مقالات

جذور الماركسيّة: العلاقة بين الإنسان والطبيعة

مارك شوفاني

المقدمة

الفلسفة المثالية (Idealism) ترى أنّ جوهر الواقع (Reality) هو شكلٌ من أشكال الفكر وأنّ الفكر الإنساني له الدور الأبرز في بناء الواقع. هناك نوعٌ من الانفصال بين الإنسان والطبيعة بحسب النظرة المثالية للواقع، لكن الوساطة (Mediation) ما بينهما هي الفكر الإنساني. بالمقابل، الفلسفة المادية (Materialism) ترى أنّ جوهر الواقع هو المادة وأنّ الواقع بأكمله هو نتيجة تفاعلاتٍ ماديةٍ. العلاقة بين الإنسان والطبيعة بحسب الفلسفة المادية ليست بحاجةٍ لأيّ وساطةٍ لأنّ الإنسان هو جزءٌ من الطبيعة وبالتالي غير منفصلٍ عنها من الأساس. طبعًا، هذه تعريفاتٌ عامّةٌ ويمكن ألّا تنطبق على فلاسفةٍ معيّنين، لكن هذا ما يراه كارل ماركس (١٨١٨ – ١٨٨٣) على الأقل في الفلسفة المثالية لجورج فيلهلم فريدريش هيغل (١٧٧٠ – ١٨٣١) وفي الفلسفة المادية للودفيغ فويرباخ (١٨٠٤ – ١٨٧٢).

المقصود بكلمة “جذور” في عنوان المقال هو البداية والعمق. سوف أجادل في هذا المقال أنّ بداية الماركسية، والمقصود بكلمة “ماركسية” فلسفة كارل ماركس المادية من دون مواقف الماركسيين الذين تبعوه، تكمن في المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لعام ١٨٤٤ (Marx, 1974) في نقد ماركس لهيغل، وليس في الأطروحات حول فويرباخ (Marx, 2000, 171-173) التي كتبها عام ١٨٤٥. ربما نشر الأطروحات (عام ١٨٨٨) قبل نشر المخطوطات لأوّل مرّة (عام ١٩٣٢) ساعد على الاعتقاد بأنّ المادية الماركسية بدأت في نقد ماركس لفويرباخ، وكوْن الماركسية معروفة بأنها شكلٌ من أشكال المادية يُشجّع على الاعتقاد بأنها تفرّعت من مادية فويرباخ. كما أنّ الصورة العامة تبدو وكأنّ ماركس كان مثاليًا كهيغل ثم انتقل إلى المادية عبر فويرباخ، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. إنّ الأساس الذي يبني عليه ماركس نقده لفويرباخ، يمكن إيجاده بشكلٍ واضحٍ في مخطوطات ١٨٤٤، تحديدًا في مفهوم النشاط الإنساني المُنتِج (Productive human activity). وفي ذلك أحاول إبراز أهمية نقد ماركس للمثالية الهيغليّة في نشأة المادية الماركسيّة لكيلا نرى أنّها تنبع بشكلٍ أساسيٍّ وحصريٍّ من نقد ماركس للمادية الفويرباخيّة.

علاوةً على ذلك، سوف أقدّم عمق الماركسية كموقفٍ يتوسّط المادية والمثالية. فبقدر ما يبتعد ماركس عن المثالية الهيغليّة، يبتعد عن المادية الفويرباخيّة. وهذا لأنّ فلسفة ماركس تتمحوَر حول دور النشاط الإنساني المُنتِج كوساطةٍ بين الإنسان والطبيعة. هذا الموقف يبدأ من أنّ الإنسان ليس مجرد جزءٍ من الطبيعة، والفكر الإنساني لا يلعب دور الوساطة بين الإنسان والطبيعة. ولكي نستطيع أن نرى ماركس يقف ما بين المثالية والمادية، وتحديدًا لأنّ مادية ماركس تختلف بشكلٍ جوهريٍ عن جميع الفلسفات المادية التي سبقته، سوف أنزع عن ماركس ثوب المادية لغويًا في هذا المقال لأحتفظ بهذا التعبير للفلسفات المادية الأخرى وعلى رأسهم مادية فويرباخ. وذلك ليس بهدف إنكار الطابع المادي لماركس، لكن لرؤية حقيقة موقفه بأنه لا يمكن أن نكون ماديّين بالمعنى الماركسيّ إلّا إذا كنّا مثاليّين بالمعنى الماركسيّ.

هيغل كما يراه ماركس

“[…] هذه الفكرة بأكملها (الفكرة المطلقة) التي تتصرَّف بطريقةٍ غريبةٍ وعجيبةٍ، والتي تسبّبت في حدوث صداعٍ رهيبٍ للهيغليّين، ليست من البداية إلى النهاية سوى تجريدٍ، أي المُفَكِّر المجرَّد […] ” (Marx, 1974, 143)

الفكرة المطلقة، أو الروح المطلقة، تتجلّى في الطبيعة والتاريخ. إنّ مسيرة الروح التي يصفها هيغل في كتابه “ظواهرية الروح” أو “فينومينولوجيا الروح” الصادر عام ١٨٠٧ (Hegel, 2018)، هي مسيرة معرفة الروح المطلقة لذاتها ومعرفة أنّ الطبيعة، وهي الشيء الموضوعي المختلف عنها، هي نتاجها، أي أنّ الطبيعة هي تجلّي للروح المطلقة. ليست الفكرة المطلقة سوى تجريدٍ (abstraction) للإنسان ومسيرته، حيث يُصوَّر الإنسان وكأنه مجرّد فكرٍ ووعيٍ وتُنتزَع منه خصائصه الأخرى. هذا ما يُعبّر عنه ماركس في الجملة المذكورة أعلاه. الروح أو العقل هو الوعي الجماعي الذي يسعى لمعرفة ذاته ليكتسب المعرفة المطلقة، أو ليصبح الفكرة المطلقة. لكنّ الفكرة المطلقة ليست نقطة الوصول، بل المسيرة التي تتكرَّر بشكلٍ دائريٍّ. أمّا الطبيعة بالنسبة لهيغل، فهي أيضًا مجرَّدة من مادّيتها لتصبح الكيان الفكري الذي يلعب دور الشيء المعرفي (Object of knowledge) للإنسان المُفكِّر المجرَّد (Marx, 1974, 143 – 144). الطبيعة بالنسبة للروح هي الشيء المختلف والغريب عنها والذي تحاول اكتسابه واسترجاعه من خلال معرفته كناتجٍ عنها. فالإنسان المُفكِّر المُجرَّد يُعرِّف الأشياء الطبيعية ويعطيها هويّتها ليكتسبها ويستحوذ عليها كمعرفةٍ لشيءٍ موضوعيٍّ وخارجيٍّ. إذًا، العلاقة بين الإنسان والطبيعة محكومةٌ بوساطة الفكر أو الوعي لأنهما، أي الطبيعة والإنسان، منفصلان عن بعضهما واتّحادهما يحصل عبر المعرفة، معرفة الإنسان للطبيعة. إنّ مسار المعرفة يحصل عبر الوعي الإنساني الذي يقيم علاقة الإنسان مع الشيء، ومن ثم عبر الوعي الذاتي[1] الذي يقيم علاقة بين الإنسان والإنسان الآخر كشيءٍ معرفيٍّ.

إنّ الانفصال الحاصل بين الإنسان والطبيعة يعود إلى أنّ الطبيعة هي نتيجة استخراج الإنسان لجوهره، أي الوعي والوعي الذاتي، لأنّ الطبيعة هي الشيء المعرفيّ بالنسبة للإنسان. فالإنسان يُخرِج ذاتيّته (Subjectivity) إلى العالم الخارجيّ الموضوعيّ لكي يَعرفهُ، وبالتالي لكي يعيدهُ إلى الداخل، داخل الإنسان وذاتيّته. إذًا، يغترب الإنسان عن جوهره في بداية المسار الفينومينولوجي، ومن ثم يحاول إعادة ما اغترب عنه لكي يعيش في العالم من دون اغتراب. إنّ هذا الاستخراج لجوهر الإنسان يحصل عبر العمل (Labor)، لكن العمل بالنسبة لهيغل بحسب ماركس هو العمل الذّهنيّ المُجرَّد (Abstract mental labor). لا بل إنّ العمل بحدّ ذاته ينتمي لجوهر الإنسان لأن العمل الفكري يشمل الوعي والوعي الذاتي. فالإنسان يستخرج وَعيه لكي يعرف ما هو خارجيّ وموضوعيّ، ولهذا السبب فإنّ الطبيعة كشيءٍ معرفيٍّ هي نتيجة العمل الذهني الذي يستخرج الوعي. لذلك، إنّ اغتراب الانسان عن ذاته يكمُن في استخراجه لجوهره، وهذا ما يجب مقاومته من خلال استعادة الروح للعالم الخارجيّ، أي استحواذ الذاتية على الموضوعية، ما يشمل وِحدة الإنسان مع الطبيعة.

فويرباخ كما يراه ماركس

في النقطة الخامسة من الأطروحات حول فويرباخ، يقول ماركس “فيورباخ، غير راضٍ عن التفكير المجرَّد، يريد التأمُّل […]” (Marx, 2000, 172). فبما أنّ الإنسان لا يحتاج لوساطةٍ بينه وبين الطبيعة، يستبدل فويرباخ التفكير الذي تعتمده الفلسفة المثالية بالتأمُّل (Contemplation) الذي يكون تلقائيًّا وحدسيًّا. تختلف طريقة المعرفة بين مادية فويرباخ ومثالية هيغل، لكن الطبيعة بالنسبة لكليهما هي مجموعة الأشياء المعرفية (Objects of knowledge). ويذكر في النقطة الأولى أنّ الطبيعة بالنسبة لفويرباخ ثابتةٌ أو غير فعّالةٍ (Passive)، بمعنى أنها لا تتغير عبر النشاط الإنساني (Marx, 2000, 171).  أمّا الإنسان فهو كائنٌ حِسّيٌّ (Sensuous being) ينتمي للطبيعة ويتفاعل مع أجزائها الأخرى من خلال التأمُّل. إنّ جوهر الإنسان يكمن في مشاعره (Feelings)، كالحب مثلاً، لكنّ استخراج هذا الجوهر ليس ضروريًا لمعرفة العالم الخارجيّ الحِسّيّ كما بالنسبة لهيغل. إنّ التأمل بالأشياء الحِسّيّة لا يستدعي استخراج جوهر الإنسان، لهذا السبب يستخرج الإنسان جوهره ويُشَيِّؤهُ، أي يجعله شيئًا موضوعيًا، في الفلسفة والدين، وليس في الطبيعة.

“المشاعر، المشاعر اليومية، تحتوي على أعمق وأسمى الحقائق. وهكذا، على سبيل المثال، الحب هو البرهان الأنطولوجي الحقيقي لوجود الأشياء بصرف النظر عن عقولنا: لا يوجد دليل آخر على الوجود باستثناء الحب أو الشعور بشكل عام” (Feuerbach, 33). إنّ قصديّة المشاعر التي تذهب نحو الشيء هي التي تعطيه برهان وجوده، فإذا لم يشعر الشخص بوجود الشيء يصبح هذا الوجود كعدمه. وبسبب هذه العلاقة المباشرة بين المشاعر والأشياء، بين الإنسان والطبيعة، يمكن القول بأنّ المشاعر ليست ذاتيةً محض لكنها تحتوي على الموضوعية التي تأخذها من الشيء الموضوعي الذي يشعر به الإنسان. وهذا ما يأخذه ماركس من فويرباخ ويعتمده كأساسٍ لنظرته للإنسان ككائنٍ موضوعيٍّ وذاتيٍّ في ذات الوقت (Arthur, 104). علاوةً على ذلك، إنّ اغتراب الإنسان عن ذاته الذي يحصل عبر استخراج جوهر الإنسان في الفلسفة والدين، يمكن مقاومته من خلال استرجاع الجوهر، وهذا يتم بطريقةٍ نظريةٍ بما يتماشى مع طبيعة الفلسفة والدين.

بداية الماركسية

تبدأ الماركسية من وضعيّة العمل كنشاطٍ إنسانيٍّ مُنتِجٍ مُغتربٍ عن ذاته وعن الإنسان، وهذا ما قدّمه ماركس في مخطوطات عام ١٨٤٤. يقف ماركس بجانب هيغل في ضرورة وجود وساطةٍ ما بين الطبيعة والإنسان، لكن هذه الوساطة ليست الفكر أو الوعي، لكن النشاط الإنساني المُنتِج. الفرق الأساسي بين الحيوان والإنسان هو أنّ نشاط الإنسان لا يقف عند ما تقدّمه له الطبيعة لتلبية حاجاته، بل نشاطه يترافق مع الإبداع والوعي والاكتساب المستمر لمهاراتٍ وقدراتٍ وحاجاتٍ جديدةٍ. كما أنّ الانتاج لا يقف عند تلبية الحاجات فقط، بمعنى أنّ الإنسان يُنتج أكثر مما تتطلب منه حاجته الطبيعية الحيوانية. بالنسبة لهيغل، إنّ العمل الذي ينخرط في جوهر الإنسان وفي عملية الاغتراب هو العمل الذهني، أمّا بالنسبة لماركس فإنّ العمل في هذا الإطار يندمج فيه العمل الذهنيّ واليدويّ. صحيحٌ أنّ العمل الذهنيّ مكوّنٌ أساسيٌّ لجوهر الإنسان، لكنه ليس المكوّن الوحيد. وصحيحٌ أنّ النشاط الإنساني يتضمّن ويترافق مع الوعي، لكنّ النشاط هو الأساس وليس الوعي. إنّ النشاط الإنساني يفضي إلى تغيير الإنسان وتجديد إمكانياته، كما إلى تغيير وتعديل الطبيعة وإضافة مكوناتٍ عليها. لذلك، يميّز ماركس بين الطبيعة الأولى والثانية. الطبيعة الأولى هي الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية والكيميائية والجيولوجية، إنها مصدر المادة الخام التي يستعملها الإنسان للإنتاج. الطبيعة الثانية هي نتاج النشاط البشري كالمحاصيل، والحقول، والسدود، والمتنزهات، أي البيئة التي يصنعها الإنسان والتي تحيط بنا. كما تشمل الطبيعة الثانية العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية، وهي ما يسميه ماركس أيضًا “الجسم غير العضويّ للإنسان” (Arthur, 11, 30).

النقد الأساسي لهيغل الذي قام به فويرباخ ووافق عليه ماركس هو أنّ الفكرة المطلقة، أو الفكر، لا يستطيع أن يُفكّر ويعرف ذاته، إنما هو الإنسان القادر على التفكير. إنّ الإنتاجية في الفكر تجعل الإنسان قادرًا على إعادة تكوين وإنتاج ذاته، ولهذا مَدَحَ ماركس هيغل على رؤية العمل كأساس تكوين الإنسان لذاته (Marx, 1974, 131). لكن لا يمكن للنشاط المُنتِج أن يكون فكريًا فقط، كما لا يمكنه أن يكون يدويًا فقط. لا يمكن أن نفصل بين العمل الفكري والعمل اليدوي لأن أيّ نشاطٍ هو عملية دمجٍ للإنتاجية الفكرية واليدوية. فالفيلسوف الذي يكتب يستعمل جسده بأكمله ليجلس ويكتب وينظر أو ليمشي وهو يفكّر، كما يضع من مشاعره أحيانًا في نشاطه الفلسفي. بالمقابل، الفلاح الذي يزرع يستعمل قدراته الذهنية ليعرف أيّ موسمٍ مناسبٍ لأي نبتةٍ ولانتقاء التربة المناسبة. إذًا، إذا كانت نتيجة النشاط المُنتِج تُعتبَر مادية أو مُجرَّدة من المادة، هذا لا يعني أنّ النشاط بحدّ ذاته يخضع لانفصال المادّي عن المُجرَّد. لذلك، حين يتكلم ماركس في مخطوطات عام ١٨٤٤ عن النشاط المُنتِج أو عن العمل، يقصد ما هو مزيجٌ بين اليدوي والفكري، بين المادي والمُجرَّد.

هناك فرقٌ أساسيٌّ بين ما يقصده ماركس بكلمة “العمل” (Labor) وما يعنيه بتعبير “النشاط المُنتِج” (Productive activity). العمل هو النشاط المُنتِج المُغترب عن ذاته وعن الإنسان، بمعنى أنه النشاط المُنتِج الذي يقوم به الإنسان في ظلّ الرأسمالية كنظام الملكية الخاصة (Arthur, 20). وبهذا، ينشَقّ ماركس كلّيًا عن هيغل وتبدأ الماركسية. إذ بالنسبة لهيغل، الطبيعة هي اغتراب الفكرة المطلقة عن ذاتها لأنها تتجلّى بالطبيعة المختلفة عنها والمتعارضة معها. ولذلك السبب تقوم فلسفة هيغل على مسيرة إلغاء[2] الاغتراب من خلال استعادة الطبيعة والعالم الخارجي الموضوعي. لكن هذا الانفصال بين الإنسان والطبيعة يراه ماركس ضروريًا لإقامة العالم الإنساني من الأساس، وهذا الاغتراب لا يشكل أيّ مشكلةٍ وليس هناك حاجة لإلغائه. ما يعني أنّ النشاط المُنتِج الذي يلعب دور الوساطة بين الإنسان والطبيعة، لا يشكّل الاغتراب الذي يدعو ماركس لإلغائه (Arthur, 16). النشاط المُنتِج هو الوساطة الأولى بين الإنسان والطبيعة، لكن هناك وساطة ثانية تترافق مع نمط الإنتاج القائم. طبعًا، ماركس يركّز على نمط الإنتاج الحالي في ظلّ النظام الرأسمالي، ما يجعل الوساطة الثانية بين الإنسان والطبيعة تكون الملكيّة الخاصّة بشكلٍ أساسيٍّ (Arthur, 20). مع العلم أنّ هذه الوساطة الثانية تتوسَّط الأولى لتجعلها تغترب عن ذاتها، وليس فقط عن الإنسان. فالنشاط الإنساني المُنتِج في ظلّ نمط إنتاجٍ معيّنٍ يتغيّر بحسب متطلّبات هذا النمط. ولذلك السبب يمكننا القول إنّ النشاط الانساني المُنتِج في ظلّ الرأسمالية هو ما يسمّيه ماركس في المخطوطات “العمل” لأنه مغتربٌ عن ذاته وعن الإنسان.

إنّ أعمال ماركس اللاحقة لمخطوطات العام ١٨٤٤ تتمحور حول نظام الملكية الخاصة وتسعى لتغيير نمط الإنتاج بهدف إلغاء الاغتراب الحاصل جرّاء الوساطة الثانية بين الإنسان والطبيعة. أمّا النقد الماركسي لفويرباخ فيقوم على أنّ فويرباخ لا يرى ما هو حسّيّ مرتبط مع ما هو عملي، أي أنه لا يعطي دورًا للنشاط الإنساني في الطبيعة (Marx, 2000, 171). فالطبيعة بالنسبة لفويرباخ ثابتةٌ كمجموعةٍ من الأشياء التي يتأمّلها الإنسان ويشعر بها، لكن بالنسبة لماركس هناك النشاط الإنساني الذي يكمن في أساس العلاقة بين الإنسان والطبيعة ويُغَيِّر الطرفين خلال العلاقة. لذلك، إنّ نقد ماركس لفويرباخ عام ١٨٤٥ في الأطروحات يرتكز على ما قدّمه كنقدٍ لهيغل عام ١٨٤٤ في المخطوطات. فالقول بأنّ الطبيعة ليست ثابتة، بل مبنية على النشاط الإنساني، هو استكمال لدور النشاط المُنتِج كوساطةٍ بين الإنسان والطبيعة واغترابه في نمط الإنتاج من خلال وساطةٍ ثانيةٍ. والقول بأنّ الواقع الحسّيّ الموضوعيّ يجب أن يشمل ما هو ذاتيّ، هو نتيجة الدور الذي يلعبه النشاط الإنتاجي الإنساني في تغيير الواقع. والقول بأنّ المطلوب تغيير العالم وليس تفسيره في النقطة الأخيرة من الأطروحات (Marx, 2000, 173)، هو استكمالٌ لضرورة تغيير النمط الإنتاجي الذي يجعل من الوساطة الأولى بين الإنسان والطبيعة تغترب عن ذاتها وعن الإنسان.

عمق الماركسية

“من ثم، على النقيض من الفلسفة المادية، فإنّ الجانب النَّشط (Active) تطوَّر بشكلٍ تجريديٍّ مع الفلسفة المثالية، التي، بالطبع، لا تعرف نشاطًا واقعيًّا حسيًّا على هذا النحو.” (Marx, 2000, 171)

هذه الجملة المكتوبة في الاطروحة الأولى من أطروحات ماركس حول فويرباخ، تُبيِّن الموقف الوسطيّ لماركس ما بين المادية والمثالية. إنّ الفلسفة المثالية اعتمدت الجانب النَّشط في الفكر الذي يستطيع إنتاج الأفكار الجديدة ويؤثر في تغيير الواقع، أمّا الفلسفة المادية لم تُعطِ هذا الجانب النَّشط للمادة التي استمرّت على جمادها. إنّ فقدان هذا الجانب النَّشط عند فويرباخ يعود لكوْن فلسفته المادية تأمُّلية. فالتأمُّل يكون بشيءٍ ثابتٍ لا يتغيّر، أو أنّ تغيره ثابتٌ بمعنى أنه لا يمكن تعديل هذا التغيُّر من مصدرٍ خارجيٍ. إنّ الفلسفة المادية التأملية تحصر التغيُّر في المادة بحيث أنّ أسباب حركتها داخليّة، والفلسفة المثالية تحصر مصدر التغيُّر في الفكر. تكتشف الفلسفة المادية أسباب التغيُّر من خلال التأمُّل لأنّ الإدراك الحسّيّ لا يكفي، فلا يمكننا أن نرى الجاذبية مثلاً من خلال الحواس، ولكن نحتاج لنظريةٍ تأمليةٍ لفهمها. لكن العقل الإنساني في هذه الحالة ليس نشيطًا مُنتجًا كما في الفلسفة المثالية، بل فقط يتأمَّل ويفسِّر. لذلك، فإنّ الإنسان ليس كائنًا نشيطًا بالنسبة للفلسفة المادية، بمعنى أنّ الفكر ليس مُنتجًا، والأهم أنّ العملانية أو الممارسة (Practice) الإنسانية ليست نشيطةً لأنّ حاجات الإنسان ثابتةٌ لا تتجدَّد، كحاجات الحيوان.

إنّ ماركس يرى حاجات الإنسان غير محددةٍ من قِبَل الطبيعة الإنسانية البيولوجية، ولكنّ الإنسان يقوم بإنتاج حاجاتٍ جديدةٍ، وفي هذا يقوم ماركس بإدخال النشاط على نظرة الفلسفة المادية للإنسان. كما يرى النشاط الإنساني المُنتِج يُعدّل في الطبيعة ويغيّرها، وبهذا يقوم بإضافة النشاط على نظرة الفلسفة المادية للطبيعة. وينتقد ماركس الفلسفة المثالية بأنّ نظرتها للنشاط تأمّلية، بمعنى أنها لا ترى في النشاط الإنساني إلّا الناحية المعرفية الفكرية، ويقوم بإضافة الناحية العملية اليدوية على نظرة الفلسفة المثالية للنشاط. وفي ذلك، يمكننا رؤية أنّ نظرة ماركس للإنسان ونشاطه تختلف عن النظرة المثالية في أنّ الإنتاج المادي يلعب دورًا أساسيًا، وتختلف عن النظرة المادية في أنّ الإنسان كائنٌ نشيطٌ يجدّد حاجاته ويتمتّع بالفكر المُنتِج. إنّ الفلسفة المادية تعتبر الوعي الإنساني غير منتجٍ، بل هو نتيجة تفاعلاتٍ ماديةٍ، ولكن نظرة ماركس للنشاط الإنتاجي الذي يحوي على العمل اليدوي والفكري معًا يجعل من الإنسان مُنتجًا يدويًّا وفكريًّا في الوقت ذاته. كما يمكننا رؤية الموقف الوسطيّ لماركس في نظرته للطبيعة، حيث يختلف عن النظرة المادية والمثالية معًا في أنّ الطبيعة تتغيّر نتيجة النشاط الإنساني المُنتِج. وبالنسبة للوساطة بين الإنسان والطبيعة، يختلف عن النظرة المادية التي تقول بعدم الحاجة لأيّ وساطةٍ بينهما، في أنّ هناك وساطة. وهذا لأنّ الإنسان ليس مجرّد جزءٍ من الطبيعة واختلافه عن الحيوان في نوعيّة نشاطه يجعلهُ يبني عالمًا إنسانيًا في مواجهة العالم الطبيعي. أمّا بمقابل النظرة المثالية للوساطة بين الإنسان والطبيعة القائلة بأنّ الفكر كوعيٍ ووعيٍ ذاتيٍّ هو الوساطة، يؤكّد ماركس أنّ الوساطة هي النشاط الذي يتضمن إنتاجًا فكريًا مع الإنتاج اليدوي المادي. وفي هذا يكون قد توسّط ماركس الموقف المثالي والموقف المادي بما يخصّ الوساطة بين الإنسان والطبيعة.

إنّ الاعتدال الماركسي بين المثالية والمادية لا يقف عند النظرة للإنسان، للطبيعة، وللوساطة بينهما، بل يصل إلى مسألة إلغاء الاغتراب. جوهر الإنسان بالنسبة لماركس هو مجموعة العلاقات الاجتماعية (Marx, 2000, 172) التي تتمحوَر حول النشاط الانساني المُنتِج. العلاقات الاجتماعية هي مصدر تغييرٍ وتجديدٍ للقدرات الإنسانية، واستخراج القدرات عبر النشاط الانساني المُنتِج يُشكِّل العلاقات الاجتماعية. لذلك، إنّ جوهر الإنسان يشمل العلاقات الاجتماعية والقدرات الإنسانية التي تتغيَّر، ممّا يوضّح كيف أنّ العلاقة بين الإنسان والطبيعة تغيِّر الإنسان وتجعله يُنتِج ذاته. إنّ هذا الاستخراج للقدرات البشرية في الطبيعة عبر النشاط المُنتِج لا يشكّل الاغتراب الذي يطالب ماركس بإلغائه، بل الاغتراب الحاصل نتيجة الوساطة الثانية في علاقة الإنسان مع الطبيعة. لذلك، من جهة يمكننا رؤية أنّ ماركس يبتعد عن الموقف الهيغليّ بتحديد الاغتراب الذي نحتاج لإلغائه. العلاقة مع الطبيعة من خلال النشاط المُنتِج لا ينتزع جوهر الإنسان، وحتى لو انتزعه فهذا أمرٌ ضروريٌّ لوجود العالم الإنساني من الأساس. ومن جهةٍ ثانية، الاغتراب الذي يحصل نتيجة نشاطٍ إنسانيٍّ مُنتِجٍ في ظلّ نظام الملكية الخاصة، ونظرًا للطبيعة العملية للنشاط، إنّ إلغاء هذا الاغتراب يجب أن يكون عمليًا وليس نظريًا. الاغتراب الذي يتكلم عنه فويرباخ نظريٌّ في الفلسفة والدين، وإلغاء هذا الاغتراب يحصل عبر نقدٍ نظريٍ للفلسفة والدين. وبهذا يبتعد ماركس عن فويرباخ لأنّ إلغاء الاغتراب مسارٌ عمليٌّ، مع العلم أنّ العملانية لا تلغي دور الفكر لأنها مبنيةٌ على النشاط الذي يمزج الناحية اليدوية بالناحية الفكرية.

الخاتمة

يصبّ ماركس اهتمامه في أغلب أعماله على علم الاقتصاد السياسيّ لأنه العلم الذي يتمحوَر حول الإنتاجية والنشاط الإنساني المنتج الذي يشكّل الوساطة أو العلاقة الأولى بين الإنسان والطبيعة. تتخلَّل وتتوسَّط هذه العلاقة الأولى علاقةٌ ثانيةٌ تنبع من نمط الإنتاج القائم في المجتمع، وهذا ما ينتج عنه اغتراب العلاقة أو الوساطة الأولى بين الإنسان والطبيعة عن ذاتها. إنّ إلغاء الاغتراب يكمُن في تغيير نمط الإنتاج بما يتناسب مع علاقةٍ جيدةٍ بين الإنسان والطبيعة. إذًا، يمكننا رؤية أساس الموقف الماركسي كمحاولةٍ عمليةٍ لتصحيح علاقة الإنسان مع الطبيعة. إنّ الطبيعة تمثّل مجال الهيمنة والسيطرة من قِبَل الأقوى تجاه الأضعف، وهذا ينعكس على رغبة الإنسان في السيطرة على الطبيعة وعلى الأضعف. وانطلاقًا من هنا، يمكننا رؤية التاريخ البشري يبدأ من الانفصال عن الطبيعة من بعد الوحدة معها، إلى الانفصال الأكبر في ظلّ نظام الملكية الخاصة، لنذهب مستقبلاً نحو إلغاء التعارض الحاصل بين الإنسان والطبيعة، وليس إلى الوحدة معها (Arthur, 117).

إنّ نقد فويرباخ لهيغل يقوم على أنّ الإنسان هو الذي يفكّر، وليس الفكر أو الوعي أو الروح (Feuerbach, 50)، مما يجعل من الروح تجلّي للإنسان وليس الإنسان تجلّي للروح. من الشّائع أنّ ماركس قَلَبَ فلسفة هيغل رأسًا على عقبٍ، لكن في الحقيقة فويرباخ هو من فعل هذا. لكن لم يقم فويرباخ برؤية النشاط الإنساني كمحور الوجود الإنساني وعلاقته بالطبيعة كما فعل ماركس، وهذا ما أخذنا إلى اتجاهٍ جديدٍ يُسمّى بالماركسية. تتخطّى الماركسية الفلسفة المثالية والمادية في نظرتها للواقع وللإنسان، حيث إنّ جوهر الواقع الإنساني هو العلاقات الاجتماعية التي تُشَكِّل أنماط الإنتاج التي بدورها تُشَكِّل العلاقات الاجتماعية. إنّ العلاقات الاجتماعية التي تشمل النشاط الإنساني ليست ماديةً، لا يمكننا تأمُّلها عبر الحواس والمشاعر فقط، ولا يمكننا معرفتها عبر الوعي وحده لأنها ليست تجريدًا فكريًا بالمعنى المثاليّ. وهكذا، يمكننا رؤية الجهة المادية من مواقف ماركس، كما الجهة المثالية.


[1]  في مخطوطات ١٨٤٤، يستعمل ماركس “الوعي” و-“الوعي الذاتي” أحيانًا بشكلٍ متبادلٍ كما لو كان معناهما واحدًا. أظن أنّ السبب يعود إلى أنّ الوعي الذاتي يشمل الوعي.

[2] إنّ كلمة إلغاء (Abolition) يستعملها ماركس تابعًا هيغل، حيث إنّ الإلغاء لا يعني إلغاء وجود الشيء، بل فقط إلغاء وظيفته أو وضعيّته السلبية (Arthur, 19).


المراجع:

Arthur, C. J. (Christopher John). 1986. Dialectics of Labour: Marx and His Relation to Hegel. Oxford: B. Blackwell.

Feuerbach, Ludwig and Zawar Hanfi. 2012. “Principles of the Philosophy of the Future” in The Fiery Brook: Selected Writings. London: Verso.

Hegel, Georg Wilhelm Friedrich and Terry P. Pinkard. 2017;2018;. Georg Wilhelm Friedrich Hegel: The Phenomenology of Spirit. Vol. 55. Cambridge, United Kingdom: Cambridge University Press.

Marx, Karl. 1974. Economic and Philosophic Manuscripts of 1844. 4th ed. Moscow: Progress Publishers.

Marx, Karl and David McLellan. 2000. Karl Marx: Selected Writings. 2nd ed. Oxford: Oxford University Press.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق