مراجعات

الشعري في سينما تيرانس مالك – آية طنطاوي

هل ينطق فيلم To The Wonder بلغة الشعر؟

قد يوحي مصطلح “الشعري في السينما” إلى أن المقصود هو السينما التي تقتبس من الشعر موضوعًا لها؛ لكن الأمر هنا مغاير تمامًا، فنحن في استخلاص “الشعري” لا نبحث عن قصيدة بعينها يُقتبس منها الفيلم؛ بل نتلمس سماتِ الشعر في الفيلم أو لغته السينمائية التي تتشابه في خصائصِها مع خصائص الشعر. ووَفقًا لهذا المنطلق تتحرر هذه الدراسةُ من فكرة أن الشعر هو الوسيط الأدبي الذي تقتبس منه السينما موضوعاتِ القصائد، ويركز محور الحديث على الأسلوبِ واللغةِ وتحديدِ خصائص الشعري بين الأدب والسينما. ويعد المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني أهمَّ من أرسى لمفهوم السينما الشعرية بشكل واضح تحديدًا في ورقته البحثية التي قدَّمها في يونيو 1965 في أول مهرجان للسينما الجديدة في بيزارو، وكانت بعنوان (سينما الشعر) وهي الدراسة التي ستستند إليها الدراسة في استخلاص خصائص الشعر في “السينما الشعرية” بالتطبيق على فيلم (To The Wonder) للمخرج الأمريكي تيرانس مالك، ومن بطولة بن أفليك، وريتشل ماكأدمز، وأولجا كوريلنكو. والاستناد أيضًا إلى كتاب “النحت في الزمن” للمخرج الروسي أندريه تاركوفسكي.

 تعريف الشعر.. تعريف السينما:

من الصعوبة تحديد تعريف واحد جامع لمفهوم الشعر، فتعريفات الشعر لا حصر لها، تختلف من شاعر إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، وتتطور أيضًا بمرور الأزمنة وتعاقبات المدارس الأدبية؛ لكن سأقتبس هنا تعريفَ الشاعر ديلان توماس للشعر الذي يُشبهه بالسينما فيقول: “كما تخرج القصيدة تمامًا فإن كل صورة تخلق الصورة التي تعقبها.. إذن فكما أن كلَّ صورة في القصيدة تولِّد صورة أخرى، أعتقد أن الصورة المرئية في الفيلم هي التي تولِّد مثيلتها، تولدها وتتنسمها”[1]. وهنا يربط توماس بين الصورة الأدبية في الشعر والصورة المرئية في السينما باعتبار كلٍّ منهما وحدةً يتولد عنها وحدات أخرى مترابطة تشكِّل المنتجَ الإبداعي الذي يريد أن يعبر عنه المبدعُ (الشاعر/ صانع الفيلم)؛ وعليه فإن توالدَ الصور ودلالاتِها هو المشترك بين الوسيطين.

ملامح اللغة الشعرية:

يقول حسن بلاسم “إن حروف الشاعر السينمائي هي كل ما تتخيله حروف شاعر الأدب لكتابة جملة، أو سؤال، أو سطر من النور والأحاسيس”[2]، وهذا بالتحديد الجوهر المشترك بين الشاعر والسينمائي في علاقة كلامهما تجاه الخيال وتجاه اللغة التي يستخدمانها، سواء كانت بالكلمات أو بالصور. وبالعودة إلى السمات الأساسية التي يحاول بازوليني في بحثه أن يرسيَها للغة الشعر في السينما. ويضعنا هذا أمام تساؤل حول طبيعة اللغة السينمائية التي اختارها تيرانس مالك في أفلامه؛ ليقدم لنا مفردات اللغة الشعرية، وبالتحديد في فيلمه موضوع حديثنا (To The Wonder) والذي تسعى الدراسة إلى عرض سمات الشعري فيه.

الخصائص الشعرية في اللغة السينمائية لتيرانس مالك:

  1. الذاتية غير المباشرة الحرة:

يرسي بازوليني في بحثه قاعدةً أساسية للإجابة عن إشكاليته الرئيسة: “هل لغة الشعر ممكنة في السينما؟”، تستند هذه القاعدة إلى الخطاب غير المباشر الحر في الأدب (free indirect discourse)، فيوضحه ببساطة بأنه الخطاب الذي يتسلل به المؤلف كليًّا داخل أنفس شخصياته، فيتخلى عن مفرداته بصفته مبدعًا، ويتماهى مع مفردات شخصياته، ليس فقط على المستوى السيكولوجي للشخصية بل أيضًا على مستوى اللغة، وضرَب مثالًا بالشاعر الإيطالي “دانتي” الذي يستخدم مصطلحات لا تشبه مفرداته هو بصفته شاعرًا، بل يوظف مصطلحات هي خاصة تمامًا بالشخصيات، تعكس ثقافتهم وحالتهم وعلى ضوئها يشكل دانتي حوارَ الشخصيات ولكنَتَها.. الخ، أما المعادل للخطاب الحر غير المباشر في الوسيط السينمائي فهو ما سماه بازوليني الذاتية غير المباشرة الحرة (Free Indirect Subjectivity) ويقصد بها ذاتية اللقطة (subjective Shot)[3] وهذه هي القاعدة الرئيسة التي يطرحها بازوليني ليثبت إمكانية وجود الشعر في السينما. ويقصد بالذاتية أن يتخلى المخرج عن مفرداته ورؤيته ويوظف أدواته ليقدم شخصياته بذاتية تامة، فتتخلى الكاميرا عن عيون المخرج وتتحول إلى عيون الشخصية، وتعكس ما يدور في عقل الشخصيات، وتقترب منهم وترى ما يرونه هم، تمامًا كما يحدث في حالة الخطاب الأدبي.

وخصيصة ذاتية اللقطة هي بالتحديد ما يستخدمه ماليك في تصوير فيلم To The Wonder، فهو لم يعتمد فقط على الحوار / المونولوج الداخلي ليعكس دواخل شخصياته؛ بل على العكس تشترك الصورة مع الحوار في عكس تلك الذاتية بقرب الكاميرا الدائم من الشخصيات، والتركيز على أن نرى ما يرونه، أن تدور الكاميرا في فلكِهم كأنها جزءٌ منهم، أن نرى في أحيانٍ أخرى ما ينظرون إليه دون أن نراهم.

  1. أن تجعل الكاميرا تشعر:

يوضح السيناريست روبرت مكي في إطار حديثه عن نظرية بازوليني بأن الأمر لا يتعلق بالكلمات والحوار الذي يسرد مجموعةً من المعلومات؛ بل بالأساس حول كيف ستقفز عيونُ المشاهدين لتلحق بالشخصيات وانفعالاتها، أو “كيفية تدفق المشاهد”[4] فتصبح الكاميرا تفاعلية تعكس مشاعر الشخصيات؛ وبالتالي تحمل هي الأخرى مستوى واضحًا من الوعي والشعور. وهذا الأمر وفقًا لنظرية بازوليني مفردةٌ مهمة في لغة الشعر في السينما. ومن المظاهر التقنية التي تعكس مشاعر الكاميرا تلك “اهتزاز الكاميرا، استخدام الكاميرا المحمولة، التتابع السريع للقطات”[5].. وغيرها من وسائلَ تقنيةٍ تعكس وتؤكد أن الكاميرا تشعر فتصبح بالفعل جزءًا من عالم الفيلم، إنها عين تتأمل الطبيعة، وتخلق تتابعًا صُوَريًّا مليئًا بالدلالات، وتخلق إضافات جديدة للحكاية خاصة عند توقف الحوار في الفيلم، فالصورة ليست ثابتة ولا تتجمد، بل تضيف مفردات جديدة للسرد وتخلق مشاعرَ جديدةً في علاقة المشاهد بالشخصيات/ قصة الفيلم، وتتماهى مع المونولوج الدائم للشخصيات. وهو أمر متحقق تمامًا في فيلم مالك؛ وبالوقوف عند أي مشهد وتحليله من هذا المنظور نجد أن الكاميرا حية ومتفاعلة بشكل دائم.

  1. المونولوج الداخلي:

لا يخلو فيلم (To The Wonder) من حوارات بين الشخصيات؛ لكنه لا يعتمد عليها بشكل رئيسٍ، فهي مجرد وسيلة لكشف بعض المعلومات؛ بينما السرد يتشكل بالمونولوج الداخلي، والمشاعر لا تصل ولا تتكون إلا باستماعنا له. يعتمد سرد الفيلم على تعدد الأصوات، إذ تُحكى الأحداث على لسان ثلاث شخصيات رئيسة في الفيلم بتوظيف “المونولوج الداخلي” كما ذكرنا؛ لتسرد كلُّ شخصية حكايتها من وجهة نظرها، وتوظيف السرد للمونولوج الداخلي هو اختيارُ صانعِ الفيلم ومؤلفه -تيرانس مالك- بالتأكيد، وهو أيضًا يؤكد على “الذاتية” التي يؤسس لها بازوليني في توصيفه لسينما الشعر. فإن كانت الصورة ذاتية، والمونتاج يوظف في الاتجاه نفسه؛ فالسرد بالمونولوج في الفيلم أيضًا يأخذ هذا الشكل الذاتي تمامًا.

إن المونولوجَ في الفيلم شديدُ الذاتية، ومن سماته أيضًا التشظي. هناك مسافات صمت بين كل جملة وأخرى، والجمل والكلمات ما هي إلا خواطر شعورية كأنها تداعٍ حرٍّ في عقل الشخصيات دون تفكير أو تنميق مسبق، وهي أيضًا مكاشفة لكل ما لم يُقَل من حوار بين الشخصيات بشكل مباشر، سواء بين ماريان وحبيبها، أو جين والحبيب نفسه، أو بين القس وربه. في أحد مشاهد القس في الفيلم يستعرض في لقطات متتابعة عمله في الكنيسة وأحاديث الناس من حوله، وفي لحظة غير متوقعة تختفي أصوات الناس بالتدريج، ويحل الصمت للحظة ثم تبدأ الموسيقى بالظهور مصاحبة لصوت القس الذي يبدأ مونولوجه الداخلي بلغته الأصلية -الإسبانية- حول أمر ذاتي جدًّا يؤرقه في علاقته بالله، وفي شعوره بالازدواجية في تعامله مع الناس كقسٍ، يقول مناجيًا ربه: ” إلى متى ستخبئ نفسك؟ اتركني آتي إليك.. لا تجعلني أتظاهر.. أتظاهر بمشاعر لا أملكها”، هذا الحديث ذاتيٌّ للغاية لا يكشفه إلا هذا المونولوج. كشف الذات هو وجه من أوجه كشف الشعري في الفيلم. وكانت الكاميرا أيضًا تدور حول الشخصية وتنظر بعيونها؛ مما ساعد على اكتمال حالة التماهي مع الذات التي تعكس دواخل شخصية القس الذي لم يعد يسمع الأصوات من حوله، وتوحد في حديثه الشخصي مع نفسه/الله.

  1. التشظي.. مقاربة لشعر الهايكو:

من المهم أن نقف عند طبيعة المونولوج الداخلي في الفيلم، فالمنطوق على لسان شخصيات الفيلم في المونولوج هو في تكوينه أشبهُ بالشعر، وأشبه بتلقي المشاهد للشعر في جلسات إلقائه، ويجب ألا نغفل أن الشعر ليس فقط أدبًا مكتوبًا؛ بل منطوقٌ أيضًا على لسان شاعره. ويمكننا للاستفاضة في شرح الربط في هذه النقطة اقتباس حديث تاركوفسكي عن العناصر المختلفة المكونة لشعر الهايكو، وتشابه ذلك مع السينما وَفقًا لما قاله أيزنشتين، فيذكر نموذجًا لقصيدة هايكو تقول[6]:

قمرٌ يضيء في وهن صمت في الحقل

قرب الدير القديم فراشة كانت تطير

ذئب يعوي ثم استغرقت في النوم

يرى أيزنشتين أن هذه القصيدة تتكون من عناصرَ منفصلةٍ عن بعضها ترصد الحياة، لكنها في النهاية تخلق وحدةً خاصة وهي “القصيدة”؛ وعليه يرى تاركوفسكي أن السينما تفعل ذلك أيضًا، فهي ترصد الحياة بطريقتها بتتابع الصور السينمائية عبر الزمن. وهنا يمكننا أن نطبق تلك النظرية على الصورة في فيلم تيرانس مالك، وعلى طبيعة المونولوج الداخلي للشخصيات أيضًا، فكلاهما قصير وغير مكتمل، متشظٍّ كقصائد الهايكو؛ لكنه ينتهي إلى وحدة في نهاية الأمر وهي المشهد في الفيلم.

فمثلاً يبدأ المشهد الافتتاحي للفيلم بمونولوج لماريان تقول:

حديثة الولادة.. فتحت عيني.. واندمجت.. في الليلة الأبدية.. ضوء خافت.. انجذبت نحو الوهج.. أخرجتني من الظلام.. رفعتني من على الأرض.. أعدتني للحياة“.

هنا يتجلى تمامًا الأسلوبُ الشعريُّ في الحوار أو المونولوج الأشبه بالهايكو، والذي يستمر بهذه الشاعرية نفسها مع مونولوجات باقي الشخصيات.

هنا يقدم الفيلمُ لقطاتٍ متفرقةً لما أرادت الشخصية أن تستدعيَه من ذكريات لعلاقتها مع حبيبها بشكل متفرق، ومتشظٍّ، لا يعطيك صورةً مكتملة فهو غير مهتمٍّ بذلك؛ لكنه مهتم أن يترك بداخلك شعورًا، وهذا الشعور هو أن هذه العلاقة كانت في بدايتها جميلة، وهو شعور الشخصية الذاتي نفسُه تجاه تلك البداية.

  1. المونتاج وخلق الإيقاع:

إن مونتاج الفيلم ليس فقط عملية تقنية؛ بل أبعد من ذلك؛ فهو وظيفةٌ فنية بالأساس تعتمد على المونتير وعلى مدى حدسه ووعيه، والمونتير أيضًا كما يصفه المخرج الأمريكي كونتين تارنتينو “من يكتب المُسَوَّدة الأخيرة للسيناريو”[7]، فهو واحد من المشاركين في كتابة لغة الفيلم، ووَفقًا لكل ما سبق توضح كارين بيرلمان أن عمل المونتير يعتمد على تحديد ثلاث حركات رئيسة : حركة القصة، وحركة المشاعر، وحركة الصورة والصوت[8]، وبالتطبيق على عمل المونتيرين في الفيلم [9] كان الـ Rough Cut هو الاختيار الأوحد والمثالي الذي يتماهى مع اللغة الشعرية للفيلم، ومع طريقة التصوير وحركة الكاميرا وأيضًا المشاعر المتدفقة طيلة الفيلم من الشخصيات ومن المونولوج الداخلي، فوُظِّف الـ Rough Cut وَفقًا للأسباب السابقة وحفاظًا على انسيابية إيقاع التصوير، وعلى حالة التشظي وعدم الاكتمال التي هي جانبٌ من جوانب مشاعر الشخصيات غير المكتملة في الفيلم، سواء مشاعر البطلة تجاه حبيبها والعكس، أو مشاعر القس تجاه الله.

في المشاهد الآتية نستعرض لقطات متتالية من الدقيقة 14:19 إلى 14:56 من زمن الفيلم، التي تصور بحالةٍ سريعةٍ وشديدةِ التشظي علاقةَ الحبيبين معًا على خلفية المونولوج الداخلي لشخصية مارينا الذي تصف فيه تناقضات مشاعرها تجاه حبيبها:

“إن أحببتني فلن أريد شيئًا آخر.. أنت لا تتحدث كثيرًا.. لكنك كنت محبوبًا بشكل لا يصدق”.

هذا التناقض في مشاعر الحبيب وتوترها في ذهن الحبيبة ينعكس في المشاهد التي نراها والتي يتبدل فيها مشاعر الحبيبان، وفي هذه المشاهد -بداية من العلاقة الحميمة وانتهاءً ببعض التوتر غير المعلن بينهما- يلخصها المونتاج في حوالي 37 ثانية من زمن الفيلم؛ إلا أن زمنها في الحكاية نفسِها يأخذ أيامًا وأسابيعَ وهو ما نفهمه ضمنيًّا؛ ولأن هذه الذكريات بالأساس نابعةٌ من الشخصية ذاتها وذاكرتها فهي لن تتذكرها إلا بهذه الصورة السريعة، والتي لا تقف عند التفاصيل بقدر ما تقف عند لحظة تولد المشاعر وتنتهي عندها أيضًا.

وعليه يتولد إيقاع الفيلم اعتمادًا على إيقاع المشاهد؛ حيث يتشكل الأخير بإيقاع اللقطات، سواء بطول اللقطة أو حجمها أو مضمونها، وتطغى على الثلاثة بدرجةٍ كبيرة حالةُ التشظي والخفة والذاتية واستعراض الحكاية من ذاكرة الشخصيات التي لا تُحفظ سوى بتتابعٍ بصريٍّ سريعٍ. وقد حافظَ الفيلمُ على إيقاعه دون أن ينفلتَ مع محافظته على الحالة الشعرية للفيلم.

  1. بين الموتيفات الموسيقية والشعر:

يربط المخرج تاركوفسكي في كتابه “النحت في الزمن” بين الموسيقى التصويرية في الأفلام والجملِ أو الكلمات المتكررة في قصيدة ما باعتبارهما موتيفات ثابتةً وباعتبار الموسيقى وسيلةً لتكثيف المشاعر لتتضافر وتتكامل مع الصورة البصرية، وبالفعل وظَّف تيرانس مالك الموسيقى التصويريةَ في الفيلم لتكون جزءًا من خلفية أحداث الفيلم، تخترق الصمت، وتتضافر مع حوار الشخصيات، والمونولوجات الداخلية، ومع صوت الطبيعة أيضًا، فأصبحت الموسيقى مفردةً خاصة وجزءًا من تلقي المشاهد للفيلم. وقد اختار موسيقى كلاسيكيةً هادئةً؛ لتوليد المشاعر ولتضفيَ مفردةً جديدة في سمات لغة الفيلم.

  1. موضوع الفيلم:

إن اختيار موضوع الفيلم جزءٌ من حالة الشعرية، فاختار مالك أن تكون قصةُ فيلمه حول البحث عن الروح في الآخر، فيقدم الفيلم قصةَ علاقةٍ بين امرأة فرنسية ورجل أمريكي التقيا في فرنسا وقررا أن ينتقلا للعيش معًا؛ لكنْ شيء ما يصيب مشاعرهما وتنتهي هذه العلاقة، ويلتقي الرجل بحبيبته السابقة فتتولد مشاعرَ بينهما من جديد. وعلى جانب آخر يتطرق الفيلم إلى القس المتواجد في المدينة التي يسكن فيها الشاب الأمريكي. ويدور موضوع الفيلم بالأساس في فلك المشاعر، وطاقات المحبة المتوهجة والخافتة، واكتمال تشكل الذات بوجود الآخر (سواء الحبيب أو الرب)، واضطراب المشاعر هو المحرك الرئيس لسرد الفيلم. إن هذا الموضوع يتماهى تمامًا في طبيعته مع طبيعة الفيلم الشعرية؛ فتحولت معالجة تيرانس مالك في الفيلم إلى مفردة شعرية خاصة.

إن شعرية السينما أمرٌ شديد الخصوصية تختلف مفرداتُها من مخرج إلى آخر وفقًا لرؤية كل مخرج ومفهومه للشعر، وعليه تتشكل ملامح الشعري في أفلامه والتي وإن اشتركت في السمات المحددة للسينما الشعرية إلا إنها في تنفيذها في السينما ستختلف، فنجد أن لغة الشعري في سينما بازوليني تختلف عن الشعري في سينما تاركوفسكي، وسينما كياروستامي، وبيرتوشلي، وتيرانس مالك… وغيرهم الكثيرون؛ وهو أمر يؤكد على أن مفردات اللغة السينمائية لكل مخرج هي التي تحدد ملامحَ الشعر في سينماه. وإن كانت هذه الدراسة حاولت إثبات وجود “الشعر” في فيلم تيرانس مالك؛ إلا إنها تؤكد أيضًا على صحة تساؤل بازوليني في ورقته البحثية: “نعم لغة الشعر ممكنة في السينما”.

 

 


[1] مايا ديرين… وآخ، ترجمة: فلاح رحيم. “الشعر والفلم”. ]العراق[: الأفلام، 1988، س23، ع4.

[2] صلاح سرميني…وآخ. حول السينما الشعرية. د.م: مسابقة من أفلام الإمارات، 2005.

[3] Ibid.

[4] https://www.youtube.com/watch?v=T7EIdRhlxiw.

[5] The Cinema of Poetry. Op.Cit.

[6] أندريه تاركوفسكي. النحت في الزمن. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2006.

[7] https://www.youtube.com/watch?v=02JF19lJ29M

[8] Ibid.

[9] A.J. Edwards, Keith Fraase, Shane Hazen, Christopher Roldan and Mark Yoshikawa

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق