مقالات

التسامح والأنسنة: علاقة جدلية في وعي الحداثة والمدنية – ابتهال عبد الوهاب

تسعى هذه المقالة إلى محاولة تأسيس صيغة للانفتاح اللامحدود على الآخر والمختلف؛ من أجل تأسيس شكل جديد يجمع بين التراث والتحديث، وبين المحلي والكوني، وبين الأنا والآخر، وبين المؤتلف والمختلف. وتركز المقالة بصفة خاصة على قضية “التسامح والأنسنة”؛ لأنها تجمع بين مفاهيم ثلاثة ترتبط فيما بينها بصورة جدلية؛ إذ لا يمكن التعرض بالتحليل والدراسة لخطاب التسامح بمنأى عن خطابات الأنسنة وما يتعالق بها من خطابات أخرى مثل الحداثة والتنوير والعقلانية. فهذه الخطابات تتشابك بصورة يصعب معها أن نتناول أحدَ هذه المفاهيم بمعزل عن الآخر.

ورغم أن التسامح هو القضية المحورية التي يدور حولها موضوع هذه الدراسة؛ إلا أن البَدء من خطاب الحداثة والأنسنة سيكون أكثر فائدةً لموضوعنا، خاصة أن خطاب التسامح هو أحد تجليات ثقافة الأنسنة في صورتها الحداثية، فضلًا عن أن مقولة التسامح كثيرًا ما تستخدم بطريقة دعائية وصحفية؛ ولذلك فإن التحليل الفلسفي لبنية خطاب التسامح في ضوء جذوره الفكرية والثقافية الحداثية، وتوضيح ماهيته وأنواعه وأهدافه؛ كل ذلك قد يؤدي بنا إلى تقديم رؤية جديدة ومختلفة تبتعد بنا عن الخطاب التقليدي وعن الصيغة الإنشائية والتكرارية.

الحداثة والأنسنة كأفق للتسامح:

لعل السؤال الذي يمكن أن نبدأ به تحليلنا لمفهوم التسامح هو سؤالٌ على الطريقة الكانطية مؤداه: ما الشروط التي في ظلها يصبح التسامح ممكنًا؟

إن الحديث عن التسامح كقيمة مطلقة أو نظرية سيؤدي بنا حتمًا إلى شكل من أشكال الرومانسية المغتربة عن الواقع؛ ولذلك فإن إعادة طرح هذا السؤال بالصيغة الكانطية سيقربنا من ملامسة إشكالية التسامح في واقعها الحي والمعيش.

والواقع أن الشروط التي في ظلها يصبح مشروع التسامح ممكنًا ترتبط جدليًّا بمقولات، مثل التنوير والحداثة والأنسنة والعقلانية. وإذا كان العقل هو ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات فيمكن القول إذن إن العقلانية هي الوعاء أو الإطار الفكري الذي يجمع قيم التنوير والحداثة والأنسنة والتسامح. فهذه القيم كلها صدى لانتصار ثقافة العقل والعلم على الوهم والخرافة.

وبداية علينا أن نفرق بين ثلاثة مفاهيم هي: الحداثة modernity والتحديث modernization، والحركة الحداثية modernism.

الحداثة هي وصف للخصائص الحضارية المشتركة التي تميز البلدان الأكثر تقدمًا على الأصعدة الفكرية والعلمية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية كافةً. أما التحديث فيمثل العمليات التي من خلالها يُكتَسب هذا المستوى من التقدم والتطور والتحديث([1]). أما الحركة الحداثية أو “المودرنزم”، فهي حركة تنتمي إلى القرن التاسع عشر. وقد بدأ هذا المصطلح بالتداول من خلال “جيراردى نيرفال” و”شارل بودلير” عام 1850، وتشير المودرنزم إلى تجليات الحداثة في نطاق الإبداعات الجمالية الجديدة التي تمردت على قيم المجتمع البورجوازي كالدادئية والسوريالية والتعبيرية والتكعيبية والمستقبلية… وغيرها من التيارات الفنية التي تميزت بالتمرد على الأشكال الفنية القديمة وعلى التقاليد السائدة([2]).

وما يعنينا في نطاق دراستنا هنا هو “الحداثة” modernity، والحداثة بهذا المدلول الحضاري الشامل مسألة تعود في جذورها وروافدها إلى عصرَي النهضة والتنوير الغربيين، وقد اتخذت تلك الحداثة من العقل سلاحًا وقاعدةً صُلبة أقامت عليها انتصاراتها؛ الأمر الذي حقق للحداثة الأوروبية الفوز في المعارك كلها التي خاضتها العقلانية الأوروبية، خاصة في معاركها مع رجال الدين والإقطاع، وفي وقوفها ضد تحالف الدين والسلطة.

ويُعد المدخل الإبستمولوجي (المعرفي) من أفضل المداخل المناسبة لفهم الحداثة بمعناها الحضاري الشامل؛ فالحداثة بهذا المعنى هي اللحظة التي تتمرد فيها الذات العارفة، فردًا وجماعةً على طرائقها المعتادة في الإدراك، وفى الحياة، وتضع كل شيء موضع تساؤل حتى ذاتها. وتعني الحداثة بهذا المعنى نوعًا من الانقطاع المعرفي أو القطيعة مع الماضي؛ ولذلك تسعى الحداثة دومًا أن تكون وجودًا سابقًا على الماهية بلغة سارتر، إنها تسعى أن تحيا في مملكة الإمكان الحر؛ لذلك تُقاوم كل تحديد وتحطِّمُ كل قيد. من هنا فإن لحظة السلب هي اللحظة الأصيلة في كل مشروع حداثي، الحداثة سلب دائم؛ لأن التصالح يعني التضحية بالحركة من أجل الثبات وبالصيرورة من أجل السكون، وبالوجود المتدفق من أجل الماهية، وبالحرية من أجل العبودية، وبالمستقبل من أجل الماضي، وبالحياة من أجل الموت.

وتتسم الحداثة بطابعها الجدلي، الذي يصوره ماركس بهذه الكلمات في البيان الشيوعي: “كل العلاقات الاجتماعية التقليدية الجامدة، وما يحيط بها من مواكب المعتقدات والأفكار، التي كانت قديمًا محترمة ومقدسة، تنحل وتندثر، أما التي تحل محلها فتشيخ ويتقادم عهدها قبل أن يصلب عودها. وكلُّ ما كان تقليديًّا ثابتًا يطير ويتبدد كالدخان، وكلُّ ما كان مقدسًا يعامل باحتقار وازدراء، ويضطر الناس في النهاية إلى النظر لظروف معيشتهم وعلاقاتهم المتبادلة بعيون يقظه لا تغشاها الأوهام“([3]).

إن الحداثة تعني: أن كل ما هو صلب يتحول إلى شيء أثيري أو يتبخر. ويبدو أن هذا المعنى الذي تطرق إليه ماركس في البيان الشيوعي قد تأثر به “زيجمونت باومان” في كتابه الحداثة السائلة؛ حيث يقول في مقدمة كتابة: “في ذلك النظام الجديد، المرونة هي الثبات الوحيد، والزوال هو الدوام الوحيد والسيولة هي الصلابة الوحيدة، وباختصار شديد: اللايقين هو اليقين الوحيد”([4]).

وفى كتابه الخطاب الفلسفي للحداثة، والذي ترجم إلى العربية تحت عنوان القول الفلسفي للحداثة، يشير هابرماس إلى أن الحداثة بوصفها “مشروعًا لم يكتمل بعد”، ما يؤكد الطابع الدينامي للحداثة من ناحية ويتجاوز النبرة المتشائمة التي على صوتها مع قدوم تيار ما بعد الحداثة، فهابرماس يرى أن الحداثة لم تستنفد بعد إمكانياتها كلها، ولم تزل تحمل لنا الكثير من الإمكانات([5]).

إن الطابع السالب والعابر للحداثة لا ينفي أبدًا طابعها الإيجابي، فالسلب هنا، وكذا السيولة التي أشار إليها باومان في مؤلفاته، لا يعنيان العدم، ولكنهما يشكلان بعدًا إيجابيًّا يستهدف الانتقال من الخضوع للضرورة إلى التحرر بأوسع معانيه، والانتقال من واقع التخلف إلى آفاق التقدم، ومن التعصب إلى التسامح.

عمومًا رغم تسليمنا بأن الحداثة هي نتاج للمنجزات الثقافية والعلمية والفلسفية والسياسية لعصرَي النهضة والتنوير الغربيين؛ إلا أن الحداثة بمعناها الإبداعي، الذي يعني القطيعة المعرفية مع الماضي، هي حالة كيفية وليست مجرد مرحلة زمنية أو تاريخية. إنها إمكانية وحالة يمكن أن تتحقق في أي زمان وأي مكان متى توافرت لها الشروط الذاتية والموضوعية، والتي من أهمها الحرية والعقلانية([6])، غير أن هذا لا يعني التحرر التام من الماضي والانفلات منه ولا يعني هدمه؛ لأن ثمة صيغًا عديدةً للحداثة، وليس معناها الغربي هو المعنى الأوحد. وعلى هذا النحو يبدو الفكر الذي ينتصر للعقل وقيمه عقلًا حداثيًّا في أي زمان ومكان.

ومع ذلك ونتيجة لظروف وسمت التاريخ الغربي، فإن الوعي الحداثي قد انطلق من رؤية جديدة للعالم وللكون تختلف تمامًا عن تلك الرؤية التي سادت العصور القديمة، خاصة العصور الوسطى الأوروبية، فإذا كانت هذه العصور قد شهدت تهميشًا وإقصاءً لكل ما هو إنساني أو بشري في مقابل الاحتفاء والانشغال بكل ما هو لاهوتي ومقدس؛ فإن الوعي الحداثي هو رؤية قوامها الإنسان: عقله، ومشاعره، وجسده، وهذا هو عين ما يسمى بالأنسنة، أو أحيانًا يطلق عليه بعضهم “النزعة الإنسانية”.

وتعني الأنسنة أو النزعة الإنسانية أن الإنسان هو محور هذا الوجود، وأن الأشياء والطبيعة والثقافة ما هي إلا صدى وانعكاسٌ لصورة الإنسان. ورغم أن بعضهم ينسب هذه الأنسنة إلى الحضارة الأوروبية الحديثة، وتحديدًا حضارة عصري النهضة والتنوير؛ إلا أن بعض الفلاسفة العرب أمثال عبد الرحمن بدوى(*) وزكريا إبراهيم(**) ومحمد أركون(***) يذهبون إلى أن الأنسنة لم تكن حكرًا على الأوروبيين المحدثين وحدهم، وأن حضارة الشرق لم تكن كلها بعيدة عن هذا الطابع الأنسنى. وها هو عبد الرحمن بدوي في كتابه الإنسانية والوجودية في الفكر العربي يحاول أن يحدد لنا معنى الأنسنة ويتقصى جذورها في الحضارة اليونانية القديمة، ثم يعرض لتجليات هذه النزعة في التراث الإسلامي خاصة التراث الصوفي.

يذهب بدوي إلى أن هناك ثلاث سمات للنزعة الإنسانية:

أولًا- إنها تبدأ فتؤكد أن الإنسان هو معيار كل شيء، أو كما قال بروتاغورس: “الإنسان مقياس كل شيء”، وهو قول يجب أن يُفهم في سياقه الوجودي الحقيقي. فهو لا يقصد الإنسان المفرد العيني؛ بل الإنسان عامة؛ لأنه يريد أن يضع سلطة الإنسان مقابل سلطة آلهة اليونان من ناحية، وفي مواجهة الوجود الطبيعي أو الفيزيائي من ناحية أخرى؛ فالتقويم يرتد إلى الإنسان لا إلى القوى الخارجية الفيزيائية([7]). وهذا المعنى الذي تؤكده السوفسطائية يتردد صداه لدى القائلين بالأنسنة في أوروبا الحديثة، وخاصة “بترركه” الذي حاول أن يرد كل شيء إلى الذات، وأن يفرض عليها نوعًا من الاستقلال الذاتي حتى لا يكون للخارج تأثيرٌ فيها مهما كان، أو كما يقول: “فكل ما هو خارج عن ذاتك ليس منك ولا إليك، وكل ما هو لك حقًّا هو عندك ومعك، وما في وسع شيء آخر أن يعطيك شيئًا، ولا أن يسلبك شيئًا”([8]).

أما السمة الثانية للأنسنة، فهي الإشادة بالعقل ورد المعرفة إليه، وكان ديكارت من أوائل الفلاسفة المحدثين الذين جعلوا العقل أساسًا للعدل، فالعقل لديه هو أعدل الأشياء قسمةً بين الناس، ومن ثم فلا فضل لإنسان على آخر إلا باستخدام هذا العقل؛ بل إن العقل هو أساس الوجود وهذا ما يؤكده الكوجيتو الديكارتي: “أنا أفكر إذن أنا موجود”.

أما السمة الثالثة للنزعة الإنسانية فهي تقديس الطبيعة، فالطبيعة ليست فاسدة بحكم الخطيئة الأولى، ولم تعد مسكونة بالأرواح والأشباح والكائنات الخارقة المفارقة، وإنما أصبحت جزءًا من العالم الإنساني نفسه؛ لأنها لم تعد شيئًا آخر سوى موضع للذاتية في العالم الخارجي([9]).

لقد كان عصر التنوير هو عصر الأنسنة الحقيقي؛ عصر الإنسان بأروع صورة، وفيه ناضل المفكرون من أجل تحرير الإنسان؛ تحرير عقله وروحه وحواسه كبداية لانطلاق العلوم والفنون وكحافز على تقدم الإنسانية. وكانت عظمة الإنسان في هذا العصر تدفعه إلى تحرير نفسه بنفسه وتحرير عقله بعقله، وهذا هو المعنى الأعمق للتنوير الذي قصده كانط عندما دعانا إلى أن يكون لدينا الجرأة الكافية لاستخدام عقولنا بلا وساطة وبلا حدود، وفي الجهات كلها، وفي الموضوعات كلها. قاعدة أن نفكر بأنفسنا هي الأساس لكل تنوير حقيقي([10]).

التسامح كتجلي للوعي الحداثي الأنسني:

التسامح موقفٌ حضاري مشروط بتوافر الوعي الحداثي والأنسني، كما أنه مشروط بالإرادة والقدرة؛ إرادة الصفح أو العفو والغفران، والقدرة على ممارسة وتطبيق قيم وتقاليد التسامح.

وتشير مفردة التسامح في اللغة العربية إلى معاني المساهلة واليسر في التعامل المالي والتجاري، وإلى العفو والصفح والغفران، ولكن المعنى الأخير يرتبط أكثر بالجود الإلهي، والسَّمِح من الرجال مَن كان سبَّاقًا إلى فعل الخير، وداعيًا إليه، ذلك أن السماح رباح؛ أي أن المساهلة تجعل صاحبها يربح بالمعنى النفعي أو البرجماتي([11]).

أما التسامح في الإنجليزية فيشار إليه بالكلمة Tolerance، وهي كلمة مشتقة من الأصل اللاتيني Tolerare، والذي يعني التحمل أو التعايش مع شيء ما أو وضع غير مرغوب، وهو المقابل للتعصب والطغيان والظلم والعدوان. ومن ثم ترتكز محاور التسامح على توافر قيم الحرية والعدل والمساواة والإنصاف([12]).

ونلاحظ هنا أن معنى التسامح في اللغة العربية يختلف عن معناه في اللغات الأجنبية، ففكرة التسامح الغربية تشير إلى الموافقة على شيء وقبوله رغم أننا لا نحبه ولا نرغبه. أما التسامح بالمعنى العربي، فيفترض وجود أرض مشتركة بين الطرفين.

ولأن مصطلحات التسامح واللاتسامح تعد من المصطلحات الحديثة نسبيًّا؛ لذلك فهي ترتبط بإطار تاريخي محدد، وببعض المفاهيم والتقاليد الحديثة من قبيل “المساواة”، و”حقوق الإنسان”؛ بعبارة أخرى فإننا يمكن أن نتحدث بثقة عن التسامح عندما نعترف بتلك الفكرة الثورية التي تقرر أن كرامة البشر كلهم، حتى أقلهم موهبةً وشأنًا شيئًا مقدسًا؛ وبالتالي فمن حق كلٍّ منا أن يحيا بحرية، وأن تكون له أفكاره الخاصة به، حتى وإن كانت منافية للعقل ولما هو سائد([13]).

والتسامح بهذا المعنى قيمة ثقافية تقوم على التعقل، ومن ثم فإن التسامح ضد الهمجية وضد البربرية؛ لأنه يتأسس على شكل من التنوير يسود فيه الاتفاق والوعي بأهمية التفاهم والحوار والتعايش بين الأفراد.

وبالإضافة إلى أن التسامح يمثل قيمةً أخلاقية؛ إلا أنه أيضًا مسألةٌ سياسية أو إن شئنا الدقة فإن تحقيق يوتوبيا التسامح يتطلب سلطةً سياسية يكون دورها فرض التجانس الطائفي والسلم الاجتماعي أو المدني، وتشريع القوانين والدساتير التي تؤكد مبادئ التسامح؛ ولذلك فإن دور الدولة تجاه مسألة التسامح أساسي، ويتجلى ذلك في مجالات التعليم والاقتصاد والثقافة؛ حيث يكون للحكم الرشيد دورٌ في نشر ثقافة التسامح وتأكيدها([14]).

وللتسامح بُعدٌ آخر وهو البعد النفعي أو البراجماتي، وفي هذا الجانب، يمثل التسامحُ حاجةً إنسانيةً، إنها حاجة الإنسان إلى السلام والحياة الآمنة السعيدة، وتحقيق قدر عالٍ من التواصل الخلاق والإيجابي بين أبناء الإنسانية، بما يحقق التعايش المشترك بين الشعوب وتجنب كوارث الحروب وويلاتها([15]).

ومن حيث المعنى السيكولوجي يتضمن التسامح مكونات ثلاثة:

1- مكون معرفي أو عقلي: يتمثل في اتخاذ الفرد الذي أسيء إليه قرارًا بالتسامح مع مَن أساء إليه، ويتضمن الأفكار الإيجابية كلها التي تشكلت لديه بعد أن اتخذ قرار التسامح.

2- المكون الوجداني: يتمثل في المشاعر والانفعالات الإيجابية كلها التي يشعر بها الفرد الذي أسيء إليه تجاه من أساءوا إليه بعد قراره بالتسامح.

3- المكون السلوكي: يتمثل في السلوكيات الإيجابية كلها التي يقوم بها الفرد الذي أسيء إليه تجاه الشخص الذي أساء إليه، مثل: حسن معاملته، وإكرامه، واحترامه… إلخ.

وبناءً على تلك المكونات يمكن التمييز بين نمطين من التسامح: تسامح حقيقي، وتسامح زائف؛ ويتضمن التسامح الحقيقي المكونين المعرفي والوجداني. أما التسامح الزائف فيُعبَّر عنه سلوكيًّا فقط. وفي هذه الحالة يصدر عن الفرد سلوكيات تنم عن التسامح استجابةً للضغوط الواقعة عليه من قبل الآخرين، ومجاراةً للأعراف والتقاليد الاجتماعية؛ ولكنه لا يعايش العمليات المعرفية والوجدانية التي تستثير الرغبة في التسامح الحقيقي لديه(21).

ثم إن هناك تسامحًا مع الذات، وتسامحًا مع الآخر؛ ويعرف التسامح مع الذات بأنه الميل إلى تجنب مشاعر اللوم الذاتي المفرط، والشعور بالذنب جراء ما ارتكبه الفرد من أخطاء أو جرائم في حق الآخرين أو في حق ذاته.

بقي أن نذكر أن التسامح ليس نوعًا واحدًا ولكن نحن أمام أنواع متعددة من التسامح، فهناك على سبيل المثال: التسامح الديني، التسامح السياسي، التسامح الاجتماعي، التسامح الجنسي، التسامح الأخلاقي، التسامح الحضاري، التسامح العرقي، التسامح القومي. ونجد أن القاسم المشترك في هذه الأنواع كلها والذي يكاد يكون هدفًا مشتركًا هو أن التسامح يشير إلى القدرة على العيش مع مَن هم مختلفون عنا والسماح لهم بممارسة ما نعده حقًّا لنا ما دام هذا الحق لن يلحق الضرر بنا.

وقد يكون من المفيد في هذا الصدد استدعاء نظرية جون لوك حول التسامح الديني كنموذج لقيمة التسامح عمومًا في مسألة ضرورية تعد أرضًا خصبةً للتعصب والكراهية.

وجهة نظر لوك في التسامح الديني:

تقدم رؤيةُ لوك للتسامح وجهةَ نظر متماسكة وقوية لكيفية تلافي الصراعات الطائفية والحروب الدينية. والطريف في رسالة لوك أنها تتسم بقدرٍ من الواقعية والمرونة وعدم المغالاة أو الشطط، ولنتابع معًا هذه الرؤية حتى نتعرف على أهم ملامحها.

تقوم فكرة التسامح عند لوك على فكرة شديدة البساطة تتمثل في أن الدين شأنٌ فردي محض، وأن الخلاص أمر ذاتي تمامًا، وأن حرية التدين هي حرية شخصية لا دخل للدولة أو للآخرين فيها، فمهمة الدولة تتلخص في توفير الخيرات المدنية والحفاظ عليها وصونها وتنميتها، والمقصود بالخيرات المدنية: الحياة، والحرية، والصحة، وراحة الجسم، بالإضافة إلى امتلاك الأشياء، مثل المال والأراضي والبيوت والأثاث، وغير ذلك.

كما أن واجب الحاكم المدني يتمثل في “تطبيق القوانين بلا استثناء لتوفير الضمانات التي تسمح لكل الناس على وجه العموم، ولكل فرد على وجه الخصوص، بالامتلاك العادل للأشياء الدنيوية. أما إذا حاول أحد أن يغامر وينتهك قوانين العدل والمساواة التي تأسست من أجل الحفاظ على هذه الأشياء؛ فإن مثل هذا المغامر يجب أن يمنعه الخوف من العقاب الذي هو عبارة عن الحرمان من الخيرات المدنية أو من الخيرات التي من حقه أن يتمتع بها… لذلك ينبغي أن يكون الحاكم مسلحًا بسلطة رعاياه وقوتهم من أجل معاقبة من ينتهكون حقوق الغير”(21).

أما عن الشأن الديني، أو الذي يسميه لوك “خلاص النفوس”، فهو ليس من شأن الحاكم المدني، أو من شأن أي إنسان آخر. إن خلاص النفوس ورعايتها ليست من سلطة الحاكم؛ لأنه يحكم بمقتضى سلطة برانية أو خارجية، بينما الدين الحق ينشد اقتناعًا داخليًّا، وأي شيء خلاف ذلك لا يرضى عنه الله، ومن طبيعة العقل الإنساني أنه لا يمكن إجباره على الإيمان استنادًا إلى قوة برانية. فالتهديد بمصادرة الأراضي، والعقاب بالسجن، والتعذيب، والموت وغيرها من وسائل الإرهاب لا يمكن أن تغير من عقائد الإنسان(22).

ولا تملك السلطة الدينية أو المدنية الحق في أن تفرض على أفرادها ديانةً بعينها، بل يقتصر دور الدولة على توفير الأمن والاستقرار والطمأنينة والسلام والمساواة للأفراد والجماعات كافةً.

حدود التسامح:

هل التسامح قيمة مطلقة؟ أو بعبارة أخرى: هل التسامح يكون تسامحًا مع الجميع؟ ومع مَن نتسامح؟

هل يمكن أن نتسامح مع الأعداء والمتعصبين وغيرهم ممن يغتصبون الحرية ولا يعترفون بمبدأ التسامح نفسه؟

يجيب جون لوك في رسالته عن هذه الأسئلة بأنه لا يمكن التسامح على الإطلاق مع الذين ينكرون وجود الله. فالوعد والعهد والقسم، من حيث هي روابط المجتمع البشري، ليس لها قيمة بالنسبة إلى الملحد؛ فإنكار الله، حتى لو كان بالفكر فقط، يفكك جميع الأشياء، هذا بالإضافة إلى أن أولئك الملحدين الذين يدمرون الأديان كلها ليس من حقهم أن يستندوا إلى الدين كي يتحدوا.

وعلى هذا النحو فإن علمانية لوك لم تؤدِّ به إلى التعاطف مع الملحدين؛ بل يرى في الملحد عنصرَ خطَرٍ يهدد أمن الدولة وسلامها؛ لأن الملحد من وجهة نظره ليس له عهد أو وعد أو قسم. وربما يبدو هذا الرأي غريبًا من قبل لوك الذي عدَّ الإيمان أمرًا شخصيًّا وشأنًا فرديًّا؛ ولكن يبدو أن لوك كان واقعًا تحت تأثير المناخ العام الذي كان يسود أوروبا في القرن السابع عشر، والذي كان مؤمنًا بالدور الإيجابي للدين خاصة فيما يتصل بالترابط والتضامن بين البشر.

ولقد تنبه الرائد التنويري الكبير “فولتير” في رسالته أيضًا عن التسامح والتي كتبها بمناسبة إعدام “جان كالاس”(31) عام 1762 إلى أن التسامح ليس أمرًا مطلقًا، فالجرائم التي تخل بأمن المجتمع، والتي تحرض على التعصب الديني، هي من الجرائم التي لا يمكن التسامح معها.

ويؤكد المفكر المعاصر مايكلانجلو ياكوبوتشي فكرة وجود استثناءات في عملية التسامح؛ إذ يرى أن التسامح غير المشروط عبثٌ، ولو أننا فشلنا في الدفاع عن مجتمع متسامح ضد هجمات اللامتسامحين؛ فإننا بذلك سوف ندمر التسامح، فلو بلغ التسامح ذروته فسوف يدمر نفسه.

إن التسامح بصورة أو بأخرى عملية تبادلية، وهذا هو الوجه البراجماتي أو النفعي الذي أشرنا إليه فيما سبق؛ ولذلك لا يحدث التسامح إلا بين أناس متسامحين أي حاصلين على فضائل واستعدادات أولية للتسامح.

لقد حاول رولز في كتابه نظرية العدالة أن يجيب عن سؤال: هل يمكن التسامح مع اللامتسامحين؟ حينما ناقش علاقة الدولة بغير المتسامحين؛ إذ يوجد في تقديره سياقان:

أولهما يقع في سياق التعامل بين الأفراد، حيث يوجد هناك تبادل إيجابي، لا يحق بموجبه لغير المتسامح أن يتذمر لو لم يقع التسامح معه. أما السياق الآخر فهو سياسي – اجتماعي، فالدولة كحاضنة للجميع تضطر في الغالب إلى التعامل بطريقة متسامحة مع غير المتسامحين، ولا سيما عندما لا يقع تهديد للنظام العادل الذي تهدف إلى تحقيقه.

فتكمن الإشكالية هنا في تصور ضرب من النظام أو الدستور العادل الذي يضمن للحرية أقصى ممكناتها، ولا يهدد تحقيق العدالة الاجتماعية والإنسانية. فالدولة لا تتأسس أبدًا على الإكراه والقمع؛ بل على استكشاف السبل التي تؤدي إلى السلم؛ لذلك ينبغي لها أن توفر فرصًا إضافيةً لتحقيق التسامح وتعويد غير المتسامحين على تبني قيم التسامح وتقاليدها.

إن تحقيق مشروع التسامح لا يرتبط بالدولة المتسامحة فحسب؛ وإنما بشروط أخرى، مثل: الاعتراف بالذنب، والتوبة، وطلب الصفح، فالتسامح يحدث عندما يتخلى الشخص عما يفقده إنسانيته. إنه شأن إنساني لأنه يطلب إنسانيًّا، ولا يتحقق إلا إنسانيًّا.

فالصفح مثلًا بوصفه أحد أنماط التسامح يأتي من كونه علاقة بالآخر.

ورغم أن هذا الصفح مشروطٌ – كما أوضحنا – إلا أنه على حد تعبير دريدا لا مشروط أيضًا، بمعنى أنه لا يكون صفحًا إلا بوصفه قبولًا لما هو غير قابل للتسامح أو لما لا يقبل الصفح!

عمومًا يتطلب التسامح في صوره وأشكاله كافةً إلى بناء قاعدة يتأسس عليها ليكون الحوار مع الآخر ممكنًا. فالتسامح المطلق يهدم كل قاعدة للحوار، ويقضي على التعايش السلمي في المجتمع؛ لأنه ينفي ذاته بذاته.

 


الهوامش:

([1]) محمد نور الدين أفاية: الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، نموذج هابرماس، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1991، ص107.

([2]) المرجع السابق: ص109، وانظر أيضًا: هنري لوفيفر: ما الحداثة، ترجمة: كاظم جهاد، دار ابن رشد للطباعة والنشر، بيروت، 1983، ص17، وما بعدها.

([3]) مارشال بيرمان: حداثة التخلف، تجربة الحداثة، ترجمة: فاضل جتكر، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1993، ص12.

([4]) زيجمونت بارمان: الحداثة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 2017، ص23.

([5]) هابرماس: القول الفلسفي للحداثة، ترجمة: فاطمة الجيوشي، وزارة الثقافة دمشق، 1995، ص ص 5-6.

([6]) حسن حماد: المرجع المذكور، ص ص 47-48.

(*) تعرض بدوي لجذور هذه النزعة في كتابه: الإنسانية والوجودية في الفكر العربي وكذلك في تقديمه لكتاب الإشارات الإلهية لأبى حيان التوحيدي.

(**) انظر: زكريا إبراهيم: أبو حيان التوحيدي: أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، 1981.

(***) انظر: محمد أركون: الأنسنة والإسلام، ترجمة وتقديم: محمود عزب، دار الطليعة، بيروت، 2006.

(8) عبد الرحمن بدوي: الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، مكتبة النهضة المصرية، 1947، ص9.

(9) مقتبس من المرجع السابق: ص10.

([9]) عبد الرحمن بدوي: المرجع المذكور، ص ص 12-13.

([10]) نازلي إسماعيل: النقد في عصر التنوير، كانط، دار النهضة العربية، 1976، ص43.

([11]) انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة سمح، ص 2088، دار المعارف بمصر.

([12]) سمير الخليل، التسامح في اللغة العربية (في) سمير الخليل وآخرين: التسامح بين شرق وغرب، دراسات في التعايش وقبول الآخر، بيروت، لبنان، 1992، ص ص 14-15.

([13]) مايكل أنجلو ياكوبوتشي: أعداء الحوار، أسباب اللاتسامح ومظاهره، ترجمة: عبد الفتاح حسن، مكتبة الأسرة، 2010، القاهرة، ص 30.

([14]) محمد محسن الزراعي: الإنسانية وثقافة التسامح، دراسة منشورة في كتاب: “التنوير والتسامح وتجديد الفكر العربي، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، تونس، 2007، ص ص 420 – 421.

([15]) المرجع السابق: 422 – 423.

(20) كينث إ. بارجمنت، وكإرل إ. ثورسين: التسامح، النظرية والبحث والممارسة، تحرير: ميشيل إ. ماكلو، ترجمة: عبير محمد أنور، المجلس القومي للترجمة، مصر، 2015، المقدمة، ص9.

(21) جون لوك: رسالة في التسامح، ترجمة: منى أبو سنة، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى، 1997، ص 24.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق