مراجعات

شهرزاد الرايس في «بغداد وقد انتصف اللّيل فيها» – جليلة الطريطر

محكيّ السّفر المعرفيّ

للقراءة بصيغة PDF: محكي السفر المعرفي – جليلة الطريطر

مقدّمة

بغداد وقد انتصف اللّيل فيها[1]“، هي حكاية حياة الرّايس الّسفريّة البغداديّة الّتي تجعلنا نسافر في الزّمان والمكان من أجل ان تستأنف حياة المؤلّفة الرّاوية، الآن وهنا، حكاية شهرزاد الجدّة الأولى- رمز الهويّة الأنثويّة الأمّ- الّتي استطاعت في لحظة غفوة ذكوريّة أن تنفذ إلى التّاريخ من خلال فرض صوتها الحكائيّ.

كيف يمكن أن نقارب خصوصيّة هذا التّماهي، ورهاناته الهوويّة بين حياة الشخصيّة الواقعيّة، وشهرزاد الشّخصيّة الخياليّة في ألف ليلة وليلة؟ هذا السؤال الجوهريّ يقتضي مساءلة المادّة الحكائيّة السفريّة في النصّ، وهي عموما قصّة سفر الشّخصيّة السّيرذاتيّة من بلادها الأمّ: تونس متّجهة نحو العراق طلبًا لاستكمال دراستها الجامعيّة في قسم الفلسفة بالجامعة العراقيّة في إطار بعثة طلاّبيّة رسميّة في السّبعينات من القرن العشرين. ولكنّ هذه المغامرة السّفريّة- على أهميّتها- لم تكن مجرّد رحلة معرفيّة لا غير، بل انتبهنا إلى أنّها محّضت أساسًا في مستوى الخطاب لإنتاج هويّة سرديّة مابعديّة مرتبطة عضويًا بإشكاليّة نحت الهويّة الفرديّة المؤنّثة؟

I – السّفر مقام عبور معرفيّ

انتظم موضوع السّفر في “بغداد وقد انتصف اللّيل فيها” كلّ مستويات إنتاج المعنى الحكائيّ، فقد بدا لنا موضوعًا مبنينًا للقصّة السّيرذاتيّة السفريّة، محدّدًا لأبعادها الأجناسيّة فضلًا عن مرجعيّاتها التوثيقيّة، وأبعادها الهوويّة في آن. لذلك ننطلق من تفحّص السّفر باعتباره مقامًا إطاريًا حاضنًا للأسئلة الّتي وضعناها. وهو يتشكّل في مستويين متداخلين، ومتعاضدين: السّفر في المكان، وهو مقام عبور معرفيّ يحضن حكاية ترقّي الشّخصيّة في مدارج العرفان من أجل استكمال طور مفصليّ في تكوينها العلميّ: المرحلة الجامعيّة بكلّ ملابساتها الثّقافيّة، والسياسيّة، والعلميّة، والسّفر بمعناه المجازي، وهو مقام ارتحال ثقافيّ يشتغل نصيًّا باعتباره بوّابة استنطاق للذاكرة الرمزيّة العربيّة من أجل إعادة إنتاج هويّة سرديّة حواريّة، مثّلت المشروع القاعديّ المحرّك لكتابة الذّات الأنثويّة لدى حياة الرّايس.

السّفر في كتابات الذّات، وبالأخصّ منها كتابات السّيرة الذّاتيّة العربيّة التّأسيسيّة مثّل ركيزة جوهريّة في إستراتيجيّات إنتاج الحكاية السيرذاتيّة الفرديّة ومقاربة أبعادها الهوويّة المخصوصة، يكفي أن نذكر في هذا المقام أيّام[2] طه حسين، أو سبعون[3] لميخائيل نعيمة، أو زهرة العمر[4]لتوفيق الحكيم. السّفر كان في كلّ هذه المحكيّات، سواء كان سفرًا محليًّا، مثل انتقال طه من القرية إلى الأزهر، أو سفرًا إلى الخارج، مثل الانتقال إلى فرنسا أو أمريكا، أو غيرها من البلدان الأجنبيّة، لحظة تحوّل قصوى في تاريخ الشّخصيّة الفرديّة، بل نستطيع أن نقول إنّه كان لحظة تحوّل قصوى في مسارات الـتاريخ العربيّ الحديث أيضا، لأنّه مثّل منعرجًا فكريًّا ومعرفيًا بما فتحه من آفاق حداثيّة رحبة في أفق جيل مصلح رائد، كان السّفر خارج حدود المألوف يتيح له إعادة استكشاف ذاته من خلال الانفتاح على الآخر الغيريّ المختلف.

السّفر منح هؤلاء عينًا أخرى، عينًا كانت تعاين، وتقارن وتستنتج في نطاق ثنائيّة قارّة: الغرب المتقدّم، والشّرق المتخلّف، لذلك كان سؤال العبور المعرفيّ لدى هؤلاء الأعلام هو كيف نستفيد من الترقّي المعرفيّ، ونوظّفه في البلاد العربيّة؟ في هذا السّياق لا يمكن ألاّ نشير كذلك إلى رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) الّذي كان تعيينه على رأس البعثة الطلاّبيّة المصريّة إلى فرنسا باعتباره مرشدًا دينيًا مناسبة استثنائيّة لتحولّ معرفي غنمنا منه مؤلّفه الشهير، تخليص الإبريز في تلخيص باريز. ففي كلّ هذه الحالات كان السّفر مقام عبور معرفيّ، لأنّه ليس سفرًا استطلاعيًا بحتًا، ولا سفرًا لطلب المتعة، بل سفرًا رسميًّا لاستكمال طور من أهمّ أطوار التحصيل المعرفيّ، ألا وهو الطّور الجامعيّ. السّفر حضر بالنسبة إلى السّير الذاتيّة المذكورة باعتباره مكوّنًا من مكوّنات محطّات اختبار الأنا للعالم، وبالتّالي فهو اختبار للأنا أيضًا. وهو يندرج دائمًا في السيرة الذاتيّة ضمن مرحلة الشباب ممثّلًا قطب الرحى فيها، ويكون بعد استعراض محكي الطّفولة. إنّه مقام حكائيّ وسيط في السّيرة الذاتيّة، لأنّه يصل بين براءة الطّفولة، ونضج الكهولة الّتي تغتني بالترقّي المعرفيّ، فتتهيّأ الشخصيّة السّيرذاتيّة لاستكمال أدوارها الاجتماعيّة الكبرى.

السّفر المعرفيّ لم يشكّل في كتابات الذّات عمومًا نصًّا مستقلاًّ بذاته أجناسيًا، وهو مختلف عن نصوص سفريّة ذاتيّة أخرى مثل، أدب الرحلة، أو دفاتر السّفر، وذلك من جهة كونهما يرصدان في أغلب الحالات مسارات الرحلة الوقائعيّة بما تنطوي عليه من أحداث ومشاهدات، وانطباعات مكانيّة، باعتبارها غاية الكتابة الّتي لا تتطلّع جوهريًا إلى صهر السّفر بمقتضيات مساءلة الهويّة الفرديّة وتمحيصها- وهو ما سنعود إليه لاحقًا-. لذلك نعتبر نصّ “بغداد وقد انتصف اللّيل فيها” نصًّا ذاتيًا خلافيًا من هذه الناحية الأجناسيّة: فخلافًا لما وسم به في عنوانه الفرعيّ الّذي ينصّ على كونه رواية، لا نعدّه كذلك، لأنّه شفع بمعاقدة مرجعيّة ذاتيّة واضحة وسمته بكونه “رواية سيرة شخصيّة، وسيرة مكان” وأسبغت عليه في الآن صفة “وثيقة ثقافيّة واجتماعيّة، وسياسيّة وحضاريّة على العصر”. وفي واقع الأمر هذه التّحديدات الأجناسيّة غير صارمة، بل ومتناقضة أصلا، لأنّها تعكس تجربة كتابيّة انطباعيّة، لا وضعيّة تصنيفيّة استقرائية خاضعة لمعايير كليّة، وجزئيّة دقيقة، وهي وظيفة نقديّة أساسًا. لهذه الأسباب نرى أن هذا النصّ يمكن تجنيسه بكونه محكي سفر معرفي[5] لم تستغرق مدّته الحكائية أكثر من بضع سنوات، وهي السنوات الفاصلة بين مغادرة الوطن/تونس إثر الإحراز على شهادة البكالوريا (1977-1978)، والزواج مباشرة بعد إتمام الدراسة الجامعيّة(الثمانينات).

رحلة الترقّي المعرفيّة، أو العبور المعرفيّ، مثّلت بامتياز المادّة السّرديّة الأساسيّة الّتي نسجت من تقاطعات خيوطها المتشابكة الحكاية السّفريّة. هده المادّة يمكن ضبطها في مستويات التوثيق المختلفة المسرودة: التوثيق للفضاءات الجامعيّة، لمواضيع المعرفة، للفاعلين المعرفيين من أساتذة، وطلبة، وأعلام كان لهم صوت متميّز في الأدب، والفكر، والصحافة. لذلك يمكن وصل هذه المكوّنات بما نسمّيه بالتّجربة المعرفيّة الفرديّة في سياق بغداديّ كان جديدا كلّ الجدّة، بالنسبة إلى فتاة تونسيّة عشرينيّة تغادر تونس للمرّة الأولى في حياتها لاختيار مآلها الدرّاسي، وتحقيق أحلامها العلميّة. وجدير بنا أن نلاحظ في هذا الصّدد، أنّ الرّحلة المعرفيّة البغداديّة لا يمكنها أن تطمس مقدّمتها الضروريّة، وهي الرحلة المدرسيّة المصغّرة في تونس الّتي اقتضت منذ البداية مغادرة المنزل العائليّ من أجل تحديد تموقع معرفيّ مركزيّ يوازيه تموقع مكانيّ ثنائيّ : لقد كانت المؤلّفة الراوية تقطع يوميًا مسافة لا بأس بها من أجل ان تبلغ مدرسة “الحبيب ثامر” الكائنة في ضاحية “باردو” البعيدة نسبيًا عن حيّها السكني”السانتارين”،بدلا من الالتحاق بالمدرسة الأقرب، مدرسة “جون ماسي” الفرنسيّة، لأن والدها كان يصرّ على أن تتلقّى تعليمًا عربيًّا. وقد واصلت فعلًا تعليمها الثانوي بمعهد “نهج الباشا” الواقع في المدينة العتيقة غير بعيد عن جامع الزيتونة المعمور، ولكنّها كانت في الآن ذاته تتطلّع إلى تجاوز نطاق المدينة العتيقة إلى المدينة العصريّة، المدينة الممنوعة، لأنّها حاملة للبصمة الفرنسيّة الاستعماريّة من وجهة النظر الأبويّة. هكذا بدأت الحكاية المعرفيّة، تنقلاًّ محدودًا في المكان، ولكنّه مشكليّ، وموجّه أيديولوجيًا. كان تقسيم المكان الثّنائيّ (مدينة عتيقة/مدينة عصريّة) هو بداية تذبذب السّفر المعرفيّ، وخضوعه لاختيارات السلطة الأبويّة المحافظة الّتي كانت تقرن هذه الثنائيّة بتنافر ثقافيّ، بين ثقافتين متجاورتين، ومنفصلتين في آن. فالفضاء العتيق كان يعتبر متناغمًا مع مرجعيّات ثقافيّة عربيّة إسلاميّة، في حين كان الفضاء العصريّ يحيل على نمط الحياة الغربيّة:” تغريني المطاعم والمقاهي المتناثرة وراء الأشجار المصطفّة على جانبي شارع “الحبيب بورقيبة”: امتداد شارع فرنسا وقلب تونس ورمز تونس الحديثة ثمّ اكتشفت دور السينما العديدة في العاصمة، وصرت أخطّط مع صاحباتي لفلم آخر الأسبوع سرّا طبعا. هناك عرفت قوما آخرين “آني جيراردو”، و “ألان دولن”، و “شايلا”، و”بريجيت باردو”…نجوم السبعينات”(53). الرحلة المعرفيّة بداية من الطّفولة إلى سنّ المراهقة، كانت رحلة تنقّل داخليّة تستقطبها ثنائيّة الشّرق والغرب، تونس العتيقة، وتونس المحمّلة بالطابع الثقافيّ الغربيّ. وهو ما سينعكس لاحقًا على مرحلة السّفر الطلاّبيّة، ورهاناتها المكانيّة، والثّقافيّة. فالرحلة البغداديّة مثّلت في المحكي السّفريّ أكثر من فرصة تعاون ثقافيّ بين تونس والعراق أتيحت للمؤلّفة، إذ كانت امتدادًا مكانيًا، وثقافيًا لرحلة البدايات داخل انقسام الفضاء المديني المحليّ ذاته. وممّا نؤكده في هذا الصّدد، هو تميّز المحكي السّفري المعرفيّ- مثلما استقرأناه في النصّ- بهذا التّرابط العضوي بين مختلف مراحل العبور المعرفيّة بدءًا من الطفولة مرورا بالمراهقة وصولًا إلى مرحلة الشّباب. وهي ظاهرة لافتة تدلّ على أنّنا لسنا مطلقًا إزاء محكي طفولة بالمعنى الأجناسيّ المتواتر في بدايات السيرة الذاتيّة، ذلك أنّ المادّة الطفوليّة في هذا المحكيّ السفريّ المعرفيّ لا تحضر إلاّ بالمعنى الترابطيّ الّذي ذكرناه، فلا تشتغل باعتبارها قاعدة رحميّة يراد استحضارها كلبنة تكوينيّة أولى تفسّر حلقات تكوّن تاريخ الشّخصيّة، وتبلورها التّدريجيّ في الزّمان والمكان. لقد أخضعت الحيثيات الطّفوليّة من حيث موادها الحدثيّة (الذكريات المدرسيّة، المحيط الأسري، عقليّة الأقرباء…)، والخطاب المصاحب لها لخدمة التدرّج المعرفيّ وتفسير مراحله، وعراقيله، وتوجّهاته الأساسيّة، وهو ما أضفى على الحكاية السفريّة المعرفيّة سمة الترابط العضويّ في مستويي الانتقاء الحدثيّ، والتّرابط التأليفي.

هكذا ظهرت مرحلة التّمدرس الأولى بمظهر المهاد الّذي هيّأ للرحلة الطلاّبيّة البغداديّة، بل أظهرتها الكتابة بمظهر الحتميّة التّاريخيّة استنادًا لأسبابها الموضوعيّة، وفي المقابل كانت المرحلة المذكورة تسعى تدريجيًا إلى طمس الرحلة السفريّة الموازية التي ضربت بجذورها في المدينة العصريّة: الرحلة السفريّة الباريسيّة. وقد حضرت في المحكي دالًّا بلا مدلول كناية عن إفراغها من محتواها الرحليّ المحسوس، إذ بقيت معلّقة بين الوهم والفراغ، لأنّها أجهضت، أجهضها انتصار الرحلة البغداديّة عليها. وقد بقي المحكي إلى نهايته وفيًّا لهذا الغياب، فالسّفر إلى باريس تمّ بعد الزّواج، بعد انتهاء المرحلة الطلاّبية: “وسافرنا إلى باريس، وهذه رواية أخرى…؟”[6]

أمّا عن الرحلة البغداديّة في ذاتها، فقد اتّسمت مادّتها الحكائيّة السطحيّة بتوزّعها على عدد من الفصول ذات الصبغة التوثيقيّة أساسًا، لأنّها محّضت للكشف عن أهمّ مرجعيّات المكان الزّمانيّة والمكانيّة، والفواعل المتحرّكين فيه، فضلًا عن المعارف المحدّدة لأفق المؤلّفة الراويّة العلميّ. لذلك كلّه مثّلت هذه المرحلة، مرحلة عبور جوهريّة، لأنّها كانت ستحدّد الشّخصيّة الثّقافيّة لحياة الرايس الأديبة والصحفيّة التّونسيّة المعروفة اليوم. فالفصل المعنون ب بين الفلسفة والأدب[7]   يبرز بما لا يدعو إلى الشكّ سبيلًا التّرابط العضوي الّذي لمسناه بين مشاهد الطفولة، وأسئلتها المعرفيّة والاختيارات الّتي قام عليها العبور المعرفيّ لاحقًا : فالخيار الفلسفيّ بدا ردّة فعل على طغيان التّفسير العائليّ الخرافيّ للظواهر الإنسانيّة، والكونيّة في ذهن الشّخصيّة الّتي أرادت أن تعبر إلى العقلانيّة عن طريق اتّخاذ الفلسفة توجّهًا معرفيًّا، ولكنّها في ذات الوقت لم تكن لتراها مناقضة للأدب الّذي مثّل منذ صغرها حلمها الكامن : «حسمت أمري لصالح دراسة الفلسفة ربّما للوصول إلى “الحقيقة”، وطمعًا في أجوبة عن أسئلة البدء، والموت، والقبر والوجود، والماوراء، وحقيقة الكون…”[8]، وفي سياق آخر : «اخترت الفلسفة أيضا للمصالحة بين لغة الفلسفة ولغة الأدب بين لغة العقل، والتحليل المنطقي ولغة الوجدان والعاطفة الإنسانية”[9].

 

كانت الحياة الجامعيّة الّتي عاشتها المؤلّفة الراوية في العراق بمثابة إطلالة واسعة على فسيفساء عربيّة ثقافيّة وسياسية، وإنسانيّة، وذلك بحكم اختلاط الجنسيّات العربيّة في الحرم الجامعيّ الّذي استقطبهم جميعًا في فترة كان فيها العراق من البلدان العربيّة الرائدة معرفيًا، وهو ما أتاح لها توسيع آفاقها وخبرتها المحدودة بالعالم العربيّ  وبمشكلاته واتّجاهاته من خلال المجتمع الطلاّبي المصغّر الّذي اختلطت به يوميًّا بجنسيه، ذكورًا وإناثًا. وإذا ما تجاوزنا المقامات النصيّة المتعدّدة الّتي كرّست للتوثيق للحياة اليوميّة في المبيت الجامعيّ، وكذلك تسرّب حزب البعث العراقيّ إلى البيئة الطلاّبيّة، وما كانت له عمومًا من سلطة بلغت مبلغ الترويع لمنتقديه، فإنّ أهمّ ما يستوقفنا في هذه المرحلة هو التوثيق لبدايات العبور الحقيقيّ للتموقع الأدبيّ والثّقافي في الحياة العامّة، أي خارج نطاق الترقّي المعرفي الجامعيّ. وهو ما مثّل لدى الراوية الخيط الرّفيع الّذي كان يشدّها إلى حلم حياتها منذ نعومة أظفارها: أن تصبح أديبة مشهورة. امتهان القلم سيكون مؤشّرًا على تحوّل جذريّ يمثّل عبورًا من مقام المتعلّمة إلى مقام الفاعلة الثّقافيّة:” كنت مغرمة بالأدب وكان مشروع حياتي الّذي رسمته منذ صغري. منذ السنة الأولى جامعة بدأت أبحث عن مجلة، أو جريدة تحتويني لأضمّنها أفكاري، وخواطري بشأن عدة مواضيع كانت تشغلني…”[10]. ففي هذا السياق كانت حياة الرايس الطالبة ترتاد صحبة صديقتها روعة اللبنانية الطالبة بقسم الإعلام، دار الجماهير للصحافة الكائنة في منطقة الوزيريّة، وهناك تتلمذتا على يدي نافع الملاّح رئيس مجلة ألف باء الأسبوعيّة، والأستاذ ماهر فيصل من أجل القيام بتحقيقات وحوارات، وكتابة خواطر، ومقالات”، وشخصيا أنا أدين ببداياتي لمجلة ألف باء الّتي لم أنقطع عن الكتابة بها حتّى عندما عدت إلى تونس في أواخر الثمانينات سنة (1989) بالذّات. وكان قد عهد إليّ بطلب منهم (وقد استوى عودي الأدبي) بكتابة ركن أسبوعي عن بعض قضايا الأدب والفنّ سميته “كتابة على الكتابة””[11]. وقد أتاحت هذه التجربة للمؤلّفة الراوية فرصة ثمينة جدّا للتّعرف إلى أديبين مشهورين، جبرا إبراهيم جبرا، وعبد الرحمن منيف المقيمين في العراق. وقد خصّتهما بفصلين: ” جبرا المقدسي البغدادي”، و “الدكتور عبد الرحمن منيف”. فصلان مثّلا سيرتين مكتنزتين لعلمين تحوّلا إلى رمزين[12] لحلمها الأدبيّ. وبذلك لم تكن الرحلة البغداديّة مجرّد رحلة تعليميّة يراد منها تحصيل شهادة أدبيّة، لقد مثّلت خاصّة الشوط الّذي قطعته الشّخصيّة من أجل تحقيق ذاتها، وهو تحقيق دلّ على أنّ السّفر لم يكن يمثّل مدّة زمنيّة مغلقة، بل كان عنوان مسار متكامل، ترابطت حلقاته الزّمنيّة لأجل المضيّ قدمًا في إثبات الذّات، وهي تتلمّس مصيرها المأمول في الترقّي المعرفيّ، بما من شانه أن يضفي على حياتها في كلّ آن معناها الأعمق.

لم تكن حكاية حياة الرايس السفريّة لكلّ ما ذكرنا حكاية تستعرض أحداثًا، وتوثّق لمعيش يغطّي مسيرة طلاّبيّة مفعمة بالنشاط، والحركة، والتّطلع لاكتساب المعرفة فحسب، بل كانت حاملة فيما وراء نسيجها الحكائيّ السّطحيّ لمشروع هوويّ مشكليّ يراد تأصيل مسار الشّخصيّة المعرفيّ في معضلاته المتجذّرة في صراع الأنا الفرديّة المؤنّثة ضدّ الهويّة الجندريّة النمطيّة. وهو ما من شأنه أن ينزّل المحكيّ السّفريّ من هذه الجهة ضمن افق كتابات الذّات النسائيّة بالتّحديد. فما هي إذن سمات الصّراع في الخطاب ضدّ محدّدات الجندر، واستراتيجيّات إنتاجها في النصّ؟

 

2- السّفر مغامرة هوويّة

كتابة السّفر لا تبلغ بالسّفر مداه إلاّ متى كانت بذاتها نوعًا من السّفر في السّفر، أي مغامرة معنويّة تقوم على الوعي بأنّ السّفر هو في جوهره قادح لسفر في الذّات، وهو لا يكون كذلك إلاّ متى خرج من طور المعاينة، والتوثيق إلى مرحلة المساءلة، والتّفكير، والمقارنة بين الأنا والآخر. ولأنّ محكيّ السّفر المعرفيّ في نصّ حياة الرايس هو في العمق تجربة كتابيّة سيرذاتيّة لا تطرح فيها مسألة الهويّة الفرديّة بمعزل عن الهويّة الجندريّة الأنثويّة، فإنّه تجلّى لنا منذ الصفحات الأولى باعتباره مغامرة لتحقيق الذّات في سياقات معرقلة لاكتساب المرأة لسلطة المعرفة، فكان من الضروري مواجهتها، وتذليل صعوباتها من أجل أن يكون السّفر في المكان، هو سفر لتحقيق الذّات، والعودة إليها بامتياز.

كتابة السّفر بالمعنى المذكور آنفًا، هو فعل ما بعد سفريّ، أي إعادة إنتاج لرحلة مكانيّة في رحلة كتابيّة لغويّة. لذلك رفعت المؤلّفة الرّاوية في التّصدير لافتة الإبداع عالية ” فالمكان لمن يبدعه والزّمان لمن يبتعثه حيًّا، نبضًا خافقًا بيني وبينك أيّها القارئ، وذاكرة مشتركة تقرّب بيننا”[13]. لافتة الإبداع تشتغل هنا على قاعدة الذّاكرة المشتركة لتكون علامة على أنّ الرحلة السّفريّة الوقائعيّة ستتحوّل إلى رحلة كتابيّة، هي بالأساس رحلة ثقافيّة في الذاكرة وبواسطتها، رحلة لا يكتمل معناها إلاّ في نطاق مقام حواريّ جامع بين المتكلّمة/ الكاتبة وبين شخصيّات المحكيّ، فضلًا عن المتلقّي/القارئ، – وهي في تقديرنا مسألة في غاية الأهميّة سنعود إليها-.

نحت الأنموذج الأنويّ[14] يمرّ حتما بقناة اللّغة، فهي المعبر الجوهريّ الّذي يصل المشروع الأنويّ بالآخر في نطاق تمثيلات، ومرجعيّات سفريّة معنويّة قبل أن تكون مكانيّة وقائعيّة. تضمين الخطاب السّفريّ صورة للذات، لا يكون إذن إلاّ بواسطة مشترك لغويّ غير بريء، وغير، محايد لأنّه موسوم، ومحمّل بمرجعيّات سابقة على الوجود الفرديّ، لا تملك المؤلّفة غير التموقع فيها، ومحاورتها. لذلك سنبرهن من خلال النصّ السّفري على أنّ كلّ هويّة سرديّة أنويّة(سيرذاتيّة) هي بالضرورة هويّة حواريّة، تستحضر أصواتًا غيريّة ضمنيّة، أو صريحة محمّلة بملابسات فكريّة، ومرجعيّات ايديولوجيّة، ونفسانيّة متنوّعة ثاوية في تضاعيف الكلم. فلا وجود لموقع محايد، أو بريء، أو بدئيّ يتمّ من خلاله الوعي بالذّات، وهو وعي لا يكون – مثلما نظّرنا له- إلاّ في اللّغة/ الكتابة.

” بغداد وقد انتصف اللّيل فيها”، لازمة تصدّرت النصّ السّفري. هذه الصدارة هي في آن صدارة لافتة العنونة، بما هي هويّة نصّانيّة كليّة، وصدارة تحتلّها العبارة بما هي فاتحة نصيّة[15]، تعلن عن مقام البداية، وتؤشّر على استراتيجيّات إنتاج الخطاب المرجعيّة، والإبداعيّة في آن. لذا فالسّؤال المطروح، هو كيف تمّ تفاعل المرجعيّات السّفريّة مع الإبداع الكتابيّ هنا تفاعلًا استراتيجيًّا متميّزًا في إنتاج هويّة ذاتيّة حواريّة؟

العبارة البدئية” بغداد وقد انتصف اللّيل فيها” تحضر باعتبارها استحضارًا لصوت المذيع الصادر عن جهاز الراديو داخل السيّارة الّتي نقلت حياة الطالبة ومرافقيها الثلاثة من المطار إلى أقسامهم الداخليّة بمنطقة «الوزيريّة”. ولاشكّ أن هذا الاستحضار اشتغل بوصفه قرينة مرجعيّة على واقعيّة المحكيّ دعّمها التّقويم الزّمنيّ: “في اللّيلة الفاصلة بين 6و 7 سبتمبر (أيلول) من سنة 1977. ولكنّ الأهمّ من ذلك هو أنّ استحضار الصوت المرجعيّ، كان خلافًا لما هو متوقّع من إمعان في الدّفع باتّجاه توسيع مسالك الإحالات الوقائعيّة على السّفر، نكوصًا عليها، وتحويلًا للاتّجاه من حيثيات السّفر المقاميّة الواقعيّة إلى عوالم الذاكرة الثّقافيّة العربيّة المخزّنة في الذهن، والمنحفرة بصورها الموروثة في تربة المخيال.

بغداد في الفاتحة النصيّة عبارة سحريّة واصلة، فاصلة: تصل من جهة بين بغداد/ المكان في السّبعينات، وبغداد العلامة/ مرجع الحضارة، والهويّة العربيّة الإسلاميّة الّتي تسكن في بطون الكتب، تعشّش في طيّاتها بألف صوت وصوت تلقتها الراوية، وتفاعلت معها في أسفارها القرائيّة. بغداد الواصلة علامة أفرغت من مرجعيّتها الآنيّة، فأضحت موصولة بمقام ثقافيّ تذكريّ غير قابل للاختزال المكانيّ، ولكنّ المؤلّفة الراوية ستحاوره من موقع مشروعها السّفريّ الهوويّ. هذا الوصل، هو في جوهره فصل أيضًا: تغييب مرجعيّات الوقائع السفريّة، واستحضار مرجعيّات المكان التّاريخيّة الماضية، وتحيينها بدلًا من الأولى. الخطاب السّفري تحوّل، وهو يولد كتابيًا إلى ضرب من الترحال اللّغوي: «ها إنّني أدخل بغداد من باب اللّغة الواسع”[16] باتّجاه حوار موسّع بين الذّات الكاتبة، والذّات المكتوبة، وهو يدور على مرأى، ومسمع من قرّاء تحوّلوا إلى شاهدين على قاعدة المشترك الثّقافي المتحكّمة بوظائف السفر الإخباريّة، إذ تعمل على صهرها في قراءة أنويّة تستمدّ مشروعيّتها من هذا التّقاطع الوظيفيّ بين الذاكرة الإخباريّة، والذّاكرة الثّقافيّة.

العبارة /اللاّزمة «بغداد وقد انتصف اللّيل فيها”، عبارة وقّعت قوّة البداية، ومقطعتها. فهي ترسم رمزيا الحدّ الهلاميّ الفاصل بين الوجود والعدم، لأنّ منتصف اللّيل هو زمن المرور، أو العبور إلى يوم جديد، يوم تبدأ فيه علامات الظلمة في الانقشاع تدريجيًا لصالح غدٍ جديد يطلّ بفجر جديد. لا يخفى هنا أنّ منطوق العبارة المرجعيّة تمّ تحويله في الخطاب ضمنيًا إلى رمزيّة الانبعاث المعرفيّ الّذي سيتحقّق للشّخصيّة المسافرة. والملاحظ هنا أنّ مرجعيّة العبارة تدخل في التحام رمزيّ حواريّ مع مرجعيّات ألف ليلة وليلة الحكائيّة، تستدعيها وتتناصّ حواريًا معها من خلال تحويل دلالتها الرمزيّة: شهرزاد كائنة ليليّة، صوتها ليليّ يغيّبه نور الفجر، في حين تبدأ حكاية حياة الراوية بعد منتصف الليل، كناية عن استقبالها لزمن جديد، سيبنيها معرفيًّا، وإنسانيًا. حياة الرايس هي الشّخصيّة التّاريخيّة البديلة من شهرزاد الّتي لم تستطع مواجهة النور بأحلامها، وطموحاتها العميقة في أن تعيش حياة المرأة المريدة بذاتها. فظلّت كائنا ليليًا يتسربل بالظلام، هي صوت مخاتل، لم يبلغ مبلغ التحرّر من سلطة الذكورة متمثّلة بعنف شهريار. هذا الالتحام بين المرجعيّ والرمزي يعبّر -في نظرنا- عن أدبيّة المرجعيّ في كتابات الذّات الّتي تتشكّل في التقاء نظام المتخيّل الثّقافي بالمرجعيّ، لقاءً حواريًا رمزيًّا، لا يقترن بمقولة التّخييل الكاذب أبدًا. فتخييل المرجع يعني- في تصوّرنا- إضفاء أبعاد دلاليّة رمزيّة على المرجع التّاريخيّ، تجعل منه مقامًا نصيًّا لحواريّة تناصيّة تتعالى عن مبدأ التحقيق في صدقيّة الخطاب التاريخيّة. هذه الحواريّة تزداد اتّساعًا في نسيج النصّ، وذلك عندما تصبح العبارة المقولة “بغداد وقد انتصف اللّيل فيها”، حافزًا على استدعاء أزمنة تاريخيّة موغلة في القدم، تظهر بمظهر تداعيّات ثقافيّة تعبّر عنها الذاكرة القرائيّة للمؤلّفة الراوية. لذا يمكن أن نقف على عدد من الجداول الّتي مثّلت تقاطع السّفر الثّقافي مع السّفر الواقعيّ، وحلوله فيه حدّ طمس مرجعيّات الواقع السفريّة أحيانًا، وذلك بوساطة لغويّة: جدول ثقافي أدبيّ يحيى أعلام الفكر والإبداع العربيين الّذين تركوا بصمتهم المنغرسة في التربة اللّغويّة في الأجيال المتعاقبة. السّفر اللغوي يشتغل هنا باعتباره مقامًا حيويًا لهذا التّقاطع: ” كالعلامة الّتي تسبق ضوء المسافات، تفتح باللّغة منارة وطريقًا…أفترش حروفها حريرًا وثيرًا ورنّة منغّمة في رخاء اللّيل…وأستلقي رافلة في أرض المتنبي والتوحيدي والجاحظ ببيانه وتبيينه، فتتبدد غربتي. من قال إنّني أهاجر من بلد إلى بلد؟ لست أقيم سوى في اللغة وأسكن بين الحرف والمفردة وأتوسّد الجملة وأتبسّط وسع الفواصل والنّقاط…؟[17].

جدول السّلطة، وتتداخل فيه سلطة الذكورة، بسلطة السّياسة والمعرفة، والدّين:” أبي كان يحنّ إلى بغداد مركز الخلافة الإسلاميّة. بلاد هارون الرّشيد وبيت الحكمة والجامعة المستنصريّة والنّهضة العلمية الحديثة، والشرق المتمسّك بدينه في مقابل الغرب المتفسّخ”[18] وفي سياق آخر تستحضر الراوية من جديد “هارون الرشيد يبسط سلطانه على العرب والعجم”، وتستحضر صوته من خلال قولته المأثورة مخاطبًا سحابة” أمطري حيث شئت فخراجك كلّه عائد لنا”[19] هذا فضلًا عن استدعاء شخصيّة أبيه المهدي، وسيّافه “مسرور” إيحاء بالمرجعيّة الحضاريّة العربيّة الإسلاميّة لبغداد، وتوسيعًا لحضورها النصّي. والملاحظ في هذا الصدد، هو تماهي صوت المؤلّفة الراوية مع قيم التفوّق، والسلطة الحضاريّة العليا الّتي يحيل عليها التداعيّ الاسترجاعيّ للأصوات الغابرة، والشّخصيّات، بما من شانه أن يدلّ على أن ّ صوتها السيرذاتيّ الفرديّ يتراجع في هذا السّياق أمام صوتها الثّقافي الرمزيّ الذي يستعيد تمثيلات الماضي المجيد في الذاكرة الجمعيّة التاريخيّة العربيّة، استعادة انبهار مطلق تتعارض جوهريًّا مع نزعة التفوق، والاستعلاء الّتي يشف عنها صوت هارون الرشيد مثلًا.

جدول عوالم الحكايات الخياليّة، ورموزها المتجذّرة في المخيال العربي ممثّلة في شخصيّة شهرزاد “الأمّ النسوية” الأولى، وهي الّتي ستتماهى معها الراوية بمجرّد استدعائها لغويًا في حضرة النّص، لكي تعلن بذلك عن اندراج الرحلة السّفريّة البغداديّة في مرجعيّتها النّسائيّة الرّمزيّة الممثّلة لجوهر مشروع التّحوّل الهووّي المخترق لكلّ طبقات السّرد” وأنا كنت أظنّ أنّني سأسافر إلى بلاد شهرزاد لمواصلة الحكاية…وشمّ عبق ألف ليلة وليلة وتتبّع مساربها ودروبها السّاحرة”[20]. وهو استدعاء من شانه تأصيل الأنا المشروع في أرضيّته التراثيّة الّتي تجعل من تجربة شهرزاد ملحمة مستمرّة عبر التّاريخ، لأنّها ستكون الواحدة المتعدّدة من خلال حفيداتها اللاّتي “سيواصلن الحكاية” “. لذلك حياة هي إحدى الصور التّاريخيّة البديلة من شهرزاد الجدّة، ف”شهرزاد الرايس“، هي كناية عن حلول حياة في شهرزاد، وتجدّد شهرزاد عبر الزّمن في حياة. وعلى ذلك تكون الرحلة البغداديّة في العمق استئنافًا رمزيًا لصوت راوية ألف ليلة وليلة، لأنّ تاريخ المحنة النّسائيّة لم ينته بعد، ولكنّه تاريخ يواصل معركته التحررّية انطلاقًا من بذرة الحكي الّتي زرعتها الجدّة/ الأمّ، وآمنت سليلات الحكّاءة الأولى بضرورة رعايتها واستثمارها. هذه البذرة هي الصّوت الأوّل الّذي لم ينجح فقط في التّعبير عن وجوده حتّى يكون للمرأة الحقّ في أن تتكلّم وتسمع، بل هو الصوت الأوّل أيضا الّذي أفسح للمرأة مقاما كلاميّا في دائرة الثّقافة المسكونة بأصوات الذكورة المهيمنة. انتصار شهرزاد الحقيقيّ لم يكن نجاتها من الموت الحقيقيّ، إنّه كان انتصارا على الغياب: غياب المرأة من الثّقافة، وعدم حوزتها لتموقع فيها من جهة الفاعليّة، لأنّها لم تكن أكثر من موضوع فيها، مثلها في ذلك مثل مواضيع أخرى، كان الرّجل الكاتب هو القادر وحده على إنتاجها ضمن رؤيته الذكوريّة المهيمنة على العالم.

لذا فإنّ مفهوم العبور المنتظم للرحلة البغداديّة، هو من الجهة المذكورة عبور رمزيّ بدرجة ثانية، فالمعرفة ممثلة بفعل الكتابة تعني أساسًا العبور من التنكير إلى التعريف، من الغياب إلى الحضور، من المفعوليّة إلى الفاعليّة: هو ذاك ما عبّرت عنه المؤلّفة الراوية بالعبور إلى الخلود. وهو عبور يختصّ بكونه ليس فرديًّا محضًا، وإنّما هو فرديّ داخل النّوع الاجتماعيّ، فالمرأة العربيّة الحديثة رغم كونها اجتازت مقام الحريم المكانيّ، وثارت على التّمثيلات المرتبطة به إلى حدّ ما، فقد ظلّت إلى اليوم مكبّلة بالإرث الحريميّ الرمزيّ[21] الّذي يطاردها في الواقع الاجتماعيّ اليوميّ، فضلًا عن سلطة المخيال الذكوريّ التمثيليّة المهيمنة على عوالم التّواصل والثّقافة، والمؤثّرة حتّى في تمثيل الّذات الأنثويّة لذاتها. شهرزاد الحكّاءة استغلّت هذا المخيال، ووظّفته لنجاتها، ولكنّها لم تغيّره، لم تغادره بحثًا عن تأسيس مخيالها وعوالمها. كانت تستعمل استيهامات الذكورة مخدّرًا في حكاياتها، تتّقي به شرورها إلى أن يخمد لهيبها وقتيًا. الحكاية هي القربان الّذي افتدت به شهرزاد نفسها، ورغم خلودها الحكائيّ، فقد شغلت عن نحت ذاتها بالاستغراق في تكريس التّمثيلات الّتي كانت سببًا في نفيها عن ذاتها، وهل كان لها غير ذلك الحلّ، وهي التي لم تغادر يومًا الحريم؟ حياة الرايس، مثلها في ذلك مثل كاتبات عربيّات عديدات، من أمثال نوّال السعداوي خاصّة، كانت ترى أنّ مشروعها الهوويّ لا يكون مشروعًا تحرّريًا بالمعنى الحقّ إلاّ في نطاق تحرّر داخل النّوع، أي تخطيّا لمعوّقات الهويّة الجندريّة الماقبليّة الّتي تحصر أدوار المرأة في وظائف بيتيّة وزوجيّة تدفع إلى إقصائها داخل الفضاءات الخاصّة الحميمة، بعيدا عن المكتسبات المعرفيّة الّتي تفتح بواسطة الكتابة عوالم الفكر، والجمال الفنّي، وتفضي إلى الخلود. وقد لجأت الراوية إلى حشد رموز الخصب السّومريّة: “عشتار” ربّة الخصب والحبّ، “جلجامش” الباحث عن عشبة الخلود، وذلك من أجل توسيع مرجعيّات الخلود الّتي تستند إليها، وتوظيفها باعتبارها تمثيلات بديلة تمكّن عبر توحّدها بها من مواصلة حكاية شهرزاد غير المكتملة، وتأصيل الذّات الفرديّة في أبعاد أسطوريّة تلّح على الانبعاث الذّاتي. وفي ذلك تأكيد لأدبيّة كتابة الّذات الّتي لا يتنافى فيها استحضار المتخيّل الأسطوري مع الواقع المرجعيّ، بل نراه يغذيه ويبنيه في مقام ثقافيّ يستوعبه، باعتبار أنّ الأساطير هي في جوهرها تمثيلات وأقنعة لأفكار.  ولابدّ هنا من أن نشير بوضوح إلى أنّ كلّ كتابات الذّات النسائيّة قد اصطدمت بفقدان المرجع المؤسّس لبناء الذّات الأنثويّة ثقافيًا، ورغم استغلال شخصيّة شهرزاد، فإنّ بعض الكاتبات استخلصن طه حسين باعتباره يحتلّ مقامًا رمزيًا اعتباريًا استثنائيًا في الثقافة العربيّة الحديثة الّتي برز فيها بصورة أيقونة المفكّر الحرّ الّذي كرّس قلمه من أجل محاربة عديد مظاهر التخلّف الفكريّة، والمجتمعيّة. ففي هذا السّياق الجندري العامّ الّذي يحضر بقوّة في الخطاب تتحوّل حياة الرايس إلى صوت نسائيّ جمعيّ، يعبّر بالنيابة عن الثّأر من تاريخ المظلمة النسائية:” لن أخذلكنّ نساء (العيلة) أبدًا”[22]رحلة العبور لن تكون رحلة شخصيّة فرديّة، بل رحلة شخصيّة بالنيابة تطالب بتغيير تاريخ النّوع (النساء). صوت الراوية هو صوت الواحدة المتعدّدة، وهي سمة خلافيّة في كتابات الذّات النّسائيّة عمومًا، لأنّ الصوت الذكوريّ هو دائمًا صوت الواحد الكونيّ. ولهذا السبب تعطي المرأة الكاتبة في محكيّاتها الذاتيّة حقّ الكلمة لأصوات نساء محيطها المجهولات، المقصيّات ترسيخًا للذاكرة الجمعيّة النسائيّة، وإمعانا في التشبّث بحبل التّاريخ النوعيّ المشترك: ” سعد سعد وسعد سعد، وعندي بنتي خير من ألف ولد”، هكذا كانت تتغنّى بي «أمّي بيّة” كلّ صباح تضعني على ركبتيها تمشط شعري وتجدّل ضفائري…وأنا صغيرة”[23]. وهو ما يؤول إلى بوليفونيّة صوتيّة نسائيّة، من شأنها أن تنتج هويّة سرديّة حواريّة تتشكّل داخل مقولة النّوع الاجتماعيّ. حياة الرايس كانت تكتب قصّة عبورها من منطلق الوعي بأنّها حلقة في سلسلة نسائيّة مشتركة، ولكنّها حلقة مثّلت نقلة نوعيّة في تاريخ السلسلة، وذلك من خلال تمسّكها بالعبور المعرفيّ باعتباره قارب النّجاة الوحيد  الّذي يؤهّلها للخروج من الحياة المستهلكة الّتي تكون ضحيّتها نساء (العيلة) إلى حياة الخلود الّتي تبدأ مع القلم :” كنت أتابع حياة نساء «دار شعبان” وضاحية «باردو” فيما بعد في العاصمة مع جاراتنا، ونساء العائلة القريبات والبعيدات… لم أر شيئًا غير الإنجاب والطّبخ، ومسح الغبار عن الأثاث واستبدال الملاءات على المفارش ونشر الغسيل وجلي المواعين وتغيير الحفّاضات وتحضير الرضعات وتقشير الخضار وتحريك الطناجر والوقوف أمامها ساعات كي لا تحترق…خدمة للزوج والأولاد. و “هي” أين هي؟ كنت أبحث في صمت، وهلع عنها”[24]وفي موضع غير بعيد «وارتعبت من دوّامة الحلم المكرور الّذي يحصر كيان المرأة في وظائفها البيولوجيّة، ويقبر كلّ ملكاتها الإبداعيّة. ارتعبت لارتهان المرأة الكامل للأفراد الآخرين” 72. أليست هذه الأدوار الاجتماعيّة المكرّرة الّتي تستنزف النساء لحظة بلحظة هي دليل على أنّ شهريار بما هو رمز لسلطة ذكوريّة قاتلة، هو أكثر من شخصيّة خياليّة مريضة، لأنّ سلطة القيم الذكوريّة المتواصلة عبر التّاريخ -حتّى بأشكال نسبيّة- تبقى قائمة الذّات في العقليّات، والمواضعات الاجتماعيّة، والتنشئة، بما من شانه أن يكرّس شخصيّة المرأة النمطيّة الّتي تستهلك حياتها من أجل الاستجابة لضوابط سلطة النمط.” هدف الرّجل بناء نفسه ومكانته، هدف المرأة بناء الرجل ومكانته”، وما القولة المعروفة “وراء كلّ رجل عظيم امرأة عظيمة” إلاّ إشهار رمزيّ لضرورة تتويج المرأة بوصفها تابعة، وملحقة بالرّجل، فهي كائنة بالوصاية، وليست كائنة مريدة، فلا مكانة لشخصيّتها الفرديّة في نظام العالم. ولئن كانت شهرزاد قد استهلكت زمانها وكيانها في الحكي دون أن تعترض على وظائفها النوعيّة، فإنّ حياة الحفيدة كانت في مرحلتها التّاريخيّة قد بلغت مبلغ الوعي الحادّ بفرادة شخصيّتها الآدميّة المتعالية عن الوظيفة النوعيّة”، وهو ما يمثّل نقلة نوعيّة في تاريخ كتابة الذّات المؤنثة لذاتها في العصر الحديث. كان عليّ أن أخلّص نفسي وبنات جنسي من دوّامة دائرة الحلم المكرور هذه الّتي تختزلنا في آلة الإنجاب لم أكن أشعر أنّني معنيّة بتعمير الكون ولا بتأثيثه بالأرواح والأجساد، ولست وسيطة الامتداد البشري وشرطه الأساسيّ وراعيته ولا حارسة السلالات والتّكاثر على الأرض”[25].” كلّ شيء منذور للموت إلاّ ما كتب”[26]. المشروع الهووّي كان حاملًا لافتة “التخلّص من الإقامة الجبريّة في الآخر”[27]وفي المقابل برز العبور المعرفيّ باعتباره جواز السّفر الأوّل والأخير لتحقيق مشروع العبور الهوويّ” تشبّثت بمقعد الدّراسة”، وفي موضعين أخرين غير بعيدين “كالعنكبوت عشّشت بين الحرف والحرف”، ثمّ” مسكت بيدي على الحرف كالماسك على جمرة …وكما حمل “جلجامش” عشبة الخلود حملت الحرف ليكون الشّاهد الوحيد على الحضور بعد الغياب”[28]. كانت عبارة” كنت أريد أن أنجب ذاتي باستمرار كما أنجب الأولاد.. مشروع يخرجني من محدوديّة الوظيفة الجنسيّة إلى أفق الإنسان.” [29]عنوان تحوّل تاريخيّ في الوعي بامتدادات الذّات الفرديّة الأنثويّة، أسّس لقاعدة حراك نسويّة عربيّة  مشتركة منذ بدايات القرن العشرين، انخرط ضمنها خطاب المؤلّفة الراوية :فقد كان خطاب تحرّر المرأة العربيّة في كتاباتها الذاتيّة يعني لها التّحرّر من بوتقة النّوع الاجتماعيّ ،أو هويّة الجندر من أجل إثبات وجودها الفرديّ الإنسانيّ أساسا، وتحريره من كلّ إكراهات الأدوار الاجتماعيّة الموكولة إلى النساء، والّتي كان أغلب المصلحين المنادين بتحرير المرأة العربيّة ينظرون إليها باعتبارها من الأولويّات الداعية إلى إصلاح أوضاع المرأة العربيّة في العصر الحديث.

خاتمة

“بغداد وقد انتصف اللّيل فيها” محكيّ سفر معرفيّ تتجلّى فيه أهمّ خصائص كتابة الذّات النسائيّة العربيّة الحديثة: فهو يشتغل بالسّفر موضوعًا معرفيًّا، وتمثيلًا ثقافيًا يتنزّل أساسًا ضمن صراع الكاتبات العربيّات على اختلاف محكياتهنّ الذاتيّة وتنوّعها، ضدّ حتميّات أدوار النّوع الاجتماعيّ المفروضة عليهنّ، المقزّمة لأبعادهنّ الوجوديّة، وطموحاتهنّ المعرفيّة، والفكريّة. لذلك يندرج محكيّ سفر حياة الرايس المعرفيّ ضمن التوجّه النضالي النسويّ المتمركز حول مشروع تحقيق الذّات الفرديّة، من خلال العمل على تحريرها من قيود هويّة الجندر. لذا كانت هذه الرحلة السفريّة ذات وجهين متلازمين: رحلة اختبار حقيقيّة لجدارة المرأة، وكفاءتها في الاعتراك برهانات الحياة العامّة، ومشكلاتها اليوميّة، خاصّة وأنّ السّفر باعتباره انتقالًا في المكان من المعلوم إلى المجهول يمثّل فضاء تجريبيًا بأتمّ معنى الكلمة، فهو يضع المرأة وجهًا لوجه مع تجربة فريدة مع الغيريّة، والغربة خارج حدود العشّ العائليّ، وما يوفّره من أسباب الحماية، والدفء، والكفالة رغم محدوديّته. أمّا الوجه الثّاني، فهو مغامرة استعادة الذّات المستلبة، وإعادة بنائها وفق محدّدين اثنين: مقولة الفرادة، والإنسانيّة. لذلك ظهر محكي السّفر بمظهر مشروع هوويّ في العمق، يستنفر آليّات الكتابة السّرديّة، ويجذّر قصّة السّفر في تمثيلات، ومرجعيّات ثقافيّة، وحضاريّة من أجل إعادة تموقع الأنا ثقافيًّا واجتماعيًّا، وتمحيض المحكيّ لإنتاج هويّة سرديّة حواريّة تمنح الصوت الأنثويّ شرعيّة نوعيّة جديدة، لا تسقط في متاهات الإستيلاب الجندريّة، بل ترسم عن طريق الكتابة، وفيها مسار التّحرّر من مكبّلات الهيمنة الذكوريّة، المعشّشة في تضاعيف الحياة، والتّاريخ الثّقافيّ سواء بسواء. وهو ما يجعلنا نرى في مغامرة حياة الرايس السّفريّة أنموذجًا لما نصطلح عليه مجازًا بقطع «حبل السرّة الأبويّة” من أجل الانطلاق في معاشرة الحياة بمعيار الكائنة المريدة، بدلًا من الكائنة المطيعة.

إنّ مقولة الهويّة السرديّة الحواريّة- مثلما درسنا تشكّلاتها الصوتيّة- في تضاعيف المحكيّ تدعونا إلى تأكيد نتيجتين هامّتين انتهينا إليهما: أولاهما تتمثّل في أنّ هذه المقولة من شأنها أن تجذّر الوعي بالذات الفرديّة وجوبا في لعبة التّناص الحواريّة، بما في ذلك توظيف الاستراتيجيّة البوليفونيّة الّتي يتيحها التداعي الصوتي في المحكيّ. فالذّات “لا ترى ذاتها إلاّ في مرآة”، وما الأصوات إلاّ ضرب من المرايا المسموعة. أمّا ثانيتهما، فهي تدحض في نظرنا ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسيّ جورج غوسدورف[30]   G. Gusdorfمن أنّ خصيصة الملفوظ الذّاتي أيّا كان نوعه، تتمثّل في انغلاق دورته التواصليّة: فكاتب الذّات عنده يكتب ذاته بذاته ولذاته أوّلًا وأخيرًا. ولكنّ تحليل إنتاج آليّات الهويّة السّرديّة في الخطاب النّسائيّ يدلّ على أنّ استدعاء الآخرين إلى عوالم النصّ الذاتيّة شرط لابدّ منه لفهم الأنا، وتمييز فرادته من غيره أوّلًا، فضلًا عن أنّ مآل أغلب نصوص الذّات هو النشر. إنّ ما يسميه بول ريكور خضوع المحكي لمقولة التّأليف بين الظواهر غير المتجانسة، يشمل الأصوات غير المتجانسة الّتي تخترق مكوّنات الملفوظ السرديّ، وتؤثّثه. الأنا ليس في نهاية الأمر إلاّ خطابًا تشقّه خطابات متنوّعة تبني وجوبًا وعيه بذاته من خلال استحضارها، ومحاورته لها، والتموقع على نجو ما فيها. فباللّغة وفي اللّغة أنجبت حياة الرايس ذاتها بذاتها، ولكنّها كانت تهدف إلى الارتقاء بهذه الولادة إلى مستوى الحدث التّاريخيّ الّذي يبرهن للآخر بوصفه قارئا/ شاهدا مدى معاناة المرأة الكاتبة التّاريخيّة من أجل تغيير المواضعات الجندريّة التّمييزيّة المدمّرة داخل النّوع الاجتماعيّ للحريّة الفرديّة بما هي تعبير عن حقّ إنسانيّ مشروع، لا يحقّ لأيّ سلطة مصادرته. كتابة الذّات النسائيّة فعل احتجاج، ونضال يتّجه أساسًا إلى الآخر باعتباره شاهدًا، وفاعلًا تاريخيًا مسؤولًا في آن. فلا يمكن لهذا الفعل البراغماتي أن يستكمل معناه في نطاق دورة تواصليّة مغلقة، لأنّه توق إلى خلاص لن يتحقّق إلاّ بتغيير العقليّات، والتّمثيلات الاجتماعيّة التّمييزيّة بين الذكورة والأنوثة من أجل عالم أكثر عدالة، وأكثر حريّة.

 

 


[1]  حياة الرايس، بغداد وقد انتصف اللّيل فيها، ط،1، تونس، دار ميّارة للنّشر، 2018، 240ص.

[2] طه حسين، الأيام، ج.1، ط.5، القاهرة، دار المعارف، 1939.

[3] ميخائيل نعيمة، سبعون أو حكاية عمر (1889-1959)، بيروت، مؤسّسة نوفل، 3ج.، 1981.ط.1(1959)

[4]  توفيق الحكيم، زهرة العمر، ط.1، بيروت، دار الكتاب اللّبنانيّ، 1974.

[5] هذا التّجنيس هو وليد استقراء لوضعيّة النص المخصوصة بالنّظر إلى المنظومة الأجناسيّة الذاتيّة العامّة. وقد استنبطناه من النصّ استنباطًا لعدم وجود هذا التّجنيس في المنظومة المذكورة. أهمّ الخصائص الأجناسيّة لهذا النوع من كتابات الذّات هو، التبئير على قصّة الترقّي المعرفيّة الّتي تضرب بجذورها في الطفولة. اعتبار السّفر مرحلة أساسيّة لتحقيق هذا الترقّي، وحذف التّفاصيل السيرذاتيّة الّتي لا تخدم تفسير المسار المعرفيّ، وإبرازه في صورة محكيّ مترابط يصل بين مراحل اكتساب المعرفة وصولًا إلى تبلور التّوجه النهائيّ لفعل التحصيل. ارتبطت استراتيجيّات السرد في محكي السفر المعرفيّ لدى حياة الرايس بمشروع هووي نسوي يجعله يندرج ضمن توجّه الكتابات الذاتيّة النسائيّة عامّة الباحثة عن التموقع في الثقافة من خلال ممارسة الكتابة، وهي مشروطة أساسًا باكتساب المعرفة.

[6] الأثر، ص.237. يمكن الرجوع أيضا إلى فصلن باريس الحلم، ص.43.

[7] الأثر، ص. 55.

[8]  الأثر، ص.67.

[9] الأثر، ص.67.

[10] الأثر، ص.181.

[11] الأثر، ص. 186.

[12] نضيف إليهما سهيل إدريس. ولعلّ إصرار المؤلفة على تجنيس نصها في نطاق المؤشر الأجناسيّ بالرواية يعود إلى الرهان الأدبيّ الّذي ربطها بأعلام عصرها الأدباء.  راجع عتبة الإهداء” إلى روحي الرّوائيين جبرا إبراهيم جبرا، وسهيل إدريس، جبرا الّذي حرّضني على كتابة الرّواية، أوّل يوم رآني فيه، وسهيل إدريس الّذي انتظر روايتي طويلا ومات دون أن تنجز”، ص. 7.

[13] الأثر، ص.5.

[14]  نستعمل هذا التعريب مقابلا للكلمة اللاّتينيّة Ego

[15]  الفاتحة النصيّة، مصطلح اقترحناه لتعريب Incipit. راجع، جليلة الطريطر ” شعريّة الفاتحة النصيّة في ثلاثيّة حنّا مينه نموذجا”، علامات في النقد، مج.7، ج.29، سبتمبر 1996، ص ص143-178.

[16]  الأثر، ص.13.

[17] الأثر، ص10.

[18] الأثر، ص.13.

[19] الأثر، ص.14.

[20]  الأثر، ص. 13.

[21] فرّقت فاطمة المرنيسي بين حريمين: الحريم المكانبّ الّذي تحجب فيه النساء عن العالم، والحريم المعنوي الّذي تسمّيه لامرئيا، وهو عبارة عن إسقاط تمثيلات الحريم على المرأة حتّى وإن كانت غير محبوسة في الحريم المكاني” إذا تعلّمنا الموانع نحمل الحريم في ذاتنا، إنّه الحريم اللاّمرئيّ الموجود في رؤوسنا و”المسجّل في الجبين والجلدة””. راجع، فاطمة المرنيسي، نساء على أجنحة الحلم، تر. فاطمة الزهراء أزرويل، نشر الفنك، ص.71.

[22] الأثر، ص. 42.

[23] الأثر، ص.21.

[24] الأثر، ص.71.

[25] الأثر، ص.25.

[26] الأثر، ص.69.

[27] الأثر، ص.25.

[28] الأثر، ص.75.

[29] الأثر، ص.74.

[30] عبّر ج. غوسدورف عن انغلاق الدورة التواصيّة في كتابات الذّات من خلال قوله «لا تكون المعرفة بالذّات إلاّ فعلا موجّها من الذّات إليها”(نحن نعرّب). راجع:

  1. Gusdorf, Les écritures du moi, p.355.
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق