مقالات

كيف كانت نهاية عصر التّنوير في فرنسا؟

أشرف منصور

مقدمة:

امتدَ عصر التَّنوير الأوروبيّ مِن أواخر القرن السابع عشر، إلى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، وكان عصرًا في غاية التميّز؛ إذِ امتلأ بالأفكار والمبادئ العقلانية والثَّورية التي ندرَ اجتماعها في عصرٍ واحد، وترافق مع ثورات أوروبيّة وأمريكيّة عمَلت على إعادةِ تشكيل تاريخ العَالَم مِن بعدها. والمتعارف عليه أنّ عصر التَّنوير قد انتهى بنهايةِ الثَّورة الفرنسية؛ ليُخلي مكانه لتيّاراتٍ  فكرية وسياسية أخرى، مثل المثالية الألمانية والرومانتيكية والوضعية والماركسية.

ولا نستطيع القولَ بأنّ عصرَ التَّنوير قد فشل تمامًا، بل نجحَ على مستوياتٍ عديدة، منها نشر أفكار ومبادئ العقلانية والحُريّة والمساواة والمواطنة، والتي نادت بها الثَّورات الأوروبية، كما نجح في نشرِ وتثبيت مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وتأسيس المبادئ الجمهورية في مقابل النُّظم المَلَكية المطلَقة التي كانت سائدة مِن قبل.

لكن في الوقت نفسه لم ينجحَ عصر التَّنوير نجاحًا مطلقًا، إذِ انتهى مثله مثل أيّ عصرٍ تاريخيّ آخر، وتزامن انتهاؤه مع نهاية الثَّورة الفرنسية، وكان فشله هو فشل الثَّورة الفرنسية؛ التي نَجحت القوى الرجعية خارج فرنسا وداخلها في إفشالها واستعادة النّظام القديم. ولمّا كان عصر التَّنوير ظاهرة أوروبية شاملة ومتشعِّبة للغاية، فلم يَشهد نهاية واحدة، بل شَهِد العديد مِن النهايات التي تنوّعت بتنوّع البلدان الأوروبية التي انتشرَ فيها. فعلى سبيل المثال، تمثّلت إحدى تلك النهايات في ألمانيا، فيما تعرّض له الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل كانط (1724 – 1804)، مِن تَضييق وتهديد على يدِ حكومة الملك فريدريك وليم الثاني التي سحبت الدعم والتأييد والحماية التي كان قد منحها الملك فريدريك الثاني للفلاسفة منذ توليه السُّلطة في 1740، وحتّى وفاته في 1786.

وفي هذا المقال سأركزُّ على نهاية عصرِ التَّنوير في فرنسا؛ وذلك لدلالة تلك النهاية بالنسبة لكلّ عصرٍ لاحق ولِما تعطيه مِن دروسٍ مستفادة لأيّ تيّارٍ تنويريّ جديد. والذي يجعل مِن النهاية الفرنسية لعصر التَّنوير دلالة بالنسبة لنا الآن، هي الطريقة التي انتهى بها هناك، بالإضافة إلى خصوصيّة فرنسا بالنسبة لذلك العصر، إذ يكاد عصر التَّنوير أن يكون عصرًا فرنسيًا، لما احتوى مِن فلاسفة فرنسيين كُثُر أو كُتّاب بالفرنسية.  ونظرًا، لأنّ الثَّمرة الكبرى لعصرِ التَّنوير تمثّلت في الثَّورة الفرنسية، التي أعطت للأفكار التَّنويرية فرصة ذهبية كي تُطَبق عمليًّا، وفرصة تاريخية نادرة لفلاسفة التَّنوير، كي يكتبوا الدستور الجديد ويُصيغوا القوانين الثَّورية الجديدة ويشاركوا في حكم وتوجيه الجمهورية الجديدة، سواءً مِن الجمعية الوطنية Convention nationale، أو من حكومة المدراء، Directoire، أو من الّلجان والهيئات التي أنشأتها الحكومات المتعاقبة أثناء الثّورة. ولمّا كان فشل الثَّورة الفرنسية هو فشل عصر التَّنوير كلّه، فيهمنا معرفة ما الذي حدث في الثَّورة ذاتها والذي أفشل الأفكار التنويرية التي أدّت إلى حدوثها من الأصل.

كان آخر ممثليّ عصر التَّنوير الفرنسيّ معاصرين للثَّورة الفرنسية، بل أسهموا في تشكيلها وتوجيهها ووضع دستورها وشاركوا في حكوماتها العديدة، وعُرِفوا باسم «الأيديولوجيون» idéologistes. ووضعوا مشروعًا تعليميًا لفرنسا، أعادوا به تشكيل التعليم الفرنسيّ كله في جميع مستوياته، ووضعوه على أُسس تنويرية وعلمانية ثورية. وساهم البعض منهم في صعود نابليون إلى السُّلطة، بعد انفراده بالسُّلطة في انقلاب الثامن عشر من بروميير سنة 1799، انقلب بالمثل عليهم وعلى مشروعهم التعليميّ وقام بتصفيته، وكانت هذه هي نهاية عصر التَّنوير في فرنسا.

يسرد هذا المقال قصة صعود وسقوط الأيديولوجيين ومواجهتهم لنابليون ونهاية مشروعهم على يده، والذي مثَّل نهاية لعصر التَّنوير وللثَّورة الفرنسية معًا.

مجموعة الأيديولوجيين باعتبارها ممثَلة لعصرِ التنوير المتأخر

في سنة 1795، وبعد التخلّص من حكم اليعاقبة، قامت الجمعية الوطنية بوضع لجنة الإرشاد العام في يد مجموعة من الفلاسفة الذين سوف يُعرفون بعد ذلك باسم الأيديولوجيين، ومنهم سييز ولاكانال Lakanal وديستوت دي تراسي، وكانوا كلهم من التنويريين الراديكاليين، وكان هدفهم العودة بالثورة إلى سنواتها الأولى (1789 – 1793)، قبل وصول اليعاقبة، والحفاظ على مبادئ الديمقراطية التمثيلية في مقابل الديمقراطية الشعبوية لليعاقبة، والتي كان هؤلاء الفلاسفة ينظرون إليها على أنها ليست سوى غوغائية.

ضمّت مجموعة الأيديولوجيين أسماء شهيرة، مثل ديستوت دي تراسي Antoine Louis Claude Destutt, comte de Tracy (1754 – 1836)، وكابانيه  Cabanis (1757 – 1808)، وفولني   Comte de Volney (1757 – 1820)، وتاليران Talleyrand (1754 – 1838)، وبنجامين كونستان  Benjamin Constant (1767 – 1830)، وساي J. B. Say (1767 – 1832)، بالإضافة إلى سييز Emmanuel-Joseph Sieyès (1748 – 1836)، الذي كان محسوبًا عليهم، إذ شاركهم أفكارهم وإن لم يشاركهم مشروعهم التعليمي (Staum 1996: 3 – 7).

كان مشروع الأيديولوجيين ثورة تعليمية موازية للثَّورة السياسية. وكان الأيديولوجيون على علم بأن نجاح الثَّورة السياسي يجب أن يستمر ويُدَعم بثورة تعليمية، تضمن تخريج أجيال مؤمنة بمبادئ الثَّورة والتَّنوير. فكان البرنامج التعليميّ الذي بدأه كوندورسيه (1743 – 1794)، الأب الروحي للأيديولوجيين، ومعه كابانيه Cabanis وتاليران Talleyrand، يقوم على التعليم الإلزامي المجاني للشعب كلّه (Israel 2019: 39)، ويركز على الحُريّة والتفكير الناقد ومعلمين بالكامل.

تمثّل الهدف الأساسي للأيديولوجيين في إنقاذ المجتمع من ماضيه الملكيّ والأرستقراطيّ من سُلطة الكنيسة، وحماية الثَّورة من أن تنجرف مرّةً أخرى إلى شعبوية وديماجوجية كما حدث في عهد اليعاقبة وروبسبيير. فقد كانوا على وعيٍّ تامّ بإمكان الردة إلى الماضي وبسهولة، وكانوا على حساسية عالية لذلك، وصدقت مخاوفهم، إذ انفرد نابليون بالسُّلطة نتيجة استغلاله لشعبوية وروح عسكرية مشابهة لتلك التي أدّت إلى صعود اليعاقبة، كما عاد نابليون إلى التحالف مع الكنيسة والنظر إلى الدين كحليف له لافتقاده شرعية ديموقراطية حقيقية؛ وبعد هزيمة نابليون عاد النظام الملكي مرّةً أخرى وانتصرت الثَّورة المضادة؛ لقد كان الأيديولوجيون على حقٍّ في مخاوفهم.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد كانوا يؤمنون بأن مِن أهم أسباب التفاوت بين الناس، اقتصار التعليم على النخبة في حين تغرق الأغلبية في الجهل والفقر، ومِن ثمَّ انقسام المجتمع إلى عامة وخاصّة، فأرادوا تنوير العامة وتحويلها إلى جمهور مثقّف ومتعلِّم ومتسلِّح بقيم التنوير.

كانت الحروب الدينية في القرن السادس عشر وما تعرّضت له الطوائف الدينية مِن اضطهادٍ متبادل حتى أوائل القرن الثامن عشر تشكّل ذكرى أليمة في أذهان المفكرين الفرنسيين، وكانوا يلقون باللائمة على الأفكار الدينية الخرافية والرجعية في التسبب في تلك الحروب الأهلية، ونظروا إلى اللاهوت على أنه خطير على السلام الاجتماعي، إذ يشكّل في نظرهم مصدرًا لإثارة الصراعات والفتن والاضطهاد. وكانوا على وعيٍّ تامّ مِن خبرتهم التاريخية الحديثة بعصرِ الإرهاب اليعقوبي، بخطورة ترك جمهور العامة ألعوبة في يدِ الزعماء الديماغوجيين، وسهولة السيطرة على الجماهير الجاهلة، سواءً بالدين كما في الماضي، أو بالشعارات الشعبوية كما في عهد اليعاقبة؛ ولذلك ركز هؤلاء الفلاسفة على مواجهة الجهل الذي نظروا إليه على أنه أصل كل الشرور وعلى أنه «الخطيئة الأصلية» (Israel 2019: 570). وبذلك اتفقوا مع معظم ممثليّ حكومة المدراء على أنه من المستحيل تأسيس نظام ديموقراطيّ جمهوريّ دون تنوير الجمهور كما ذهبَ كوندورسيه وأنه لا يمكن تنوير الجمهور إلاّ بتنويرِ مِن يتولَّون السُّلطة أولاً (Israel 2019: 571).

نجحت الثَّورة في فصلِ الكنيسة عن الدولة، لكن كان الأيديولوجيون على قناعة بأنّ هذا لم يكفِ، وأن العلمنة يجب أن تصل إلى الشعب كلّه، ويأتي ذلك عن طريق التعليم ومعالجة آثار سيطرة التعليم الديني لقرون عديدة. ولذلك قامت الثَّورة سواءً في عهد الجمعية الوطنية، أو في عهد حكومة المدراء، وبتوجيه من مجموعة الأيديولوجيين، بإدخال تعليم مدنيّ علماني بالكامل في كافّة مراحل التعليم، وباستخدام المدراس المركزية Écoles Centrales، وكانت مدراس ثانوية في الأساس، وتمّ فيها منع التعليم الديني تمامًا (Staum 1985: 49 – 52).

كان الأيديولوجيون يؤمنون بأنّ الدولة الناجحة والمجتمع الصالح يستندان على تعليمٍ جيّد، متحرِّر من خرافات الماضي وتحاملاته وتعصّباته؛ كما اعتقدوا أنّ الخير المتأصِّل في الإنسان يمكن أن تشجعه دولة مستنيرة بتعليمٍ حُرّ وتنويري، أما الشعب الفاسد أخلاقيًا فهو نَتاج دولة فاسدة وتعليمٍ خاطئ. لقد كانوا مقتنعين بأنّ الدولة هي التي تشكّل شعبها، وبأن الشعب تابع للدولة في خيرها وفسادها معًا.

كما كانوا يعتقدون أنّ أخلاق وفِكر كلّ جيل يتحدّدان بالتعليم الذي تلقّاه هذا الجيل. لكن هنا بالضبط تكمن المفارقة. ذلك لأنهم كانوا يتعاملون مع جيل من التلاميذ بهدف تنويره ومقاومة خرافات الماضي، إلاّ أن جيل الآباء كان لا يزال غارقًا في نفس هذه الخرافات التي هدفوا مقاومتها، وهذا ما غفل الأيديولوجيون عنه، إذ وجدوا مقاومة مِن الآباء ومِن بقايا التعليم الديني. فقد كانوا يعتقدون أن مجرد تأسيسهم لنظام تعليمي جديد غير خاضع للكنيسة ويقوم على المبادئ التنويرية كافٍ بذاته للقضاء على الخرافة وعلى تغيير عقلية الأجيال الجديدة، لكنهم أخطأوا في ذلك؛ فقد كان مشروعهم في حاجةٍ إلى عزل التلاميذ عن الآباء وعن المجتمع القديم كلّه، وهي مهمة مستحيلة، وإن كان أفلاطون قد اقترح هذا العزل بالضبط في محاورة الجمهورية، عندما أوصى بأن تأخذ الدولة الأطفال من أسرِهم في سنِّ العاشرة ليدخلوا في نظام تعليمٍ وحياةٍ كاملة تحت إشراف الدولة (Drucker 1974: 11).

شعر الأيديولوجيون أنّ الروح الثَّورية لن تستمر طويلاً، وأنّ العادات والتقاليد القديمة، سوف تعود عندما تهدأ العواصف الثَّورية ويعود المجتمع إلى حالته الطبيعية، فكانوا يسرعون في تطبيق برنامجهم التعليمي، فقد كانوا يعرفون أن الفرصة التاريخية لن تتكرر، وكانوا على حقٍّ في ذلك؛ فقد عادت فرنسا إلى أسرة البوربون، وعاد التحالف السياسي مع الكنيسة الكاثوليكية وعادت السيطرة الكنسية على التعليم، في عصر نابليون أولاً، ثمّ في عصر عودة الملكية مِن بعده.

 ديستوت دي تراسي

لقد تعرّض دي تراسي للنسيان، وفي بعض الأحيان للتجاهل مِن قبل أغلب الذين تناولوا عصر التَّنوير وكيفية انتهائه، وذلك نظرًا لقُصر مدة نشاطه؛ فهو لا يُذكر في كتب التاريخ والمراجع الشهيرة إلاّ باعتباره واضع مصطلح الأيديولوجيا قبل ماركس وإنجلز، لكنه نادرًا ما يتمّ تناوله باعتباره من أواخر ممثليّ عصر التنوير والذي شهد بنفسه نهاية هذا العصر على يد نابليون (والاستثناءات البارزة هي قائمة مراجع هذا المقال). والحقيقة أنّ دي تراسي لا يقلّ أهمية عن مشاهير التنوير الفرنسي، بل يبدو أنه يَفوقهم أهمية؛ إذ قد أتيحت له فرصة نادرة بفضل الثَّورة في المشاركة في بناءِ النّظام التعليمي الفرنسي الجديد، وبالتالي أُتيحَ له وضع مبادئ التنوير موضع التنفيذ العملي (Kennedy 1973)، وهو ما لم يكن متاحًا لمشاهير التَّنوير، في العهد القديم قبل الثََورة وطوال القرن الثامن عشر، والذين كانوا مجرد مفكرين فرادى يعملون بمعزل عن أجهزة الدولة آنذاك.

كان دي تراسي، ينتمي لتيّار التنوير الراديكالي (ديدرو، هولباخ، هلفشيوس)، والذي كان يعتقد في إمكان تنوير الجمهور بالتعليم العام وبإطلاق الحُريّة الفكرية وحُريّة النقد؛ وذلك في مقابل التَّنوير المعتدل والسُّلطوي الذي كان يرى عدم إمكان تنوير العامة التي ستظلّ غارقة في خرافاتها وتحاملاتها (فولتير، فريدريك الثاني)، والحلّ معها هو أن تكون تحت قيادة مستبدّ مستنير. وقد وضع دي تراسي القناعات الخاصة بالجناح الراديكالي من التَّنوير موضع التنفيذ. أولاً، بوضعه لبرنامج تربوي وتعليمي قائم على أساس نظريته في المعرفة. وثانيًا، باشتراكه في تشكيل المؤسسات التعليمية الفرنسية في حكومة المدراء (1794 – 1799) (Staum 1980, 371). وقد عصفَ نابليون بكلّ ذلك بعد انقلابه على الجمهورية في 18 برومير/ 9 نوفمبر 1799.

فلسفة دي تراسي

ذهبَ دي تراسي إلى أنّ الجهل والخرافة هما سبب شقاء الإنسان؛ إذ عن طريقهما يخضع للتسلط السياسي ويكون ضحية للتعصّب الديني والطائفية الدينية التي تنتهي إلى صراعٍ دمويّ: مثلما حدث بين الكاثوليك والبروتستانت؛ كما تؤدي الخرافة إلى سيادة عقائد وهمية هي مصدر سيطرة الكنيسة وتغوّلها على المجتمع والدولة معًا؛ والجهل والخرافة يرجعان إلى إيمان العقل بأفكارٍ خاطئة ووهمية، ومِن ثمّ فالحلّ الذي ارتآه دي تراسي، هو تطهير العقل من هذه الأفكار، عن طريق علمٍ جديد أسماه: «الأيديولوجيا»، أيّ علم الأفكار، يستفيد فيه من نقد الميتافيزيقا الذي تمّ على يدِ التجريبيين الإنجليز (هوبز، لوك، هيوم)، والمادييّن الفرنسيين (كوندياك، ديدرو، لامتري، هلفشيوس، هولباخ).

ولمّا كان الجهل والخرافة، هما أصل الشرور السياسية والاجتماعية، فقد رأى دي تراسي، ومعه مجموعة الأيديولوجيين أنّ بداية تأسيس نظام جديد يجب أن تكون في تطهير الوعي مِمّا أصابه من الخطأ والفساد، وذلك عن طريق برنامج تعليميّ يركز على النقد وتشجيع الفِكر الحُرّ والتفلسف، ويهدف إلى تحرير الوعي مِن خرافات الماضي (Head 1985: 54).

 «عناصر الأيديولوجيا»

تمثّل العمل الأساسي لـ ديستوت دي تراسي، في كتابه «عناصر الأيديولوجيا» Eléments d’idéologie، وكان قد صاغَ مصطلح «الأيديولوجيا» سنة 1797، (Drucker 1974: 3)، وكان يقصد به العِلم الدارس لأصل الأفكار، وأرجع هذا الأصل إلى الإدراك الحسّي وإلى المحيط الاجتماعي للإنسان، ومن هنا كانت نظريته في المعرفة ماديّة وتجريبية؛ على شاكلة جون لوك، والمادية الفرنسية (ديدرو، هولباخ، هلفشيوس، لامتري، كوندورسيه)، واستبق فيها ماركس وإنجلز، وكلّ علم اجتماع المعرفة.

ولم يكن دي تراسي، يقصد بالأفكار، التصوّرات النظرية المجردة وحسب؛ بل كان يقصد بها المعتقدات والآراء بكافّة أنواعها، الدينية منها والسياسية والأخلاقية والقانونية، ولم يكن يقصد بالأيديولوجيا المعنى الذي قصده الماركسيون بعده بثلاثة عقود، ولا المعنى الذي نقصده الآن، فلم يقصد بها عقيدة سياسية تقدّم نفسها في صورة رؤية شاملة للإنسان والتاريخ والمجتمع، بل كان يقصد بها علم الأفكار، أيّ العِلم الذي يبحث في أصول الأفكار، سواءً كانت أصولاً مادية أو اجتماعية؛ فقد كانت الأيديولوجيا في نظر دي تراسي، أقربَ إلى علم اجتماع المعرفة أو سوسيولوجيا الأفكار.  وكان يهدف من عِلمه الجديد أن يردّها كلها إلى أساسها الماديّ الاجتماعي وإلى ظروف عصرها، قاصدًا بذلك أن يربط كلّ المعتقدات القديمة بالنظام القديم والتخلّي عنها كما تخلّت الثَّورة عن النظام القديم. وكان مشروع دي تراسي،  استمرارًا لحلم فلاسفة عصر التنوير بعالمٍ عقلاني خالٍ مِن التعصّب والخرافات والانحيازات المذهبية للنظام القديم.

مشروع دي تراسي التعليمي

كان دي تراسي، مناصرًا للديمقراطية النيابية ضدّ الديمقراطية المباشرة؛ فالأخيرة في نظره هي التي تؤدي إلى الفوضى التي تمثّلت في صعود اليعاقبة، مِمّا حوّل الثَّورة الفرنسية إلى عصر الإرهاب على يد روبسبيير. وكان دي تراسي، ينظر إلى الديمقراطية النيابية على أنها هي التي تتيح لمبادئ التّنوير أن تتحقّق، تحت قيادة التنويريين (Head 1985: 163)؛ فقد كان يَدعو إلى «ديمقراطية العقل التنويري» démocratie de la raison éclairée (Israel 2019: 185).

وكان دي تراسي، على وعيٍّ بأن مفهوم «الإرادة العامة»، عند روسو إذا لم يكن منضطبًا ومحكومًا فسوف يؤدي إلى انفلات شعبيّ دومًا وإلى ظهور فوضى سياسية على طريقة اليعاقبة، خاصّةً وأنّ هذا المفهوم قد تمّ استخدامه بالفعل في إثارة القطاعات الفقيرة من المجتمع الفرنسي (السان كولوتيين sans-culottes)، وبالتالي رأى دي تراسي، أن يربط مفهوم الإرادة العامة بالإرادة الوطنية، فالمفهوم الأخير يجمع طبقات الشعب كلها ولا يثير الأحقاد الطبقية. فحتى بعد زوال عصر اليعاقبة، ظلّت النزعات الشعبوية مستمرة وكانت جاهزة دومًا للعودة إلى الديمقراطية المباشرة التي يغلب فيها الغوغائية، التي تنتهي دومًا إلى القضاء على منجزات الثَّورة كما حدث على يد روبسبيير.

ومن ثمَّ أراد دي تراسي، ومجموعته بعد القضاء على خطر اليعاقبة وضع الثَّورة على أُسسٍ أكثر ثباتًا ابتداءً من 1795، ومن هنا ركزوا على البرنامج التعليمي، وعلى إنشاء مؤسسات تعليمية تنشر المبادئ التنويرية في كلِّ مراحل التعليم؛ لكن لم يتمكّنوا مِن ذلك بعد وصول نابليون إلى السُّلطة واتّباعه سياسات عملت على تصفية الثَّورة ومبادئها ومعها المبادئ التنويرية كلها (Head 1985: 165 – 166). وحتى بعد وصول نابليون إلى السُّلطة ظلَّ دي تراسي، وفيًّا للمبادئ الجمهورية التي حملتها الثَّورة الفرنسية في سنواتها الأولى، وعبّر عن ذلك بوضوح في كتابه «تعليقات على كتاب روح القوانين لمونتسيكو» Commentaire sur l’Esprit des Lois de Montesquieu، الذي حظر نابليون نَشره، لكنه نُشِرَ في هولندا بدون اسم المؤلف سنة 1817، ثم طُبع في باريس بعد ذلك طبعات عديدة (1819/ 1822/ 1828)، وهو ما جعل جوناثان إسرائيل يقول إنّ أعمال دي تراسي، انتشرت في عصر عودة الملَكية أكثر من انتشارها في عصر الثَّورة ونابليون (Israel 2019: 845). وقد ظلَّ دي تراسي، عدوًّا لكلّ نظام ملكيّ حتّى في عصر عودة الملَكية، إذ قال آنذاك: «إذا توقعتَ تواجد الحُريّة والنظام الملكيّ معًا؛ فإنك تتوقع حضور المتناقضين معًا، واللذَين ينفي أحدهما الآخر» (Israel 2019: Ibid).

المعهد الوطني والمدارس المركزية

أعطت الثَّورة فرصة ذهبية لدي تراسي، ورفاقه في أن يطبّقوا أفكارهم التنويرية عمليًّا. فقد وصل دي تراسي إلى عضوية  «المعهد الوطني»  Institut National، وكان مُشكَّلاً من نخبة من العلماء والفلاسفة الذين تولَّوا إعادة بناء المؤسسات التعليمية في فرنسا بعد الثَّورة. واحتوى المعهد الوطني على قسم العلوم الأخلاقية والسياسية (وهي العلوم التي سوف تُعرف فيما بعد باسمِ العلوم الاجتماعية والإنسانية). وكان دي تراسي، يعمل في برنامج التعليم الوطني للمدارس المركزية  Écoles Centrales، (والتي استمرّت من 1795، إلى 1802م، عندما أحلّها نابليون)، ووضع كتابه «عناصر الأيديولوجيا»، ليكون توجيهًا نظريًّا لهذه المدارس، فالعنوان الكامل لكتاب دي تراسي هو «مشروع عناصر الأيديولوجيا – للاستخدام في المدارس المركزية للجمهورية الفرنسية»  Projet D’ Éléments D’idéologie – à l’usage des écoles centrales de la République française. وكان مشروع دي تراسي، هو استخدام الدولة ومؤسساتها التعليمية في إعادة بناء المجتمع تربويًّا وتعليميًّا، وهو الدور الذي ستتولاَّه الدولة بالفعل فيما بعد والذي سيُطلق عليه ألتوسير «أجهزة الدولة الأيديولوجية» ideological state apparatuses، كما لاحظ إيجلتون (Eagleton 1991: 67). وكانت المدراس المركزية تشمل فرنسا ومعها المناطق التي خضعت لها بعد الثَّورة مثل بلجيكا والراين وشمال إيطاليا لبعض الوقت.

كان المحتوى التعليميّ في المدارس المركزية خاصّةً الثانوية منها موجهًا فلسفيًّا، هدفه بثّ الروح النقدية والإبداع واستقلال الفِكر، وتشجيع منهجية بحثية قائمة على الملاحظة والتجريب. كما كان المشروع التعليمي كلّه يعتقد في وحدة العلوم والفنون وتكاملها، وأنها تَتشكّل معًا عضويًّا وتزدهر، وتتقدّم في تضافرٍ، فلا معنى لتطوير العلوم الطبيعية والفنون التطبيقية بمعزلٍ عن الإنسانيات والعلوم الاجتماعية. كما نظرَ المشروع التعليمي للأيديولوجيين إلى مجالِ الإنسان والاجتماع البشري، والتاريخ الإنساني على أنّه محكوم بحتميةٍ تماثل حتمية قوانين الطبيعة، ومن ثمَّ يمكن إخضاع هذا المجال للدراسة التجريبية الدقيقة والوصول منها إلى نتائج يقينية تماثل نتائج العلوم الطبيعية؛ ومِن هذه الناحية يمكن النظر إلى رؤيتهم على أنها إرهاصة لعلم الاجتماع.

ظهور نابليون وعلاقته بالأيديولوجيين

كان نابليون عضوًا في المعهد الوطني، وفخورًا بعضويّته وعلى صلةٍ وثيقة بأعضائه (أواخر ممثليّ عصر التنوير)؛ فحكومة المدراء التي عيّنت نابليون قائدًا عسكريًّا هي ذاتها التي أنشأت المعهد الوطني. وقد أرسلَ نابليون بعد نجاح حملته في إيطاليا إلى حكومة المدراء، معاهدة الصّلح التي عقدها هناك (معاهدة كامبو فورميو، 18 أكتوبر 1797)، مرفقة بثناءٍ على المعهد الوطني، راعي العلوم «التي كشفت عن أسرار عديدة وقضت على خرافات كثيرة.. يجب علينا أن نحبّ العلماء ونرعى العلوم».

وبعد شهرين تمّ انتخاب نابليون، في الطبقة الأولى من المعهد، وكتب حينذاك خطابًا مليئًا بالمجاملة لأعضائه الذين شرّفوه بانتخابه، وقال عن نفسه إنه قبل أن يكون واحدًا منهم فهو تلميذهم، وأنّ «الانتصارات الحقيقية التي لا يُمكن أن يندم عليها المرء؛ هي الانتصارات في مواجهة الجهل». ومن خلال عضويّته في المعهد أنشأ نابليون  فرعًا منه هو «معهد القاهرة» Institut du Caire، الذي رافقه أعضائه في حملته على مصر. ويعودُ  إليه الفضل في تأليف كتاب «وصف مصر» (Kennedy 1973: 146). وكان نابليون، يعرف دي تراسي ومجموعته جيدًا،  هؤلاء الذين مثّلوا الاستمرار المباشر للتَّنوير الراديكالي الفرنسي. وقد وجّه نابليون دعوة خاصة لـ دي تراسي (عن طريق وسيط)، للاشتراك في حملته على مصر، لا باعتباره عالِمًا، بل باعتباره قائدًا  ميدانيًّا Maréchal de camp (يلي نابليون برتبة واحدة)، (Kennedy 1973: 147)، لكنّ دي تراسي، رفضَ العرضَ؛  مفضّلاً البقاء في فرنسا.

وبعد عودة نابليون من حملة مصر، حدث تقارب متبادل بينه وبين أعضاء المعهد الوطني ومجموعة دي تراسي على الرغم من أنّ دي تراسي نفسه كان مترددًا ونائيًّا بنفسه عن تملّق الجنرال الشاب. لكن الذي حدث أن مجموعة دي تراسي، قد ساهمت في وصول نابليون إلى السُّلطة، وإن كان أعضاء المجموعة قد توزّعوا بين متحمسٍّ  للجنرال ومجبَر وطامع. وقبل أن ينقلب نابليون، على النّظام الجمهوري في 18 بروميير سنة 1799، ويعلن نفسه إمبراطورًا سنة 1804، كان قد انقلبَ على المعهد الوطني كلّه وهاجم مجموعة دي تراسي، باعتبارهم مثاليين حالمين يريدون حكم العَالم بالأفكار المجرّدة وعزل الناس عن تراثهم الديني؛ وكان نابليون يقصد بالمثالية الحالمة؛ الأفكار والمبادئ التنويرية التي قامت على أساسها الثَّورة الفرنسية، وكان بذلك يضع نهاية للثَّورة الفرنسية ولعصرِ التَّنوير كلّه.

كان نابليون على معرفةٍ وثيقة بالتوجهات الفِكرية والسياسية لمجموعة الأيديولوجيين، والتي تركّزت في مناصرة المبادئ التنويرية الراديكالية والعِداء للمؤسسة الدينية والتحزّبات الدينية الطائفية، والنزعة الجمهورية والليبرالية، وكان يدرك تمامًا الصِّلة الوثيقة بين أفكار المجموعة والأفكار الثَّورية التي قامت عليها الثَّورة الفرنسية؛ فكان مِن الطبيعيّ أن يعادي مجموعة الأيديولوجيين أثناء انفراده بالسُّلطة، كجزء مِن تصفيته للأساس الأيديولوجي الذي قامت عليه الثّورة الفرنسية. وبناءً على ذلك شنَّ هجومه على دي تراسي ومجموعته في المعهد الوطني، واصفًا إيّاهم بالأيديولوج idéologue، أيّ مجموعة مِن الفلاسفة المتمذهبين الذي يعتقدون في إمكان تغيير العّالم بالأفكار المجرّدة (Rehmann 2013: 19). في حين كان يُثني على علماء المعهد الوطني في بداية ظهوره ويجاملهم بقوله، إنّ الانتصار الحقيقيّ هو الانتصار على الجهل، غيّر من موقفه وانقلب تمامًا، وهاجم علمانيتهم وعِداءهم للدِّين وقال عنهم: «… إنّهم حالمون، وخطرون؛ وكلهم ماديّون متخفّون ولا يحسنون التخفّي… إن الفلاسفة يرهقون أنفسهم بإنشاء مذاهب ويبحثون من بينها عن بديلٍ للمسيحية دون جدوى، تلك الديانة التي تجعل الإنسان راضيًّا عن نفسه وتضمن النظام العام وتبثّ السلام بين الدول. إنّ هؤلاء الأيديولوج يحطّمون كلّ الأوهام، وعصر الأوهام هو عصر السعادة للأفراد كما للشعوب». (Kennedy 1973: 319). لم يكن انقلاب نابليون على حكومة المدراء وحسب، ولا على الثَّورة الفرنسية وحسب؛ بل كان على عصرِ التَّنوير كلّه، ذلك الانقلاب الذي تمثّل في هجومه العنيف على دي تراسي ومجموعة علماء المعهد الوطني، آخر ممثليّ عصر التنوير.

تصفية نابليون لمشروع الأيديولوجيين

وضع نابليون العديد من السياسات وقام بإجراء تعديلات جوهرية على النظام التربوي والتعليمي الذي وضعه أواخر ممثليّ عصر التنوير في فرنسا، وألغى كل المبادئ التي قام عليها ذلك النظام، مِمّا يرقى إلى أن يكون انقلابًا على الثَّورة الفرنسية من الداخل؛ فانقلاب الثامن عشر من بروميير سنة 1799، لم يكن مجرد انقلاب على حكومة المدراء، بل كان انقلابًاعلى الثَّورة  وعلى عصر التنوير كلّه.

أصدرت حكومة نابليون في مارس ومايو سنة 1802، عددًا من القرارات، كانت في ظاهرها إصلاحًا للنّظام التعليمي، لكنها كانت في حقيقتها تصفية لمشروع الأيديولوجيين وللّنظام التعليمي الذي تأسَّس في حكومة المدراء. فقد حلّت مدارس الليسيه Lycée محل المدارس المركزية، وتمّ إخلاء المناهج من العناصر الفلسفية والمبادئ الجمهورية التي لم تعد مناسبة لنظام نابليون الأوتوقراطي ولا لتحالفهِ مع الكنيسة الكاثوليكية حسب اتفاق «الكونكوردا» Concordat سنة 1801، وحلّت بعض التعاليم الكاثوليكية محلّ أفكار الفلسفة المادية Israel 2019: 590). وكتبَ العديد من السياسيين والمفكِّرين المؤيدين لنابليون خطابات تبرّر هذا التحوّل في النّظام التعليمي، كشفت عن تراجع حكومة نابليون عن مشروع التَّنوير الشامل للشعب كلّه وتقهقرها إلى التَّنوير النخبوي، القاصر على فئةٍ قليلة، بحجّة أن الشَّعب ليس في حاجة إلى هذه الأفكار التَّنويرية ولن يحتاجها في حياته العملية، وأنها مجرد ترف ورفاهية فِكرية.

لم تكن الأجواء السياسية التي خلقها نابليون مناسبة لنجاح مشروع الأيديولوجيين، ذلك لأن تحالفه مع الكنيسة الكاثوليكية واتفاقه معها سنة 1801، المعروف «بالكونكوردا»، قد تطلّب التخلّي عن عقلانية عصر التَّنوير كلها ومن يمثّلها وعلى رأسهم مجموعة دي تراسي. روّجت حكومة نابليون هذا الاتفاق مع الكنيسة بتشويهها لمجموعة الأيديولوجيين وألقتْ عليهم اتهامات بالمادية والإلحاد؛ وجنّدت أفضل العلماء للهجوم عليهم، مثل عالِم الكيمياء فوركروي (1755 – 1809)  Fourcroy، الذي ذهبَ إلى مقاطعة فندييه Vendée بالجنوب الغربي ليضمن ولاءها لنابليون، والمعروف عنها عِداءها الشديد للثَّورة وولائها للنّظام القديم ومواجهتها لقرارات حكومة الثَّورة بفصل الكنيسة عن الدولة لكونها شديدة التعصّب للمذهب الكاثوليكي، ومواجهتها للحكومات الثَّورية المتعاقبة لرفضها للتجنيد الإجباري. ولم يجد فوركروي لتحقيق مهمته إلاّ مهاجمة الأيديولوجيين، إرضاءً لأهل فندييه المتعصبين للكاثوليكية والمعادِين للثَّورة، فقال هناك: «إنّ أمة مِن الفلاسفة مستحيل وجودها»، مِمّا يعني مواجهته للسياسة التعليمية للأيديولوجيين، كما ذهبَ إلى أن الحكومات لا يمكنها القضاء على التحاملات الدينية، وبالتالي، فالأفضل لها أن تشجع الدِّين لكونه «عزاءً لأقلّ الفئات حظًّا، وتوجيهًا ممتازًا للناس، يشكّل عاداتهم ويقلّل مِن شقائهم»، (Staum 1985: 75 – 76). كان رجوع نابليون عن سياسة الثَّورة في فصل الكنيسة عن الدولة قد فرض التخلّي عن مشروع الأيديولوجيين القائم على التنوير والعلمنة. لم يكن نابليون يمتلك شرعية ديمقراطية حقيقية، فلجأ إلى الدِّين وإلى التحالف مع الكنيسة الكاثوليكية؛ كتعويض عن شرعية مفتقدة، وبالتالي، فلم يكن من الممكن أن يستمرَّ نظامه في احتضان الأيديولوجيين الذين يقوم مشروعهم في الأساس على علمنة التعليم.

الصدام بين نابليون والأيديولوجيين

مِن سخرية الأقدار أن يكون الأيديولوجيون قد ساهموا في وصول نابليون إلى السُّلطة (كان سييز مشاركًا في انقلاب الثامن عشر من بروميير 1799، وتمّ استبعاده بعد ذلك)، فقد كان قريبًا منهم منذ 1795، لكنهم سحبوا دعمهم له بعد أن اكتشفوا ميوله السُّلطوية واتجاهه نحو الانفراد بالسُّلطة ونواياه للانقلاب على الجمهورية؛ ولذلك شكّلوا ضده قوة معارضة مِن داخل مجلس حفظ الدستور  Sénat conservateur والمجلس التشريعي، وظلّ نابليون يُصَعِّد ضدهم ويلومهم على فشله كلما هُزِم في معركة؛ فبعد هزيمته في الحملة على روسيا سنة 1812، قال فيهم: «يجب على المرء أن يُلحق كلّ العثرات التي أصابت فرنسا الحبيبة بمذهب الأيديولوجيين، ذلك المذهب الميتافيزيقيّ الذي يسعى إلى العثور على الأسباب الأولى وعلى أساسها يبغي تأسيس تشريع الشعوب، بدلاً مِن تكييف القوانين وفقَ معرفةٍ بالقلب الإنساني ودروس التاريخ». (Eagleton 1991: 67 – 68). والغريب في الأمر أن نابليون يصف مذهب الأيديولوجيين بالميتافيزيقيّ في حين أنّهم كانوا مادييّن وضدّ الميتافيزيقا في الأساس، وأن دي تراسي على وجه الخصوص قد ردّ كلّ الأفكار الميتافيزيقية إلى أساسها المادي. لكن ما كان يقصده نابليون من وصف مبادئ الأيديولوجيين الثَّورية بأنها ميتافيزيقية هو ازدرائها وبيان تهافتها، وهي نفس المبادئ التَّنويرية التي قامت عليها الثّورة الفرنسية.

وبعد هزيمة نابليون في معركة باريس ودخول قوّات التحالف إلى العاصمة في 31 مارس 1814، طالب دي تراسي من داخل مجلس الشيوخ الإمبراطوري بعزل نابليون في 2 أبريل (Kennedy 1973: xvii)، وهو ما حدث بالفعل وأصدر المجلس قراره بالعزل   Acte de déchéance de l’Empereur. كان دي تراسي قد ساهم في وصول نابليون إلى السُّلطة، وكان من بين المعارضة القوية ضده طوال حكمه، وكان هو أيضًا الذي طالب بعزله في النهاية.

استئناف المسيرة في الجمهورية الثالثة

كانت تصفية نابليون لكل المشاريع والمؤسسات التعليمية التي أنشأها آخر ممثليّ التنوير الفرنسي نهاية لعصرِ التّنوير كلّه، واستمر عصرَ عودة الملَكية محافظًا على نفس سياسات نابليون وخيارَاته السياسية، وأهمها الدور الجديد للكنيسة الكاثوليكية في تحالفها مع الدولة الفرنسية؛ مما كان يناقض تمامًا كلّ دعاوى عصر التَّنوير بالفصل بين الدِّين والدولة. كان المشروع التَّنويريّ الذي حمله فلاسفة التَّنوير وممثليِهم في حكومات الثَّورة هو مشروع في العلمنة، وفي نشر مبادئ وقيم العلمانية في المجتمع كله، وأدّت سياسات نابليون إلى تأخير العلمنة الكاملة لفرنسا إلى قرنٍ كامل، حتى ظهور الجمهورية الثالثة (1870 – 1940)، وصدور «قانون الفصل بين الكنيسة والدولة» Loi du 9 décembre 1905 concernant la séparation des Églises et de l’État سنة 1905، والمعروف بقانون العلمانية  Laïcité. حمل هذا القانون نفس المبادئ التي دعا إليها فلاسفة التَّنوير والثَّورة الفرنسية وأحبطها نابليون وعصرَ عودة الملَكية؛ ومنها حرُيّة الضمير، وحياد الدولة في المجال الديني، وعدم تبنيها لدينٍ رسمي، وإدارة الدولة لكلّ ما يتعلّق بالمؤسسات الدينية والكنائس، كما ألغى هذا القانون اتفاقية «الكونكوردا»، لسنة 1801، والتي ربطت الكنيسة الكاثوليكية بالدولة الفرنسية لقرن كامل.

تقييم عام لتجربة الأيديولوجيين

إذا كان ماركس قد قال إن الفلاسفة قد اكتفوا بتفسير العالم، والمهم الآن، هو تغييره، فإن فلاسفة الأيديولوجيا في عصر الثَّورة الفرنسية لم يكتفوا أبدًا بتفسير العَالم، بل كانوا أصحاب مشاريع تعليمية هدفت إلى إحداث تغييرٍ عميق في المجتمع الفرنسي،  وفق مبادئ التَّنوير والثَّورة، فقد حوّلوا التَّنوير إلى مشروع تعليمي يشمل الجمهورية كلها، وربما كانوا أوّل فلاسفة يَسعون لتغيير مجتمعاتهم بالتعليم.

وفي حين كانت نخبة مفكريّ عصر التَّنوير طوال القرن الثامن عشر عصامية، صنعت نفسها بنفسها بطريقةٍ فردية، هدفت برامج الأيديولوجيين خلق نخبة تنويرية جديدة بطريقةٍ مؤسسية، وتحويل فِكر عصر التَّنوير إلى برامج دراسية.

لكن في اللحظة التي تمكّنت فيها مبادئ وأفكار عصر التَّنوير من تشكيل النّظام التعليمي الجديد بعد الثَّورة ووجدت فلاسفة يطبّقونها بأنفسهم بالاستعانة بأجهزة الدولة، وضع نابليون نهاية لتلك اللحظة النادرة ومن ثمَّ نهاية للتَّنوير الفرنسي كلّه.

فماذا كانت أقصى طموحات التَّنوير الفرنسي غير وصول المبادئ والأفكار التي دعا إليها نظريًّا وفي الكتب إلى تشكيل النّظام التعليمي كله؟ لكن لسوء الحظ ومن سخرية التاريخ أنّ نابليون على كانَ رأس تلك الدولة التي أراد التَّنويريون استخدام أجهزتها ومؤسساتها في تنفيذ برنامجهم. إنّ ديكتاتورية نابليون وتحالفه مع الكنيسة الكاثوليكية وإفشاله للمشروع التعليمي التَّنويري هي التي وضعت نهاية لعصر التَّنوير.

لم تكن ديكتاتورية نابليون لتستقيم إلاّ بإعادة إدخاله التعليم الديني والتحالف مع الكنيسة مرّةً أخرى، فقد كان على وعيٍّ بأن المؤسسة الدينية قوية ولا يستطيع منافستها أيّ مشروع تعليميّ تنويري. لقد شهِد نابليون بنفسه قوة المؤسسة الدينية الرسمية في الشرق والغرب، سواءً في مصر مع الأزهر، أو في أوروبا مع الكنيسة الكاثوليكية.

اعتقد نابليون أن الدِّين وحدَه هو القادر على أن يضمن لفرنسا دولة مستقرة ويعطي لنظامه الدعم، ولذلك زاد عِداءه للفلاسفة وازدرى مشروع الأيديولوجيين، ومن ناحيتهم زادوا في معارضتهم له، إذ أعاد دي تراسي التأكيد على أفكاره السابقة القائلة بأن الاستبداد السياسي في حاجةٍ دائمة إلى استبداد ديني، وأن كلّ مستبد سياسي في حاجةٍ إلى رجل الدين ليبرّر له، وهاجم شاتوبريان سياسة نابليون ذاهبًا إلى أن نابليون نفسه لم يكن مؤمنًا بأيَ دين إلاّ أنه استغل الدِّين حليفًا له في استبداده السياسي (Israel 2019: 592).

وعلى الرغم مِن انقلاب نابليون على مشروع التعليم التَّنويريّ للأيديولوجيين، فإن مدارس الليسيه التي أنشأها كانت لا تزال علمانية التوجّه، إذ كان على رأسها نخبة مِن الأساتذة الذين حمَلوا نفس توجهات الأيديولوجيين، وكان النّظام كلّه ينتِج في أعلى مستوياته نخبة تنويرية علمانية، رغم العناصر الدينية التي احتوتها المناهج الدراسية؛ مِمّا جعل فرنسا تحتفظ بميراثِ عصر التَّنوير طوال القرن التاسع عشر، وكانت هذه العناصر التَّنويرية والعلمانية هي التي لاحظها رفاعة الطهطاوي، في رحلته لباريس (1826 – 1831) (الطهطاوي 2010، 93، 183، 186).


بيبليوغرافيا

BARKSDALE, DUDLEY CHANNING. (1986). LIBERAL POLITICS AND NASCENT SOCIAL SCIENCE IN FRANCE: THE ACADEMY OF MORAL AND POLITICAL SCIENCES, 1803-1852. Ph.D. diss., The University of North Carolina at Chapel Hill

Byrnes, Joseph. (1991). Chateaubriand and Destutt de Tracy: Defining Religious and Secular Polarities in France at the Beginning of the Nineteenth Century. Church History, 60(3), 316-330

Colman, Daniel Hollander. (1997). The foundation of the French liberal republic: Politics, culture and economy after the terror. Ph.D. diss., Stanford University

Destutt de Tracy, Antoine, Commentaire sur l’Esprit des Lois de Montesquieu, ed. Claude Jolly (Paris, 2016).

Drucker, H. M. (1974). The Political Uses of Ideology. London: Macmillan.

Eagleton, Terry (1991). Ideology, an Introduction, London: Verso

Guerrero, Juan Christian. (2011). Antoine louis claude destutt de tracy’s “elements of ideology, volume 1: Ideology strictly defined” and ‘on love’ from “elements of ideology, volume 5: On morals”: English translations with an introduction. Ph.D. diss., The American University of Paris (France)

Head, Brian.  (1985).  Ideology and Social Science : Destutt de Tracy and French Liberalism.  Dordrecht, The Netherlands: M. Nijhoff

Israel, Jonathan I. (2019). The Enlightenment that Failed. Ideas, Revolution, and Democratic Defeat, 1748–1830. Oxford, Oxford University Press

KENNEDY, EMMET. (1973). DESTUTT DE TRACY AND THE ORIGINS OF “IDEOLOGY.”. Ph.D. diss., Brandeis University

Rehmann, Jan. (2013). Theories of Ideology. The Powers of Alienation and Subjection.Leiden, The Netherlands: Brill.

STAUM, M. (1996). Minerva’s Message: Stabilizing the French Revolution. McGill-Queen’s University Press.

Staum, Martin. (1980). The Class of Moral and Political Sciences, 1795-1803. French Historical Studies, 11(3), 371-397.

Staum, Martin. (1985). Human, Not Secular Sciences: Ideology in the Central Schools. Historical Reflections / Réflexions Historiques, 12(1), 49-76.

Staum, Martin. (1987). Individual Rights and Social Control: Political Science in the French Institute. Journal of the History of Ideas, 48(3), 411-430

الطهطاوي، رفاعة رافع (2010)، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، منشور في، الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، الجزء الثاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مشروع مكتبة الأسرة، القاهرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى