مراجعات

قراءة في مسلسل «لعبة الحبّار»

فاطمة محمد

« – الحياة لعبة يا بني نلعبها وفق قوانين معينة.

-أجل سيدي، أعلم، لقد عرفته.

-لعبة طز! أية لعبة إذا كنت تقف في الجانب القوي فهي لعبة بالتأكيد، أقر بهذا. أما إذا كنت تقف بالجانب الآخر، الجانب الذي ليس فيه أقوياء، فحول أي شيء تدور اللعبة! لا شيء، ولا لعبة».[1]


يُعد مسلسل «لعبة الحبار» أحد أشهر المسلسلات التي أنتجتها نتفليكس في الآونة الأخيرة (2021م)، وهو من إبداع وإخراج الكوري الجنوبي هوانغ دونغ هيوك، كتبه في العام 2009م، وكان المؤلف نفسه قد عانى من وطأة الحياة الاقتصادية الكورية، واتجه للاقتراض، وهو ما ألهمه لكتابة قصة تتناول التوحش الرأسمالي في المجتمعات الحديثة.

تتمحور أحداث المسلسل حول عدد من الشخصيات الرئيسة، أولاها؛ بطل المسلسل سيونغ جي هون، رجل في منتصف عمره، عاطل، مقامر، مطلق، يعيش مع أمه العجوز المريضة، ويقتات على القليل الذي تجنيه بصعوبة، ولديه ابنة تعيش مع والدتها وزوج والدتها، مثقل بالديون حد الغرق، وبحاجة عاجلة للمال لاسترجاع حضانة ابنته، والحيلولة دون سفرها مع والدتها إلى الولايات المتحدة. الثانية: تشو سانغ وو، رفيق البطل في طفولته، خريج إدارة أعمال من جامعة سول، يعيش متخفيًا عن الشرطة التي تلاحقه بتهمة الاحتيال واختلاس مبالغ مالية كبيرة في استثمارات فاشلة. الثالثة: كانغ ساي بيوك فتاة هاربة من كوريا الشمالية برفقة أخيها الصغير، تعمل جاهدة لتدبير مبلغ لتهريب والدتها من بلدها ومن ثم شراء منزل للم شمل الأسرة. الرابعة: علي عبدول مهاجر من باكستان، يحلم بفرص حياة أفضل في كوريا الجنوبية. الخامسة: جانغ ديوك سو رجل عصابات متورط في سرقة رئيسه. السادسة: أو إيل نام مسن مصاب بورم في الدماغ. السابعة: هوانغ جون هو ضابط شرطة يبحث عن أخيه المفقود.

بعنوان «الجحيم» كشفت الحلقة الثانية البؤس الاقتصادي الذي تعيشه الشخصيات الرئيسة على هامش الحياة بعد أن أفلتوا من لعبة الموت في الحلقة الأولى بتصويت اللاعبين على إيقاف اللعبة بفارق صوت واحد هو صوت اللاعب رقم 1، وهي شخصية أو إيل نام والذي لم تُورد الحلقة شيئًا عن معاناته سوى ما ذكره هو عن نفسه أثناء حديثه لـسيونغ جي هون – بطل المسلسل – بكونه مسنًا وحيدًا، مصابًا بورم في الدماغ.

يصور المسلسل الأوضاع الاقتصادية المزرية لعيّنة من المجتمع الكوري الجنوبي، وما يصحب ذلك العوز من الضغوط والتوترات الاجتماعية، والصحية، والنفسية، وهو الشيء الذي يستغله منظمو اللعبة المميتة لانضواء اللاعبين إلى اللعبة، فكل لاعب مثقل بديون ينحني معها لرهن روحه مقابل سدادها. «وقّعتَ على تنازل عن أعضاء جسدك اليوم، أليس كذلك؟» يذكّر سمسار اللعبة بطل المسلسل سيونغ جي هون أثناء مفاوضاته معه بما ينتظره حال رفضه المشاركة، ويستغل ذلك للضغط عليه، وكأن انخراطه في لعبة الموت هبة لا ينبغي له رفضها، منبهًا له في نهاية حديثه: «الأماكن لدينا محدودة».

والملاحظ أيضًا من محادثة البطل مع السمسار في محطة الأنفاق، أن اختيار اللاعبين تم بدقة شديدة، فالسمسار سَردَ للبطل معلوماته الشخصية: اسمه، وعمره، ومستواه التعلمي، وحالته الاجتماعية، ووظيفته الحالية ووظائفه السابقة، وديونه. كما تتضح دقة الاختيار تلك أثناء مناقشة اللاعبين للمنظمين؛ إذ استعرضوا ديون بضعة لاعبين كنماذج.

ومن دلالات هذا الاختيار الحاذق للاعبين أيضًا الدور الفائق للسجلات والأرشفة، وأهمية المعلومات في التحكم والسيطرة والمراقبة، ناهيك عن الرقمنة الإلكترونية والتوسع البيو -تكنولوجي، فخلف أذن كل لاعب حُفظت معلومات اشتراكه في اللعبة، وفي قناع كل عامل وُثقت معلوماته إلكترونيًا، فمنظمو اللعبة يعملون بشكل مواز للحكومة في الوصول لمعلومات المواطنين، وكذلك يحتفظون بسجلات اللاعبين المتضمنة لكافة بياناتهم قبل وبعد اللعبة مرتبة وفق الأعوام. يقول هاورد زن: «إن وجود، وحفظ، وتوفير الأراشيف والسجلّات والوثائق تقرّره بشكل كبير موازين السلطة والثروة في مجتمعنا. أيّ أنّ العامل الأكثر قوّة والأكثر ثروة في المجتمع يملك القدرة الأكبر على إيجاد الوثائق، وحفظها».[2] فالعلاقة بين السلطة والمعرفة علاقة وثيقة ومنتجة دائمًا، فـ«التحكم الجيد بالفرد يتجسد عبر الرقابة الدائمة لنشاطاته وسير عمله، من خلال ضبط كل فعل من أفعاله».[3]

في المسلسل، يرتدي جميع العاملين زيًا موحدًا ذا لون وردي، ويضعون أقنعة تختلف فقط في الشكل المرسوم عليها: دائرة، مثلث، مربع – حسب رتبة العمل – باستثناء القائد الذي يلبس زيًا وقناعًا باللون الأسود، ولا يُسمح لهم بالتعرف على بعضهم سواء من خلال الوجوه أو الأسماء. ويعمل الجميع في انتظام دقيق يكاد يشبه الآلة، حسب جداول معدة سابقًا، كما لا علاقة بين العاملين واللاعبين، إذ تبدو المجموعات الثلاث: المنظمون، والعاملون، واللاعبون، وكأنهم يمثلون الطبقات الثلاث: الأرستقراطية، والبرجوازية – ممثلة بشخص قائد اللعبة -، والبروليتاريا.

ومن اللافت في المسلسل الحضور الأدبي والفني والفلسفي؛ فالأغنية التي يستمع إليها القائد والرجل الثاني بعد بدء اللعبة هي أغنية جاز اسمها: « Fly me to the moon-حلّق بي إلى القمر» وهي أغنية شهيرة من تأليف كاتب الأغاني والملحن الأمريكي بارت هوارد (ت: 2004م)، وقد غنّاها العديد من الفنانين من أشهرهم المغني الأمريكي من أصل إيطالي: فرانك سيناترا (ت: 1998م). أما النسخة التي يستمع لها قائد اللعبة فهي بصوت الفنانة الكورية – الأمريكية الشابة جو وون شين. وقد أفصح مخرج المسلسل هوانغ دونغ هيوك عن سبب اختياره لهذه الأغنية الرومانسية في اللحظة التي يجلس فيها قائد اللعبة في على أريكته في غرفته الخاصة، يشاهد الأحداث الدموية الناتجة عن العبة الأولى «إشارة حمراء إشارة خضراء» من على شاشة كبيرة؛ حيث قال: «كانت لدي رؤية محددة للغاية في ذهني للأغنية ولمشهد الأغنية. الأغنية لها كلمات وألحان رومانسية وجميلة للغاية، لذا فقد جعلتْ المشهد أكثر قسوة. وهذا يجسد المجتمع الرأسمالي المتزايد الاستقطاب الذي نعيش فيه اليوم بطريقة مضغوطة وساخرة للغاية». من ناحيتها، قالت الفنانة المؤدية للأغنية: «المسلسل يتعامل مع العديد من القضايا الملحة مثل عدم المساواة في الدخل، وبطالة الشباب، وما إلى ذلك. أثناء مشاهدة المسلسل، يمكنني أن أتعاطف تمامًا مع الأشخاص الذين انضموا إلى اللعبة، ويمكنني بسهولة أن أتواصل مع الواقع الصعب لمجتمع شديد التنافسية … أنا سعيدة حقًا بالنجاح الذي حققه الجميع، لكن بصفتي كورية، كان من الصعب مشاهدة المسلسل بسبب مدى واقعية ذلك الشعور».[4]

ويتكرر بث الأغنية في لحظة تراجيدية أخرى؛ هي لحظة تماهي القائد مع نفسه أثناء نظره لنفسه/ لأخيه في المرآة بعد مواجهة مثيرة بينهما أدت لتبادلهما الرصاص ومقتل الأخ الشرطي – فيما يبدو – والذي انسل إلى اللعبة بحثًا عن أخيه/ القائد، وتتمثل ذروة المفارقة هنا في أن إصابة الأخ الشرطي جاءت على يد أخيه الأكبر/ القائد، والذي كان في وقت مضى تبرع بإحدى كليتيه لإنقاذ حياة أخيه الأصغر.

وموسيقى الجاز ليست موسيقى عادية، إذ تنغرس جذورها في معاناة بشرية متمثلة في الأفارقة المستعبَدين في الولايات المتحدة، فكانت أداة للتواصل بينهم، وصوتًا لبث أنينهم، وترانيم أملهم بغد أفضل. وهي موسيقى «مليئة بالتعبيرات عن الحب، والرغبة، والحيوية، والأمل، والتعالي، والانتصار في الظروف القاسية، والطاقة، والفرح، والثقة، والإثارة؛ مواد الحياة. حتى التعبيرات الأكثر رقة، والظلام، والحزن، والاكتئاب لموسيقى الجاز “خاصة أنماط موسيقى الجاز الزرقاء” لديها طريقة رائعة للاحتفال بالجانب المظلم من الحياة – يتعلق الأمر بالاستمتاع بكون الإنسان معقدًا. وأحيانًا عندما يكون الجاز “حزينًا” ، كما هو الحال غالبًا مع موسيقى الجاز المتأثرة بالبلوز ، فإن التعبير عن الحزن والحنين إلى الماضي يتعلق حقًا بالتخلي عن كل شيء والتغلب على مشاكلك، بدلاً من مجرد الشكوى منها بشكل عدمي».[5]

إمبراطورية الضوء - رينيه ماغريت
«إمبراطورية الضوء» – رينيه ماغريت

وما يضفيه الاقتباس السابق عن الجاز على قائد اللعبة واضح الدلالة؛ فقد حدث انقلاب في حياته من لاعب بائس، إلى رابح وحيد فوق مئات الجثث، إلى التربع على عرش اللعبة الآن، فهو قد انسحب من حياته السابقة تمامًا، وتمادى في حياته الجديدة. ويبدو أن سيده الحالي لاحظ قابليته لاعتناق فلسفته العدمية فضمه إليه، وجعله ذراعه الأيمن في اللعبة، وهو ما لم يخيب ظنه فيه. ونستطيع أن نستشف جانبًا من تفكير القائد من خلال بحث أخيه الشرطي في شقته؛ إذ كان يسكن في شقة متواضعة، ويظهر اهتمامه بالمعرفة، وبشكل خاص بالفن والفلسفة، فهناك بضعة عشر كتابًا مرتبة على رف صغير على المكتب، من بينها كتب عن الرسامين: كلود مونيه، وبيكاسو، وفان جوخ، وكذلك الفيلسوف نيتشه، وعلى سطح المكتب كتاب «نظرية الرغبة» للمحلل النفسي جاك لاكان، وكتاب رينيه ماغريت الفنان البلجيكي السريالي الشهير، والذي توجد أيضًا على المكتب صورة صغير للوحته الشهيرة إمبراطورية الضوء، وهي دالّة شديدة الحيوية، إذ تصور «مشهد شارع مظلم ليلي يتم تعيينه مقابل اللون الأزرق الباستيل: سماء مبللة بالضوء مرقطة بسحب الركام الرقيقة، ومع عدم وجود عنصر رائع بخلاف المزيج المتناقض الوحيد للنهار والليل، فإن رينيه ماغريت يزعج فرضية تنظيمية أساسية للحياة، فضوء الشمس مصدر الوضوح عادة يسبب هنا الارتباك والقلق المرتبطين تقليديًا بالظلام، حيث يصبح لمعان السماء مقلقًا، ما يجعل الظلام الفارغ بالأسفل أكثر صعوبة مما قد يبدو في السياق العادي».[6]

إذن، ضحية الأمس بات جلاد اليوم، ويترأس لعبة كان قبل سنوات عدة قد جازف بحياته من أجل التفرد بالفوز فيها، وها هو الآن ينظمها لمجموعة تعسة أخرى تترنح على شفير الحياة.

وتعقيبًا على كتاب لاكان الموضوع على سطح مكتب القائد «نظرية الرغبة»؛ فإن لاكان «عندما يتحدث عن الرغبة، فإنه لا يتكلم عن كلّ رغبة، بل عن الرغبة اللاواعية، ليس لأنه لا يعتبر الرغبة الواعية غير مهمة، بل لأنّ الرغبة اللاواعية هي ما يشكل الهدف المركزي للتحليل النفسي».  و«الرغبة لدى الإنسان هي الرغبة في اعتراف الآخر به. ولكي يتم للذات الاعتراف بها فإنها بحاجة لأن تفرض تصوّرها عن نفسها على آخر، ولهذا فإنّ الذات موجودة في علاقة تناحريّة مع الآخر. يتوجّب على هذا الصراع من أجل الاعتراف، أي الحصول على الهيبة الخالصة، أن يكون صراع حياة أو موت» إذْ إنه فقط من يكون مستعدًا بالفعل لأن يخاطر بحياته من أجل الحصول على هذا الاعتراف، هو إنساني حقًا».[7]

وهذه الرغبة في الاعتراف تفسر رضا القائد عن موقعه الحالي، وتقمصه لدور سيده، وانسلاخه من حياته السابقة لدرجة قطع علاقاته مع أسرته.

ويتجلى الحضور الأدبي أيضًا في حديث المنظمين الـ VIP وتعقيباتهم أثناء حضورهم لمشاهدة اللعبة في جولاتها الأخيرة؛ إذ تكشف اقتباسات صاحب قناع الثور ولعه بالأدب الشرقي والغربي، فبعد انتقام إحدى المتسابقات قال: «الجحيم لا يقارن بغضب امرأة أُهينت»، وهي عبارة شهيرة للأديب البريطاني وليام كونجريف وردت في مسرحيته «عروس الحداد» تُنسب خطأً لشكسبير. وقوله أيضًا : «مطر الخير يتساقط في الوقت المناسب» – أثناء احتدام الصراع في اللعبة الأخيرة – وهي للشاعر الصيني الكبير دو فو، بالإضافة لتردد اسم كلية بارد، وهي كلية فنون شهيرة.

ويُحمد للمخرج إبداعه في تنويع الشخصيات؛ فالبطل سيونغ جي هون رجل ذو مبادئ، متردد وطيّب – وإن كانت طِيبة تنحدر إلى السذاجة أحيانًا -، اجتماعي، يهتم برفقته في اللعبة وبشكل خاص بالعجوز أو إيل نام، إذ تنشأ بينهما رابطة بشكل ما، فقد كان العجوز أحد أسباب رجوع البطل إلى اللعبة بعد التصويت على إنهائها في المرة الأولى. ويتبين في النهاية أن هذا العجوز هو سيد اللعبة الأول ومبتكرها، وشارك بها من أجل طرد الملل، والاستمتاع بما تبقى من عمره المتقدم، خصوصًا مع إصابته بسرطان في الدماغ؛ حيث يقول «إذا كان لديك الكثير من المال، مهما اشتريتَ أو أكلتَ أو شربتَ، يصبح كل شيء مملًا في النهاية». ويظهر أن من أسباب ابتكاره للعبة – زيادة على طرد الملل – أنها جاءت كنتيجة لفقده الإيمان بالإنسانية – بمعناها الواسع الذي يعني مساعدة الإنسان لأخيه الإنسان – وهو ما يتضح من حديثه الأخير مع البطل، وتحديه له بأن يأتي أحد لمساعدة مشرد ثمل يُبصرانه من أعلى البناية، يكاد يموت تجمدًا في الشارع. ولا تخفى النبرة الفوقية التي قال بها: «هلا كففتَ عن ذلك وساعدتَ ذلك البشري النتن القذر؟» – أثناء جدال البطل معه – وكأن صفة «البشري» شيء مهين مرتبط بالطبقة الدنيا المعوزة، يتعالى هو عنها. والعجوز تجسيد ممتاز للرأسمالي الذي يعتقد أن رفاهيته نتيجة لـ «الحظ الجيد والعمل الشاق»، دون أدنى شعور بالذنب لسحقه لمجموعة من الناس، تشهد دموعهم ودماؤهم وأحيانًا كثيرة أعمارهم على ظلمه وتلَوث ثروته، وفي المقابل؛ فإنه لا يبذل شيئًا من ثروته لأحد إلا إذا استحق ذلك في نظره، وهذا الاستحقاق يكون ممهورًا بالألم والدم والموت.  ويتضح هذا الاعتقاد الرأسمالي أيضًا بشكل جليّ في اندهاش المنظمين من رغبة البطل في إيقاف اللعبة وهو قاب قوسين من الفوز، إذ يضيق فكرهم عن استيعاب استعداده للتضحية بالفوز بالجائزة التي ستقلب حياته في سبيل إنقاذ رفيقه/ خصمه: «سيتخلى عن الجائزة المالية وهو على بعد خطوة من تحقيق الانتصار؟ مستحيل». كما يتجلى في قول قائد اللعبة أثناء سؤال البطل له عن سبب فعلتهم تلك: «أنتم أحصنة في مضمار سباق»، وهو تجريد صريح من إنسانيتهم، وتصل هذه الفجاجة لأوجها في ترغيب القائد للبطل باعتبار ما حدث حلمًا؛ وبالفعل فإن ما حدث – وأشباهه – هو أقرب لأن يكون كابوسًا كافكاويًا، أو خيالًا ديستوبيًا. ولئن كان مالتوس يرى أن الطبيعة تقوم بتطهير نفسها في فترات معينة تتزايد فيها الفئات الأضعف، فيبدو أن الرأسمالية والنيوليبرالية تقمصت ذلك الدور، فهي لم تكتفِ بخنق الفقراء المديونين، بل سلطتهم على بعضهم في صراع من أجل بقاء الأقوى والأصلح فقط في معبد دارون وسبنسر.

ومن الشخصيات داخل اللعبة خريج الجامعة المرموقة الذي تبدلت شخصيته للأسوأ مع تبدل ظروفه، والبلطجي رئيس العصابة ، والوصولية المحتالة التي لا تتوانى عن بيع روحها للشيطان لأجل مصلحتها، والأسقف المتناقض، والطبيب الفاسد، والآخر بنوعيه؛ المناطقي – ممثلًا بالفتاة الكورية الشمالية – والأجنبي – ممثلًا بالرجل الباكستاني -.

ومن الثيمات البادية في المسلسل حضور الأم بشكل متكرر، فثمة أم البطل المريضة الهرمة التي لا تكف عن العمل لإعانة ابنها الشقي. وكذلك أم رفيق البطل وابن بلدته؛ البائعة في كشك للمنتجات البحرية، والفخورة بابنها الألمعي الذي أدت مغامراته المالية إلى رهن منزلها ومحل عملها دون علمها. وتحضر بشكل غيابي أم الفتاة الكورية الشمالية التي تسعى ابنتها لتهريبها من بلدها الشمالي إلى الجنوب الكوري، وكذلك أم الشرطي التي تحثه في اتصال هاتفي على إيجاد أخيه (قائد اللعبة)، وأخيرًا أم الفتاة اللاعبة رقم 240، والتي قتلت والدها القُس بعد قتله لأمها وسُجنت إثر ذلك.

والمسلسل يتناول العلاقات الأسرية بشكل ما لمعظم أبطاله، ويبين دورها في انضمام اللاعبين إلى لعبة الموت؛ وهناك تلميح لطيف إلى مركزية الأسرة التقليدية الكورية في عتاب البطل للعجوز في بداية اللعبة: «لماذا أتيتَ إلى هنا مع أن السن تقدم بك كفاية على أن تقلق بشأن الخرف؟ يجب أن تأكل وجبات تعدها لك كنتك، وتستلقي على الأرض الدافئة وتراقب أحفادك يتصرفون بظرافة». ويأتي رد العجوز مبينًا التخلخل الذي أصاب بنيان تلك الأسر مع استشراء قيم الفردانية والرأسمالية: «ماذا عن والديك؟ هل يأكلان وجبات طازجة تعدها لهما كنتهما؟».

ولأنه لا توجد سلطة دون صراع كما يؤكد فوكو، فمن فراغات السلطة ترشح المقاومة ويتولد الصراع بأشكال مختلفة، فهناك ثلة من العاملين في اللعبة تمتهن التجارة بأعضاء المغضوب عليهم في غفلة عن أعين الرقباء – هكذا تظن -، وكأن خسارة تعيسي الحظ للعبة والحكم عليهم بالفناء ليس كافيًا، إذ تتربص تلك العصابة بمَن بقي منهم يصارع الموت، فتجرهم إلى أقبيتها، وتعمل فيهم مباضعها لتتاجر بأعضائهم التي تساوي الكثير مقابل حياتهم التي لا تساو ي شيئًا. والملاحظ أن السلطة لا تتدخل إلا في الحالة التي تشكل فيها تلك الأعمال تهديدًا يقوض هيمنتها، ويتسلل إلى هيكلها، وكأن تغافلها فيما عدا ذلك تأكيد لسلطتها ومراقبتها.

في المراحل الأخيرة من اللعبة، يحضر المنظمون الـ VIP إلى جزيرة الألعاب للمشاهدة عن قرب، وهم يضعون أقنعة ذهبية لحيوانات متنوعة، لا يختلف غرضها الأولي عن غرض بقية الأقنعة في اللعبة؛ وهو إخفاء الهُوية. وكونها من الذهب دلالة على الثراء والمكانة. أما كونها رموزًا لحيوانات وطيور – من بينها البومة والأسد والنمر والثور والغزال – اشتُهرت بدلالات مختلفة بين الشعوب، فهو بالإضافة إلى تقمص الرمز الذي يحمله ذلك الحيوان، تماه مع المكان المعدّ لمشاهدة اللعبة. فقد صُمم هذا المكان ليكون أشبه بالغابة، تتناثر النباتات ذات الأوراق الكبيرة الخضراء بين جنباته، وتضيئه أنوار صفراء تحاكي ضوء الشمس. ترتدي النخبة أروابًا حريرية، وينتشر خدم عرايا إلا من نقوش تشابه العلامات الموجودة على جلود بعض الحيوانات، يتخذون شكل وسائد ومساند ومناضد بشرية، إمعانًا في تشييئهم، وإشعارًا للنخبة المنظمة بمزيد من التملك والتحكم، واستكمالًا للجو البدائي المقصود؛ فالأقنعة الحيوانية، والغابة، والعري، والاستعباد، والعربدة، إشارات بيّنة لمرحلة بشرية همجية – حسب التحقيب الغربي – حيث لا قانون إلا شرعة الغاب، ولا مكان إلا للأكثر توحشًا.

ومن خلال أحاديث النخبة فيما بينهم، يظهر أن لعبة الموت لعبة دولية تقام في أكثر من بلد، ولكل بلد إصداراته الخاصة من الألعاب، ويربض على قمتها جميعًا عصبة من ذوي النفوذ والأموال، تُبحر بين شاطئين من الصعاليك، وتدعي أنهم أتوا إليها بملء إرادتهم، متجاهلين أن سطوتهم المادية والاجتماعية هي الإجبار الفعلي الذي مهد لهم استباحة تلك الأجساد الشقية، وأرغمها على الخضوع لهم، وهي كذلك الأداة التي خولتهم لمعاقبة المديونين والحكم عليهم بالموت لمجرد عوزهم، وجعلت من موتهم بطريقة ما مصدرًا للمتعة؛ فـ«إكراه الجسد يقتضي وجود علاقة خاصة جدًا بين المعاقَب والمعاقِب. علاقة لا تكفي بجعل اعتبار المشاهد غير ذي جدوى، بل تستعبده كليًا».[8] فهذه العلاقة الخاصة راقبتهم ورغّبتهم وحبستهم واضطرتهم للإمضاء على شروطهم ثم قتلتهم وأحرقتهم، حارمةً إياهم حتى من الدفن، كحق أصيل للموتى.

ومن المفارقات الملحوظة في المسلسل، تواتر الحديث عن الديمقراطية، والعدالة، والمساواة، والتعويض عن الظلم والتمييز اللذين تعرض لهما اللاعبون في العالم الخارجي، وتصوير أن اللعبة إنما هي عالم نموذجي يقدم فرصًا متساوية للجميع، لا يُسمح فيه لأحد بتجاوز قوانينه لأجل مصالحه الخاصة: «الجميع متساوون وهم يلعبون هذه اللعبة. هنا يتسنى للاعبين أن يلعبوا لعبة عادلة وفق الشروط نفسها. هؤلاء الأشخاص قد عانوا من عدم المساواة والتمييز في العالم. ونحن نمنحهم الفرصة الأخيرة ليقاتلوا بعدل ويربحوا». وربما تخرج هذه المفارقة عن كونها كذلك إذا تبينا أن بعض النقد الموجه للديمقراطية يحاجج بأن جانبها المظلم يتمثل في كونها تسعى للتجانس ونبذ المختلف، على أن يكون الاختلاف الواقع هنا هو الاختلاف الطبقي لا العرقي.[9]

قبل حوالي ألفي سنة تقريبًا، وفي روما البعيدة جدًا عن سول، كانت احتفالات معارك الموت تجري في الكولوسيوم، حيث يتصارع المناكيد حتى آخر رمق، وسط جمهور متعطش للمتعة الدموية. واليوم بعد كل هذه السنين والخبرة الإنسانية والحضارة، ما زالت تلك الأفكار والممارسات الوحشية تحتل مكانة متميزة في الوجدان البشري؛ إذْ يعد هذا المسلسل أحد أكثر المسلسلات مشاهدة على شبكة نتفليكس، كما انتشرت مبيعات متعلقات المسلسل، كالأقنعة والأزياء وتطبيقات الألعاب.

في اللحظة التي تدق فيها الساعة معلنة تمام الثانية عشرة ليلًا، تحضر المساعدة للرجل الثمل المشرد، تلك المساعدة التي راهن عليها العجوز النخبوي من عليائه على عدمها، ليخسر الرهان ويموت وقد تضعضع إيمانه بفلسفته، وكأن المؤلف أراد بهذه اللقطة استعادة إيمانه شخصيًا بالقيم البشرية، والتنبيه على ضرورة تفعيلها والحفاظ عليها.


[1] / الحارس في حقل الشوفان، ج.د. سالنجر، ت: غالب هلسا، ص 18، دار المدى

[2] / السرية، الأراشيف، والمصلحة العامة: كيف يساهم أهل المهن والاختصاصات في سياسات التحكم المجتمعي، وفي المحافظة على وضع السلطة الراهن؟ – هاورد زن، حكمة: https://hekmah.org/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D9%8A/

[3] / الفرد والمجتمع عند ميشال فوكو، حسين موسى، ص 131، دار التنوير

[4] / Meet Joo Won Shin, the Korean Singer Behind Squid Game’s Haunting “Fly Me to the Moon” Cover

https://www.popsugar.com/entertainment/squid-game-fly-me-to-the-moon-cover-artist-48554219

[5] / What’s the True Meaning Behind Jazz Music? / Josiah Boornazian

https://www.learnjazzstandards.com/blog/all-about-jazz/jazz-opinion-blog/whats-true-meaning-behind-jazz-music/

[6] /  René Magritte

Empire of Light (L’empire des lumières)

https://www.guggenheim.org/artwork/2594

[7] / مفاهيم أساسية في نظرية لاكان للتحليل النفسي/ هشام روحانا (2): https://www.qadita.net/featured/lacan-2/

[8] / المراقبة والمعاقبة – ولادة السجن، ميشيل فوكو، ص 148، مركز الإنماء القومي

[9] / ينظر: The Dark Side of Democracy: Explaining Ethnic Cleansing, Michael Mann, Cambridge University Press (2004)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى