، أحملُ كمًّا عظيمًا من الأفكار المسبقة عنه. وما أقسى جحيمَ دانتي إذ به حُطّمت جميع هذه الأفكار، ومنها أن الجحيم فقط يعني الكوميديا والعكس. وجدتُ حينها أنني مستمتعٌ بهذا الجزء من القصيدة، بسبب أنّ هذه الأفكار المسبقة كانت بمثابة الصخرة التي منعتني من استيعاب وتقدير زخم القصيدة كلها، وأُعزي هذا لدانتي وحده فضلًا عن قراءاتي المثقوبة له. هناك نوعٌ من التوجيه غير المفسّر، بقصد أو بغير قصد، من قِبَلِ المؤثرين الأدبيين في قنوات التواصل الاجتماعي، ويسبقهم -كما لاحظت- بعض الجهات الأدبيّة من رعايا الثقافة الشائعة وبعض الأدباء إذا ذُكر دانتي الشاعر وكوميدياه، حيث ما يعنيه دانتي الجحيمَ فقط. حتى إنني أستطيعُ الجزم بأن “جحيم دانتي” معروف أكثر من “كوميديا دانتي” وهذا ليس فيه من الخطأ شيء، ولكنني كمحبٍ للأدب، أزعم بأن الجحيم ليست الكوميديا، والكوميديا ليست الجحيم فقط. وإثبات هذا ليس بالسهولة المتصوّرة، حيث يساوي -أدبيًا- إقرار أو دحض أن كتاب ألف ليلة وليلة كتابٌ عربي.

يبدأُ دانتي حَجّتهُ خائفًا وجلًا مرتعدًا من ظلال الأشجار المحيطة به. يقابل فيما بعد وحوشه الثلاثة ثم فيرجل، ويأخذ الأخير بيده خلال رحلة لن ينساها أحد. يلتقي الحاجّ بشخصيات تاريخية عديدة ويذكر ألوان العذاب المرسومة والمقررة إلهيًا حتى تتناسب مع لون الخطيئة المُرتَكبَة. ثم، وبعد يوم ونصف يلتقي الشاعران بلوسيفر في قعر الجحيم ويتسلقاه حيث يصلان للمطهر وهما ينظران إلى النجوم. ينتهي الجحيم وينتهي القارئ من دانتي. القصيدة لم تنته ولكن القارئ انتهى ومع رسومات دوريه صار يفهم ماذا تتكلم عنه الكوميديا وماذا تعنيه الجحيم! هنا يكمن الافتراض والادعاء الخاطئان.

حلقة المنتحرين في الجحيم – قوستاف دوريه.

إن امتدادات دانتي لا حصر لها في الأدب والثقافة عمومًا، على سبيل المثال، ترمز الجحيم في بعض الآداب إلى الجنون، أو تردّي الحالة النفسية، أو سوء المنقلب وغيرها. فمنطقيًا يملك القارئ حُجّةً تفترض أن الجحيم منفصلة عما يليها من الأجزاء، وبهذا يتم تجاوز الجزئين الأخيرَين. لم ألاحظ أنّ هذه مشكلة حقًا حتى بدأتُ بقراءة المطهر. خلال قراءاتي القليلة في الأدب الكلاسيكي ومشاهداتي السينمائية، بل حتى الدخول في النقاشات الإنترنتيّة والقوائم المتصدّرة أدبيًا، تنصب هذه التجربة في بوتقة واحدة وهي ما يهم حقًّا هو جحيم دانتي فقط. حتى أن هناك من ترجم الجحيم فقط حيث أنه الجزء الوحيد الجدير بالترجمة. لا يفضل هؤلاء القراء الجحيم على الجزئين الآخرَين، فليس هناك اعتبار لها من الأساس. ربما يُظن أنني أبالغ بعضَ الشيء ولكن هذا هو الحاصل. وشخصيًا، عرفتُ جحيم دانتي ولم أعرف الكوميديا، أو كون الجحيم ثالث ثلاثة.

ربما يشير التعلّق بالجحيم إلى ميل الإنسان إلى قراءة وتفضيل الغريب والمؤلم، فهذا “الشاعر الذي زار الجحيم” لا بد أنه سيكون راغبًا في قصّ حكايته وما رآه من العذاب والنيران. ولكنّ هذا الشاعر هَندَسَ هذه الرحلة لتكون في ثلاثة أجزاء أساسًا، فالجحيم ليست رحلة، بل رحلة غير مكتملة، وكذلك فهمنا لدانتي والكوميديا لن يكتمل بالاكتفاء بالجحيم فقط. لو عدّ قارئٌ ما أن جحيم دانتي “بعثة” للتعلم، فإن الحاجّ لم يتعلم شيئًا، وإن عدّها “رحلة” للحب، فإنه لم يرى محبوبته، وإن عدّها “حجّةً” لله، فإنه لم يرى الله ولم يقترب منه حتى. يمكننا المواصلة على هذا المنوال ولسوف نصل إلى النتيجة ذاتها، وهي: أن رحلة الجحيم لوحدها لا تعدّ شيئًا؛ لأنها -لوحدها- لا تحلّ شيئًا. أشار دانتي نفسه إلى عدم اكتمال هذه الرحلة وانحصارها في الجحيم فقط. نجدُ دانتي يقول في أول نشيد في الجحيم على لسان فيرجل مشيرًا إلى الرحلة كلها: “وسأُخرجك من هنا خلال عالمٍ أبديّ، حيث ستسمع الصرخات اليائسة (…) ثم ترى أولئك الذين يرضون بين اللهب، لأنهم يأملون أن يأتوا يومًا إلى زمرة السعداء.” بل ويذهب فيرجل إلى ما لا يمكنه بلوغه: “فإذا أردتَ بعدئذ الصعود (…) هناك عالمه وعرشه الرّفيع، ما أسعد من اختاره إليه!”.

عندما انتهيتُ من قراءة النشيد الأول من المطهر، وبالتحديد عندما اغتسل دانتي من النهر لإزالة براثن الجحيم عن جلده، أستحضر شعوري الدقيق حينها، كنتُ أشعر بنفحة هواء محرّرة من شعر الجحيم الغليظ. فقد تغيّر أسلوب دانتي الشاعر عنه في الجحيم، إذ كانت عباراته أخف وكلماته رقيقة وأكثر اتّساقًا ووضوحًا، حتى أنه قال في بداية النشيد الأول مشيرًا إلى تحسّن حالة دانتي الحاجّ: “الآن يرفعُ زورق فكري أشرعته، لكي يجري على مياهٍ أهدأ، تاركًا وراءه بحرًا خضمًّا (…)” وللتو رفع دانتي أشرعة زورقه، أي أنه في بداية الرحلة ، فلم يكن الجحيم سوى جزءٍ لا يتجزأ من المطهر، والمطهر جزءٌ لا يتجزأ من الفردوس، ويشير دانتي بحماسٍ خلال الجحيم والمطهر على حدٍ سواء، وأيضًا، عذاب الأرواح في الجحيم وتوبتها في المطهر. يربط دانتي المطهر بالجحيم في بيتَيهما الأوليَين، وفيهما يذكر دانتي حالته بالضياع في الجحيم، وتحسّن حالته في المطهر وهذا مما لا نجده في الفردوس. بل أن بعض النقّاد يرون المطهر “كامتدادٍ” للجحيم.

نجدُ دانتي الشاعر يُحاول جاهدًا في معالجة الخطايا بغريبِ تمثّلاتها وألوانها حتى أننا نعجبُ من دانتي في اختياره المُبهر لمعالجة هذه الخطيئة أو تلك. يقول البروفيسور الأمريكي جيوزبّيه ماتزوتا المتخصص في الدراسات الدانتيّة في إحدى محاضراته عنه: “إنك ما إن تنتهي من الجحيم حتى تحسبُ نفسك فاهمًا لدانتي، فإن سُئلت ما هو مصير الفجّار المنتحرين في رؤية دانتي، ستجيب بالتأكيد أنهم أشجار دامية، ولكن ما إن تشرع في قراءة المطهر حتى تجد أن حاميهِ وأول شخوصه منتحر ووثني فتعجب كل العجب، وتبدأ بسؤال نفسك لماذا دانتي فعل هكذا؟ حينها ستبدأ بفهم الكوميديا الإلهية.” هذا ما حصل لي عندما قرأتُ أن كاتو استقبل الشاعرَين، وأنّ سبب اختياره لحراسة المطهر معزىً لإيمانه بمبادئه الخاصّة حتى وإن عارضها دانتي، ولكن مهلًا، فإن من يعارض دانتي مصيرهُ جحيمه، هذا ما يفنّده دانتي في بداية المطهر، فنرى أن حتى في فردوسه وثنيّون كثيرون.

لم يتعلم دانتي معنى النزول والتواضع إلا في المطهر، أي أنه لم يتعلم الجحيم إلا في المطهر؛ ولم يتعلم معنى الارتفاع والصعود إلا في الفردوس، أي أنه لم يتعلم المطهر إلا في الفردوس. على سبيل المثال، يبكي دانتي الحاجّ المعذبين في الجحيم وفي بعض الأحيان يُغشى عليه، حيث يذكّره فيرجيل دومًا أن هذا هو عدل الله، وياللسخرية إلهٌ لا يؤمن فيه فيرجيل إطلاقًا. ولكن دانتي في المطهر بعد فهمه للدرس يقول بلسانه هذه الكلمات ويوجهها للقارئ أيضًا حيث يبدو أنه اتخذ مكان فيرجل في كونه معلمًا لقارئه: “ومع ذلك فلا أريد أيها القارئ أن تنصرف عن قصدك الطيّب، بسماعك كيف يشاء الله أن يُوفى الدَّين.” ومنه نستطيع رصد تغيّرٍ جذريٍ في شخص دانتي، إذ يرى أن عدالة الله لا يساويها في الأهميّة مشاعرنا تجاه طبيعة عذاب الأرواح ولا ثقل الصخور التي يحملونها فوق ظهورهم. العذابُ والألم ليسا مهمين بل فيما يسفر عنهما كما قال دانتي. ولا يكتفي هذا التغيّر بهذا التجلّي، فحينها نرى دانتي يقول للمعذبين بنبرةٍ قد تكون مرعبةً للوهلة الأولى: “أيها المسيحيون المتغطرسون، أيها البائسون المكدودون (…) ألا تدركون أننا لسنا سوى ديدان (…)” أين ذهب من كان يبكيهم ولا يقوى على احتمال مناظر العذاب؟ لم يذهب إلى أي مكان، ولكنّ هذه هي ثمرة تعلّمه في الجحيم، ولن تظهر إن اكتفينا بقراءته فقط. لعلّ موسيقا فرانز لِست مقنعة بأهميّة الجزئين الأولَين للقصيدة في سيمفونيته المدعوّة “دانتي”، ولكن للأسف أقنعه فاكنر بأنه لا موسيقار يمكنه تجسيد ملذّات الفردوس فلم تحصل على جزء للفردوس. لكن على كلٍّ، تبدو موسيقا لِست فيها من الحماسة والعظمة التي تدل على كون المطهر لا يقل شعريّةً عن الجحيم.

قد يبرّر البعض هذا الاختزال لرحلة دانتي وتفضيل الجحيم على باقي الأجزاء على أنها محل الاهتمام الوحيد، حيث لا يوجد ما هو مهم وإبداعيّ أكثر من دانتي حين يقرأ وصف الجحيم المستعرة على بوابتها، إذ لا يوجد إمكانية شعرية، كالتي في “أيها الداخلون، اطرحوا عنكم كلّ أمل” في باقي الأجزاء. أتذكر جملة لدوروثي سايرز، وهي واحدة ممن ترجموا الكوميديا، حيث قالت: “إن أردتَ فهم الكوميديا من قراءة الجحيم فقط، فكأنك تريد فهم باريس من صرفها الصحيّ” . أنا لا أوافق تشبيه الجحيم بالصرف الصحيّ، لكن سايرز تصوّر شيئًا جسيمًا وهو أهميّة الجحيم في سياق الكوميديا الإلهية كلها ليس لوحده فقط. حتى أن القارئ نفسه إن سُئل ماذا فَهِم من قراءة “جحيم دانتي” لا يستطيع الإجابة بشيء وهذا مما لا يُستغرب منه. أذكرُ فرحي عندما توّج فيرجيل دانتي لتحقيقه الإرادة “المتسقيمة الخالصة”، قائلًا له وهو يضع أوراق الغار على رأسه: “ولذا فإني أتوّجك على نفسك وأكللك”. لا يعرف من اكتفى بالجحيم هذا التوديع، إذ ستتكفل بياتريشى بمهمة إرشاد الحاجّ دانتي. وهذا المشهد في غاية الجمال حتى أن سيلفادور دالي رسمه بفرشاته بألوان تُشعرك بجلال وشعريّة هذا التكليل.

دانتي يحدّق في بهاء بياتريتشى – آري شيفر.

 

فيرجيل يكلّل دانتي بتاجٍ من أوراق الغار – سالفادور دالي.

 

لا أستطيع أن أقول في خاتمة هذا التحذير سوى لا تقرؤوا جحيم دانتي فقط. وبكلمات دانتي في الفردوس وهو يحذّر من يسير خلفه: “يا من تسيرون في زورقكم خلف سفينتي التي تتهادى بي وهي شادية، وأنتم تائقون إلى سماع إنشادي، ألا فلتستديروا لكي تعاودوا النظر إلى شواطئكم، ولا تخرجوا عرض البحر، إذ ربما تضلّون الطريق (…).”

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق