مقالات

لم يعد قريبًا مني سوى البعيد

رائد العيد

يقول قاسم حداد في قصيدته «نهج السيرة»:

«سِيرتك وأنت تندمُ

مثل معجمٍ يُخطئ المعنى

سيرتك

تنهداتُ القتيل

دَمه يغيم ويفصح

متحشرجًا بشظايا اللغة

متعثرًا بالكتب تحت الجسر

في طريقه إلى شرفة الاعتراف

سيرتك

تكتبها امرأةٌ تستعيدك بنبيذِها النزق

وتبغها الرطب

وبهجتها الخائبة

امرأةٌ تتهجى فهرسَ الهزائمِ

بأنخابٍ تبادَلتْها مع العاصفة

في سجالِ المخمورات

فاشتهتْ

وانداحتْ

وشغفتْ

وهَـذتْ

واشتبكتْ

وتعثرتْ بالأثيرٍ يخذلها.

امرأةٌ تكتبك

وتصوغُ سيرتك

التي بذلْتَ لها أرشيفَ الشغفِ ومعجم الجمر

امرأةٌ ترصدُ لكَ الندمَ

تؤثثُ مستقبلَها بإرثِكَ

وتريدُ لكَ أن تنسى».

***

خُلق الإنسان ناقصًا لا تتم سعادته إلا بمخلوق ثانٍ، مهما طال انتظاره، فليس للحب عمر فهو دائمًا في طور النشوء. وقد قال لنا الشعراء ذلك ومثّلوا لنا الحب كالطفل، ولكننا نشعر بذلك دونما حاجة إلى سؤالهم.

يُكسَب الحب بالفطنة ويدوم بفضلها وعلينا أن نتمتع بالمهارة كي نحب. وإننا لنستنزف كل يوم سبل الإعجاب. لدينا ينبوع من حب الذات يُصوِّر لنا أننا قادرون على احتلال العديد من الأمكنة. وهذا ما يولد سرورنا لأن نكون محاطين للحب، وما نتمناه بلهفة. وننسى أن الحب دومًا يعاكس رغبات طلّابه، يأتي بغتة، مفاجأة أحيانًا، وفاجعة أحيانًا.

يُحبُّ الإنسان أن يُحَبَّ أكثرَ من أن يُحِبَّ. لهذا أفرد عددٌ من الكتّاب سيرًا خاصة بتجاربهم مع الحب، إما لكثرتها، أو لتمحور حياتهم حولها، أو رغبةً في تكثير الكتابة، وافتخارًا بالإنجازات، أو ربما استعانةً بالكتابة على فهم أسباب الانفصال والتأسي بالماضي على الآتي، فقد أجاب الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس على سؤال: لماذا كتبت كتاب «ديانا أو القناصة المستوحدة» عن قصة غرامك مع جان سيبيرغ؟ وهل كان صعبًا عليك كتابته؟ قائلًا: «أجل، صعب جدًّا، لكنه أتاح لي أن أطرد المشكلة حين أذللت نفسي. رغبت أن أكتبه بهذه الطريقة، بعيدًا عن أية لغة خشبية. خرجت منه منهزمًا، بيْد أنه لم يكن أمامي أي مخرج آخر سوى أن أروي فشلي في هذا الحب عبر هذه التفاصيل الحياتية، التي لا معنى لها إلا بأن تقودنا إلى السيطرة على الآخر ومن ثم خسارة هذه السيطرة».

الحب بحالته العامة مفهوم نظري لا قيمة له. الحب تجربة فردية غير قابلة للتكرار، حتى الشخص الواحد مختلفٌ في كل حالة حب، فالذي يقول لكل محبوبةٍ لقد تعلّمتُ الحب على يديك، هو يُشير إلى تجدّد الدرس وحداثة التجربة وفرادتها. تتشابه المشاعر والمواقف بين المتحابّين، لكنها أبدًا غير صالحة للمقارنة والقياس، إذ إنها في كل حالة تتلبّس بلبوسِ صاحبها فتستحيلُ باقةً جديدة فريدة. يتشابه الناس بالصفات ويتفرّدون بالبصمات.

لذةُ الحديثِ عن الحب هو في لذةِ الحديث عن المحبوب، لا في الحديث عن ذات الحب بمفهومه العام. إذ في الحالة الثانية يُصبح الحديث تنظيرًا فلسفيًّا لا طرب له، فاللذة يلزمها التخصيص والتوجيه. ولا يدخل في كلامنا هذا حديث الدنجوانيين الذين يطربون للحب وتجدده أكثر من احتفائهم بالمحبوب وفرادته، فالحب عندهم أهم من الحبيب نفسه، والمطلوب هو نشوة تجدد الحب مرةً تلو الأخرى، حينها يكون حديثهم عن تلك المشاعر المتهيجة دائمًا.

***

ظلالٌ على الأرض

كان الروائي العراقي حسن مطلك يدوّن خواطره ويومياته وهمومه وشجونه مع الحب وتجاربه مع محبوباته، لم يُصدرها في كتاب أثناء حياته، ونشرها أقربائه بعد وفاته، مبررين تطفلهم هذا بأنه تعويض عن رحيله المبكر بالإعدام، وأن الشخصيات التي في هذه النصوص هي الشخصيات التي استخدمها في أعماله، فبالتالي ستكون نصوص الحب هذه مفيدة في قراءة وتحليل بقية أعماله.

ومهما كانت المبررات والدوافع، فقد خرج الكتاب بعنوان «كتاب الحب» وبعنوان فرعي «ظلالهن على الأرض»، ومع أنه جاء قصيرًا لكنه مُلِءَ بأنواع الحالات والمفردات ولحظات الحب؛ شوق، لهفة، انتظار، مواعيد، لقاءات، حوارات، قوة، ضعف، ابتعاد، صبر، تضحية، نصيحة، تأمل… إلى غير ذلك من العذوبة المشاعرية.

جزءان اقتسما الكتاب، الأول «ظِل الباشق على الأرض» أشبه باستعادة حب المراهقة ومحاولات إثبات الذات أيام الجامعة، وكما هي طبيعة تلك المرحلة غير المستقرة وغير الواضحة جاءت نصوص هذا الجزء مبعثرة ضبابية مليئة بالغموض والترميز. لحظات صراع بين الكتابة والترقي الثقافي وبين العلاقات العاطفية المحققِة للرضا النفسي والطمأنينة، «كل ما عدا الكتابة باطلٌ تمامًا، أو على الأقل لا أهمية له». تسبّبت الكتابة بخسارته العديدَ من العلاقات، فلم ترضَ الفتيات الثانويّة في الأولوية، لكنه لا يعترض على هذا رغم حزنه على فقدانهن. يُصر هذا الوضع عليه بالإجابة على سؤال: لماذا تكتب؟ ورغم اعترافه بأن هدف الحصول على تقديرٍ اجتماعي ونوعٍ من الشهرة ليس غائبًا عن وعيه، إلا أنه يرى في أي إجابة تخص مبدأه في الكتابة هي خيانة للكتابة نفسها. فإن التفسير يأتي على شكل ثورة ضد الكتابة نفسها.

الحب هو فن إدارة المسافة، الاقتراب الزائد يُلغي اللهفة، والابتعاد الطويل يُنسي الألفة. الحب طبخة لا توضع مقاديرها دفعة واحدة، بل على التوالي وعلى مهل.

تمخّض خلال هذه المرحلة بعض تصوّر حسن تجاه الحب، فنجاح أي علاقة بين شخصين، «تعتمد على الكشف المستمر، الذي لا نهاية له، لشخصية كل فرد من قبل الآخر، مما يعطي انطباعًا على شكل يقين، بأن نوعية هذين الشخصين تعتمد؛ إما على عمق كل منهما بحيث لا يمكن أن يعطي ما لديه وينتهي، أو أنها تعتمد على سطحية الاثنين معًا، بحيث لا يحتاج أحدهما إلى كشف الآخر، بل يكتفي بقراءته من السطح، ولما كان السطح يتغير بعوامل الطبيعة شأن تغيّر وجه الأرض على اختلاف الفصول، فإن ذلك كافيًا لاستمرار العلاقة حتى لحظة الكف عن مشاهدة الآخر».

ختَم الجزء الأول وكأنه ينهي الكتابة عن الحب، معنونًا الفقرة بخاتمة المشروع، ويقول فيها: «إن الذكريات لشيء قاتل، أن أعيش تلك الأحداث مرة أخرى، أعيش ألمها، وأفسره لكي أكتشف إن كان ثمة لحظة اعتبرتها سعيدة في حينها، ثم أفسرها تحت غلواء التذكر لأكتشف أنها لم تكن لحظة غبطة، بل نوعًا من الألم المُرّ». ويستمر بإقناع نفسه بكسر القلم وعدم التألم باستدعاء الذكريات؛ إذ «لا طائل أبدًا من استمرار محاكمة الذات، ما دامت النتيجة واحدة: الإحساس بالخراب والعدم».

لكنه يعود بجزءٍ ثانٍ بعنوان «ظل القمر على الأرض»، والذي خَصصّه لتجربة حب ناضجة متأخرة، فبينما هو متزوج ولديه ابنة، خاض رحلة حب مع «هدى» التي أسرت قلبه وهام بها، وهي التي لم تبرح من الدخول في علاقات عابرة وتجارب حب فاشلة، فأراد أن يُنقذها من نفسها، ويصلحها ويتزوجها، لكن الموت أخذه منها وإن لم يقو على أخذِ حبِّهِ من قلبها. تضمّن هذا الجزء على يوميات الفراق ورسائل الوصال، نصوص رسائل الحب بينهما، تقطر عذوبة وجمالًا.

العلاقة الصحية بين الرجل والمرأة كما يراها حسن مطلك هي اختيار. أن نختار من يحبنا ونحبه دون تنازل، ودون إذلال. أن نحب وكرامتنا محفوظة. أن نحب دون أن نركع، ونعرف متى وكيف ولماذا نقول: لا أو نعم، في الوقت المناسب. أن نحب بشرف. نهب أجسادنا وأسرارنا وآلامنا وأحلامنا لمن نحب.

«ميسون» هي الباشق في الجزء الأول، زميلة حسن مطلك في الجامعة، و«هاشمية» هي قمر الجزء الثاني، معلمة في المدرسة التي كان حسن مديرًا لها، كما أخبرنا أخوه الروائي محسن الرملي في تقديمه للكتاب، وبتفسيره لعناوين الجزئين يرى فيها توصيفًا حسنًا لطبيعة كل علاقة، فالأولى كانت أكثر عسرًا وقسوة من الثانية، حيث (الباشق) من الطيور الجارحة، فسنستشعر ما يحيلنا إليه من دلالات التحليق، التحويم، إمكانية الاقتناص واحتمالية الانقضاض في أية لحظة، فيما تشعرنا الثانية (القمر) بالهدوء والشاعرية والنور والسلام.

**

عبادة المشاعر

تصوراتنا تجاه الحب ليست مستقرة، من الخطأ أن نفكّر كيف نلبي رغباتنا وتصوراتنا الحالية عن الحب بعد عشرات السنوات، ويؤرقنا كيف سنبقي جذوة النشوة مشتعلة آنذاك، ونغفل عن الاحتمالية العالية -بل والأكيدة- لتغيّر رغباتنا حينها، واختلاف تصورنا عمّا نريد من علاقات الحب. يكفينا البحث عمّن يتحقق فيه ما يؤهله للاستمرار معك من أخلاق ودين، دون الالتفات كثيرًا للمتغيرات في الشخصية والمكانة.

«هذا كل ما أعرفه عن الحب» عنوان سيرة الكاتبة البريطانية دولي ألدرتون، والتي تستعرض فيها تصوّرها عن الحب في كل مرحلة من مراحل حياتها وما أثْمرَهُ هذا التصوّر من ممارسات، فبدأت بمفهوم الحب في مراهقتها التي تراه حصرًا في الغزل والجنس. فبينما كانت لا تستطيع فهم كيف يمكن للمرء أن يجد ما يفعله كل ليلة سوى الجنس، تبخّر هذا المفهوم في عامها التاسع عشر. وبينما كانت منزعجة جدًّا من فترة مراهقتها و«متلهّفة للبلوغ ومتعجلة أن أؤخذ على محمل الجد»، اكتشفت بعد ذلك «أن أكون مراهقة وكبيرة في الآن نفسه إحراجًا مترافقًا مع الإحباط والكدر والتقييد وافتضاحًا لا يمكن ستره».

سيرة دولي هي سيرة التحوّلات، سيرة القرارات السيئة، سيرة فقدان الاحتواء وضياع الهوية والبحث عن الذات في الطرق الخطأ، سيرة المغامرات للمغامرات، فقد كانت تسعى جاهدة لجمع أكبر قدر ممكن من القصص، أو ربما هذا تأويلها المتأخر لحياتها السابقة لتتصالح معها، لم تكن تتورّع عن الدخول في أي تجربة مهما بدَت طائشة في سبيل الحصول على سردية صالحة للكتابة أو لإمضاء الوقت في إغواء الهدف القادم، كانت حياتها نموذجًا لما صاغته مارغريت آتوود في قولها: «عندما تكون وسط قصة هي ليست قصة على الإطلاق، وإنما مجرد التباس، هدير مظلم، عمى، حطام زجاج مكسور، خشب متشقق، مثل منزل في زوبعة، أو حتى زورق تحطم بفعل جليدي أو انزلق على منحدر نهري، وكل من في الخارج أضعف من أن يوقفوه، بعد ذلك فقط، تصيح شيئًا مثل قصة على أية حال، عندما ترويها لنفسك أو لأحد آخر».

هل نتحمّل تبعات من خاضوا معنا تلك التجارب بحثًا عن إكمالها لا مجرد اختزالها في قصة؟

يُشكّل الجسم عنصرًا مهمًّا في تقييم الآخر، وخاصة المرأة، وهو ما دفع دولّي لتعذيب نفسها بحمياتٍ مبالغٍ فيها من أجل الحصول على الجسم المستحق للثناء، «كل إطراء كان يغذيني كوجبة غداء»، وحتى لا تكون عُرضة للتنمّر أو محاولات تخريب الحمية «أتقنت تكتيكًا جيدًا لإزاحة آراء الآخرين عن كاهلي، فكنت أطلق النكت حول قلة ما آكله، أستحضر النكتة قبل أن يفعلها أحد آخر، فأدركوا أنها كانت مجرد حمية غذائية ولا توجد مشكلة».

دور الحب ليس فقط إسعاد الإنسان وإضفاء المرح والبهجة لحياته، بل أهمية الحب تكمن في إنهائه كل أسئلة الإنسان تجاه نفسه: القلق بشأن المظهر، انعدام الثقة بالنفس، النظرة الدونية للذات، العلاقة المرتبكة مع الجسد، إلى آخر هذه الأسئلة المؤرقة. كل حفر الروح المؤلمة هذه يردمها الحب كأنها لم تكن، ويجعل أرضية القلب خضراء وجاهزة لاستقبال أي سعادة. فإن لم يُساهم الحب في ردم هذه الحفر فليس كذلك. وألم الفراق ليس حزنًا على خسارة السعادة، بل في إعادة نبش تلك الحفر من جديد وتعميقها أكثر، بل وزيادة عددها أكثر وأكثر.

الحب ليس فرحة مشاركة اللحظات السعيدة، بل هو انعدام الخوف من مشاركة الضعف واللحظات السيئة، أرسل المفكر الإيراني علي شريعتي إلى زوجته بوران: ‏«أنتِ الوحيدة التي لو اطّلعت على ضَعفي لمَا كانَ ذلك ثقيلًا عليّ». وهذا ما لم تستطع دولّي أن تعيشه، فقد كانت تمتلك اللغة الصحيحة للتعبير عن حزنها لغريب فقط، «كنت قادرة على سرد حكاياتي فقط في عالم خيالي عابر متخففة فيه من كل مسؤولية».

بعد منتصف العشرينات بدأ تصوّرها تجاه الحب ينضج، تكتشف حقيقة العلاقات ذات الأحقيّة في الاستمرار، بل في البدء أيضًا. «اكتشفتُ بعد سنوات أن استمراركَ في التصرف بالطريقة التي تجعلكَ تشعر بالعار يعني أنكَ ببساطةٍ لن تكون قادرًا على أخذِ نفسك على محمل الجد وأن احترامك لذاتك سينخفض أكثر وأكثر».

بدأت صديقاتها بالارتباط والزواج، وتغيّرت حياتهن بعد أن أقسمن «أن لا شيء سيتغيّر»، لكنها طبيعة الحياة الزوجية لا تُبقي إلا أقل القليل للأصدقاء القدامى، وتُفسّر هذا بأن «المرأة تشق طريقها دومًا في حياة الرجل على نحو أفضل مما يفعل هو في حياتها»، سيبقى الحب بين الأصدقاء، لكن الألفة ستذهب.

صحيح أنها اختارت عنوان الكتاب «كل ما أعرفه عن الحب»، إلا أن ما تجهله عن الحب كان أكثر، فهي لا تعرف كيف تبدو العلاقة التي تستمر لأكثر من عامين، لا تعرف العيش مع شخص تحبه والذهاب لشراء منزل، لا تعرف التعامل مع العلاقة الرومانسية كمصدر للدعم. لقد كانت في الحب فاقدةً الحب.

مراحلها الأولى كانت بحثًا عن الحب الصاخب، تصف علاقةً بأنها «لم أقع في الحب؛ الحب وقع علي»، وأخرى «توطّدت الألفة بيننا بسرعة كأن أحدًا يضغط دواسة البنزين إلى آخرها»، لكنها تصلُ إلى أن الحب الحقيقي هو الحب الدافئ، الحميمية المنضبطة، الألفة الدائمة، العلاقة طويلة الأمد.

امتدت رحلة الكتاب أكثر من عشر سنوات، بدأتها بتصوّر الحب في الخامسة عشر، وختمته بتصوّر الحب في الثامنة والعشرين، لتَخلُصَ إلى أنه في أغلب الأحيان سيكون الحب الذي يعطيك إياه شخص ما انعكاسًا للحب الذي تعطيه لنفسك، وأنه يجب على الشريكين بذل الجهد المتكافئ للحفاظ على العلاقة، وأن الانفصال يزداد صعوبة مع تقدّم العمر، لأنه بينما تخسر شريكك في مرحلة سابقة، فأنت تخسر عمرًا وحياة أمضيتموها معًا كلما كبرت.

هل نحن بحاجة إلى ذات الرحلة للوصول إلى التصوّر المثالي للحب؟ هل النضج في العلاقة وليد تجارب سابقة أم يكفيه الخبرات الخارجية؟ هل الهدوء والحميمية مرحلة لاحقة للانتهاء من الصخب؟

ذكرتني تجربة دولّي بظاهرة «عبادة المشاعر» التي ناقشها الفيلسوف الفرنسي ميشيل لكروا في كتابه بذات العنوان، والتي يقول فيها بأن الإنسان المعاصر باتَ يُفضّل مشاعر الصدمة المتهيجة، وإحساس الارتعاش والتفجر والانفعال العنيف على مشاعر التأمل والخشوع.

يُرجع أسباب هذا الاندفاع المشاعري المعاصر إلى عملية التعويض، فالمشاعر تَشغلُ الفراغ الذي سببه انهيار الأيديولوجيات والسرديات الكبرى، وضبابية المستقبل. موت الأمل بالتغيير الجذري واليأس من عمل سياسي ضخم يدعو الناس للاكتفاء بالتنديد العاطفي، وتبدو المشاعر هي وسيلتهم في النضال. فالتقوقع داخل الحياة العاطفية يُعدّ نتيجة لاجتياز العالم لمرحلة تحولات جذرية يظهر أنها خارجة عن سيطرة الإنسان. وحين يتعذر علينا الفعل ننفعل عاطفياً كأسلوب تعويضي.

بعدما ذكر عددًا من أبرز الممارسات المعاصرة التي تشوه المشاعر في فصل «شرَه الأحاسيس القوية» نجد استعراضًا لمآزق هذا التوجه الطاغي في العصر الحديث والباحث عن الصخب أكثر من الهدوء، وهو ما يمكن أن نستفيد منه في فهم خيبة دولي في تحقيق ذاتها واكتشاف خياراتها الحقيقية في الحب، يقول لاكرو: «الميول إلى مشاعر الصدمة يؤدي في المقام الرابع إلى تفقير الحياة الباطنية. ما الذي يثري الحياة الباطنية؟ إنه ترسّب المشاعر المحسوسة في اللحظات التي نُقبِل فيها على العالم في حالة انتباه». وبينما تحاول دولّي أن تقنع نفسها بعد خيبات الحب المتكررة «بأنها كافية. أنا أكفي. أنا عالمي الخاص، مجرة، نظام شمسي»، يقول لاكروا مخيّبًا ظنّها بأنَّ أناها الفقيرة لا تكفي ولن تكفي، إذ «الأنا العميق ليس غنيًّا بخصوصية ذاتية، ولكن بمشاعر تطورت بداخله وبمواقف تأمل حماسي عبأته».

***

علاقات الجيب العلوي

بعد أن بلغ الخمسين من عمره وأيقن «أن ما تبقى سينقضي كنُدَفٍ الغمام إذ تذروها الرياح»، شرَع الروائي المصري جمال الغيطاني في التحنين، أي الحض على الشوق والتشجيع على الميل، وكلاهما لا يكون إلا من أجل عزيز، غالٍ، بعيد، وهل هناك أعزُّ على المرء من عمره؟ بدأ كتابة «دفاتر التدوين» من خلال سفره وتنقّله بين محطات عمره، «وأصعب الترحال ما كان في الذاكرة»، وخصّص الجزء الأول منها لحكايات غرامه وفتيات عمره اللاتي شغفن قلبه وأسلن حبره، واختار له «جلسات الكرى» عنوانًا. وقبل حديثه عنهن يعترف بأن ذاكرته قد خلطت الأمنيات بالوقائع، فلا يدري الذي صار من الذي تمنى لو أنه صار، «بعضهن سَعَيْنَ في مجال بصري. لم أدرك وجودهن الحسي. لم يمتزج عرقهُن بعرقي. غير أن طلعة كل منهن أخذتني عني، وكثيرًا ما يقص المرء ما تمنى أن يكون لا ما كان بالفعل، والأكثر أنه يرى بالتمني ما يمكن أن يكون بدلًا من ذلك الذي كان»، وهذه قاعدة تنطبق على كثير من الحكايات الغرامية في السير الذاتية، إن لم يكن كلّها.

حكاياتٌ تقربُ العشرين عن نسوةٍ فُتن بهن، أرّقن مضجعه، تفاوتت ردّات فعله معهن، كما اختلفت أماكن التقائه بهن، تلبية احتياجات من يكبرنه سنًّا، واستعراض خبرات الإغواء مع الأصغر سنًّا، داخل مصر وخارجها، و«خارج دياري أصير إلى جرأة أشد»، دقيق الوصف، قوي الذاكرة في استحضار تفاصيل اللقاء ومقتضيات الانفعال.

تطول حكاية ما قبل اللقاء، تفاصيل الاختيار وتخطيط الاصطياد، ويُقتضب الكلام بعد تحقق المرام. من يكتفي بقراءة هذا الجزء من سيرة الغيطاني يجزم بأنه زير نساء ولا أكثر من ذلك، لقاءاته ورحلاته كلها من أجلهن، ولا أعجب من رؤيته فتاةً تركية ضمن فرقة موسيقية في شريط مرئي، فيُلغي جميع التزاماته في مصر ويخطط ثلاثة أشهر من أجل السفر والبحث عنها حتى وجد من يستقبله في تركيا، ويذهب باحثًا عن صورة لا يعرف أي زيادةٍ عنها، وبعد أن وجدها ظلّ يلاحقها في جميع حفلات الفرقة أكثر من شهر، حتى نال منها ما أراد.

في البدايات «كنت فيّاضًا، مغدقًا بغير حساب، بالغٌ أوجَ عشق مباغت. طام، في اندفاعته الأولى حيث يختلطُ كل شيء بالأبد، ويظن المرء أنه ساع أبدًا، وأن الحال مقيم، لن يزول». لكن بعد مرور السنين وتكرر الخبرات، «يبدأ سعيي حين أظن وصولي إلى نهاية مطافي، عندما أُشارف اليقين باكتمال الخطى تبدأ الرحلة غير المتوقعة في سياق الظن».

ولأنها سيرة تأملاته كما هي سيرة غرامياته؛ قصّ علينا رؤاه في الأماكن والأوطان، إذ يرى أن «أقسى الغربة ما كانت في الوطن»، وأما المكان، «قديمًا كنت أردد ما يعني ثبات الموضع وتغير الوقت، لكنني أُدرك متأخرًا أن المكان بزمانه، المحل بوقته، بما يحويه، فإذا انقضى الحال ذوَى المكان أيضًا، حتى وإن وطئته نفس الأقدام، واحتوته النظرات عينها!». وأثناء حكاياته أخبرنا عمّا اعتاد صُحبته من كتب في سفره، «لم أصحب في حقيبتي إلا بعضًا مما يستر أيامي الأول، ومن مكتبتي التي أنفقت جوهر عمري ومالي في جمعها، صحبت أربعة كتب لا غير اعتدت أن تكون معي أينما توجهت، القرآن الكريم، وألف ليلة وليلة، وديوان الحماسة لأبي تمام، ونهج البلاغة لسيدنا ومولانا علي بن أبي طالب. هذا حسبي».

من آثار حرفة الكتابة على صاحبها تحوّل شخصيته إلى العيش في الخيال أكثر من العيش في الواقع، والاعتماد على الأوهام أكثر من الحقائق، وهو ما نجده جليًّا عند الغيطاني إذ يقول: «أمضيت جُل عمري في التعلق بخيالات شتى وأنفقت في استدعاء الصور وتمثل الرؤى أكثر من اتصالي بالمحسوس ودرايتي به، الوقت المتاح بالتأكيد أقصر من المفقود»، بل ويرى أن حياته كلها قائمة على الخيال وأن الواقع وحده عاجز عن فتح الأبواب التي يؤمل، «إن أثرى ما عشته لم أعرفه ولم أدركه إلا بقوة المخيلة، وما انقضى مني راح جلّه في التمني. لقد أُوصدت دوني أبواب بلا حصر، حالت وصدت طرقتُ برفق. وأحيانًا صرخت، ولم يأخذ بيدي إلا تخيلي ما وراءها، واجتهادي في طي الفراغات العلى. بعضها فتح لي، اجتزته وعبرت عتباته، فلم ألق إلا الحسرة وبواعث الآهات». ونجده يهرب من الاجتماع مع الناس إلى الانفراد بنفسه وذكرياته، «كنت ساعيًا إلى الوحدة لأستعيد ما جرى، لأعيشَه من جديد، لأرى ما لم أشهده لحظة وقوعه، كثير مما يمر بي أو أعبره لا أكتشف أبعاده إلا بعد انقضائه».

يبدو أن العشرين قصة لم تكفه، وما خفي أيضًا مما يزيد عليها، حتى ختم الكتاب بقوله: «إذا أستعيد ما كان مني، أجد أن ما تمنيته من النساء أكثر ممن أدركتهن بالفعل». مع أنه على قناعة بأنه «بعد فوات الأوان أعقل أن البعيد النائي أثار عندي ما لم يحققه القريب الداني، وأن اكتمال الشيء يعني نقصانه أو بدء نفاده».

تجارب جمال الغيطاني نموذج مناسب لـ«علاقات الجيب العلوي» التي تحدث عنها زيجمونت باومان في «الحب السائل»، وهي التي يُخرجها صاحبُها من الجيب عند الحاجة إليها، ويدفعها إلى الأسفل عندما لا يريدها. فعندما تغيب الأبدية يظل الإنسان أسيرَ أبدية اللذة في لحظة المتعة دون توابع ولا مسؤوليات. سيولة العلاقات في الزمن الحديث جاءت نتيجة ضعف المجال الأسري وتمركز الخصوصية والإرادة حول المجال الشخصي المتمحور بدوره حول الجسد الذي يتم اختزاله الآن في التحقق الجنسي. إضافة إلى تعدد الخيارات وكثرة المغريات، الذي تزامن مع فشل التجارب المشابهة، فأصبح الإنسان المعاصر يفكر بمبدأ: إذا خذَلنا الكيف سنلجأ إلى الكم. وما دامت العلاقات غير موثوقة، والالتزامات غير دائمة، فإنه يميل إلى تعويض شراكات الحياة بشبكات الاتصال المؤقتة. وما إن يفعل ذلك، حتى تزداد صعوبة الاستقرار، بل ويزداد النفور منه، ويفقدُ المرءُ المهارات اللازمة للاستقرار أو المساعدة على الاستقرار. ومن ثَمّ تظهر الحالات المتطرفة الداعية إلى عكس الفِطَر وتأصيل التأقيت والتجريب في العلاقات على حساب الاستدامة والاستقرار. ويصبح عندئذ لا مرغوب سوى البعيد، كما في العبارة التي وضعتها عنوانًا لهذا المقال، والتي قالها الشاعر الأرجنتيني أنطونيو بورشيا في كتابه الفريد «أصوات»، الذي ضمّه هنري ميلر إلى قائمة الكتب التي ينبغي أن تحتويها أي مكتبة مثالية.

كما أن الحب حالة فريدة غير قابلة للمقارنة مع الآخرين، كذلك لا يمكن تحسين الأداء فيها بتكرار العلاقات، فهذا محض وهم، كما يقول زيجمونت باومان، إذ «المعرفة التي يزداد معدّلها كلما زاد عدد تجارب الحب إنما هي معرفة بالحب بوصفه أحداثًا منفصلة، وحادة، وقصيرة، وصادمة، يخوضها المرء بوعي مسبق بهشاشتها وزوالها»، وحينها تكون المهارات المكتسبة من مثل هذه العلاقات هي مهارات الإنهاء السريع والبدء من جديد. ومن يحاول اختبار مهاراته السابقة سيجد الحب ينتقم منه.

ليس هذا الحب هو الذي قصده فيكتور فرانكل وويل ديورانت كمصدرٍ لمعنى الحياة، الذي يُعاش من أجله، وتحتمل مشاقُّ الكون في سبيله، وإن صدَق الفيلسوف روبرت سي. سولومون بقوله: «الحب ليس جوابًا لكل معضلات الحياة»، لكنه كفيل بإيجاد المعنى المعين على تحمّل الآلام ومواجهتها والتغلّب على المعضلات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق