مقالات

خرافة المعطى وما بعد الحداثة

علي رضا

سلسلة المأزق المعرفي في الفلسفة التحليلية:

المقالات: 1، 2، 3، 4


ربما يبدو أن تصريح بوتنام: «إذا كان كواين محقًا، فإن رورتي سيكون محقًا»[1] غريبًا للوهلة الأولى بحكم انتماء كواين إلى فلسفة العلم، وانتماء رورتي إلى فلسفة ما بعد الحداثة. لكن بحث التاريخ الفلسفي الذي يستند إليه كواين يظهر هذا الأمر بجلاء. تحتوي فلسفة كواين داخلها بذور النسبية بنيويًا، سواء في حالة قضايا القيمة الخارجة عن مجال التنبوء التجريبي؛ كحال الأخلاق أو كحال القضايا الواقعية داخل الشبكات المعرفية إذا تساوت تنبؤاتها التجريبية، بحكم أن التطابق الكلاني[2] Holism يخفي الاختلاف الواقعي وراء حجاب الإطار اللغوي الذي يرسم التزامات النظرية الأنطولوجية، ثم الحقيقة الإبستيمولوجية المتمثلة في إقرار المرء بقضية معينة في ضوء القبول الاتساقي، والفائدة البراجماتية التي حصرها كواين في التنبوء العلمي فحسب.

من ثم يقول كواين: «يُظهِر عدم التحديد التجريببي للعلم وجود طرق مختلفة لتصور العالم يمكن الدفاع عنها»[3]. وهو ما يصل في تصوره الجذري إلى تساؤله «هل يمكن لثقافة أخرى، أو فصيلة أخرى، أن تتخذ خطًا للتطور العلمي بشكل مختلف جذريًا، مسترشدةً بمعايير تختلف بشدة عن ثقافتنا، ولكن تبررها نتائجها العلمية كما هو الحال بالنسبة لنا؟ وهل يمكن لهؤلاء الناس أن يتنبؤوا بنجاح ويزدهرون مثلنا؟ نعم، أعتقد أننا يجب أن نعترف بهذا كاحتمال من حيث المبدأ ؛ وأنه يجب علينا الاعتراف بذلك حتى من منظورنا العلمي، وهي وجهة النظر الوحيدة التي يمكنني تقديمها. أعترف أني سأتفاجأ برؤية تحقق هذا الاحتمال، لكن لا يمكنني تصور أي برهان قد ينفيه»[4].

لكن هذا الاحتمال المستند إلى «نسبية المخطط المفاهيمي ونسبية الحقيقة» قد يقودنا نحو الشكوكية، لأنه بدون معيار مستند إلى الحقيقة الموضوعية، قد يصل الاختلاف بين المخططات المفاهيمية إلى درجة جذرية تنعدم فيها إمكانية الترجمة بين النظريات وبين المتكلمين. وهو ما اعتبره تلميذه ديفيدسون Donald Davidson نتيجة لتمسك كواين بالدوجما الثالثة في التجريبية: ثنائية المعطى والنظام المفاهيمي. انطلق ديفيدسون في نقده هذا من تصور موضوعي للحقيقة، فيقول «من الخطأ أن نبحث عن تعريف سلوكي، أو أي تعريف صريح، أو أي اختزال لمفهوم الحقيقة. الحقيقة هي واحدة من أوضح المفاهيم وأكثرها قاعدية لدينا، لذلك من غير المجدي أن نحلم بإزالتها لصالح شيء أبسط أو أكثر جوهرية»[5]. لكن «إذا تبنينا إبستيمولوجيا صحيحة، فبإمكاننا أن نكون واقعيين في جميع النواحي. يمكننا قبول شروط الحقيقة الموضوعية بوصفها مفتاح للمعنى، وقبول نظرة واقعية للحقيقة، وأخيرًا الإصرار على أن المعرفة هي معرفة بعالم موضوعي مستقل عن فكرنا أو لغتنا»[6].

ليست «الإبستيمولوجيا الصحيحة» في نظر ديفيدسون هي التطابق مع الواقع، لأنها «تطلب من الحقيقة ما يتجاوز قدرتنا على الفهم»، وهي بالطبع ليست اللا-واقعية «التي تحرم الحقيقة من دورها كمعيار بين-ذاتي، بحكم أنها تقصر الحقيقة على ما يمكن التحقق منه»[7].

ومن ثم يرى ديفيدسون أن الحقيقة معيار بين-ذاتي يتكشَّف في السلوكيات المتبادلة بين الأشخاص مستندًا إلى كونها موضوعية واقعية. وهنا يظهر ارتباط الاعتقاد، المعرفة، والمعنى بالحقيقة لكن بشكل يختلف عن نظرية تارسكي الدلالية في الحقيقة، فيقول ديفيدسون: «يستند التواصل اللغوي الناجح إلى نية المتحدث التي مفادها أن يتم تفسيره بطريقة معينة، وإلى التفسير الفعلي لكلمات المتحدث في ضوء إدراك المفسر لنوايا المتحدث […] تربط نظرية الحقيقة المتحدث بالمفسر: فهي تصف القدرات والممارسات اللغوية للمتحدث والمحتوى الذي يلزم أن يعرفه المفسر حتى يتمكن من فهم معنى أقوال المتحدث […] يلزم على المتحدث توظيف اعتقاداته الخاصة، وما يعتبره حقيقة. لذلك، يمكن القول إنّ مفهوم الحقيقة ضروري لفهم الآخرين وتفسير أسباب تصرفاتهم»[8].

لكن ما هي نقطة الاشتراك المعيارية بين المتحدث والمفسر بحيث تغدو عملية الفهم المتبادل ممكنة؟ يجيب ديفيدسون بأن الفكر، والفهم، والتواصل بين الذوات «يتطلب ويفترض معرفة عالم مشترك يتكون من أشياء واقعة في المكان والزمان […] فما يتشاركه المتحدثون هو صورة صحيحة إلى حد كبير لعالمهم. إن المصدر النهائي لكل من الموضوعية والتواصل هو مثلث «المتحدث، والمفسر، والعالم» الذي إذا ربط ببعضها، يحدد محتويات الفكر والكلام. بالنظر إلى هذا المصدر، لا يوجد مكان لمفهوم نسبي للحقيقة»[9]. وهو ما حتم عليه التخلى عن الدوجما الثالثة، فيقول: «بدون الدوجما الثالثة، يصبح هذا النوع من النسبية [نسبية المخطط المفاهيمي ونسبية الحقيقة] مرفوضًا. بالطبع تظل حقيقة العبارات مرتبطة باللغة، لكن ذلك يعد أعلى درجات الموضوعية الممكنة. في التخلي عن ثنائية المخطط والواقع، لا نتخلى عن العالم، ولكننا نعيد إنشاء قناة اتصال مباشر مع الأشياء المألوفة التي تجعل طبائعها العملية جملنا وآرائنا صحيحة أو خاطئة»[10].

من ثم لم يكن مستغربًا أن يصبح كواين أكثر واقعية تجريبيًا بعد اتهام ديفيدسون له بأن فلسفته تتسم بنسبية تتجاوز النسبية اللغوية، فيقول ديفيدسون: «اعتنق كواين في أوقات مختلفة طرقًا مختلفة للتفكير في مفهوم الحقيقة؛ فأحيانًا كان يعتبر أن النظريات المتكافئة تجريبيًا صحيحة أو خاطئة معًا، وأحيانا كان يرى أنه عندما يستخدم المتحدث أو المفكر في وقت معين نظرية معينة؛ فإن هذه النظرية تكون صحيحة والنظرية الأخرى خاطئة بالنسبة له في ذلك الوقت. وإذا انتقل إلى استخدام النظرية الأخرى، فعندئذ تصبح هي النظرية صحيحة وتصبح الأخرى خاطئة. قد يوضح هذا الموقف ما يعنيه كواين عندما يقول إنّ الحقيقة (محايثة)، لكن لا ينبغي الخلط بين هذه المحايثة والنسبية المتعلقة بمفهوم الحقيقة وبين النسبية اللغوية، فقد تنتمي نظريتا كواين إلى نفس اللغة. ليس من السهل أن نرى كيف يمكن أن تكون الجملة نفسها، مع ثبات التفسير اللغوي، صحيحة بالنسبة لشخص وخاطئة بالنسبة لآخر. ترجع هذه الصعوبة إلى محاولة إدخال الاعتبارات الإبستيمولوجية في مفهوم الحقيقة»[11].

في معرض رده على الاتهام السابق، يقول كواين عام 1994: «هناك سمة رائعة لاستخدامنا لصفة الصدق التي تضفي على الحقيقة كرامة تتجاوز (حذف الأقواس) disquotation [12]. فعند إزاحة عقيدة علمية معينة بواسطة إجراء مزيد من البحث، فإننا لا نقول إنها كانت صحيحة وإنما نقول إنها أصبحت خاطئة. نقول كانت خطأ طوال الوقت دون أن نعلم ذلك. هذا هو مصطلح الواقعية، وهو جزء لا يتجزأ من دلالات الصدق»[13]، وهذه الدلالة الأخيرة يصفها بأنها «أقرب شيء إلى التعالي في مقدور الطبيعانيين».

وهو ما كرره بصورة أكثر جذرية عام 1995، فقال: «نحن الطبيعانيون نقول إن العلم هو أرقى طريق للوصول إلى الحقيقة، لكننا نظل لا نقول إن كل ما يتفق عليه العلماء حقيقة. ولا نقول إن شيئًا ما كان صحيحًا ثم أصبح خطأً عندما غير العلماء رأيهم. ما نقوله هو أننا جميعًا، نحن وهم، كنا نظن أنه حقيقة، لكنه لم يكن كذلك. لا يقضي العلماء بالحقيقة وإنما يسعون وراءها»[14]. فلم تعد الحقيقة مجرد إقرار إبستيمولوجي في ضوء براجماتية التنبؤ وإنما هدف نتوجه إليه في عملية لانهائية في ضوء التخطئة والمراجعة وتصحيح المسار.

يمكن القول إن كواين رغم رفضه المبكر لمفهوم بيرس للحقيقة – لأنه يعتمد على فكرة «الاقتراب» من هدف مثالي ميتافيزيقي كما حاجج في كتابه «الكلمة والشيء» عام 1960 – ؛ إلا أنه مع ضغوط النسبوية اقترب بعض الشيء من تصور بيرس للحقيقة المعيارية لاحقًا، لكنه خالفه في طبيعة الهدف. فرغم وصفه الحقيقة بأنها «الكأس المقدسة» في كتابه الأخير «من الاستثارة الحسية إلى العلم» عام 1995، إلا إن كواين تمسك بعدم وصولها إلى مرحلة التعالي المطلق؛ أي إنها لا تصل أبدًا في نظر كواين إلى مرحلة ميتافيزقية تتسم فيها بالواقعية الموضوعية، وإنما تظل مقيدة إبستيمولوجيًا بوصفها اعتقادًا مبررًا؛ أي أنه ظل يخالف مقولة بيرس «إن الواقع مستقلٌّ عمَّا قد يعتقده أيُّ شخص» رغم إقراره بأن الحقيقة معيارية واقعية بحكم أنها مصدر التخطئة وهدف السعي، وهو ما يعد موطن تناقض إضافي في فلسفة كواين. ومن ثم رأى كواين أن نقد ديفيدسون صحيح فقط إذا اعتبرنا أن التجريبية نظرية في الحقيقة [وهو ما يعتقده ديفيدسون] وليس نظرية في الاعتقاد المبرر [وهو ما يعتقده كواين][15].

إن التزام ديفيدسون بوجود العالم الخارجي بوصفه حقيقة موضوعية حتم عليه مواجهة مشكلة أخرى هي «خرافة المعطى»؛ كون المعطى الحسي «ليس اعتقادًا، ولا يأخذ شكلا قضويًا. إذن ما هي العلاقة بين المعطى الحسي والاعتقاد؟ الجواب هو أنها علاقة سببية فحسب. المعطيات الحسية تسبب بعض الاعتقادات وبهذا المعنى هي أساس تلك الاعتقادات. لكن التفسير السببي لاعتقاد ما لا يُظهر كيفية أو علة تبرير الاعتقاد»[16]. كان ديفيدسون يدرك جيدًا أن المشكلة تظهر في فلسفته بوضوح، على العكس من فلسفة كواين؛ لأن الأخير يرى «اعتماد التفسير على أنماط الاستثارة الحسية، في حين أني [ديفيدسون] رأى اعتماده على الأحداث، والأشياء الخارجية التي تدور حولها العبارة التي نحن بصدد تفسيرها»[17]. يقر ديفيدسون بوجود الاعتقادات الإدراكية، والمعاني العقلية على العكس من كواين الذي يختزلها في سلوكيات المرء، فيقول ديفيدسون: «لا توجد فرصة للوصول إلى فهم عميق للحقائق اللغوية إلا إذا صحب هذا الفهم تقرير بالسلوكيات الإدراكية والإرادية [نية المتحدث] […] كما أن التماس القواعد أو الاتفاقات لن يفيدنا كثيرًا هنا إلا إذا فهمناها بمفردات النوايا والاعتقادات»[18].

من أجل التغلب على «خرافة المعطى»، حاجج ديفيدسون بأن المعطى لا يبرر صحة التجربة، وإنما هو يسبب اعتقاداتنا فحسب، ومن ثم يتفق مع رورتي في أن مبرر قبولها هو الاتساق، لأن «لا شيء يعتبر مبررًا إلا بالرجوع إلى ما نقبله فعليًا، ولا توجد طريقة للخروج من اعتقاداتنا ولغتنا للعثور على اختبار آخر [للمبررات] سوى الاتساق». لكن ذلك الاتساق في نظر ديفيدسون يؤدي إلى التطابق؛ حقيقة واقعية مفادها «عالم موضوعي ليس من صنعنا». يصف ديفيدسون ذلك بقوله: «أعتقد أن الفهم الصحيح للغة، والاعتقاد، والإرادة، والنية، وغيرها من السلوكيات القضوية تقودنا إلى استنتاج مفاده أن معظم اعتقادات المرء يلزم أن تكون صحيحة، وبالتالي نعتنق الافتراض المسبق بأن اتساق القضية مع معظم البقية يعني أنها حقيقة […] كل ما هو مطلوب منا هو أن ندرك أن الاعتقادات بطبيعتها حقيقة […] لأن التبادل اللغوي يبدأ عندما تتلاقى الأسباب. فعباراتك تعني عباراتي إذا كان الاعتقاد بحقيقتها ناتجًا بشكل منهجي عن نفس الأحداث والأشياء»[19].

لكن تعرضت نظرية ديفيدسون لعديد الانتقادات؛ وذلك لأنه يسلم بمعيارية العالم ميتافيزيقيًا، لكن في الوقت نفسه ينفي تلقي معطيات العالم إبستيمولوجيًا، وهو ما أوجزه في العبارة المتناقضة ذاتيًا: «تطابق بلا مواجهة مع العالم»[20]. فيقول ماكدويل John McDowell «إنها [نظرية ديفيدسون] تعجز عن هدم معقولية الصورة التجريبية الاعتيادية التي تقول بأن صحة الأفكار التجريبية مساءلة فقط أمام العالم التجريبي، وأن الطريق الوحيد لفهم المساءلة أمام العالم التجريبي هي من خلال المساءلة أمام محكمة التجربة التي نتصورها بوصفها تأثيرًا مباشرًا للعالم على أصحاب القدرات الإدراكية الحسية».

وفي ضوء ما سبق، حاجج ماكدويل بأنه من أجل حل مشكلة المعطى، والحفاظ في الوقت ذاته على إمكانية وصولنا الإبستيمولوجي إلى حقيقة العالم الموضوعية كما هي في ذاتها بحيث تؤدي دورها المعياري؛ يلزم أن يكون ما نتلقاه عبر التجربة محتوى مفاهيميًا، مثلما حاجج هيجل بأن حل المشكلة الكانطية المتعلقة بوصولنا المعرفي إلى الشيء في ذاته هي وحدة الذات والموضوع: الوحدة العقلانية التي تجمع العقل بالعالم.

لكن هذا الحل لم يلق قبولًا كبيرًا؛ لأنه يقدم ميتافيزيقيا إضافية دون مبرر حقيقي سوى كونه الحل الوحيد أمام من سلكوا مسلك كواين ولم يرضوا بنهايته. الوحيد الذي أدرك ذلك بوضوح كان ريتشارد رورتي الذي اعتبر أن مشكلة ديفيدسون هي النهاية الوحيدة الممكنة للطريق البراجماتي، وأنها ليست مشكلة على الإطلاق، فيقول: «ذكر ديفيدسون أنه يلزم أن تتطابق معظم اعتقادات الآخرين مع معظم اعتقاداتنا (لأن عزو الاعتقادات للآخرين يستدعي في المقام الأول مبدأ الإحسان Principle of Charity)، وأن رفض تلك الكتلة من الاعتقادات المشتركة يعد استعادة لمجموعة الاستعارات التي ليس لها قيمة أو فائدة؛ أقصد تلك المستخدمة لتوضيح التمييز بين المحتوى والمخطط [الدوجما الثالثة]. أن نقول، كما يقول ديفيدسون، إن “الاعتقادات بطبيعتها حقيقة” لا يعني الاحتفاء بالتطابق السعيد بين الذات والموضوع [كما حاجج ماكدويل]، وإنما يعني أن النمط الذي تصنعه الحقيقة هو النمط الذي تصنعه مبرراتنا فحسب»[21].

يحاجج رورتي بأنه طالما أن «خرافة المعطى» تحتم انعدام إمكانية تمثيل العقل للعالم بطريقة موضوعية، وانعدام إمكانية التبرير من الخارج بشكل معياري؛ فإنه لا معنى لوجود حقيقة موضوعية، وإنما يلزم أن يحل محلها الحقيقة الإبستيمولوجية التي يقدمها كواين، فانتقد رورتي تمسك ديفيدسون بالحقيقة الموضوعية. وعلى الجانب الآخر رفض رورتي اختزال كواين للعالم في المادية الفزيائية، وتبنى موقف جودمان التعددي البراجماتي. فاعتنق المثالية اللغوية Linguistic Idealism؛ «ليس هناك حقيقة موجودة بشكل مستقل عن العقل البشري؛ لأن الجمل لا يمكن أن توجد بهذا الشكل. العالم موجود، لكن أوصاف العالم ليست كذلك. فقط أوصاف العالم يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة. أما العالم في حد ذاته – بعيدًا عن الأنشطة الوصفية التي يمارسها البشر – فليس كذلك […] اللغات تُصنَع ولا يُعثَر عليها، والحقيقة سمة من سمات الكيانات اللغوية والجمل فحسب[22]».

اعتبر رورتي أن المعرفة مسألة «تبرير اجتماعي لاعتقاد معين»، وأن الحقيقة تضامنُ مجموع المتكلمين الذين يتشاركون شكل حياة معين عبر لعبة لغوية مغلقة؛ فاتسمت براجماتيته بالنسبية واللاعقلانية؛ لأن «الفلسفة الشيقة لم تكن أبدًا بحثًا في إيجابيات وسلبيات إحدى الأطروحات، ولكنها مسابقة بين مفردات راسخة أصبحت مصدر إزعاج ومفردات جديدة غير نهائية لكنها توحي بإمكانيات عظيمة». ومن ثم فإن «ما يمكن اعتباره جدالاً عقلانيًا هو في الحقيقة محدد بسياق تاريخي معين فحسب، كحال ما يمكن اعتباره لغة فرنسية جيدة»[23]، وهو موقف أسماه رورتي السلوكية الإبستيمولوجية Epistemological Behaviorism؛ «تفسير العقلانية والسلطة المعرفية بالرجوع إلى ما يسمح لنا المجتمع بقوله، بدلاً من تفسير الثاني بالأول».

فكان من الطبيعي أن تنتهي البراجماتية التجريبية إلى موقف ما بعد حداثي عبر عنه رورتي بأنه يكمل طريق بدأه ديوي وفيتجنشتاين المتأخر[24]، ثم كواين وسيلرز، وانتهي بدريدا. والحقيقة أن موقف كواين من دريدا معروف، فقد كان كواين أحد أفراد المجموعة (19 أكاديميًا) التي وقعت خطابًا إلى صحيفة التايمز في عام 1992، احتجاجًا على ترشيح دريدا لشهادة فخرية من جامعة كامبريدج. فقد اعتبروا حصوله على هذه الشهادة بمثابة «هجوم شبه واضح على قيم العقل، والحقيقة، والدراسة الأكاديمية»، وهو ما قد يعد حكمًا على رورتي ذاته.

بدأت مرحلة ما بعد الحداثة باعلان نيتشه Nietzsche موت الإله، ومن ثم أضحت الأخلاقية، ثم العقلانية والحقيقة، مجرد اختيارات خاضعة لإرادة القوة تحت شعار نيتشه «لا توجد حقائق وإنما تأويلات فحسب»، ولهذا نجد رورتي دومًا يكرر قول دريدا بأن «الاعتقاد في وجود الحقيقة مرتبط تاريخيًا وميتافيزيقيًا بالاعتقاد في وجود الإله»، فيقول: «إن الافتراض القائل بأن الحقيقة، وكذلك العالم، موجود هناك [بشكل مستقل عنا] هو إرث عصر كان يُنظر فيه إلى العالم على أنه نتاج خلق كائن [الله] يملك لغة خاصة به. يجمع هذا الافتراض بين الاعتقاد الصادق بأن العالم أحيانًا يتسبب في جعل الجمل حقيقة، وبين الاعتقاد الكاذب بأن ما يجعل الجملة حقيقة هو نفسه حقيقة؛ أن العالم يقسم نفسه تلقائيًا إلى (وقائع) قابلة لأن يُعبَر عنها لغويًا. وإذا جمع المرء بين الاعتقادين معًا؛ فمن السهل البدء في استخدام كلمة (حقيقة) والتعامل معها على أنها شيء متطابق إما مع الله أو مع العالم بوصفه نتاج إلهي»[25].

ومن ثم يصدق هوركهايمر Horkheimer في قوله: «أن تنقذ معنى مطلق بدون إله لهو أمر فاشل […] إنّ موت الإله هو أيضًا موت للحقيقة السرمدية»[26]، أو بمعنى آخر: لا يمكن الحفاظ على أي معيار موضوعي، حتى لو كان الحقيقة ذاتها، دون نقطة تأسيس مفارقة. وهذا هو المشترك المنطقي الأهم بين بيرس وفيتجنشتاين المبكر، فلا يوجد فاصل بين العقلانية والواقعية داخل حدود المنطق الحاكم للعقل والعالم؛ لأن الواقعية تعزز العقلانية أنطولوجيًا، والعقلانية تعزز الواقعية إبستيمولوجيًا.

لكن يظل دور رئيسي للشق البراجماتي من المعرفة في حالة اللا-أدرية الموضوعية بشكل أسسي؛ حيث يفتح بابًا جديدًا للاعتقاد العقلاني، بأركانه الثلاثة: الاختبار، واللامعصومية، والحوار. ومن ثم يكشف عن وجود عقلانيات ذاتية متعددة براجماتيًا يلزم أن تستند في الأخير إلى عقلانية موضوعية واحدة أسسية، بحيث لا تكذِّب الأخيرة الأولى، وهذا هو المشترك البراجماتي الأهم بين جيمس وبوتنام.

إن التكامل بين النزعتين التأسيسية والبراجماتية هو العنصر المفقود لحل معظم المشاكل الإبستيمولوجية التي واجهتها الفلسفة التحليلية، كما رأينا في أسسية لورانس بونجور. وهو ما أدركه بيرس في أول الأمر، فقال: «المنطق هو مذهب الحقيقة، وطبيعتها، والطريقة التي تُكتشف بها»[27]، ولما كان «المنطق هو دراسة وسائل بلوغ غاية الفكر، فإن الأخلاق هي التي تحدد تلك الغاية»، فقد وضع بيرس أساسًا أخلاقيًا، ومنطقيًا، وميتافيزيقيًا لفلسفته يحافظ على جانبها الموضوعي بشكل أسسي. وبدون ذلك الأساس، مثلما رأينا عبر المقالات السابقة، تتعانق البراجماتية مع التجريبية في انحدارهما نحو التناقض واللا-عقلانية.


[1] Hilary Putnam, A Comparison of Something with Something, 1985

[2]  بمعنى أنه لا يمكن اختبار جمل النظريات بمعزل عن بقية النظرية، ومن ثم يصبح «مجمل ما يسمى بمعرفتنا أو اعتقادتنا، بداية من أكثر الأمور عرضية في الجغرافيا والتاريخ إلى أعظم قوانين الفيزياء الذرية وحتى الرياضيات البحتة والمنطق، هو نسيج من صنع الإنسان بشكل لا يمس التجربة إلا عند أطرافه». انظر:

  1. V. Quine, Two Dogmas of Empiricism, 1951

[3] W. V. Quine, Pursuit of Truth, Harvard University Press, 1990, p.102

[4] W. V. Quine, Theories and Things, Harvard University Press, 1981, p. 181

[5] Donald Davidson, The Structure and Content of Truth, 1990

[6] Donald Davidson, On the Very Idea of a Conceptual Scheme, 1974

[7] Donald Davidson, Truth and Predication, Harvard University Press, Cambridge, 2005, p. 48

[8] Ibid., p. 51, 52, 73

[9] Donald Davidson, Truth and Predication, p.75

[10] Donald Davidson, On the Very Idea of a Conceptual Scheme

[11] Donald Davidson, The Structure and Content of Truth, 1990

[12]  تبنى كواين نظرية انكماشية في الحقيقة، هي نظرية حذف الأقواس disquotation على طريقة تارسكي عندما قال (الثلج أبيض) إذا وفقط إذا كان الثلج أبيض)، ولكن بدون العنصر التطابقي، فيقول: «لا يعني وصفنا لقضية بأنها حقيقة سوى إعادة إقرارها […] فلا توجد حقيقة خارجة عن النظرية، ولا توجد حقيقة أعلى من الحقيقة التي ندعيها أو نطمح إليها ونحن نحاول ضبط نظامنا للعالم من الداخل». انظر:

  1. V. Quine, “On Empirically Equivalent Systems of the World”, 1975

[13] W. V. Quine, “Responses”, Inquiry: An Interdisciplinary Journal of Philosophy, 37(4), 1994, p. 495–505

[14] W. V. Quine, “Naturalism or, living within one’s means”, Dialectica, 49(2), 1995, p. 251–263

[15] W. V. Quine, Theories and Things, Harvard University Press, 1981, p. 39

[16] Donald Davidson, A Coherence Theory of Truth and Knowledge, 1986

[17] Ibid.,

[18] Donald Davidson, The Structure and Content of Truth, 1990

[19] Donald Davidson, A Coherence Theory of Truth and Knowledge

[20] Ibid.,

[21] Richard Rorty, Truth and Progress – Volume 3, Cambridge University Press, 1998, p. 25

[22] Richard Rorty, The Contingency of Language, London Review of Books, Vol. 8 No. 7 · 17 April 1986

[23] Richard Rorty, Rorty and His Critics, Edited by Robert B. Brandom, Blackwell Publishers, 2000, p. 60

[24]  عن سوء فهم رورتي لفيتجنشتاين المتأخر، انظر: هيلاري بوتنام، «الإله والفلاسفة God and the Philosophers»، ترجمة علي رضا، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

[25] Richard Rorty, The Contingency of Language, 1986

[26] Max Horkheimer, Theism and Atheism, 1963

[27] Charles S. Peirce, The Logic of 1873, Unpublished

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى