مقالات

في التقدّم والتغيّر التاريخي – إيدا بالمر

ترجمة: حسين إسماعيل

هل التقدمُ حتمي؟ هل هو طبيعي؟ هل هو سريع الزوال؟ هل هو ممكن؟ هل هو مفهومٌ ملتبسٌ في المقام الأول؟ يعاود العديد من الناس طرح هذا النوع من الأسئلة على إثر أحداث عام ٢٠١٦ السياسية.

هناك ازدواجيةٌ غريبةٌ في مكابدة لحظةٍ تاريخيةٍ في حين كوني مؤرخةً أنا نفسي. أشعر بذات الصدمة والخوف والضغط والإرهاق العاطفي الذي يشعر به الكثيرون الآن. لكن في الوقت نفسه، أنايَ الأخرى تُحلل وتستحضر أمثلة تاريخية وأزمات أكبر وأزمات أصغر وأصوات اقتراع مفاجئة أكثر، أصوات أشعلت فتيل براميل البارود، وأصوات لم تغير شيئًا. أظل أفكر فيما لا شك بأن الناس أحست به أثناء حروب الوردتين أو حروب الدين الفرنسية، أثناء ومضات السلم الصغيرة التي استمرت عقدًا من الزمن أو ما شابه؛ ذات الومضات التي أسميناها -بعد قرونٍ- مجرد توقفات مؤقتة، برغم أنها كانت طويلةً بما فيه الكفاية لأن يُقبِل فردٌ ما على الحياة وأن ينضج سياسيًا فيما بدا وأنه سلم، وهي أيضًا ذات الفترات التي تُستحضر لاحقًا بمسمى “الحروب الخاملة”. لكن حتى الحروب المطولة هذه انتهت في النهاية، ومن ثم صار السلم حقيقيًا. ومع ذلك، بالنسبة للذين عاشوا خلالها، لا شك وأن الإحساس في كلتا الحالتين سيان: إحساسهم أثناء السلم “الحقيقي”، وإحساسهم أثناء ومضات السلم تلك. ولهذا لا أزعم أني أتنبأ. التاريخ درسٌ في التعقيد، لا في التنبؤ. لكن ما أشعر أني أفهمه إلى حدٍّ ما، والفضل يعود لعملي كمؤرخة، هي آليات التغير التاريخي، أي الكيفية المتعلقة بدينامية التاريخ بدلًا من السؤال حول ماذا بعد. ولذا، في خضم العديد من النقاشات حول مسببات أحداث عام ٢٠١٦ (الاقتصاد، السياسة، ردود الفعل العنيفة، الأشكال الجديدة لوسائل الإعلام، التعصب غير-الخامد-تمامًا ضد التنانين)، والنقاشات حول كيفية الاستجابة للأحداث (العرائض، الحوارات، جمع التبرعات، التسويات، الفن، اليأس)، أتمنى أن الناس سيجدون أن تصغير الصورة معي للحديث عن مسببات الأحداث التاريخية والتغير بشكلٍ عام أمرًا مجديًا.

سأتتبع في هذه المقالة مسلكين منفصلين سأربطهما لاحقًا. المسلك الأول: التقدم. المسلك الثاني: الفاعلية التاريخية.

  1. سؤال التقدم كما يطرحه المؤرخون

سأل أحد الزملاء أثناء جلسة نقاش تعليمي: “كيف تُناقشين التقدم دون الوقوع في فخاخ الغائية؟” يمثل هذا السؤال الطريقة المقتضبة أو التقنية بالنسبة للمؤرخ من أجل التساؤل عما يشكل أساسَ العديد من المشكلات التي يتنازع حولها الناس. التقدم، أي التغير للأفضل عبر الزمن التاريخي. للمفردة العديد من الاستعمالات (التقدم الاجتماعي، التقدم التكنولوجي)، لكن ما يجعلها تثير حفيظة التاريخيين هو ارتباطها بإرث التاريخ الباروكي (Whig history)[i]، وهو مدرسة فكر تاريخي ما يزال تأثيره متفشيًا في العديد من نماذجنا التاريخية. يفترض التاريخ الباروكي وجود غائيةٍ تاريخية، أي أن المجتمعات البشرية لطالما كانت آخذةً في التطور نحو حالةٍ نهائية طبيعية: تتحول بذور التفاح إلى أشجار تفاح، والبشر إلى بشر متنورين، والمجتمعات البشرية إلى فراديس ليبرالية ديموقراطية.

يطرح التاريخ الباروكي الذي تشكل في بدايات القرن العشرين مجموعةً أحاديةً من القيم والبنى السياسية والاجتماعية بوصفها (أ) حتمية، و (ب) نقاطَ نهاية أعلى منزلة لكل التغير التاريخي، وهي النتائج السياسية والاجتماعية الناشئة عن الإرث الأوروبي الغربي. التضليلات أوروبية-المركز الناتجة عن هذا التاريخ واضحة، فهي تسلب بقية الثقافات قِيَمها. ولكن حتى بالنسبة للمتخصصين بأوروبا من أمثالي، الذين يشتغلون على أوروبا بشكلٍ رئيسي في كل حال، تبدو هذه المقاربة الباروكية ذات أثر تضليلي كونها تجعل اهتمامنا ينصب على اللحظات التاريخية أو الأشخاص الذين كانوا “محقين” أو “صحيحين”، أي الذين اتخذوا خطوةً إلى “الأمام”. هذا النوع من التعليل يجعل طيف الأبطال المفتَرَضِين لهذه العملية (كالسياسيين الذين أنشؤوا دولًا أكثر ليبرالية، أو العلماء الذين ما تزال اختراعاتهم موضع استخدام) مهيمنًا على التاريخ. فعلى الجانب الأول، نعم، نحتاج لفهم رموز الماضي أولئك، فهم يشكلون عمادًا لحاضرنا -أقوم بتدريس أفلاطون وديكارت وماكيافيللي لأسباب مبررة-. لكن حين ندرس الأعمدة دون بقية الأطواب، فإننا ننتهي إلى فهمٍ مضلل جدًا للصرح.

بالإضافة لذلك، وضع المعيار القيمي الأخلاقي على تلك الأمور التي جاءت بالمستقبل المزعوم المحتوم-غائيًا يصبح في التاريخ الباروكي سهلًا لدرجة الخطورة. تُعامل تلك الأمور بوصفها “صحيحة”، أي أنها “جيدة”، أي أنها “أفضل”، بينما تصبح العناصر التي تخالفها “طرقًا مسدودة” أو “أغلاطًا” أو “خطأ” أو “سيئة”. في تاريخ كهذا، يتم تجاهل عصور كاملة (كالقرون الوسطى) بوصفها رجعية أو فاشلة، بينما يُحتفى بعصور أخرى (كالعصر الذي تخصصتُ فيه، عصر النهضة) بشكلٍ مفرط. وفي تاريخٍ كهذا أيضًا، يتم تجاهل أو استثناء مناطق جغرافية كاملة لأنها “فشلت” في ملاءمة نماذج محددة من التقدم (مثل أفريقيا وآسيا وإيبيريا). التضليلات التاريخية كهذه مسؤولةٌ عن العديد من السرديات الملتبسة أو المسمومة حتى، سواء على المستوى العلمي أو المستوى الشعبي، وهي ذات السرديات التي ما نزال نعمل على الإطاحة بها.

فلنكبر الصورة على مثالٍ من عالم التاريخ الفكري الخاص بي. تخلق التواريخ الفكرية الغائية عادةً انطباعات مغلوطة عن تكوّن العالم الفكري من أبطال وأشرار، أي مِن مفكرين نبجّلهم اليوم ومِن أعدائهم القذرين السيئين المتخلفين. ففيما يتعلق بالمفكرين الذين تتعامدُ أفكارهم بشكلٍ كلي مع جدالاتنا المعاصرة، تجهل هذه التواريخ موقعهم من الإعراب. فعلى سبيل المثال، لو صور أحدنا عصر النهضة بوصفه صراع “العقيدة ضد العلم” (وهي صورة نمطية شائعة)، ثم جاء مارسيليو فيشينو (١٤٣٣-١٤٩٩) وقال: “فلنستخدم العقل الأفلاطوني الموحى إلهيًا لمداواة الروح”، فإن أي تاريخ باروكي لعصر النهضة سيجهل تمامًا أين يموضع ذلك. وحدهم الأبطال والأشرار يتواءمون مع السرد. وبالتالي لا بد من وضع فيشينو إما بوصفه هذا أو ذاك، أو أن يستثنى بوصفه “طريقًا مسدودًا” أو “تحويلة”. التواريخ الفكرية الغائية تنحو أيضًا لتقديم انطباع مغلوط عن أن الرموز التي نهتم كثيرًا بشأنها اليوم لطالما اعتبرت مهمة تاريخيًا. فلو أنك استشهدت قائلًا أن أرسطو لم يمتلك إلا القليل من التابعين في العصور القديمة وأنه لم يتقلد مركز الساحة الفكرية إلا في القرون الوسطى المتأخرة، أو أن أكثر من امتُلكت كتبه في عصر التنوير لم يكن ديكارت ولا لوك، بل الإيمانيّ الموسوعي المغمور اليوم بيير بايلي، فالسردية الباروكية تعاني حتى تتأقلم مع هذه الاستشهادات.

التاريخ الغائي عرضة أيضًا للحاضرية (presentism)، أي تلك الحالة التي تجعل قراءة الفرد للتاريخ مشوهةً بمنظور الفرد العصري، متمثلةً غالبًا في إسقاط القيم العصرية على أحداثِ وشخوصِ الماضي. على سبيل المثال، لو أسْقَطَتْ مقالةٌ عن الوثيقة العظمى أفكارَ عصر التنوير عن الحقوق الكونية على كتّاب الوثيقة المنتمين القروسطيين لكانتْ هذه المقالة حاضرية. وكذلك كتب التاريخ عن عصر النهضة التي تريد تصويره على أنه معركةٌ بين العقيدة والعقل، أو الكتب التي تقول بأن فلورنسا و/أو البندقية وحدهما مرتا بنهضة حقيقة لأنهما كانتا جمهوريتين، أو أن الروح الديموقراطية الجمهورية وحدها قادرة على احتضان أفراد عصريين تقدميين. تطل الحاضرية برأسها أيضًا في الفضاءات الشعبوية، كالحلقات الافتتاحية من مسلسل ميديچي: سادة فلورنسا مؤخرًا، والذي يُظهر كوزيمو دي ميديچي متحدثًا عن المصرفيين كما لو أنهم العقول المدبرة في المجتمع، واصفًا نفسه بصانع الوظائف. لا ينتمي أي من هذا للفضاء التصوري الذي احتلته المصرفية عام ١٤٢٠. فيما يمكن أن تكون أحيانًا عمليةً واعية، الحاضرية في أغلب الأحيان لا-واعية. ولذلك فإن المؤرخين النبهين يتمهلون وقتما بدا أمرٌ ما تقدميًا أو مهد-حديثًا[ii]، وذلك كي نتأكد تمامًا أننا نمتلك أدلة حقيقية. في بعض الأحيان، الأشياء الماضية كانت بالفعل أحدث مما يحيط بها. قضيتُ معظم سنين رسالتي البحثية في جمع بياناتٍ جدولية أثبتتْ في نهاية المطاف (بعد مشقة عظيمة) أن اهتمام ماكيافيللي بالمادية الأبيقورية الراديكالية كان بالفعل استثنائيًا في يومه، إذ أنه مثّل اهتمامات أقرانه الذين جاؤوا بعده بسبعين عامًا أكثر مما مثل اهتمامات جيله. أن يكون ماكيافيللي تقدميًا بشكل استنثنائي قد لا يكون أكثر الاستنتاجات المفاجئة التي يمكن لمؤرخ عصر النهضة أن يتوصل لها، لكن علينا أن نثبت مثل هذه الأمور بشكل دقيق جدًا كيلا نجازف بتوليد سيرةٍ مضللة تُقدم ماكيافيللي كما لو أنه بيل ناي عصر النهضة المضطهد. تلميح: لم يكن ماكيافيللي بيل ناي، بل كان ماكيافيللي.

هذه المشاكل باختصار هي السبب الذي يجعل حفيظة المؤرخين تستثار وقتما دار النقاش حول التقدم والغائية. لسوء الحظ، يصعب فصل الطالح عن أمرٍ صالحٍ مهم هنا. يشوه التفكير الغائي التاريخ، لكن التاريخ الباروكي تشكل لسببٍ ما. (أ) من المهم امتلاك وسيلةٍ للنقاش حول التغير عبر الزمن، والتقدم مكون مهم للتغير. (ب) من المهم الاستبقاء على طريقةٍ ما يمكن من خلالها مقارنة المجتمعات كي نتمكن من الحديث عن إمكانية أن تكون المؤسسات والقوانين والأخلاق الاجتماعية إيجابية أو سلبية. ريثما نتفادى السرديات الخطيرة عن الانتصار الباهر لـ [أدخل ظاهرة غربيّة هنا]، علينا أن نكون قادرين على مناقشة كيف أن اجتثاث الجدري وجهودنا في محاربة الملاريا والإيدز عبارةٌ عن خطوات مترابطة في عملية، في عمليةٍ يصعب تسميتها بأي شيء عدا التقدم.

إذن، كيف يناقش المؤرخون التقدم دون الوقوع في فخاخ الغائية؟ أنا، على الأقل، أبدأ بأن أكون مؤرخة، وأن أتكلم عن تاريخ التقدم بحد ذاته.

2. تاريخ موجز جدًا للتقدم

في مطلع القرن السابع عشر، اخترع فرانسيس بيكون التقدم.

دعوني أفرغ محتويات هذه الفكرة، على الأقل قدر ما أستطيع في مقالةٍ قصيرة تستلزم اختزال عصور كاملة في فقرات وحيدة. أفكار التغير الاجتماعي عبر الزمن وُجدت في الفكر الأوروبي منذ العصور القديمة. تتحدث بعض المصادر اليونانية القديمة عن عصر ذهبي من الوفرة الرعوية، يليه عصر فضي جعلت المجوهرات والرفاهيات فيه الحياة أكثر ترفًا وأكثر تعقيدًا. تلا ذلك عصر برونزي، حيث ظهرت هرمية الممتلكين واللا-ممتلكين، ورافقها ظهور الأسلحة والبلبلة، مؤدين في النهاية لعصر حديدي من الدماء والحروب وطروادة. أضاف بعض القدامى تنويعاتٍ أخرى لهذه السردية، ومنهم لوكريتس على وجه الأخص في ملحمته الأبيقورية في طبيعة الأشياء (حول ٥٥ قبل الميلاد). في صيغته الخاصة، التحول من حياة بسيطة قروية إلى هرمية متمدنة جائعة للرفاهية كان تحولًا تطوريًا بشكلٍ صريح. لم يكن سبب هذا التحول أي خطة إلهية أو تأثيرات سماوية، بل تم بواسطة الاختراعات البشرية: لما اخترع الناس الرفاهيات احتاجوا بعدها للمزيد من المعدات (التكنولوجية والاجتماعية) لإنتاج تلك الرفاهيات وللدفاع عنها والتحكم بها. إذن، خطوة بخطوة، تدهورت الحياة من البساطة إلى التعقيد وما يرافقه من بلبلات.

في نموذج لوكريتس التطوري العديد من المكونات المهمة في التصور الحديث للتقدم، ولكن ليس كل المكونات. فيه مثلًا تنوع الحالة البشرية في سير التاريخ. وفيه أيضًا فكرة أن البشرية فاعلٌ في ذلك التغيير من خلال الإبداعات التكنولوجية والتغيرات الاجتماعية التي تنشأ كردة فعل لتلك الإبداعات. لكنه يفتقر لـ (أ) القصدية من وراء هذا التغيير، و (ب) مسار إيجابي جوهريًا لهذا التغيير، و (ج) مسار لا-نهائي أو لا-محدود لهذا التغيير، أو (د) توقع حتمية حدوث المزيد من التغيير المستمر على نفس المسار (رغم أن لوكريتس يفترض فعلًا تحلل الأرض في نهاية المطاف). لا لوكريتس ولا القدامى الذين ناقشوا عصور الذهب والفضة والبرونز والحديد تأملوا -كما نفعل نحن العصريون- حول كيفية أن تجارب الأجيال المستقبلية قد تواصل التغيير وأنها ستكون جوهريًا مغايرةً لتجاربهم. كميًا، قد تكون الأمور مختلفة فعلًا -إمبراطورية روما قد تعلو أو تصغر أو تسقط أو تُستبدل بأخرى- لكن جوهريًا، ستبقى المدن مدنًا، ويبقى المحراث محراثًا، وتبقى الإمبراطوريات إمبراطوريات، ويبقى الخبز خبزًا. حتى إن تدبر كل من لوكان أو لوكريتس، فهما لا يعيشان في عالمنا حيث صار الخبز بالفعل پوپ-تارتس، ولعله سيصبح أمرًا أكثر غرابةً في الجيل القادم. كان هذا رسمًا مستعجلًا للأفكار القديمة عن التطور (للمزيد، يمكنكم قراءة إ. ر. دودس والآخرين)، ولكنه كافٍ في الوقت الراهن.

توصلت أوروبا القرون الوسطى (والتي سأرسمها بذات الاستعجال) لإدراك -وإذا أخذت مُقدّماتهم بعين الاعتبار، فهم محقون- أنه إذا كان العالم بأشمله مبنىً مؤقتًا مصممًا عن طريق إلهٍ خالقٍ عالمٍ قدير بغرض هداية البشر للخلاص الأبدي أو الهلاك من خلال تجاربهم المتعددة، فمن الجنون البحث عن سلاسل عللية على الأرض؛ هناك علة واحدة لكل العلل. ليس فكر القرون الوسطى أكثر أحاديةً من الفكر الحديث، لكن العديد من الأمثلة من الفكر القروسطي تناقش العالم المادي كأنه مسرحية مهرجانية يؤديها الإله للبشرية من أجل إيصال دروس أخلاقية لهم. وإذا ما كانت المراحل التاريخية تتعاقب فيما بينها -تنمو الإمبراطوريات، تزدهر، ثم تسقط- فإن هذا يحدث لأن الإله امتلك رسالة أخلاقية مرتبطة بهذا التعاقب. خذ هوس دانتي بالإمبراطور تيبيريوس مثلًا. حسبما يقول دانتي، خطط الإله الصلب وأراد أن يتم إعدام ابنه قانونيًا بيد البشرية جمعاء، ولذلك خلق الإله الإمبراطورية الرومانية من أجل أن يصبح هناك حاكم كوني (تيبيريوس)، ومن ثم يصبح تيبيريوس الفاعل في الإعدام (تذكروا أن خرائط دانتي تخلو من أي شيء جنوب مصر عدا جبل المطهر). لم تنم الإمبراطورية الرومانية بواسطة قوى الطبيعة أو التاريخ؛ بل كانت مسرحيةً متقنة الصنع لأغراض الإله: الفصل الأول، المشهد الثالث، تنمو الإمبراطورية الرومانية؛ المشهد الخامس، تحقق الإمبراطورية غايتها؛ المشهد السادس: تسقط الإمبراطورية. تصفيق.

هل امتلك عصر النهضة تقدمًا؟ لا. ليس على مستوى المفهوم، ولكن التغيير استمر فيه كما في غيره من الحقب التاريخية. لكن عصر النهضة اقترب بشكل فجائي من مفهوم التقدم. اخترع عصر النهضة عصور الظلام. بشكل أكثر تحديدًا، اخترع الفلورنسي ليوناردو بروني العصور الظلامية في الفترة بين ١٤٢٠-١٤٣٠. مواصلًا فكرة پترارك أن إيطاليا كانت تعيش عصرًا ظلاميًا ومنحطًا وأن بإمكانها الارتقاء منه مجددًا بواسطة إحياء الآداب القديمة التي جعلت روما مجيدة في السابق، كان بروني أول من قسم التاريخ لثلاث حقب: العصور القديمة الخيرة، العصور الظلامية الفاسدة، والنهضة الخيرة حيث عادت كنوز العصور القديمة. كلا من البشرية والإله كانا فاعلين في نموذج بروني للبعث، أي الإله الذي رسم الخطة والبشر الذين ترجموا اليونانية وقاسوا القنوات وحفظوا الخطب وبنوا العصر الذهبي الجديد. بواسطة دمجهم بين النماذج القديمة للتطور والغائية القروسطية، أفصح مفكرو عصر النهضة عن أولى التلميحات بوجود مسار إيجابي للتغير التاريخي، سوى أن هذا المسار لم يكن لانهائيًا. يكمن التغير الذي اعتقد به عصر النهضة في إعادة حيازة الأشياء التي حازها الماضي وفقدها، أي أنه خروج من الحفرة وإعادة تسلق الجبل. التحسين الذي تخيلوه سيكون على مستوى الأسس، لكنه نهائي. وحينما ناقشوا “اجتياز القدماء” فهم غالبًا عنوا رسم لوحات أكثر واقعية أو نحت منحوتات أكثر تفصيلًا، وربما بناء معابد أكثر أبهة، أو اختراع معدات جديدة لتزيين المجالس أو اختراع أدوات للحرب، لكن المدن بقيت مدنًا، والخبز خبزًا، والمحراث كان محراثًا أفضل بقليل، والإمبراطوريات كانت إمبراطوريات أقوى بقليل. يكمن اجتياز القدماء في المقياس والمهارة والفن والبراعة، لا في الأساسيات.

ثم في القرن السابع عشر، اخترع فرانسيس بيكون التقدم. الأسباب وراء ذلك (لِمَ هو، ولِمَ حينها، وكيف ساهم عصر النهضة) أكثر تعقيدًا من التفصيل فيها هنا، لكن تعبير بيكون هو أولى التعابير التي تشمل كل العناصر الحيوية للمفهوم الحديث للتقدم.

قال بيكون: إذا عملنا معًا، إذا لاحظنا العالم من حولنا ودرسناه وشاركنا نتائجنا وتعاوننا وأزلنا الغطاء كفريق بشري عن العلل الخفية في الأمور، فسنستطيع من الإتيان باختراعات جديدة بناءً على معرفتنا، ومن شأن هذه الاختراعات أن تجعل الحياة البشرية أسهل شيئًا فشيئًا، وأفضل بقليل. ستدفئنا هذه الاختراعات في الشتاء وتحمينا من العواصف وتجعل حصادنا أقل عرضة للفشل، وستعطينا وسائل معالجة الأطفال على فراش المرض. نستطيع جعل تجربة الأجيال القادمة على الأرض أفضل بقليل من تجربتنا. هناك -كما قال في كتابه أتلانتس الجديدة-­ ثلاثة أنواع من العلماء. هناك النملة التي تجمع فتات المعرفة في أكوام، بحيث تعلو التلة شيئًا فشيئًا في سباقٍ لأن تصبح أعظم كوم يُجلس عليه ويُحدج به. هذا النوع من العلماء هو الموسوعي الذي يجمع المعرفة دون أن يضيف شيئًا. هناك أيضًا العنكبوت الذي ينسج شبكات نظرية تفصيلية من خلال ما يوجد في رأسه، ومن ثم يصبح مقحمًا فيها ومتشربكًا بها. هذا النوع من العلماء هو التنظيري ناسج الأنظمة. ومن ثم هناك النحلة التي تجمع ثمار الطبيعة وتعالجها من خلال عضو ينتمي لذاتها فتنتج شيئًا جيدًا ومفيدًا للعالم. دعونا نصبح نحلًا، يصرّ بيكون، دعونا نعطي العالم تعلمًا وثمار تعلم. دعونا نؤسس منهجًا جديدًا -المنهج العلمي-، ونكرس أنفسنا بواسطته لارتقاء المعرفة ومعرفة العلل الخفية للأشياء، وأن نكرس أنفسنا لأجل توسيع حدود الإمبراطورية البشرية بغرض تحقيق كل ما يمكن تحقيقه.

بيكون كاتب موهوب من الطراز الأول، ويعرف تمامًا كيف يجعلكم ترغبون بشدة بأن تكونوا بالنبل الذي يصوركم عليه.

سيادة قاضي القضاة بيكون، هل نعرف أن بإمكاننا تغيير العالم بهذا الشيء الجديد المسمى المنهج العلمي؟ لم يجربه أحد من قبل، ولذلك نتساءل إن كنتَ تمتلك أي دليل على أن المعرفة العلمية ستثمر أي شيء مفيد وجيد، أو أن تجربة أي جيل ستكون أفضل من سابقه؟

ليس من السهل إثبات أن العلم سيتكلل بالنجاح حين لا تمتلك أي أمثلة لنجاح العلم بعد.

جواب بيكون -وهو الجواب الذي جعل المملكة والملك يضخون دعمًا متحمسًا ويؤسسون أكاديمية العلوم- قد يفاجئ قارئ القرن الحادي والعشرين، فهذا القارئ معتاد على تصوير العلم والدين كما لو أنهما عدوان. يقول بيكون: السبب الذي يجعلنا نعلم أن العلم سيتكلل بالنجاح هو الإله. هناك مئات الألوف من الأشياء التي تجعلنا نتألم ونعاني في هذا العالم، لكن الإله خير. منح الإله الأرنب السرعة، ومنح الأسد المخالب، ولم يكن الإله ليُنزل البشرية إلى هذه البيداء دون وسيلة ما لتحصيل احتياجاتنا. لم يكن الإله ليمنحنا الرغبة في جعل العالم أفضل بدون وسيلةٍ لجعله كذلك. أعطانا الإله العقل. ولذا، بسبب خير الإله، نعلم أن العقل لا بد وأن يكون قادرًا على تحقيق كل ما جعلنا الإله نرغبه. أعطانا الإله العلم، وهو فعل مسيحي خيري، خيرية لانهائية لكل الأنسال، من أجل أن نستعمله.

وصدقوه.

توفي فرانسيس بيكون بسبب التهاب رئوي أصيب به حين كان يجري التجارب حول استخدام الثلج من أجل تخزين الدجاج، وهي محاولته في أن يعطينا ثلاجة يمكن من خلالها تخزين الطعام ومن ثم نشره في العالم الجائع. كان بيكون قادرًا على تخيل التقدم التكنولوجي والتقدم الطبي، ولكنه كان قادرًا أيضًا على تخيل التقدمات الاجتماعية الصغيرة التي يمكن للتكنولوجيا والطب أن تخلقها. لم يكن التقدم متعلقًا بالأمجاد للأمير والكاتدرائية كما في عصر النهضة، بل متعلقًا بطعام رعاة الغنم وراحة المزارع والتقدم شيئًا فشيئًا.

حينما قام أتباع بيكون بإعادة معاينة العلم من الصفر وبتصحيح وتفكيك النظريات القديمة وتطوير أخرى جديدة من شأنها في النهاية أن تُمكّن التقدمات الفعالة، لم يستغرقهم الأمر طويلًا حتى طبقوا مبدأه (أن علينا مهاجمة كل شيء بشفرة العقل والإبقاء فقط على ما هو قادر على الصمود) على الأسئلة الاجتماعية: على الأنظمة القانونية والقوانين والعادات والأخلاق الاجتماعية والطبقات والدين والحكومة. في الحقيقة، الحركة التي دشنها بيكون أثبتت فاعليتها في أن تثمر التغير الاجتماعي بشكل أسرع بكثير من قدرتها على أن تنتج تكنولوجيا مفيدة بحق. جرى التعاقب المبسط جدًا كالتالي: “سيحسّن العلم تكنولوجيتنا! إنه… إنه لا يفعل الكثير حتى الآن، إذن… نجربه على المجتمع؟ نعم إنه يفعل… شيئًا… و… أوه! التكنولوجيا الآن تفعل بعض الأشياء أيضًا!” سوى أن هذا التعاقب استغرق ثلاثمئة سنة، من عصر التنوير حتى عصر التصنيع.

نعلم الآن، كما تعلّم أتباع بيكون بوضوح أشد في الأجيال التي تعاقبت، أن محاولات إحراز التقدم قد تتسبب بآثار سلبية، بل شنيعة أيضًا. على سبيل المثال، أخذ متوسط الحياة المتوقع في المدن يهبط حينما نَشَرَ التصنيع السخام والملوثات والكوليرا وورق الحائط المطعّم بالزرنيخ والخبز المُبيض بالرصاص. وكما أن الاكتشافات التكنولوجية ولّدت ذرية وحشية، ففظائع الكولونيالية جزءٌ من الذرية الوحشية لتطبيقات العقل الاجتماعية، ذرية وحشية ما نزال نصارعها حتى اليوم.

 3. التقدمات

نستعمل الآن كلمة “التقدم” في العديد من المعاني المحددة، وهي أكثر من استعمالات بيكون ونظرائه: التقدم التكنولوجي، التقدم الاجتماعي، والتقدم الاقتصادي. نكتّل هذه المعاني أحيانًا سوية، وأحيانًا نفصلها.

ولذا فالسؤال العام “هل فشل التقدم؟” قد يعني العديد من الأشياء. قد يعني “هل فشلت جهودنا الجمعية لتحسين الظروف البشرية في تحقيق النتائج المرادة؟” يُسأل هذا السؤال غالبًا في سياق التقدم الاجتماعي، حيث واجهت الجهود التقدمية نحو المساواة والتسامح ما بدا أنه مفعول رجعي. ولكن سؤال “هل فشل التقدم؟” قد يعني أيضًا “هل فشل تطوير العلم والتكنولوجيا وتطبيقنا للعقل على الأشياء في أن يجعل تجربة الناس المعاشة أفضل؟ هل كانت التغيرات سيئة أو محايدة بدلًا من جيدة؟” بعبارة أخرى، هل كان بيكون محقًا بأن العقل والعلم قادران على تغيير عالمنا، لكن مخطئًا في أنهما قادران على تغييره للأفضل؟

أود التشديد على أن التحول الفكري في إمكانية استخدام “التقدم” في سياق سلبي بالإضافة لسياقاتها الإيجابية ليس تحولًا صغيرًا. المفهوم الذي بلوره بيكون ونشره التنوير كان مفهومًا إيجابي الجوهر، مما يعني أن استخدامه في سياق سلبي كان بلا أي معنى في القرن السابع عشر، تمامًا كاستخدام مفردة “تشافي” في سياق سلبي. لكن انظروا لكيفية استخدام المصطلح في الكلام اليوم. أحيانًا يكون الاستخدام إيجابيًا (“تقدم جيد هذا العام!”) وأحيانًا يكون سلبيًا (“ابتلعه التقدم…”). هذا تغير ثوري مقارنة بأيام بيكون، وقد مكّن حدوثه فرقان بينه وبيننا.

أولًا، لقد راقبنا القرون الأخيرة. بالنسبة لنا، يظهر التقدم أحيانًا في أول عملية زراعة قلب وأول الخطوات على القمر، لكنه يظهر أحيانًا في الكونغو البلجيكية وقلب الظلام الخاص بها. أحيانًا يظهر في إبادة الجدري وأحيانًا في ازدياد سوء شلل الأطفال نتيجة الصرف الصحي بدل تحسنه. يظهر أحيانًا في جيرالدين رومان، وهي أولى نساء الكونغرس المتحولات جنسيًا، كما يظهر أحيانًا في كريستينا كالديرون، آخر المتحدثات باللغة الياغانية. أنتج نحل بيكون المشغول منتوجات أكثر تعقيدًا بكثير من العسل، مما يجعل عبارات من قبيل “سجن التقدم” ذات معنى بالنسبة لنا.

وسعنا أيضًا مفهوم التقدم. بالنسبة لبيكون، كمن التقدم في العسل والنحل: جهد نظامي ومقصود لصنع شيء حلو ونافع للبشرية. كان التقدم خيرًا ومقصودًا. في شكله الناشئ، لم يُفرّق تقدُّم بيكون بين التقدم كظاهرة والتقدم كمفهوم. لو سألتم بيكون “هل كان هناك تقدم في القرون الوسطى؟” لكنا جوابه: “لا. بدأنا نمتلك التقدم الآن فقط.” وهو محق في كون مفهوم التقدم جديدًا، في استجداد التقدم القصدي أو الواعي بذاته، أي التقدم كمجهود واعٍ. لكن لو ذهبنا لويكيبيديا، لوجدناها تُعرّف “التقدم (التاريخي)” بأنه “الفكرة القائلة بإمكانية أن يصبح العالم أفضل بشكلٍ مطرد فيما يتعلق بالعلوم والتكنولوجيا والتحديث والحرية والديموقراطية وجودة الحياة الخ.” لاحظوا غياب الفاعلية والقصدية من هذا التعريف. سبب هذا الغياب هو أنه كان هناك تغير تكنولوجي واجتماعي قبل القرن السابع عشر، لأنه كان هناك تغيرات تكنولوجية واجتماعية جعلت الأمور أفضل بدون شك. إذن ظاهرة التقدم وُجدت عبر التاريخ بأشمله، قبل أن ينضج المفهوم بفترة طويلة.

فيما أخذ “التقدم” يتوسع ليشمل التقدم اللانظامي واللامقصود بالإضافة للمشروع التقدمي البيكوني، استطعنا أخيرًا أن نبدأ التساؤل: “هل التقدم طبيعي؟” و “هل التقدم حتمي؟” لأن هذه الأسئلة تتطلب أن يحدث التقدم بغض النظر عما إذا كان الناس يقصدونه أم لا. بهذا المعنى، تصوّرُ بيكون للتقدم كان أقل غائية من التاريخ الباروكي. اعتقد بيكون أن الفعل البشري قادرٌ على تحقيق التقدم وأن الإله منح البشرية العقل من أجل هذا الهدف. لكن بيكون اعتقد أن على البشر العمل بقصدية، أن عليهم جمع غبار اللقاح لصنع العسل. لم يكن يعتقد أن العسل ينساب هكذا وحسب. ما كانت الفكرة الغائية القائلة بأن هناك اندفاعًا أو حتمية قادرةً على أن تنضم للإشكالات المتعددة لمفردة “تقدم” إلا حين توسع مفهوم التقدم ليشمل التقدم ما-قبل-الحديث والتقدم الحديث اللانظامي واللاقصدي.

إدراك أن الطرق التي نعرض فيها بيانات التقدم بحد ذاتها مشحونة أخلاقيًا يمكن أن يساعدنا على توضيح الأسئلة الحالية عن الليبرالية والقومية والتغير الاجتماعي والمعارضة للتغير الاجتماعي. فحينما نسأل عما إذا كان العالم يمر بـ “فشل” أو “ثورة” أو “انتكاس” أو “ردة فعل رجعية” أو “نفس أخير” أو “تأرجح بندولي” أو “مقدمة لانتصار” وما إلى ذلك، فإن كل هذه النعوت تُعيد تنظيم البيانات حول مختلف أوجه مفهوم التقدم، سواء كانت هذه الأوجه إيجابية أو سلبية، طبيعية أو غير مقصودة. تخيلوا أن هناك خريطتين ترسمان الكتل السكانية البشرية موزعة حول أرجاء الكوكب، بحيث أن أحدها تظهر مراكز السكان كأنوار مشعة في مقابل مناطق من العتمة، فيما تظهر الأخرى مراكز السكان كبثور ملأى بالخراج تشوه حقلًا أخضر مزدهرًا بالأوراق. في هذا التصوير، تجعل إحدى هذه الخرائط المدن الكبيرة تبدو إيجابية، فيما تجعلها الأخرى تبدو سلبية. هذان تصويران مختلفان مشحونان أخلاقيًا للبيانات نفسها. وبنفس الطريقة، الروايات المختلفة عن نفس الظواهر الاجتماعية قد تنعتها تارة بـ “التطور” وتارة بـ “الانتكاس” وتارة بـ “التصحيح” وتارة بـ “الحيد”، وهذا يعتمد على الفكرة التي يمتلكها المتحدث عن التقدم.

خلاصة القول: بعد الكولونويالية وبعد التصنيع وبعد الحروب العالمية وجوزيف كونراد، لا يمكننا الكلام عن التقدم كخير أحادي الجانب أو عن كونه غير معقد دون تشويه التاريخ ومسح الأوجه الفظيعة للقرون الأخيرة السابقة. آمن بيكون بأنه سيكون هنالك عسل وحسب، وقد كان مخطئًا. لكن لا يمكننا ألا نناقش التقدم. ففي هذه القرون نفسها كانت تجربة كل جيل مختلفةً بالفعل عن الجيل الذي سبقه، والعلم والفعل البشري يقومان فعلًا بدفع هذا التغير. وقد كان هناك بعض العسل أيضًا. نحتاج وسائل للحديث عن ذلك. ولكن ليس بدون أن نضع بعين الاعتبار كيف نُحمّل التقدم عدة أنواع من الحمل الأخلاقي. وليس بدون التساؤل الذي لم يخطر ببال بيكون لأنه لم يدرك (كما ندرك نحن) أن التغير التكنولوجي والاجتماعي كان يحدث للعديد من القرون قبل أن يجعل بيكون الفعلَ واعيًا. ولذا لم يخطر ببال بيكون التساؤل: هل نمتلك أي قوة على التقدم؟

 4.هل يمتلك الأفراد القوة لتغيير التاريخ؟

نعم ولا.

يكتب بعض المؤرخون استقصاءات محكمة عن الكيفية التي تشكل بها التاريخ البشري على يد القوى الاجتماعية والاقتصادية الهائلة. فلنسمّ هذا النوع من التأريخ “تاريخ القوى العظمى.” وقتما سمعنا الناس يقارنون بين فجوة الثروة الحالية بأمريكا وما كان موجودًا عشية الثورة الفرنسية ويتنبؤون حيال ذلك بتنبؤات مريعة، فهم يستمدون ذلك من تاريخ القوى العظمى. حين يتحدث ماركسي عن التفاعلات الحتمية بين البروليتاريا والبرجوازية، أو حين يقوم مؤرخ يباروكي بالحديث عن سير التقدم الحتمي، فهذان أيضًا شكلان لتاريخ القوى العظمى.

تاريخ القوى العظمى رائع ولا يقدر بثمن، فهو يتيح لنا إجراء مقارنات نيرة كما يساعدنا على التنبؤ -لا بما سيحدث، بل بما يمكن أن يحدث- من خلال تسليط الضوء على ما قد جرى في ظروف شبيهة. ذكرت قبل قليل حروب الدين الفرنسية وومضاتها المتقطعة من السلم. لاحظ براين ساندبيرغ مؤخرًا (وهو مؤرخ لامع للعنف) أن نسبة البروتستانتيين في فرنسا إبان الحروب الدينية الكاثوليكية-البروتستانتية بلغت ١٠٪، وهي نسبة مقاربة إلى حد ما نسبة الأفارقة الأمريكيين بالولايات المتحدة اليوم (١٣٪ تقريبًا). مقارنة ملفتة، رغم الاختلافات الصارخة. تحديدًا، بشكلٍ أكثر تحديدًا، كمنت هذه النسبة البروتستانتية/الكالڤنية من سكان فرنسا بشكل غير متناسب في الطبقة الأرستقراطية الثرية المُمَكّنة سياسيًا (وهي تشكل ٣٠٪ من الطبقة الحاكمة)، على العكس من الأفارقة الأمريكيين الذين كمنت النسبة بشكل غير متناسب في طبقاتهم الفقيرة غير المُمكنة سياسيًا. هاته الفروقات والاختلافات تجعل من المثمر النظر إلى آليات العنف المدني في القرنين السادس والسابع عشر بفرنسا (أي كيف اندلعت موجات العنف، كيف انتهت، من ضد من) لمساعدتنا على فهم الطرق المشابهة-المختلفة التي يدور فيها العنف المدني في الولايات المتحدة اليوم. هذا النوع من المقارنة، بالنسبة لي، أكبر تجل لثمرات تاريخ القوى العظمى. لكن تاريخ القوى العظمى ينزع لجعلنا نشعر بأننا مجرد قطرات من الماء لا حول لنا ولا قوة في التأثير على الأحداث خلا من مساهمة متناهية الصغر على موجات القوى بعالمنا. يميل التاريخ لجعلنا نشعر بأنه ليس هناك فاعلية بشرية.

بالإضافة للتواريخ الاجتماعية والاقتصادية، ينتج المؤرخون بالمثل تواريخ لامعة للفاعلين البشريين، كالسير والتواريخ الفكرية والتواريخ المايكروية (microhistories) والسرديات عن كيف أن مدينة وحيدة أو امرأة وحيدة أو اختراعًا وحيدًا أو فكرة وحيدة تمكنت من إعادة تشكيل عالمنا. هذه التواريخ على نفس درجة حقيقة تواريخ القوى العظمى. لكن إذا كانت تواريخ القوى العظمى تجعلنا نشعر بأننا قطرات عاجزة، فإن هذه التواريخ على العكس من ذلك تصادق على قوتنا للإعمال فعلنا بشكل ذي معنى على عالمنا.

على قدر الإلهام المتضمن في هذا النوع من التاريخ، إلا أنه على درجة من الخطورة هو الآخر. النسخة القديمة الإشكالية لهذا النوع من التاريخ هو “تاريخ الرجل العظيم”، متمثلة في كتاب توماس كارلايل أبطال، عبادة الأبطال، والبطولي في التاريخ (لندن، ١٨٤١). يقدم هذا التاريخ البشريةَ كوسط خامدٍ وغني، كأغرة مستعدة لمزرعة بكتيرية. فإلى هذا المسرح العظيم والجاهز، ترسل الطبيعة (أو الإله أو العناية الإلهية) بين الفترة والأخرى رجلًا عظيمًا، سواء كان هذا الرجل قائدًا أو مخترعًا أو ثوريًا أو شخصًا متقد الحماس بالقدر الذي يجعل الإمبراطوريات تزدهر أو تسقط، أو بالقدر الذي يخرجنا من ظلمات الجهل. تاريخ الرجل العظيم شديد العرضة أيضًا لمحو كل من يقع خارج نخبة محدودة، كما أنه عرضة لمحو النساء ومحو العواقب السلبية لأفعال الرجل العظيم، إذ يبرر التاريخ شناعاته كأنها أضرار جانبية للعظمة، وغيرها من المشاكل التي أثق بكونها مألوفة لقرائي.

لكن تواريخ الفاعلية البشرية ثمينة وحقيقية وباعثة على الأمل حين تكون متقنة. لكن إذا كانت تواريخ القوى العظمى صحيحة ونافعة، وتواريخ الفاعلية البشرية صحيحة ونافعة هي الأخرى، فكيف يمكننا الموازنة بينها؟

تكبير الصورة أحيانًا هي الطريقة الأفضل لتصغيرها. كنت طوال سنين عديدة مشتغلة على الفترة بين ١٤٧٠ إلى ١٥٣٠، على الفترة التي أدى من خلالها عدة بابوات كارثيين وأدت من خلالها الهجمات العسكرية إلى إغراق شبه الجزيرة الإيطالية في سلسلة من الحروب المعقدة جدًا لدرجة أن كل القوى من اسكتلندا حتى مصر حاربت إلى صف طرفين على الأقل. كلما درست الفترة أكثر، رأيت كيف أنه لا مناص من العنف، ورأيتُ كيف أن تركيزَ الثروات في المدن الإيطالية العرضة للهجوم، والثقافةَ السياسية التائقة للفتوحات في تلك الفترة، والتقدمَ في التقنيات العسكرية، والحاجةَ الماسة لكل قوى في أوروبا لأن تتودد إلى البابوية أو تتحكم بها، رأيتُ كيف أنها جميعًا عوامل اندمجت لجعل سيل الدماء حتميًا. وفي الوقت نفسه، رأيت كيف أن أصغر أفعال الأفراد -بشكل متكرر في هذه العقود المحورية-، سواء تمثّل هذا الفعل في زواجٍ أو رسالةٍ أو جريمة قتلٍ أو خطبةٍ أو زيت يوقد بمنتصف الليل لكتابة مسودة اتفاقية بشكل متعجل، رأيتُ كيف أن هذه الأفعال قررت بحق سير جيشٍ ما إلى مكانٍ ما، وقررت أي التحالفات تقوى أو تفكك، وقررت أي مدينة صمدت أو أحرقت. أستطيع أن أكتب تاريخ فاعلية بشرية أو تاريخ قوى عظمى عن الحروب الإيطالية، وكلاهما سيكون صحيحًا تمامًا. كانت هناك قوى اجتماعية واقتصادية، وهذه القوى قوية بشكل يصعب تخيله، إذ تتجمع كأنها طوفان وراء سد على وشك الانهيار. لا أحد يستطيع إيقاف هذا الطوفان، ولكن الأفراد صاغوا نتائجه بالفعل، أي أنهم وجهوا الأضرار وحفروا القنوات التي حددت أي جزء من الطوفان تسبب بالدمار وأيها لم يُدمر. لم يمتلك أحدٌ إمكانية إيقاف الحروب الإيطالية، لكن كان بوسع الأفراد أن يحافظوا على مدنهم وعائلاتهم وأنفسهم أحيانًا.

هذا نموذج التاريخ الهجين الذي استنتجته. القوى العظمى من قبيل الاقتصاد والطبقات والفجوة الثرواتية والازدهار والكساد تجعل لحظات تاريخية معينة يانعة للتغيير وللحرب وللغنى وللأزمة وللتعافي وللسلم. لكن الأفراد يمتلكون أيضًا فاعلية حقيقية، وأفعالنا تقرر العواقب الحقيقية للقوى العظمى أثناء إعادة تشكيلها عالمنا. علينا أن نفهم كلتا الظاهرتين وأن ندرسهما وأن نُعمل فعلنا على العالم اليوم متذكرين بأن كلتا الظاهرتين واقعيتان.

إذن، هل يتحكم البشر بالتقدم؟ نعم ولا. كان هناك صالحٌ وطالحٌ في التاريخ الباروكي. إذا عملنا جاهدين على الأمر، نستطيع إيجاد مقاييس لمقارنة الأزمنة والأمكنة بشكل لا يميز آيديولوجيات محددة، مقاييس على شاكلة وفيات الرضع أو سوء التغذية أو وتيرة المذابح. بل يمكننا حتى إيجاد مقاييس للتقدم الاجتماعي بحيث لا تميّز هذه المقاييس منظومةً أخلاقيةً غربيةً غير قابلة للنقض. إحدى مقاييس التقدم الاجتماعي المفضلة لدي هي: “أي نسبة من سكان المجتمع المعنيّ يمكن لها أن تقتل نسبة أخرى من السكان دون أن تطالها أي عواقب حقيقية؟” الجواب بالنسبة لأمريكا عام ٢٠١٧ حتمًا ليس ٠٪. لكنه ليس ٨٠٪ أيضًا. قل الرقم، وصار الآن أقل بكثير من المعيار الجيوتاريخي. هذا تقدم. هذا ووفيات الرضع والقضاء على الجدري. هذه تحسنات حقيقية للظروف البشرية، وهي من النوع الذي آمن بمجيئه بيكون وأتباعه لو أنهم واصلوا العمل ومحاولة تعلم علل وحركات الأشياء الخفية. وقد كانوا محقين.

يميز التاريخ الباروكي مجموعة محدودة جدًا من القيم. حتى القيم التي تتتبع وفيات الأطفال أو القتل بحصانة تميز قيمًا محددة -الحياة والعدالة والمساواة-، ولكنها تحاول أن تكون ملائمة لأكبر عدد ممكن من الثقافات المختلفة بل وحتى الحقب الزمنية. هي مقاييس سيجدها المسافرون عبر الزمن المحصورون سهلة الشرح حيثما أُلقوا في خط الأرض الزمني العريض. في معرض إجراء المقارنات التاريخية والنقاشات التي يجب علينا الخوض فيها عن التقدم من أجل التشابك مع عالمنا المتغير، فإن هذه المقاييس ومثيلاتها أفضل الأدوات التي نمتلكها في الحاضر.

ونحن آخذون في تعلم وفهم العواقب السلبية العرضية للتقدم، وآخذون في التنبه لها والحد منها ومنعها وصنع شباك أمان. ونحن نتحسن في ذلك أيضًا، حتى لو كان التحسن بطيئًا. ولو فكرتم بالأمر، ليس من الغرابة أننا لم نتقن تنبؤ وتجنب العواقب السلبية للتقدم. بدأنا ملاحقة التقدم نظاميًا في القرن السابع عشر وحسب، ولم نتوصل لفهم أنه قد يؤدي لعواقب سلبية حتى نهاية الثامن عشر. بعد الثورة الفرنسية، حين بدأت معارضة الكولونيالية تكتسب دفعة معنوية، بدأ الناس يعملون بشكلٍ نشط لفهم وتنبؤ الآثار الجانبية السلبية للتقدم. مئة وخمسون عامًا ليست فترة طويلة لدراسة أمرٍ ما، ليس حين يكون النظام الذي نحاول فهمه بالغ التعقيد. القرنين الأولين للبحث الطبي ما-بعد-بيكون بالكاد أثمرا عن أي علاجات حقيقية للأمراض، ولكن القرون التي تلتهما فعلت ذلك. وعلى غرار ذلك، حقيقة أن التقدم ما يزال ينتج عواقب سلبية لا يعني بالضرورة أن البشرية غير قادرة على تعلم التنبؤ والحد من هذه الأضرار، بل يعني فيما يعنيه أنه ما يزال أمامنا الكثير لنتعلمه. ويجب علينا أن نستمر في محاولة تعلمه، في محاولة التحسن فيه، فمهما كان شعورنا حيال مفهوم التقدم، ظاهرة التقدم لن تتوقف.

إعادة تكبير الصورة مؤلم. من السهل قول “الحروب الدينية الفرنسية” ومحو ومضات السلم الصغيرة، لكن من الصعب العيش في ظل الأزمات والإحساس بالخوف والألم، أو مشاهدة صديق يحس بالخوف والألم. أحيانًا أسمع الناس يزعمون بأن الأشياء اليوم -العلاقات العرقية والجنسانية- أسوأ مما كانت عليه إطلاقًا، أي أننا لم نحرز أي تقدم. بشكل شبيه، أعتقد بأن الشخص الذي نشأ في خضم واحدة من تلك التوقفات السلمية المؤقتة في نهاية الحروب الفرنسية الدينية قد يقول، حين يعود العنف، أن الحروب كانت أسوأ مما كانت عليه إطلاقًا، وأن فرنسا أبعد ما تكون عن السلم الحقيقي. ولذا ثقوا بنا نحن المؤرخين حين نقول: ليست الأمور اليوم أسوأ مما كانت عليه إطلاقًا. كانت الأمور في الماضي أسوأ بحق، ولدينا العديد والعديد من الأمثلة التي تثبت ذلك. ولكن، حتى لو لم تكن الأمور اليوم أسوأ مما كانت عليه إطلاقًا، فالعديد من جوانب عالمنا سيئة جدًا جدًا الآن، وهي تؤلم جدًا جدًا.

بطء التقدم الاجتماعي مؤلم، وأعتقد أن ذلك يعود خصيصًا لكونها جوانب التقدم التي بدا وأنها ستجيء أسرع. إبان القرن الأول، حين كان أتباع بيكون ينتظرون بفارغ الصبر أن تقوم اكتشافاتهم الطبية فعلًا بإنقاذ الحيوات، كان التقدم الاجتماعي يصنع المعجزات بالفعل. وسّع عصر التنوير المميزات السياسية وأنهى العذاب على يد القضاء في قارة كاملة، كما وسع التعليم بدرجة بالغة الضخامة. ولّدت هذه الإنجازات إحساسًا اندفاعيًا متهورًا. بحلول عام ١٧٥٠، بدا وأن التقدم الاجتماعي أنجز نصف ما كان لينجزه، فيما بالكاد قد بدأ التقدم التقني. ولكن إذا كان تشارلز بابج قد ابتدأ الحاسوب المبرمج في ١٨٣٣ بحيث صار الآن في جيبي ما يمتلك قوة حسابية أكبر بمئة مرة من الحاسوب الذي جعل أبولو الحادي عشر يصل للقمر، فلماذا ما نزال نفتقر للأجر المتساوي رغم أن أولمب دو گوج كتبت إعلان حقوق النساء والمواطنين عام ١٧٩١؟

لأنه ما يزال هناك الكثير لنتعلمه عن العلل والحركات الخفية للمجتمع البشري. لأن هذا العالم أشد تعقيدًا وترابطًا بكثير مما أدركنا في ١٧٥٠ أو حتى في ١٩٥٠، ولن نفهمه كله حتى بحلول ٢٠٥٠. لكن التقدم الذي ما يزال يؤلمنا لا يعني العجز، على الأقل طالما ما زلنا نتعلم الكثير بسرعة عن العلل الخفية وعن أنفسنا، وطالما ما يزال مشروع فهم التقدم يافعًا. الفعل البشري الذي يقود الطوفان ليس عجزًا أيضًا. يعطينا التاريخ أمثلة لامتناهية عن أفعال بشرية تمكنت من توجيه الطوفان بحق، وحمت وحققت بل وحسنت ربما كل الأمور التي وُجّه لها. لذا إذا كان هناك سد على وشك الانهيار الآن، قوى التاريخ العظمى على استعداد بأن تدلنا على تغيير، وستتشكل هذه القوى بواسطة الأفعال البشرية. ستتشكل بواسطة فعلنا المُقاد بمعرفتنا الآخذة في النمو كل يوم.

 

 


 

[i]  من الصعب إيجاد ترجمة دقيقة لمصطلح “Whig history”. أول من استخدم المصطلح هو هربرت بترفيلد في كتابه The Whig Interpretation of History. بحسب استخدامه، يشير المصطلح لميل بعض المؤرخين لقراءة التاريخ وفق منهجيات محددة واستنباطات معينة، خصوصًا فيما يتعلق بالتغير التاريخي والعملية التاريخية. صعوبة ترجمة المصطلح كامنة في دخول الحزب اليميني (Whig party) إلى الساحة السياسية في بريطانيا وأمريكا، ومن الضروري الإشارة إلى أنه لا علاقة بين التاريخ الباروكي والحزب اليميني أو الفكر المحافظ.

[ii] Proto-modern. مقطع “proto” يشير إلى الشيء في طور مهده أو بدايته. لذلك، أن يكون أمر ما “مهد-حديثًا” قد يعني أنه مقولب ضمن إطار معين لمفهوم الحديث، أي أنه يشكل جزءًا من المرحلة التمهيدية لعملية تكون المفهوم.

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق