قد تبدأ الحرب قبل أن تنطلق رصاصتها الأولى، حين تتجه إرادة ما إلى تقويض أمن مجتمع، واستنزاف قدرته على الاستقرار. فالعدوان لا يستهدف الأرض وحدها، وقد يكون تفكيك الثقة بين أبناء الوطن، وتعطيل أسباب العمران، وإشاعة الخوف من المستقبل، أشد أثرًا من احتلال موقع عسكري. وفي مثل هذه الظروف يكتسب سؤال الحرب الضرورية معناه الأخلاقي الأعمق. فالمجتمع الذي يتعرض لاعتداء منظم يجد نفسه مطالبًا بحماية الشروط التي تجعل وجوده المشترك ممكنًا، وبمنع القوة المعتدية من تقرير مصيره نيابة عنه.
وقد ينصب العدوان على مجتمع قوي يمتلك مؤسسات راسخة وقدرات معتبرة على الدفاع. فالقوة لا تحول دون التعرض للعدوان، وقد تكون القدرة على الاستقرار والتقدم سببًا في استهداف المجتمع ومحاولة استنزافه. إن زعزعة الأمن وسيلة قادرة على تحويل موارد الدولة من البناء إلى الاستجابة المستمرة للخطر، وعلى إضعاف الثقة بقدرتها على حماية الحياة العامة. وهنا تتجاوز آثار العدوان خسائره المباشرة، إذ تمتد إلى المستقبل الذي كان المجتمع يسعى إلى تشييده، وإلى الفرص التي تتبدد كلما اضطر إلى تخصيص مزيد من طاقته لمواجهة التهديد.
وتستمد مقاومة العدوان مشروعيتها من الحق في صون الوجود السياسي المستقل. وقد منح مايكل والزر، في كتابه حروب عادلة وغير عادلة، مكانة أساسية للحقوق التي ينتهكها العدوان، وفي مقدمتها الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية. فالجماعة السياسية تتشكل عبر تاريخ من العلاقات والمؤسسات والالتزامات، ويعني الاعتداء عليها تهديد قدرتها على تقرير شؤونها. ولهذا تكتسب السيادة قيمتها الأخلاقية من اتصالها بحياة الناس وحقوقهم، ومن تمكينهم من تنظيم مستقبلهم بعيدًا عن الإكراه الخارجي.
غير أن الدفاع عن المجتمع يثير مسألة تتجاوز الحق إلى الواجب. فالسلطة التي تتولى حماية الشعب تتحمل مسؤولية فعلية عن أمنهم، وتفقد جانبًا من مبرر وجودها إذا تعاملت مع الاعتداء الجسيم بوصفه خطرًا يمكن تركه دون ردع. وقد يبلغ العدوان حدًا يصبح معه استخدام القوة ضرورة لحماية الأرواح والمؤسسات، متى ثبت أن الوسائل الأخرى عاجزة عن دفعه، وأن التدخل العسكري قادر بصورة معقولة على تحقيق غايته. وتقوم الضرورة هنا على تقدير منضبط للتهديد والقدرة والعواقب، وعلى مسؤولية لا تنتهي بمجرد اتخاذ قرار الدفاع.
وتكمن إحدى المفارقات الأخلاقية في أن الامتناع عن الفعل قد يترك أثرًا لا يقل جسامة عن الفعل نفسه. فإذا كانت هناك قدرة واقعية على منع اعتداء مسلح، فإن تركه يستمر يقتضي تبريرًا أخلاقيًا أيضًا. ومع ذلك، تختلف مسؤولية الدولة عن مسؤولية الفرد، لأن واجب الحماية المؤسسي لا يخولها التصرف بأرواح المواطنين دون ضوابط. ومن هنا تنشأ ضرورة الموازنة بين المخاطر التي يفرضها العدوان والأضرار التي قد تنتج عن مواجهته، مع بقاء سلامة السكان وحقوقهم في مركز القرار.
وتتخذ المواجهة بعدًا أكثر تعقيدًا عندما يكون إحداث الفوضى غاية محتملة للعدوان. فقد يسعى المعتدي إلى استدراج خصمه نحو قرارات متعجلة تستنزف موارده، أو تضعف مؤسساته. وفي هذه الحالة تصبح القدرة على ضبط القوة جزءًا من فاعلية الدفاع. فالمجتمع الذي يواجه محاولة لتفكيكه يحتاج إلى حماية تماسكه الداخلي، والمحافظة على الثقة بمؤسساته. وكل استجابة ينبغي أن تُقاس أيضًا بقدرتها على حرمان المعتدي من النتائج التي يسعى إلى تحقيقها.
وقد يختلط الدفاع المشروع بالرغبة في الانتقام عندما تتكرر الاعتداءات وتتراكم الخسائر. وهنا تظهر أهمية التمييز بين رد الخطر ومعاقبة الخصم لمجرد إيلامه. فالانتقام يستمد اندفاعه من الماضي، بينما يستمد الدفاع مبرره من حماية الحاضر والمستقبل. وتصبح القوة مشروعة بقدر اتصالها بهدف دفاعي محدد، وبقدر خضوعها لشروط الضرورة والتناسب. أما توسيع نطاق المواجهة دون تقدير لعواقبها فقد يمنح المعتدي فرصة لإطالة الاضطراب، ويعرض المجتمع الذي يجري الدفاع عنه لمخاطر إضافية.
وتقتضي أخلاقية الدفاع التمييز بين عدالة اللجوء إلى القوة وعدالة استخدامها. فالقضية المشروعة لا تمنح أصحابها حرية مطلقة في اختيار الوسائل. وقد شدد تقليد الحرب العادلة على هذه المسألة، فيما تؤكد قواعد القانون الدولي الإنساني حماية المدنيين، والتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وحظر الهجمات العشوائية، ووجوب اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار. وتبقى هذه الالتزامات قائمة بصرف النظر عن الطرف الذي بدأ العدوان، لأن حماية الإنسان هي المبدأ الذي يمنح الدفاع أساسه الأخلاقي.
والحرب الدفاعية، مهما بلغت ضرورة خوضها، تظل قرارًا مأساويًا بما قد تفرضه من خسائر على البشر. ولهذا ينبغي أن تكون القدرة على إنهائها حاضرة في التفكير منذ بدايتها. فاستمرار استخدام القوة يحتاج إلى مبررات تتجدد بتغير الظروف، وقد تنتفي الضرورة عندما يصبح وقف العدوان ممكنًا بوسائل أقل إضرارًا. والمسؤولية الأخلاقية تقتضي امتلاك الشجاعة اللازمة للمواجهة، والحكمة اللازمة لضبطها، والاستعداد لمراجعة القرارات حين تتغير الوقائع التي قامت عليها.
إن ضرورة الحرب تتحدد عندما يتعرض مجتمع لعدوان مسلح يهدد أمنه وسيادته وشروط حياته المشتركة، وتصبح القوة وسيلة لازمة ومتناسبة لدفع ذلك العدوان. وقد يكون الهدف من الاعتداء تفكيك مجتمع متماسك واستنزاف قدراته، الأمر الذي يجعل حماية الاستقرار والمؤسسات جزءًا أصيلًا من مسؤولية الدفاع. لكن قوة المجتمع الحقيقية تظهر كذلك في قدرته على ألا يسمح للعدوان بتغيير المبادئ التي يقوم عليها. فالدفاع الذي يحمي الأرواح والحقوق والمؤسسات، ويحافظ على حدود القوة ومقتضيات العدالة، يصون المجتمع من الخطر الذي يواجهه ومن خطر أن تتحول مواجهته إلى مصدر جديد للخراب.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




