مقالات

فنّ المشي

سوزان فرودربرغ – جون كاغ - ترجمة: هديل الدغيشم

المشاة: مفردة تُطلق على أشد لحظات الحياة شحوبًا، وضجرًا، ورتابة. إننا لا نود أن نحيا حياة المشاة تلك، ولكن ربما حريٌّ بنا فعل ذلك؛ إذ إن العديد من مُفكري التاريخ كانوا مُشاة؛ فهنري ديفد، وويليام ووردزورث، وصامويل تايلور كوليردج، ووالت وايتمان، وفريدرك نيتشه، وفيرجينيا وولف، وآرثر رامبو، والمهاتما غاندي، وويليام جيمس؛  كانوا جميعهم كُتّابًا قيّدوا أداء أذهانهم بانتظام حركة أقدامهم؛ فقد أيقنوا مدى حاجتهم للنهوض والحركة، وانفكّوا عن أوراقهم، وارتدوا قبعاتهم للخروج في جولة خفيفة، وبذلك فإنهم متماشين مع القوتين المتضادتين: الحركة والراحة؛ ذاك الباعث المرسوم وفقًا لقوانين الطبيعة.

مَن يقوى اليوم على تحرير ذاته من بيئة العمل والاتجاه مباشرة نحو الباب بمجرد نهوضه من مكتبه؟ وحتى إنْ خرجنا وتنفّسنا بعمق في الهواء الطلق؛ فعادةً ما نُتِمُ ذلك بأسرع وقت ممكن، ولكن لعلّ هذه العجلة هي التي نفقد معها جوهر النشاط ذاته؛ فبها نتخلى عن فن المشي.

دائمًا ما يُعتبر المشي بهدف أمرًا إيجابيًا؛ إذْ يُرى علامة على تَنبُّه أصحابه؛ فهؤلاء هم الذين يعرفون مبتغاهم ومراميهم، ولكنّ فن المشي لا يتعلق بهدف أو غاية. فكما أوضح إيمانويل كانط فإنّ ابتداع وتقدير الجمال متمثل في «الغائيّة من دون غاية»،  ونسجًا على نفس المنوال أقول إنّ حقيقة فن المشي تستحثّها هذه الفكرة: غائيّة لا غاية فيها.

يصعبُ علينا هذه الأيام فهم مغزى عمل أمر ما، أو عمل أي شيء، دون معرفة غرض ذلك العمل. إننا عادة ما نمشي للوصول إلى مكان ما: إلى البقالة، أو أستوديو اليوغا، أو براد المياه، أو ربما علينا أخذ الكلب في جولة أو أن نمشي احتجاجًا على أمرٍ ما. كما أننا نمشي من أجل اللياقة، ونعدّ خطواتنا أثناء ذلك من خلال ساعة لياقة ذكية. أصبح التجول أمرًا محدد الغاية: فقد يكون إثباتًا لفكرة معينة، أو تحقيقًا لمغنم، أو وصولًا إلى هدف محدد. وهناك ما هو مضحك ومحزن بشأن قصر المشي على غايات معينة كتلك، فالمحاولة الهائجة للوصول إلى مكان ما في الوقت المحدد هي بمثابة نضال سيزيف[1] إزاء القدر: ففورما نصل إلى محطة معينة، يجب أن نتأهب مباشرة للانطلاق مرة أخرى، قاصدين محطة التوقف التالية. إن هدف تلك الرحلة بكاملها ليس إلا «للوصول هناك»، وتحريكنا لأقدامنا ما هو إلا نشاط رتيب وشاق يتخلله لحظات من الراحة.

تزداد معدلات المشي استعانة بالأدوات التقنية التي يلبسها الناس حول معاصمهم أو يحملونها بين كفوفهم، فنحن نقضي أوقاتًا مطولة «لتصوير» العالم، ومواجهة معظم جوانب الحياة من خلال إطار مقلّص يصوّر أشياءً ذات متعة فورية. إنّ العيش بعينين مسلطتين على الشاشة يعني أن يكون المرء مشدودًا، وعالقًا في ذاك الإطار، ومتلقيًا لما يُقدم ويُعاد تقديمه إليه مرارًا، ولكن التقديم والعرض- وإنْ كان على أكمل وجه- لا يعد تجربةً؛ فمعنى التجربة هو الإدراك والإحساس؛ فحينما نشاهد الشاشات قد نرى شيئًا ما، ولكننا لا نشعر به ولا ندركه تمامًا. أن يحيا المرء الحياة من خلال التصاوير فحسب يعني العيش بسلبية، والتلقي عوضًا عن الشعور والتجربة، ونخشى كذلك بأننا حينها نحيا حياة تابع، إذ إننا لا نتساءل «ماذا نرى؟ وما عسانا أن نقول؟» بل إننا نتلقى ما نراه بكيفية محددة، وبماذا نشعر حين نتلقاه، ومعظم ذلك يتم تشكيله حسب خوارزمية معينة.

إنّ فن المشي مضاد تمامًا لنمط «تصوير العالم» الذي نعيشه، ولا يتبع مجموعة من القوانين أو الحسابات المبرمجة، ولعل المشي من أجل المشي نشاطُ استجمام يسير في حياتنا المحمومة، ويتيح لنا التحرر الذي قد نعيش الحياة بواسطته لذواتنا مجددًا كما يعيشها الطفل تمامًا. يرى كانط بأن تلك هي حرية الفن بكل أنواعه، ولكن ما من داعٍ لزيارة المتحف للانغماس في عالم الفن، والتأملّ فيه؛ بل بإمكاننا الخروج، وتركيز انتباهنا، والتلقي والإحساس من أجل ذواتنا، وليس من أجل غاية معينة.

يجب ألا يُخلط بين نظام المشي وعلاقته بالفن وبين كونه نشاطًا ترفيهيًا: لنأخذ على سبيل المثال المراقبة، أو مشي الحاج، أو الخروج للتنزه؛ يوجد هدف في كل نمط من أنماط المشي تلك: فالمراقب يتمشى بين أرجاء المدينة للتحري، والحاج يمشي متمهلًا خاشعًا باتجاه الأرض المقدسة من أجل البركة، والمتنزه يمشي باحثًا عن المنفعة الهضمية بالإضافة إلى التفاعل الاجتماعي سواءً كان يمشي برفقة صاحب له أو وحيدًا مصادفًا الجيران في أرجاء الطريق؛ حيث نجد في كافة تلك الحالات هدفًا يُسعى لتحقيقه.

يتيح لنا الفنّانون التمعن في العالم من خلال أعينهم، ويمنحنا المشي كفنّانين هذه الفرصة النادرة كذلك. قد نكون متحررين ومنهمكين في الوقت ذاته أثناء حركتنا. فلم يعُد الذهن في حالة انتباه محاولًا جمع الحقائق، أو الحاجات، أو النِعم والبركة، أو لحرق الدهون، أو للفت النظر؛ بل مشي في حالة انتباه. أصبح النشاط تخليًا مؤقتًا عن الغاية،  وصار ثوابه به ذاته، أشبه بنمط الفن الذي أشار إليه كانط بأنه خير بذاته. يكمن نوع من الجمال في إدراكنا لوعينا التام أثناء التجول في مكان محدد وأثناء وقت محدد؛ إذ لا يمكن تلقي ذاك من خلال صفحة أو شاشة، بل من خلال حواسنا؛ الأذنين، والعينين، والأنف، والجلد؛ الإحساس بالسماء والضياء، وضخامة وبهاء العمران، والأمواج والرياح، والصخور والأشجار، إنه أفقٌ لا حد له. ولكن عندما نتأمل من خلال الشاشة، فإننا نبتر هذه الأحاسيس، ونقيّد كذلك تنزه أفكارنا ورؤانا التي تخصنا نحن، لا أحد سوانا.

يتطلب المشي دون غاية بعض الجهد في البداية، ولكنه يتحقق بالتمرّس. فلنأخذ على سبيل المثال الدرب الذي نقطعه عادة للوصول إلى جهة العمل: هدفنا حينها هو الوصول إلى وجهتنا آمنين وفي الوقت المناسب، وقد نتفقد البريد الإلكتروني أثناء الطريق، أو نرتدي سمّاعات الأذن لحجب حركة الزحام والشوارع. إننا نمشي لغاية ما، ويملأ ذهننا هدف عملي، ولكن هبّ لو أننا سلكنا ذات الطريق في يوم إجازة، وتركنا أجهزتنا الذكية في المنزل، وقررنا المشي ببطء لنتيح لأذهاننا التجول في الأرجاء الرحبة، واستغللنا الوقت والفرصة، كما كانت ستفعل وولف، «استرخاء الذهن».

ومع ذلك قد يقول قائل ما المغزى من التسكع فحسب؟ سيكون ذلك مشابهًا للسؤال عن مغزى تأمل منظر الغروب، أو التحديق في لوحات رامبرانت، أو انتشاء زهرة ما، والإجابة بسيطة: من أجل التجربة بحد ذاتها. إذن فمغزى ذلك هو الإدراك والإحساس، لا أكثر ولا أقل. إنّ التجربة الجماليّة الخالصة لا غرض منها. ولن نستوعب التجربة بأكملها إلا عندما ننمّي سلوك فعل أمر ما دون غاية، وقد يبدو الأمر محيّرًا؛ إذ إن منظر الغروب واللوح والزهور؛ كل هذه الأمور آسرة. هذا صحيح، ولكنها لا تستحوذ على عقولنا مستعينة بالقبضة الحديدية التي تستعملها الحياة اليومية عادةً. إنّ مراقبة تلاشي كرة ذهبية في الأفق لن يضيف مبلغًا إلى حساباتنا المصرفية، ولن يرفع مستوى حالتنا الاجتماعية. دائمًا ما ترغمنا غاياتنا الناجعة على رؤية وإدراك العالم مجزءًا إلى جزيئات تلائم أهدافنا المحددة، ولكننا في الفن نلتفت إلى عالم أكثر رحابة، ويمكننا بكل حبور وسرور السفر إلى أرجاء العالم من خلال المشي، متبعين سلوك الانفصال عن الغاية، ونعيش في حالة من اليقظة والتنبّه. بإمكاننا أن نتمشى ونبحر، بدلًا من أن نُقاد ونُحجر.

إنْ سلّمنا قيادنا لممارسة فن المشي؛ فإننا نحيا تلك اللحظة من أجل التجربة ذاتها، ولتقدير الجمال وإدراكه. ولا يروم هذا الحدث شيئًا سوى تأثيره الغامر على أعصابنا، وأبداننا، ونفوسنا. يالأسى المجتمع الذي عمي عن قيمة ذاك النشاط!

 


[1] سيزيف: حسب الميثولوجيا الإغريقية ملك متغطرس عوقب بعد وفاته برفع صخرة ضخمة على سفح تل، ثم دحرجتها، وتكرار ذلك إلى الأبد، ويطلق ذلك وصفًا للمهام المنهكة وعديمة الجدوى (المترجمة).

 

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق