Newphilosopherمقالات

هل نزداد ذكاءً؟ – تيم دين

ترجمة: آية علي

كان الشخص البالغ العادي في عام 1900 غبيًا للغاية، وفقًا لمقاييس اليوم. فلو أخذت واحدًا منهم من الشارع وجعلته يخضع لاختبار ذكاء قياسي حديث مثل مصفوفات ريفين المتتابعة Raven’s Progressive Matrices أو مقياس الذكاء من وكسلر للذكاء Wechsler Intelligence Scale، فسيسجّل على الأرجح معدل ذكاء يبلغ 70 درجة. ونظرًا لأن متوسط النتيجة اليوم في هذه الاختبارات يكون 100 درجة، وأن معدل ذكاء السبعين درجة يعتبر في معظم الأحيان علامة على الإعاقة الذهنية، فهذا الأمر لا يبشر بالخير لأسلافنا القريبين.

يبدو أننا أكثر ذكاءً اليوم مما كنا عليه عام 1900، وأن ذكاءنا يزداد عامًا بعد عام. تعرف هذه الظاهرة بتأثير فلين Flynn effect: يشهد مرور كل عقد ارتفاع معدّل الذكاء في البلدان المتقدمة بنحو ثلاث نقاط.

إلا أن الزيادة لم تكن شاملة، إذ حصدت الاختبارات التي تركّز على التفكير المجرّد والتصنيف المفاهيمي والتعامل مع المواقف الافتراضية الحصة الأكبر من الزيادة، أما الاختبارات الأخرى التي تركّز على المعرفة الحسابية والمفردات والمعرفة العامة فقد ظلّت نتائجها كما هي.

هل هذا يعني أنّنا نزداد ذكاءً بالفعل؟ ما الذي يمكن أن يشير إليه التضخم الملحوظ في درجات الذكاء؟ ولماذا تنفرد بعض المجالات بهذه الزيادة دونًا عن المجالات الأخرى؟

وبطريقة ما، فالتقدّم الفكري ليس مفاجئًا. فإذا كان علينا تلخيص تاريخ جنسنا البشري في ثلاث كلمات فقط، فستكون: «نمو فكري هائل». لا تنس أن آخر سلف مشترك بين الشمبانزي والبشر كان يبدو إلى حد كبير كما تبدو حيوانات الشمبانزي الموجودة في وقتنا الحالي. ولم يتغير الشمبانزي كثيرًا على مدى ملايين السنين، لكننا تغيرنا على نحوٍ كبير للغاية. وأعظم تحولاتنا ليست انتصاب قامتنا، أو في فقدان معظم شعرنا، بل كان في ازدهار عقولنا.

غير أن هذا النمو الفكري لم يكن مقتصرًا على قدرة الدماغ الخام، بل شمل تحوّلًا جوهريًا في الطريقة التي نفكّر بها، مقارنة بإخوتنا من الرئيسيّات. إنّ عملية نمو الدماغ والمحافظة عليه مكلفة للغاية، وفي مرحلة ما، لم يكن من المقبول أو المنطقي جعل حجمه أكبر، لذلك وسّعنا عقولنا بطرق أخرى.

فعلى مدى مئات الآلاف من السنين، أصبحنا بارعين على نحوٍ خاص في دفع الكثير من تفكيرنا خارج جماجمنا وتفريغه على العالم من حولنا. لقد صممنا بيئات معلوماتية غنية تساعدنا حقّا على التفكير بشكل أفضل. بعدها شرعنا بالبناء على هذه البيئات لتمكين أدوات جديدة تأخذ بنا إلى مستويات فكريّة أعلى وأعلى.

يمكنك تسمية هذه العملية بـ «السقّالات الفكرية». ولكن مع كل طبقة، كان يتعيّن على الأسس العصبية أن تمر ببعض التعديلات كي تكون قادرة على استيعاب أنماط التفكير الجديدة. ربما تفسر هذه العملية سبب ازدياد معدلات الذكاء، ولِمَ تزداد بهذه الطريقة.

بدأت الأمور مع أدمغة اسلافنا البعيدين الذين كانوا يحتالون سبل العيش ويحاولون البقاء في عالم عدائي. لقد أصبحوا ماهرين في مجابهة المهام الملموسة، مثل استخدام الأجسام وتطويعها لصالحهم، والتنقل عبر العالم الطبيعي، وحل المشاكل في العالم المادّي. لكن من الناحية الأخرى، فإنهم لم يكونوا جيّدين فيما يتعلق بالرياضيّات أو التجريد.

لقد تحفّز الانفجار الفكري لأسلافنا عندما أصبحوا كائنات اجتماعية للغاية. إن العيش بطريقة اجتماعية ينجم عنه منافع جمّة. فذلك الملصق التحفيزي الذي غالبًا ما يتعرّض للانتقاد كونه سخيفًا، والذي يقول: «فـ.ر.ي.ق.: معًا يحقق كل شخص المزيد[1]» يحمل في الحقيقة وجهة نظر صائبة. هناك العديد من الأشياء التي يمكننا تحقيقها من خلال الحياة الاجتماعية والتعاونية، والتي كان يستحيل أن نحققها بمفردنا.

غير أن للحياة الاجتماعية مشاكلها الخاصة كذلك، ويرجع ذلك إلى حد كبير لكون كل فرد يملك اهتماماته وقيمه الخاصة، ويميل إلى الاعتقاد بأنه الأدرى. إن التعاون يتّسم بالهشاشة، ويمكنه بكل بساطة الانهيار تحت وطأة المصلحة الشخصيّة والصراعات. لقد تشعّب أسلافنا عن أبناء عمومتهم من الرئيسيات بعد أن تمكنوا بطريقة أو بأخرى من الإبقاء على التعاون قائمًا فيما بينهم لفترة طويلة، للدرجة التي بدأ فيها بتغيير أدمغتهم تغييرًا جذريّا، وترسيخ طبيعتهم الاجتماعية، وتفريغ بعض أفكارهم على الآخرين. لِمَ قد تحاول حلّ مشكلة ٍما من الصفر بينما يوجد هناك من لديه خبره يستطيع أن يخبرك بكيفية حلّها؟ لماذا تحاول تذكّر جميع المواقع المثالية للصيد بينما يمكنك ببساطة سؤال صيّاد خبير؟

لِمَ قد تحاول معرفة الطريق الأمثل نحو بقعة الريّ التالية في حين أنّك تستطيع تعلّم أغنية تقليدية تضم معالم الطريق، وتتبع إرشاداتها وأنت تغني حتى تصل؟

لكن الحياة الاجتماعية وضعت متطلّبات إدراكية جديدة على أسلافنا. فكما نعلم، فإن إدارة العلاقات واستباق سلوك الآخرين أمرٌ صعب، لذا فقد تكيّفت أدمغتهم من خلال تطوير أنظمة جديدة بالكامل مخصصة لتحليل العلاقات الاجتماعيّة، وتتبّع السمعة، وقياس مستوى الصراحة والنزاهة، وإدارة العلاقات. لقد باتت أدمغتهم تتمتع بقدرة أكبر؛ ليس بالضرورة القدرة على التنقل من بقعة ريّ إلى أخرى، ولكن بالقدرة على إدارة العلاقات اللازمة لتعلم الأغنية التي قادتهم عبر مسارات الطبيعة.

جاءت الخطوة التالية عندما تبنّى البشر الأوائل التقنية، والتي دفعت بأذهاننا خارج جماجمنا نحو نطاقات أبعد وأبعد. لقد سمحت الكتابة بتخزين المعلومات على نحو ديمومي يجعلها تستمر في الانتقال عبر الأجيال، كما سهّل القلم والورق عملية إجراء تفكير أكثر تعقيدًا من ذلك الذي كان يوفره الاستبطان أو محاورة الفرد لنفسه. واليوم، يمكن لجهاز الحاسوب مساعدتنا على في إجراء عمليات حسابية لا يمكن لعقل واحدٍ أن يرجو تحقيقها. أضف إلى ذلك أن التقنية تمهّد الطريق أمام انتشار الثقافة، الأمر الذي يعزّز عملية إثراء البيئة المعلوماتية.

ومرة أخرى، تتكيّف أدمغتنا مع هذه البيئة الجديدة. إن الطفل المولود في هذا العقد سينشأ على نحو يختلف تماما عمّا نشأ عليه طفل ولد عام 1900، أو حتى منذ 100.000 عام قبل الميلاد. هناك وفرة كبيرة في معلومات وقتنا الحالي وأدواته. لذا تقلّ حاليًا الأسباب التي تدعو طفلًا ما إلى اكتشاف بيئته المحيطة مستعينًا بالقدر الضئيل من المعلومات الذي يمتلكه، أو حل مشاكل هندسية محدّدة، باستثناء ما إذا كان يفعل ذلك من باب التسلية. وبدلا من ذلك، فإنهم يسارعون لاكتساب اللغة وقراءة الكلمات التي تركها الآخرون لهم والتعامل مع رموز على شاشات للحصول على المعلومات التي يبحثون عنها.

لقد ارتفعت قدرة أدمغتهم، ليس بالضرورة في أداء المهام الملموسة القديمة، ولكن في إدارة البيئة التقنيّة الجديدة الضرورية لأداء المهام المطلوبة منهم اليوم. لقد أصبحوا أفضل في استخدام الأدوات بدلًا من أن يصبحوا أفضل في المهام التي يستخدمون فيها الأدوات لإنجازها، كما أن تمرّن عقولهم ازداد على التمرّن المجرّد أكثر من التمرّن الملموس؛ إذ إنهم يستطيعون استخدام التكهنات الافتراضية بسهولة، كما أنهم يُشجَّعون على استخدام مخيّلتهم.

لذا، فليس من المستغرب أن يتفوق الناس حاليَا في هذه المهام على كبار السن، وليس من المفاجئ أن تكون اختبارات مثل مصفوفات ريفين المتتابعة Raven’s Progressive Matrices أو مقياس الذكاء من وكسلر للذكاء Wechsler Intelligence Scale -والتي تركز على التجريد والفهم والتفكير الافتراضي- هي التي شهدت أكبر الزيادات، بينما لم يكن هناك تغيّر في التفكير الملموس.

لكن هل نحن أكثر ذكاء بالفعل؟ ربما، ولكن ليس بالطريقة التي يوحي بها تأثير فلين. لقد أصبحنا أمهر في كوننا مخلوقات اجتماعية وتقنيّة. ولقد دفعنا عقولنا إلى ما وراء حدود جماجمنا. إننا نطوّع العالم في الوقت الحالي ليفكّر في بعض الأشياء بدلًا عنّا. ولكن في خضمّ هذه العملية، فقدنا مهارة التفاعل مع العالم الطبيعي.

ومما لا شك فيها أننا بتنا معتمدين على التقنية، وأننا سنضيع بدونها، كما أننا نعتمد أيضًا على الحياة الاجتماعية. اِقطع أواصرنا الاجتماعية وستجدنا أكثر عجزًا مما لو فقدنا عكّازاتنا التقنيّة.

ماذا عن مخاطر تسقيل عقولنا على العالم؟ تتمثل إحداها في تفريغنا للكثير من التفكير وإغفالنا لرعاية ما بداخل جماجمنا. من إحدى هذه المخاطر كذلك حقيقة أننا أصبحنا معتمدين على التقنية والنظام الذي نعيش فيه؛ ففقدنا مهارات البقاء خاصّتنا. قد يكون لدينا وصول لم يسبق له مثيل لأشخاص أو تقنيات أخرى لمساعدتنا على التفكير، لكن التوقف عن التفكير بأنفسنا ليس استراتيجية معقولة.

وعلى الرغم من أن نتائج الاختبارات قد تشير إلى العكس؛ إلا أن البالغين الأستراليين العاديين في عام 1900 لم يكونوا معاقين ذهنيًا. كل ما في الأمر أنه كان لديهم نوع مختلف من الذكاء، يزداد تركيزه على ما هو ملموس ويقلّ على ما هو مجرّد وافتراضي.

لقد تغيرت عقولنا في القرن الماضي، وبالأخص فيما يتعلّق بالاستجابة للتقنية. قد يجعلنا هذا نبدو أكثر ذكاءً، لكن علينا ألا نجعله يسيطر على عقولنا.

 


 

[1] ‘T.E.A.M.: Together Everyone Achieves More’

 

New Philosopher: Issue #06: progress

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق