مقالات

بُغض الجنس البشري والفضيلة – رجا حلواني

ترجمة: بدر الدين مصطفى

أنا مُبغِضٌ للجنس البشري misanthrope *، وأطمح أن أكون فاضلًا قدر الإمكان. لكن إذا كان بُغض الجنس البشري misanthropy يعني، باختصار، النفور dislike من الإنسانية، فهل يمكن للمرء أن يكون مُبغِضًا وفي الوقت ذاته فاضلًا؟ هذا هو السؤال الذي أود التطرق إليه في مقالتي.[1]

لبغض البشر بعض السمات[2] التي يُعدّ فهمها مثير للاهتمام من الناحية الفلسفية، كما يقدم يد العون للإجابة عن السؤال المتعلق بالفضيلة.

(1) يعني بُغض الجنس البشري اتخاذ موقف مُبغِض للإنسانية بشكل عام، وليس بالضرورة من كل إنسان على حده- يمكن للمرء أن يكون مُبغِضًا للجنس البشري وفي الوقت ذاته قادرًا على الإعجاب، والحب، والاحترام، والتبجيل، والاقتداء بشخص محدد، سواء كانت هذه المشاعر موجهة نحو مقربين منه أم نحو غرباء عنه. بالطبع، يمكن للمرء أيضًا أن يكون مُبغِضًا للجنس البشري ومُبغِضًا لمعظم الناس أيضًا؛ حتى لو كان ذلك لكل شخص على حِده.

(2) يعني بُغض الجنس البشري اتخاذ موقف مُبغِضًا للإنسانية لأنها مخيبة للآمال[3] failure**. ما سبب هذه الوصمة؟ لن أستطرد هنا كثيرًا لأن ثلة من الفلاسفة قد أدلوا بدلوهم في هذا الشأن.[4] ولكن ثمة لائحة عامة من الأسباب يمكن الاستناد إليها هنا. نفسية: غالبًا ما تقع الموجودات الإنسانية في حالة من الاضطراب العقلي، مثل القلق، والخوف، والحسد، والبغض والغضب، وخداع النفس، والحساسية الانفعالية، والتعاطف أو الشفقة في غير محلهما، وتضخم الذات، والاحتقار، والغطرسة. فكرية: كثيرًا ما يظهر البشر الجهل والغباء والحمق وغياب الحكمة وعدم النضج والعقل المنغلق، والتحيز، والتفكير الخرافي، والسطحية. أخلاقية: في كثير من الأحيان، يتصرف البشر على نحو مرعب؛ إنهم يكذبون، ويغشون، ويسرقون، ويقتلون، ويغتصبون، ويعذبون، ويحتقرون، ويبتزون، ويفشلون في إظهار السلوك والمشاعر المناسبة (أو إظهار المشاعر الخاطئة). للبشر أيضًا مجموعة من الرذائل: هم قساة، أنانيون، نرجسيون، حُقُد، متعجرفون، سطحيون، فاترون في مشاعرهم، فوضويون، مفرطون، وغير مبالين. إضافة إلى ما سبق، هم يعرفون، في الغالب، أنهم كذلك ويسعون جاهدين إلى إخفاء ذلك عن الآخرين.[5] جمالية: يمكن أن يكون الإنسان “قذرًا” و”عفنًا” و”مثيرًا للتقزز”،[6] لكن الجمالية التي تهمني هي تلك التي تنبثق من القصور النفسي والفكري والأخلاقي معًا لتشكل صورة عامة للموجودات الإنسانية، حيث لا يبدو أننا كيانات جمالية مبهجة، كائنات مثيرة للاحترام، ناهيك عن كونها مثيرة للإعجاب.

لنلاحظ شيئين. أولاً، الإخفاق أعلاه هو على درجة ما من الانتشار: يحدث عبر شريحة واسعة من الإنسانية، وهو عابر للثقافات والطبقات والأجناس والأنواع والأعمار.[7] كما أنه عابر أيضًا للعصور المختلفة؛ ملازم لنا منذ وجودنا، ولو أنه وصل إلى ذروته في فترات محددة من التاريخ (لتقديم أربعة أمثلة): العبودية، والمحرقة، ومعسكرات العمل السوفيتية، والإبادة الجماعية للحيوانات.

ثانيًا، على الرغم من أنه من المغري التوسل بالخيرية الإنسانية مثل الإحسان والكرم والود والرحمة والبطولة، كصفات تُجابه الادعاء بشيوع المثالب الإنسانية، لنتذكر أن الكثير من هذه الصفات الخيرية للإنسانية هي نوع من التجاوب مع الإخفاقات؛ أي أننا لسنا في عوز إلى معظمها إلا لأن القصور البشري قائم بالفعل.***

(3) مع الوضع في الاعتبار الإخفاقات المذكورة أعلاه ومدى انتشارها، فإن بُغض الجنس البشري يبدو موقفًا له ما يبرره. وجزءٌ مما يعنيه هذا هو أنه حتى إذا لم يكن هذا الموقف صحيحًا في نهاية المطاف، فلدينا أسباب جيدة جدًا للاعتقاد فيه. هنا، دعونا نفرق بين سبب الموقف المُبغِض للإنسانية ومبدأه الأساسي، والمتمثل في الرذائل البشرية والإخفاقات الأخرى، وبين موضوع هذا الموقف أو هدفه، وهو الإنسانية نفسها، بشكل جماعي، وفي كثير من الحالات، بشكل فردي.

(4) وعليه، ينبعث بُغض الجنس البشري من تقييم للإنسانية بالفشل. وبالتالي فهو ليس شعورًا محضًا، بل حكمًا، وموقفًا، تجاه الإنسانية أو وجهة نظرٍ صوبها، على الرغم من أنه غالبًا ما يكون مصحوبًا بمشاعر مثل الألم والاشمئزاز والغضب والإحباط واليأس.

ورغم أن بغض الجنس البشري ليس شعورًا خالصًا وينطوي على حكم ما، فإن السؤال المثير للاهتمام يتعلق بما إذا لم يكن حكمًا مجردًا فقط. هل يجب أن يكون مصحوبًا بشعور أو رد فعل عاطفي، حتى لو لم يكن رد الفعل هذا ملموسًا طوال الوقت؟[8] يمكن للمرء أن يدعي وجوب هذا، لأنه في حال ما إذا لم يكن كذلك سيُفرغ مفهوم بغض الجنس البشري من دلالته الحاسمة على البُغض، وهذه الأخيرة هي بالتأكيد شعور من نوع ما. ولكن ما هي ردود الفعل تلك؟

يمكن تمييز ردود الفعل وفقًا لمحتواها ونوعها. من حيث المحتوى، قد تتراوح ردود الفعل من القوي إلى الضعيف، مثل الازدراء والاشمئزاز والبغض والغضب والمرارة والإحباط وخيبة الأمل والحزن والاعتزال واليأس. كل من هذه التجاوبات يمكن أن يشكل ردًا للفعل على إخفاق البشرية. أما من حيث النوع، فيمكن أن تكون ردود الفعل خلفية background وظرفية  situational (ترتبط بموقف محدد). أعني بـ”الخلفية” المشاعر العامة التي تصبغ رد فعل معين على إخفاق الجنس البشري من قبل شخص مُبغِّضًا لها. وأعني بـ”الظرفية” رد الفعل على موقف معين. على سبيل المثال لدينا  X وY وZ يمثلون ذواتٍ باغضة للجنس البشري تمتلك ردود فعل خلفية مختلفة: ينظر X للإنسانية بنوع من المرارة (الحسرة)، أما Y فبغضب، في حين تزدريها  Z. ومع ذلك، يمكن لكل واحد منهم أن يتجاوب مع موقف معين برد الفعل ذاته؛ بالحزن على سبيل المثال إزاء واقعة ما حدثت أمامه، مثل مشاهدة شخص يصطاد حيوانًا على سبيل الرياضة. كما يمكنهم، بالطبع، أن يتفاعلوا بشكل مختلف مع الموقف، ولكن الهدف من المثال السابق تسليط الضوء على التمايز بين ردود الفعل الخلفية والظرفية.

ما يهم هنا هو ردود الفعل الخلفية، لأنها ردود فعل إزاء الإنسانية بشكل عام، وليس صوب بشر معينين. ردود الفعل الخلفية لا يعتريها الغموض. فكر فيها على أنها رد فعل عاطفي يتملك الشخص الباغض عند التفكير في الإنسانية وإخفاقاتها أو عند رؤية فعل أو شخصية إنسانية سيئة. ومثلما قد يشعر المرء بالابتهاج حال تفكيره في الموسيقى المفضلة لديه، فإن التفكير في الإنسانية يمكنه أن يولد لدى أولئك الباغضون للجنس البشري شعورًا بالغضب أو الحزن أو أي من ردود الفعل المذكورة آنفًا. إنها صبغة عاطفية تسم شخصية المُبغِض للجنس البشري إزاء ما يتعلق بالإنسانية.

هل يمكن لشخص ما أن يكون مُبغِضًا للجنس البشري ولا يمتلك رد فعل خلفي؟ أعتقد نعم، ولكن للحفاظ قدر الإمكان على قوة المناقشة، دعونا نقول أن الشخص الباغض للجنس البشري لديه هذا الرد فعل، فهل يكون سلبيًا بالضرورة، أم ثمة احتمال بأن يكون إيجابي؛ مثل الرحمة والتعاطف والشفقة؟ بعد كل شيء، غالبًا ما نشعر بالشفقة أو التعاطف صوب أشخاص محددين نعتقد أنهم أخفقوا، حتى مع ما اقترفوه من ذنب.

يعتمد الجواب على كيفية فهمنا “للنفور dislike”: إذا كان النفور يمكن أن يكون مسألة حكم خالصة، فعندئذ يمكن موضعة بعض باغضي الجنس البشري من الناس على أساس ارتباط موقفهم بحكم الإخفاق، وبعيدًا عن هذا الحكم من الممكن أن تكون لديهم ردود فعل خلفية إيجابية. أطلق على هذا “بغض الجنس البشري الخفيفة (أو “الضعيفة”)”. أما إذا كان النفور مسألة شعور، فإن بغض الجنس البشري لا يمكن أن يكون مجرد قضية حكم، بل يجب أن يتضمن رد فعل خلفي، ويجب أن يكون رد الفعل سلبي حتى يُصنف كنفور. أطلق على هذا النوع “بغض الجنس البشري القوي” (أو “الشديد”).[9]

(5) يتخذ بُغض الجنس البشري موقفًا من الإنسانية من منطلق كونها جديرة باللوم على إخفاقها؛ تستحق التوبيخ عليه. وإخفاق البشرية ليس هو ذلك الفشل الذي يحدث رغمًا عنا ومع بذل أقصى جهودنا لتفاديه. فهذا الشكل من الإخفاق يجب أن يثير الشفقة، لا البغض. لقد أخفقت الإنسانية في شيء لم يكن من المتوجب أن تفشل فيه. إذا لم يكن الإخفاق مستدعيًا للوم، فلن يكون نطاق ردود الأفعال عليه مبررًا أو عقلانيًا: المرارة والإحباط وخيبة الأمل والغضب والبغض، كلها ستكون ردود أفعال غير مبررة أو غير عقلانية.[10] سيكون الأمر مثل الشعور بالإحباط (الغضب أو خيبة الأمل) من جهاز الكومبيوتر الخاص بك أو من القطة- وهو أمر يمكن استيعابه، ولكنه في النهاية غير عقلاني ولا يمكن تسويغه.

(6) بُغض البشر هو نفورٌ موجه للجنس البشري من قبل موجودات بشرية، وليس من قبل الكائنات الأخرى التي يمكنها أيضًا تقييمنا (الملائكة، أو كائنات مفترض انتماؤها إلى الفضاء الخارجي، أو الإله، على الرغم من أن السؤال حول ما إذا كان الإله كارهًا للبشر مثيرٌ في حد ذاته).[11] حتى إذا كنا نعتقد أن الكائنات من غير البشر يمكن أن يكونوا مُبغِضين للجنس البشري، فإن بُغض الجنس البشري، حال تبنّيه من البشر أنفسهم، يغدو أكثر دلالة وإثارة للاهتمام، تمامًا مثلما أن إحباط المرء من أفراد أسرته يختلف عن إحباطه من الغرباء.

(7) يمكن أن يكون بُغض الجنس البشري تفاؤلي الطابع أو تشاؤمي. يفترض التفاؤل ضمنًا أن البشرية قادرة على التعلم والتطور، في حين ينفي المقابل التشاؤمي هذا التضمين. فهو ينكر هذا الافتراض الضمني ليس لأن البشر غير مؤهلين للتطور، ولكن لأن تاريخنا لا يقدم لنا أي سبب لتوقع التغير صوب الأفضل- يجب أن يفترض كلا البديلين المتعارضين من بغض الجنس البشري أن لدينا بعض القدرة على التطور من أجل وضع البشرية موضع مساءلة.

مع الوضع في الاعتبار الخصائص المذكورة أعلاه، هل يمكن أن يكون الشخص المُبغِض للجنس البشري فاضلًا؟ ما الفضائل التي من المفترض أن تمتلكها تجاه بني البشر في حال ما إذا كنت تحملين نفورًا تجاههم؟ يبدو هذا السؤال مُلحًّا لسببين. أولاً، الفضائل هي حالات لا تستدعي في الغالب الفعل بالطرق الصحيحة فحسب، بل أيضًا الشعور بالعواطف الملائمة، والعديد من تلك العواطف تكون إيجابية. فالفضائل مثل الرعاية والحب والكرم والود ترافقها مشاعر مثل التعاطف والشفقة والإعجاب والبهجة والحنان. ثانيًا، يبدو أن الفضائل وأخلاق الفضيلة يتطلبان اعتماد منظورٍ إيجابي للجنس البشري: العدل والشجاعة والاعتدال والرعاية والكرم والود والصبر والمحبة، كلها فضائل تفترض موقفًا خاصًا تجاه بني البشر: إنها تستأهل كل النتائج والمواقف التي تنتج على التوالي من الفضائل والكامنة خلفها. لرؤية ذلك بشكل أفضل، لنقارنه مع المقطع الشهير الذي ورد في أسس ميتافيزيقا الأخلاق Kant’s Groundwork، حيث يناقش كانط أولئك الذين جعلتهم الطبيعة “متبلدون ولا يكترثون بمعاناة الآخرين” والذين هم، على الرغم من ذلك، قادرون على مساعدة الآخرين فقط بدافع من الواجب duty. الآن، لنغيّر الحالة ونضع محل أولئك شخصًا مُبغِضًا للإنسانية، لكنه مع ذلك على قناعة بأن من واجبه مساعدة الآخرين. من هنا واستنادًا إلى الأخلاقيات الكانطية، يمكن لمُبغِض الجنس البشري أن يتصرف من منطلق الشعور بالواجب، دون الحاجة إلى العواطف الملائمة المصاحبة لتلك التصرفات. [12]وإذا كان هذا الأمر لا يشكل خيارًا لأخلاق الفضيلة، فإن ما يبدو عليه الشخص المُبغِض للجنس البشري المتمتع بالفضيلة يتوجب تفريغه.

ومع ذلك فإن أخلاق الفضيلة، ليست هي أخلاقيات المشاعر الإيجابية فقط. فحسبما يكون الموقف، يمكن للشخص الفاضل أن يشعر بمشاعر سلبية تجاه الآخرين. على سبيل المثال، يجب أن تؤدي مشاهدة أفعال مثل الإساءة والقسوة والسرقة والاستغلال إلى ردود فعل مثل الغضب والإحباط والاشمئزاز، وحتى ازدراء الشخص الذي يقوم بالفعل. باختصار، لا يوجد أي سبب داخل أخلاقيات الفضيلة يستدعي استبعاد اختبار مثل هذه العواطف. في الواقع، وبالنظر إلى العدد الكبير من الأفعال السيئة التي تحدث، سيواجه الشخص الفاضل مشاعر سلبية في مناسبات عديدة.

ومع الوضع في الاعتبار أن بغض الجنس البشري هو نوع من النفور الموجه صوب البشرية بشكل عام، فإن المُبغِض للجنس البشري يمكنه أن يتجاوب مع بعض المواقف الظرفية وصوب أشخاص معينين، إما من أجل ما يكونونه أو من أجل ما فعلوه، بمشاعر الحب، والحنان، والإعجاب، والتعاطف، والولع، وما إلى ذلك. على سبيل المثال، قد يتفاعل الشخص المُبغِض للجنس البشري بمشاعر إيجابية عند مشاهدة شخص ينقذ حيوانًا، أو يحسن إلى شخص بلا مأوى، أو يتصرف بصدق وأمانة، وما إلى ذلك.

لاحظ أيضًا أنه في الحالات التي يشعر فيها الشخص المُبغِض للجنس البشري بمشاعر سلبية، يمكنه أن يشعر بها لنفس الأسباب التي يشعر بها الشخص الفاضل: ليس لأن هذه الحالات ينخرط فيها أشخاص، بل لكون هؤلاء الأشخاص يتصرفون على نحو سيئ. الفكرة هنا أنه من الناحية الظرفية، يمكن أن تكون ردود فعل الشخص المُبغِض للجنس البشري على الأفراد وأفعالهم متدرجة من السلبي إلى الإيجابي، مثل ردود فعل الشخص الفاضل. وبقدر ما يتعلق الأمر بمواقف معينة، لا يوجد ثمة ما يحول بين أن يكون المرء المُبغِض للجنس البشري فاضلًا وأن يكون الشخص الفاضل مُبغِضًا للجنس البشري.

إذا كان ثمة ما يحول، فقد يكون مرجعه إلى أن الشخص الفاضل ليس على قناعة بأن الإنسانية مخيبة للآمال، أو ربما يكون على قناعة بذلك ولكن ليس ثمة عاطفة سلبية تتملكه تجاه الإنسانية (لن يكون مُبغِضًا من النوع القوي).

هل ثمة سبب يمنع الشخص الفاضل من الحكم على الإنسانية بالإخفاق؟ بمعنى، هل يمكن أن يكون هذا الحكم أو المعتقد جزءًا من الحكمة (النظرية) للشخص الفاضل؟ ومع الوضع في الاعتبار أن الحكمة تعمّ كل فضيلة، وما يترتب على ذلك من مساعدتها على توجيه الفضيلة إلى ما هو قيّم ومهم وإلى كيفية التصرف في مواقف محددة، هل هناك أيّ فضائل لا يتوافق وجودها مع جوهر فكرة بُغض الجنس البشري؟ لا يمكنني التفكير في فضيلة واحدة بمقدورها أن تشكل عقبة كأداء أمام ذلك (باستثناء واحدة). إن كافة الفضائل تميل إلى الإعلان عن نفسها في التفاعلات البين شخصية، وكما رأينا، بمقدور الشخص المُبغِض للجنس البشري أن يشعر بالعواطف الصحيحة ويعامل الآخرين بشكل جيّد في مثل هذه المواقف التي تستدعي تلك العواطف. الاستثناء الوحيد هو فضيلة الأمل لأنها قد تتعارض مع فكرة الإنسانية المخيبة للآمال؛ إذا افترضنا أن الأمل يتطلب الاعتقاد بأن الإنسانية قابلة للإصلاح أو أنها خيرة في الأساس.

هنا، لاحظ ثلاثة أشياء. أولاً، يمكن للشخص الفاضل أن يكون مُبغِضًا للإنسانية ومتفائلًا. ثانيًا، حتى في حالة المُبغِض المتشائم، يمكن الاحتفاظ بفضيلة الأمل فيما يتعلق بأمور أخرى مختلفة بخلاف النجاحات المستقبلية للبشرية. يمكن لتلك الفضيلة أن تلتصق بحالات وأشخاص معينين. لذا يمكننا الاحتفاظ بالأمل كفضيلة ولكن بعدما نضيق من نطاقها. ثالثًا، وهو أمر مرتبط بالفكرة السابقة، فإن تضييق نطاق الأمل، بعد استبعاد الجانب المتعلق بمستقبل البشرية منه، ليس له آثار سلبية على فضيلة الشخص، لأن هذا الأمل فكري أكثر من كونه أخلاقي، حيث يحيل إلى أفكار تدور حول احتمالية إخفاق البشرية أو نجاحها. لذا فإن استبعاده لا يعد مسألة أخلاقية بل فكرية. وهكذا، يبدو أن ليس ثمة فضيلة تستدعي التعارض مع الحكم القائل بأن الإنسانية مخيبة للآمال.

يتركنا ما سبق وجهًا لوجه مع التساؤل حول ما إذا كان الشخص الفاضل مؤهلًا لأن يكون مُبغِضًا للإنسانية من النوع القوي. وجوابي هو: نعم، إنه مؤهل لذلك. لأن استهداف البُغض البشري للإنسانية بشكل عام، وليس لحالات محددة، يتيح للشخص الفاضل أن يكون له رد فعل خلفي سلبي، وفي الوقت ذاته يمكنه الشعور بالعواطف الظرفية، بصرف النظر عما إذا كانت إيجابية أو سلبية. ومع ذلك فإن إجابتي بأنه مؤهل، يعود إلى أن بعض المشاعر السلبية الخلفية قد لا تكون ممكنة لشخص فاضل. فقد يحول الازدراء والبغض والمرارة العميقة والاعتزال دون القيام ببعض الأفعال أو القيام بها دون المشاعر الملائمة. على سبيل المثال، قد لا يكون الشخص المُبغِض للبشرية قادرًا على القيام بأفعال متعاطفة أصيلة والتي تستدعيها بعض المواقف. وبالتالي، ربما تكون فقط ردود الفعل السلبية الخلفية هذه، التي لا تمنع المشاعر والأفعال الظرفية الإيجابية، هي تلك التي يمكن أن يتمتع بها الشخص الفاضل.

إذن، هل الاختلافات بين الشخص المُبغِض للجنس للبشري (من النوع القوي) المتمتع بالفضيلة وبين الفاضل غير المُبغِض للجنس البشري، يمكن تحديدها في “الحكم بفشل البشرية من قبل المُبغِض إضافة إلى رد الفعل الخلفي”، وكلاهما غير فعالين من الناحية الظرفية؟ الإجابة لا. فهناك اختلاف آخر مهم، وهو أن أفعال المُبغِض للجنس البشري (من النوع القوي) المتمتع بالفضيلة، ستكون في بعض الأحيان مرتبطة أو مصحوبة بفكرة إضافية أو عاطفة تعكس هذا البغض. لنأخذ شخصين فاضلين ينقذان كلبًا تعرض للإساءة من صاحبه. سيشعر كل منهما بالشفقة على الحيوان وربما الغضب تجاه صاحبه، لكن مشاعر المُبغِض للجنس البشري قد تكون مصحوبة أيضًا باعتقاد مفاده أن هذا مثال آخر على إخفاق البشرية، وقد تكون مصبوغة أيضًا برد فعل خلفي له، على سبيل المثال، الحزن أو المرارة. تأمل في شخصين فاضلين يشعران بالامتنان تجاه دماثة خلق شخص غريب تجاههما. قد يصاحب شعور المُبغِض فكرة مؤداها أن هناك أناس صالحين في العالم. باختصار، ربما تكون أفعال المُبغِض الفاضل والمشاعر والأحكام المتعلقة بحالات معينة قد أضافت عناصر- المزيد من المعتقدات والأحكام والمشاعر- المشتقة من حالة بُغض الجنس البشري.[13] بطبيعة الحال، ليس شرطًا لتلك العناصر أن تكون حاضرة بالضرورة، ولكن في حال حضورها، ستكون عاملاً تمييزيًا إضافيًا بين الشخص المُبغِض للجنس البشري والمتمتع بالفضيلة والفاضل غير المُبغِض للجنس البشري.

إن البشر موجودات عقلانية. عقلانيتنا هي ما يميزنا عن المخلوقات والكائنات الحية الأخرى، وقد استخدمها الفلاسفة وغيرهم للإشارة إلى تفوقنا عليهم. ومع ذلك، فإن عقلانيتنا هي نعمة ونقمة. إنها نعمة لأنها تمنحنا القدرة على التفكير بشكل حسن، واكتساب المعرفة، وإصدار أحكام جيدة، وتلطيف عواطفنا عندما تغدو مهددة بالانحراف، وتهدئة نفسيتنا حال وقوعها في خطر الخروج عن السيطرة. لكن عقلانيتنا هي نقمة لأنها تتيح لنا القيام بكافة نقائض الأشياء المذكورة في الجمل السابقة. يقبل المُبغِض للجنس البشري القول بأننا كائنات عاقلة تمتلك القدرة على فعل الخير، غير أنه يقبل في الوقت ذاته أيضًا القول بأن قدرتنا العقلانية على الشر أثبتت أنها أقوى القدرتين. لقد وظّفنا عقلانيتنا، في المقام الأول، لما هو أسوأ، ومن المرجح أن نستمر في هذا الطريق.

 

 

 


 

*  ترجمة misanthropy ومشتقاتها غير شائعة في العربية. وقد استخدمت في البداية “كراهية الجنس البشري” كمرادف لها و”كاره للجنس البشري” كمرادف لـmisanthrope، غير أن رجا حلواني بعد قراءته للترجمة اقترح ترجمة الأولى بـ”بغض الجنس البشري” ليصبح اسم الفاعل لها “باغض أو مُبغِض للجنس البشري”. وبالعودة إلى المعاجم وجدت أن اقتراح رجا هو الأصوب والأدق لأن البغض هو شعور يمتلك تبريره في الموضوع المُبغَض أما الكراهية فهي حالة نفسية تجد تبريرها، وقد لا تجد، داخل الذات المُبغِضة. وبالنظر إلى أن الـ misanthropyحالة تمتلك مبرارتها المستندة على أسباب قائمة في الموضوع، فإن ترجمتها بالبغض هو الأنسب. أثار رجا حلواني أيضًا في نقاشي معه بعض التعليقات التي تبدو مهمة، ومنها رده على ملاحظتي الخاصة بعدم شيوع هذا التوجه في الثقافة العربية، حيث قال “من المثير للاهتمام أيضًا ما أشرت إليه؛ ليس لدينا هذا المفهوم باللغة العربية. أخبرني أصدقاء آخرون بالشيء ذاته. ألا يوجد فلاسفة أو كتاب عرب أو مسلمون (كتبوا بالعربية) ناقشوا مسألة بغض الجنس البشري؟ أو هل هناك من يمكن وصف وجهات نظرهم بدقة على أنها مُبغِضة للجنس البشري، حتى لو لم يناقشوا بأنفسهم المفهوم أو كانوا على دارية به؟ أعتقد أن هذا السؤال مثير للاهتمام، ويجب على أحدهم البحث فيه!”. المترجم

[1]  هناك سؤال آخر يتعلق بالفضيلة ويتمثل في إمكانية أن يكون كلًا من بُغض الجنس البشري وأخلاقيات الفضيلة صحيحتان على مستوى النظرية. إنني لا أعالج هنا هذه المشكلة.

[2]   لقد كان للفصل الأول من كتاب ديفيد إي كوبر الرائع، Animals and Misanthropy (Routledge 2018)، تأثير على النقاش المتعلق بسمات بُغض الجنس البشري، على الرغم من أنني اختلف معه في بعض الأفكار. أوصي بكتابه لأي شخص مهتم ببُغض الجنس البشري أو الحيوانات أو كليهما.

[3]  استعير هذا المصطلح الملائم من:

Cooper, p. 8.

**  سنستخدم على طول المقالة مترادفات الترجمة العربية لـ failure (مخيبة للآمال أو فاشلة أو مخفقة أو قاصرة)، حسبما يقتضي السياق. المترجم

[4]  بما في ذلك إيمانويل كانط (الذي لم يكن شخصًا باغضًا للجنس البشري)- الذي قدم مناقشة لا نظير لها للموضوع- وآرثر شوبنهاور (الذي كان باغضًا للجنس البشري).

[5]  انظر:

Ian James Kidd’s “Misanthropy and the Hatred of Humanity”

سيصدر قريبًا في:

The Moral Psychology of Hatred, edited by Noell Birondo

عن حقيقة أن شوبنهاور لاحظ هذا عن طبيعتنا. أنهم (أي البشر) يخفون هذه السمات أيضًا عن أنفسهم. لكن إخفاءها عن الآخرين يضيف بُعدًا أخلاقيًا يغيب في حالة إخفائها عن أنفسهم.

[6] Céline, Journey to the End of Night. Quoted in Cooper, p. 7.

[7]  تكشف بعض المجموعات عن بعض الرذائل أكثر من غيرها. يميل الرجال إلى أن يكونوا أكثر عنفًا من النساء على المستوى الجسدي ومن جهة الإساءة الجنسية. يميل كبار السن إلى أن يكونوا يظهروا مرارة أكبر من الشباب، بينما يميل الشباب إلى أن يكونوا أكثر تجاهلًا.

***  المعنى هنا أن وجود هذه الصفات يثبت الإخفاق ولا يتعارض معه. المترجم

[8]  لمزيد من المناقشة، انظر كيد، “[بغض الجنس البشري] ليس مجموعة من الافتراضات، مسلم بها على نحو باهت، ولكنه طريقة للإدراك والاستجابة للطرق الخاصة التي أصبح عليها الوجود الإنساني.” مناقشة كيد للموضوع غنية، لكنني قلق من أن بعض أفكاره توضح أنواع الطرق التي بعبر بها بغض الجنس البشري عن نفسه على نحو ظرفي وفي فعل مصحوب بتجاوبات خلفية.

 [9]  بُسطت المناقشة هنا لبحث بعض البنى العاطفية الأساسية لبغض الجنس البشري. من المؤكد أن كيد Kidd كان محقًا عندما كتب أنه “ذات مصادر متعددة- حشد ديناميكي كامل من الحالات النفسية، والمشاعر، والعواطف، والخبرات، والتأملات، وبنى التوقعات والمخاوف، والخلفية الثقافية والحساسيات السياقية، وما إلى ذلك.”

[10] إذا اتضح أن الإنسانية لم يكن أمامها خيار سوى الفشل، سيفقد حينئذ بغض الجنس البشري مبرره الرئيس.

[11] يمكن للمرء أن يكون مُبغِضًا للجنس البشري رغم كونه مشاركًا في هذا الفشل البشري- في الواقع، حتى عندما يدرك المرء أنه يشارك في هذا الفشل.

[12] تمثل المواءمة بين حقيقة بُغض الجنس البشري وحقيقة الموجودات البشرية بما لديهم من قيمة داخلية، جانبًا من التحديات الصعبة التي تواجه الكانطيين.

[13]  ما إذا كانت هذه العناصر مضافة أو جزء من المعتقدات والأحكام والمشاعر بطريقة أو بأخرى، هو سؤال معقد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق