أوراق ودراسات

ما قالته السّلحفاة لأخيل

لويس كارول - ترجمة: مارك شوفاني

لتحميل الورقة : ما قالته السلحفاة لأخيل


لويس كارول‏ ‏هو الاسم المستعار للكاتب الإنجليزي تشارلز لوتويدج دودسن (1832 – 1898)، صاحب رواية «أليس في بلاد العجائب» (1865). «ما قالته السّلحفاة لأخيل» (1895) هي ورقة أكاديميّة فلسفيّة لكارول، تمتاز بالنمط الحواري السّردي، وتفيد بأنه لا يمكن لعلم المنطق أن يبني الأُسُس المنطقية بذاته. إنّ شخصيّات هذه المقالة مستمدّة من قصة «أخيل والسّلحفاة» التي وردت في «مفارقات زينون» للفيلسوف اليوناني زينون الإيلي.

******

تجاوز أخيل السّلحفاة[1]، وجلس على ظهرها مرتاحًا.

– قالت السّلحفاة: «أوصلت إذن إلى نهاية مسار سباقنا، على الرغم من كونه مسارًا يتألّف فعلًا من سلسلةٍ لانهائيّةٍ من المسافات؟ ظننت أنّ أحد الحكماء أثبت أنّ هذا الأمر لا يمكن تحقيقه!».

– قال أخيل: «بل يمكن تحقيقه، وقد تحقّق! تمّ حلّها مشيًا[2]. رأيت المسافات تتقلّص بشكلٍ متواصلٍ؛ لذا-».

– قاطعت كلامه السّلحفاة سائلةً: «ولكن كيف يحدث ذلك إذا كانت المسافات تتزايد بشكلٍ متواصلٍ؟».

– أجاب أخيل: «إذن لما كنتُ هنا؛ وبحلول هذا الوقت، يفترض أن تدوري العالم عدّة مراتٍ!».

– قالت السّلحفاة: «أنت تجاملني-تسحقني، أعني، لأنك ثقيل الوزن، بلا شك! حسنًا، هل تودّ الآن أن تسمع عن مسار سباقٍ يخال معظم الناس أنّهم يستطيعون بلوغ نهايته في خطوتين أو ثلاث خطواتٍ، في حين أنه في الواقع يتكوّن من عددٍ لانهائيٍّ من المسافات، حيث تكون كلّ خطوة أطول من سابقتها؟».

– فأجاب المحارب الإغريقي، فيما سحب من خوذته دفترًا ضخمًا وقلم رصاصٍ (في تلك الأيام، امتلك عددٌ قليلٌ من المحاربين الإغريقيين جيوبًا): «طبعًا! تابعي! وتحدّثي ببطءٍ، من فضلك! فلم تُبتكر الاختصارات بعد!».

– همست السّلحفاة: «القضية الأولى الرّائعة لإقليدس!» ثم قالت: «هل تقدّر إقليدس؟».

– «حتمًا! أقدّره بقدر ما يستطيع المرء تقدير دراسةٍ لن تنشر إلّا بعد عدّة قرونٍ!».

– «حسنًا، دعنا نفحص الآن جزءٍ من حجّة تلك القضيّة الأولى: خطوتان فقط، والاستنتاج المستخلص منهما. لطفًا، دوّنهم في دفترك. ومن أجل الإشارة إليهم بسهولةٍ، دعنا نسمّيهم (أ)، و(ب)، و(غ):

(أ) الأشياء التي تساوي المقدار ذاته، تساوي بعضها أيضًا.

(ب) ضلعا هذا المثلّث متساويان في المقدار.

(غ) ضلعا هذا المثلّث متساويان.

أفترض أنّ قرّاء إقليدس سيسلّمون أنّ (غ) تلزم منطقيًا عن (أ) و(ب)، لذلك إذا سلّم المرء بأنّ (أ) و(ب) قضيّتان صادقتان، فعليه أن يسلّم بأنّ (غ) صادقةٌ؟».

– «لا شكّ في ذلك! وهو ما سيسلم به أصغر تلميذٍ في المدرسة الثانوية، طبعًا حالما يتمّ إنشاء المدارس الثانوية، وهذا لن يحدث إلّا بعد مرور ألفي عامٍ تقريبًا».

– «وحتى لو لم يسلّم القارئ بأنّ (أ) و(ب) صادقتان؛ فقد يُسلّم بأن تسلسل الاستنتاج صحيحٌ؟».

– «لا شك في وجود قارئ كهذا، فقد يقول يقول “أنا أسلّم بالقضيّة الافتراضية الآتية: إذا كانتا (أ) و(ب) صادقتين، فيجب أن تكون (غ) صادقةً؛ لكنّني لا أسلّم بأنّ (أ) و(ب) صادقتان”. لذا سيكون من الحكمة أن يتخلّى هذا القارئ عن قراءة إقليدس ويلعب كرة القدم».

– «ألا يمكن أن يقول قارئ آخرٌ: “أنا أسلّم بأنّ القضيّتين (أ) و(ب) صادقتان، لكنّني لا أسلّم بهذه القضيّة الافتراضية؟».

– «حتمًا هذا ممكنٌ. لذلك من الأفضل له أيضًا أن يلعب كرة القدم».

– وتابعت السّلحفاة قائلةً: «إذن، لا يخضع أيُّ من هذين القارئين إلى أيّة ضرورةٍ منطقيةٍ تفيد بأنّ (غ) صادقةٌ؟».

– فردّ أخيل على كلامها مؤكّدًا: «تمامًا».

– «حسنًا، أريدك أن تعتبرني كالقارئ الثاني، وأن تدفعني منطقيًا إلى التّسليم بأنّ (غ) صادقةٌ».

– شرع أخيل في كلامه «سلحفاةٌ تلعب كرة القدم سيكون أمرًا-»، ثم قاطعته السّلحفاة قائلةً: «-شاذًا، طبعًا. لكن لا تبتعد عن الموضوع. دعنا نصل إلى (غ) أولًا، ثم نبلغ كرة القدم لاحقًا!».

– قال أخيل متأملًا: «يجب أن أدفعك إلى التّسليم بأنّ (غ) صادقةٌ، أليس كذلك؟ وموقفك الحالي هو أنك تسلّمين بأنّ (أ) و(ب) صادقتان، لكنك لا تسلّمين بالقضيّة الافتراضية-».

– قالت السّلحفاة: «لنسميها (ج)».

– «-لكنك لا تسلّمين بالقضيّة (ج)، وهي:

(ج) إذا كانت (أ) و(ب) صادقتين؛ فيجب أن تكون (غ) صادقةً».

– أجابت السّلحفاة: «هذا هو موقفي الحالي».

– «إذن لا بد أن أطلب منك التّسليم بالقضيّة (ج)».

– أجابت السّلحفاة: «سأفعل ذلك حالما تدونها في دفترك. قل لي، ما الأمور الأخرى التي دوّنتها في هذا الدفتر؟».

– قال أخيل، وهو يقلب الصّفحات منفعلًا: «لا شيء سوى بعض المذكّرات، بضع مذكراتٍ عن-عن المعارك التي تميّزت فيها!».

– علّقت السّلحفاة ممازحةً: «أرى الكثير من الأوراق الفارغة! سنحتاجها كلّها!» (ارتعش أخيل). «اكتب الآن كما أُملي عليك:

(أ) الأشياء التي تساوي المقدار ذاته، تساوي بعضها أيضًا.

(ب) ضلعا هذا المثلّث متساويان في المقدار.

        (ج) إذا كانت (أ) و(ب) صادقتين، فيجب أن تكون (غ) صادقةً.

(غ) ضلعا هذا المثلّث متساويان».

– ثمّ قال أخيل: «يجب أن تسمّيها (د)، وليس (غ)، فهي تأتي بعد القضايا الثّلاث الأخرى. إذا سلّمتِ بالقضايا (أ) و(ب) و(ج)؛ فيجب أن تسلّمي بالقضيّة (غ)».

– «ولماذا يجب عليّ ذلك؟».

– «لأنها تلزم منطقيًّا عن بقية القضايا: إذا كانت (أ) و(ب) و(ج) صادقةً؛ فيجب أن تكون (غ) صادقةً. لا أظنك تجادلين في هذا؟».

– كرّرت السّلحفاة بتأنٍّ: «إذا كانت (أ) و(ب) و(ج) صادقةً؛ فيجب أن تكون (غ) صادقةً. أليست هذه قضيةٌ افتراضية أخرى؟ وإذا عجزتُ عن التّنبّه إلى صدقها؛ فيمكنني أن أسلّم بالقضايا (أ) و(ب) و(ج)، ومع ذلك لا أسلّم بالقضيّة (غ)، ألا أيمكنني فعل ذلك؟».

– فأقرّ البطل النزيه: «يمكنك فعل ذلك. على الرغم من أنّ هذه البلادة ستكون حالة غير عادية؛ إلا أن وقوع ذلك ممكن. لذلك يجب أن أطلب منك التّسليم بقضيّةٍ افتراضية أخرى».

– «رائعٌ! لأنني مستعدّةٌ إلى التّسليم بها، وذلك فور أن تدوّنها. ولنسمّيها:

        (د) إذا كانت (أ) و(ب) و(ج) صادقةً، فيجب أن تكون (غ) صادقةً.

        أدوّنتها في دفترك؟».

– صاح أخيل فرحًا، وهو يمرّر القلم على جيبه: «نعم! وأخيرًا وصلنا إلى نهاية هذا السّباق الذّهنيّ! إذْ لأنّكِ قد سلّمت بالقضايا (أ) و(ب) و(ج) و(د)، فأنتِ حتمًا تسلّمين بالقضيّة (غ)».

– قالت السّلحفاة ببراءةٍ: «أأفعل ذلك؟ دعنا نوضّح الأمر توضيحًا تامًّا. أنا أسلّم بأنّ القضايا (أ) و(ب) و(ج) و(د) صادقةٌ. وافترض أنني ما زلت أرفض التّسليم بأنّ القضيّة (غ) صادقةٌ، ماذا ستكون ردّة فعلك؟».

– أجاب أخيل منتصرًا: «إذن على علم المنطق أن يمسك بخناقك ويرغمك على التّسليم! سيقول لك علم المنطق “لا مفر، الآن بعد أن سلّمتِ بالقضايا (أ) و(ب) و(ج) و(د)، فعليكِ أن تسلّمي بالقضيّة (غ)!” لا خيار أمامك».

– قالت السّلحفاة: «يجب تدوين كلّ ما يريد علم المنطق قوله لي. إذن دوّنها على دفترك، من فضلك. سوف نسمّيها:

        (هـ) إذا كانت (أ) و(ب) و(ج) و(د) صادقةً، فيجب أن تكون (غ) صادقةً. طبعًا ريثما أسلّم بذلك، لا أحتاج أن أسلّم بالقضيّة (غ)؛ فهذه الخطوة ضروريةٌ، أرأيت ذلك؟».

        – أجاب أخيل: «نعم» وقد لفّ الحزن صوته.

 

في هذه الأثناء، اضطرّ الرّاوي إلى مغادرة الثّنائي السّعيد، حيث استعجله عملٌ ملحٌّ في البنك، ولم يخطُ مكانهما مرةً أخرى إلّا بعد بضعة أشهرٍ. عندما قام بذلك، كان أخيل ما يزال جالسًا على ظهر السّلحفاة، وكان يكتب على دفتره الذي بدا ممتلئًا تقريبًا. وكانت السّلحفاة تقول: «هل قمتَ بتدوين هذه الخطوة الأخيرة؟ وصلنا إلى ألفٍ وواحدٍ ما لم أُخطئ في العدّ. هناك عدّة ملايينٍ من الخطوات الأخرى قادمةٌ. ونظرًا إلى الفوائد الكثيرة التي سيقدّمها هذا الحوار لعلماء المنطق في القرن التاسع عشر، هل بإمكانك تبنّي الدّعابة اللّفظيّة التي سيصنعها قريبي، الأَطُوم الزّائف[3]، وتقبل بأن يكون اسمكَ Taught-Us؟».

أجاب المحارب المُنهَك وهو يُخفي وجهه بين يديه، فيما اعتلى اليأس نبرته: «كما يحلو لكِ! شرطَ أن تتبنّي، من جهتك، الدّعابة اللّفظيّة التي لم يصنعها الأَطُوم الزّائف، وتسمّي نفسكِ A Kill-Ease[4]!».


[1] يكتب لويس كارول «سلحفاة» بالحرف الكبير، أي Tortoise وليس tortoise، وكأنه اسم علم (المترجم).

[2] «تمّ حلّها مشيًا» هي ترجمةٌ للعبارة اللّاتينية Solvitur ambulando، وتعني أنّ الحلّ للمشكلة كان عمليًّا لا نظريًّا (المترجم).

[3] «الأَطُوم الزائف» ترجمة Mock-Turtle، شخصيّة سلحفاةٍ بحريّةٍ في رواية لويس كارول «أليس في بلاد العجائب»، حيث يخبر أليس بأنّ اسم أستاذه سلحفاة (Tortoise) لأنه كان يعلّمهم (he Taught-Us). إذ تُلفَظ «سلحفاة» (Tortoise) و«علّمنا» (Taught-Us) بطريقةٍ مشابهةٍ في اللّغة الانجليزية.

[4] A Kill-Ease تعني «قاتل الرّاحة» وتُلفظ بطريقةٍ مشابهةٍ لاسم أخيل باللّغة الإنجليزية (Achilles).


المصدر:

Mind, New Series, Vol. 4, No. 14 (Apr., 1895), pp. 278-280

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى