ترجمة: نهى الغامدي
سون تشو شينغ: مستقبل العالم هو عمل فني للبشرية
أولًا: المبادئ الثلاثة الأساسية للجماليات التقليدية.
إذا أردنا تعريف الفن، فإنَّ ذلك أمرٌ في غاية الصعوبة، إذ يوجد أكثر من ألف تعريف للفن. لذا من الصعب القول ما هو الفن، وهذا يدل على أن ظاهرة الفن معقدة جدًّا.
مع ذلك، فإنَّ الفهمَ المتراكم عبر التاريخ حول الفن، والأعمالِ الفنية، وخلقِ الفن لاتجاهاتٍ محدودة، في الواقع، هو اتجاه يومي. على سبيل المثال، عندما نرى لوحة بورتريه، نطرح ثلاثة أسئلة: هل تشبه الشخص؟ هل هي جميلة؟ هل هي جيدة؟ في الواقع، تمثل هذه الأسئلة الثلاث الطريقة المعتادة التي ينظر بها الناس إلى الأعمال الفنية، وكلٌّ منها يشير إلى شيء مختلف. سؤال “هل تشبه الشخص؟”، يشير إلى جوهر الإبداع، وعملية الخلق، ومستوى المبدع، بينما “هل هي جميلة؟”، يشير إلى الجمالية، أي الشعور بالمتعة، أي ما إذا كان العمل يجلب لنا شعورًا بالفرح، أما “هل هي جيدة؟” يسأل عن التأثير الأخلاقي للعمل.
الأسئلة الثلاث التي ذكرناها حول الأعمال الفنية تمثل في الواقع ثلاثة مفاهيم جمالية. الأول: هو مفهوم الإبداع، والثاني: هو الجماليات أو الإدراك الحسي، والثالث: هو ما طرحه الفيلسوف اليوناني أرسطو، والذي يسمى “الكاثارسيس” (ترجمة لاتينية)؛ أي تطهير الروح، وتهذيب المشاعر، وهو التأثير الأخلاقي المحتمل للعمل الفني. هذه العناصر الثلاثة هي المفاهيم الأساسية الثلاثة للجماليات التقليدية لرؤية الفن والأعمال الفنية، ويمكن أن تُسمى المبادئ الأساسية الثلاثة. المبدأ الأول: يسمى مبدأ الميتافيزيقا، ويهتم بكيفية خلق هذا العمل من قبل المبدع، الثاني: هو المبدأ الجمالي أو مبدأ الإحساس بالجمال، والثالث: هو مبدأ الأخلاقية.
ثانيًا: العناصر الثلاثة لمفهوم الفن الكلاسيكي*
ما هي خصائص مفهوم الفن الكلاسيكي؟ وما هي العناصر التي يحتوي عليها؟ وما الفرق بينها وبين الفن المعاصر؟ فهم الفن الكلاسيكي هو موضوع معقد جدًّا ومتنوع، لكنه يحتوي على بعض العناصر الثابتة، وقد لخصتها في ثلاث نقاط:
1. المحاكاة: من حيث مفهوم الإبداع، قدَّمت لنا الفنون الإغريقية والرومانية القديمة فكرة أساسية، وهي “المحاكاة”، والتي تتعلق بعلاقة الفن بالطبيعة، أو بمعنى آخر، علاقة الفنان بالأشياء. لم يحب أفلاطون الفنانين والشعراء، ورأى أن الفن يسعى إلى (الفكرة)، ورأى أن الفيلسوف هو من يجب أن يتناول هذه المُثُل، وهو ما يمثل السعي المشترك للمعرفة الإنسانية. أعتقد أن الفنان لا يمكنه الوصول إلى هذه المُثُل، بل يستطيع فقط أن يُظهرها بشكل حسي، ممَّا يبعده كثيرًا عن الفكرة الحقيقية.
لكن كل من درس الجماليات يعرف أن المحاكاة تتطلب وجود أصل. في القرن الخامس قبل الميلاد، طرح الطبيب اليوناني الشهير أبقراط فكرة “الطبيب هو محاكاة للطبيعة”، بالطبع كان يتحدث عن تقنيات الطب. قال أبقراط: إن الطبيب يساعد الطبيعة على استعادة حالتها؛ فهو مجرد مساعد للطبيعة، ومن هذا المنظور، يعد الطبيب “مُحاكيًا” للطبيعة. بهذا المعنى، لا يمكن فهم المفهوم الإغريقي للمحاكاة على أنه مجرد عملية نسخ أو معالجة، بل يجب أن يُفهم على أنَّه موقفٌ عظيم يتوافق مع الطبيعة ويتعلم منها. كما أن أرسطو أكد على فكرة أن “المحاكاة هي طبيعة الإنسان” أو “المحاكاة هي غريزة إنسانية”. من هنا يمكن القول: إن العنصر الأول في مفهوم الفن الكلاسيكي هو المحاكاة، أي احترام الطبيعة واحترام الأشياء.
2. الابتكار: الفن هو فعل إبداعي، والإبداع يعني ابتكار شيء جديد لم يكن موجودًا من قبل، أي تحويل الممكن إلى واقع محسوس. قال الفنان السويسري الشهير بول كلي في القرن العشرين: “الفن هو جعل الأشياء غير المرئية مرئية”.
في الأساطير اليونانية، عُينت للفن إلهة تُدعى أثينا، ويُقال إنها خرجت من رأس الإله زيوس، وهي إلهة الفن والسياسة وحامية مدينة أثينا. ارتبطت أثينا برمز البومة، وتلقب بـ “إلهة العيون اللامعة”، إذ إنَّ البومة تستطيع رؤية الأشياء في الليل، ممَّا يجعل غير المرئي مرئيًّا، ويرمز ذلك إلى قدرة الإلهة أثينا على جعل الأشياء غير المرئية مرئية، واختراق ظلام الليل لرؤية ما هو غير مرئي.
من الناحية الأكاديمية، فإن “جعل الأشياء غير المرئية مرئية” يعني أن الفن له وظيفة الكشف، إذ يمكنه الكشف عن غير المرئي والكشف عن حقائق الأشياء. من هذا المنظور، فالفن يعكس حقيقة. وفقًا لهيدغر: “الفن هو صيرورة الحقيقة وحدوثها”، حيث إن الفن دائمًا ما يستكشف شيئًا ما، ويكشف شيئًا ما، ويجلب لنا أشياء مذهلة وغير متوقعة من العدم. لذا، عندما نقول إن “الفن يحتاج إلى الابتكار”، فإنما نقصد ذلك.
الفن دائمًا ما يكون يدويًّا، وهذه نقطة مهمة جدًّا. لم يفرق اليونانيون بين الفن والعمل الحرفي، بل كانوا يعتبرونهما “تكنولوجيا”، وكانوا يرون ذلك كمفهوم أوسع؛ فإذا كنت طبيبًا بمستوى عالٍ، فهذا أيضًا فن، وإذا كنت أُدرس بشكل جيد، فهذا أيضًا فن. فيما بعد، بدأنا نستخدم مفهوم الفن بشكل ضيق. في مفهوم الإغريق، كان الفن حرفة متقنة مرتبطة بالعمل اليدوي، وكان يُطلق لقب “الفنانين” على الذين يُعتبرون حقًّا متمكنين من مهاراتهم. مثلما نرى اليوم في الكنائس الأوروبية، فإن الأعمال الفنية العظيمة ليست من صنع الفنانين، بل من صنع أساتذة كانوا بالأصل حرفيين، وهنا تكمن أهمية العمل اليدوي.
المحاكاة؛ هي احترام الفنان أو الإنسان للطبيعة وللأشياء، والإبداع؛ هو الكشف عن الحقيقة، والحرفة؛ الفن أولًا وقبل كل شيء هو مهارة. هذه هي العناصر الأساسية الثلاثة التي أفهم بها مفهوم الفن الكلاسيكي أو التقليدي. ما يُسمى بالمحاكاة هو التزام بموقف “خلق الأنطولوجيا”. أمَّا الإبداع فهو القاعدة الأساسية التي تجعل الفن فنًّا، وتجعل العمل عملًا. وبالنسبة للحرفة، فهي لا تعني أن الفن مجرد عمل حرفي، بل تعني أن الفن هو أساسًا جسدي، ويعتمد على الفعل الجسدي، ويكون دائمًا مرتبطًا باليد، وليس بالأفكار. هذه هي الفكرة التقليدية عن الفن.
ثالثًا: خصائص الفن المعاصر
ما ذكرته عن مفهوم الفن الكلاسيكي هو استخدام غامض جدًّا. عندما نتحدث عن الكلاسيكية الأوروبية، نعني عادة الفنون الإغريقية والرومانية، ولكن في الحقيقة، منذ عصر النهضة، هنالك عدة قرون يمكن اعتبارها كلاسيكية، حيث كانت النهضة تعيد إحياء الفنون الإغريقية والرومانية، وترتبط بها. استمرت هذه العلاقة حتى منتصف القرن التاسع عشر، حيث انتقل الفن والفلسفة والثقافة إلى مرحلة الحداثة، ومنذ تلك الفترة، حدث تغيير جذري في الثقافة الإنسانية. بعد الثورة الصناعية، شهدت البيئة المادية البشرية تغييرات جذرية، كما تعرَّض عالمنا الروحي -بما في ذلك الإنسانيات والدين والفن- لضغط شديد، وأدى ذلك إلى زعزعة غير مسبوقة للقيم التقليدية التي كانت تركز على الدين لدى مختلف الشعوب.
بين منتصف القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الثانية، ظهر نوع من الفن يُعرف بالفن الحداثي، وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهر ما يُعرف بالفن ما بعد الحداثي، أو الفن المعاصر. في هذه الفترة، تشكلت تيارات ثقافية وفنية معاصرة أكثر تنوعًا، وكذلك في الأدب. من الضروري التأكيد على أن الفن المعاصر هو امتداد للفن الحداثي، وليس شيئًا ظهر فجأة. بالمقارنة مع المفاهيم الكلاسيكية والتقليدية للفن، أعتقد أن الفن المعاصر يمتاز بخمس خصائص رئيسة:
الأولى: تقويض المفاهيم الفنية التقليدية
قوَّض الفن المعاصر مفهوم الفن التقليدي مما أدى إلى فقدان الفن حدوده، فأصبحت تعريفاته أكثر غموضًا. في الوقت الحاضر، ما هو الفن؟ وما ليس فنًّا؟ من هو الفنان؟ ومن ليس فنانًا؟ كل هذه الأسئلة باتت غير واضحة.
لطالما كان “ما هو الفن؟” سؤالًا مفتوحًا، لكن هذا السؤال أصبح أكثر تعقيدًا في العصر الحديث، متى بدأ ذلك؟ يمكن القول إنه بدأ تقريبًا عام 1917م. في ذلك العام، قام الفنان الفرنسي “ديشامب” بإنشاء عمل بعنوان “النافورة”، والذي لم يكن سوى مرحاض رجالي، وقام بعرضه في معرض بأمريكا. كانت هذه الخطوة تعبيرًا عن تقويض المعايير التقليدية للفن، حيث أدخل شيئًا لم يكن يُعتبر فنًّا إلى مجال الفن، ممَّا قلب فهم الناس لمفهوم الفن التقليدي. قد نواجه في حياتنا اليومية تساؤلات حول مفهوم الفن. لماذا ما تصنعه يعتبر عملًا فنيًّا بينما ما أصنعه لا يعتبر عملًا فنيًّا؟ ما المعايير؟ ومن وضع هذه المعايير؟ هل هي ثابتة؟ استخدم “ديشامب” أسلوبًا متطرفًا لتحدي هذه المعايير التقليدية، ورغم أن عمله قد يبدو في البداية مزحة، إلَّا أنَّه أعاد كتابة تاريخ الفن، ممَّا جعل الناس يترددون في تحديد ما هو الفن ومن هو الفنان بعد ذلك.
كان عام 1917م ذروة الفن الحداثي. بينما كان بيكاسو لا يزال يخلق أعماله، برز في ألمانيا فنان عظيم من القرن العشرين يُدعى “بويز”. يمكن القول إن “بويز” كان أهم فنان أوروبي ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أكد على شمولية الفن، وسعى للتناغم الحسي، بدمج الحواس البصرية، والسمعية، واللمسية، والوعي. كان يعتقد أن كل المواد يمكن استخدامها في الفن، ومن أشهر أعماله “نهاية القرن العشرين”، المعروض الآن في ألمانيا، حيث يحتوي على عدد لا يحصى من الصخور موزعة بشكل عشوائي في قاعة. يُعتبر هذا النوع من الفن “فن الأداء”، وقد قدم العديد من الأعمال الفنية التفاعلية التي تبرز اللحظة والتدخل الفني. كما قدم “بويز” إحدى أشهر الشعارات في عالم الفن في القرن العشرين: الجميع فنان. هذا تعبير عن إعادة تعريف الفن التقليدي، ويمكن أن نقول توسيعًا شاملًا، حيث أراد أن يخبرنا أن الحياة نفسها إبداع، وأن كل شخص لديه القدرة على الإبداع، لذا فكل شخص فنان.
الخاصية الثانية: الذاتية والعنف تجاه الأشياء
فقد الفن المعاصر الاحترام الواجب تجاه الأشياء والمواد، متبنيًّا موقفًا عنيفًا تجاهها وطبيعتها. “العنف” هو مصطلح استخدمه نيتشه، حيث قال عام 1887م: إن الفن الحديث هو فن صناعة العنف”، رغم أن الفن الحديث لم يكن قد بدأ بعد بشكل حقيقي. يُعتبر بيكاسو نموذجًا للحداثة، حيث كان يرسم أحيانًا تفاصيل غير مناسبة على الأعمال الفنية ، ويقول إن الأشياء هي نتيجة معالجته الخاصة لها، ولا يهتم بكيفية ظهور الأشياء. كان يرى أن الفن التقليدي يتم إنجازه خطوة بخطوة، بينما فنه هو نتيجة للتدمير والتفكيك، وهو موقف غير مسبوق. هذه هي الحداثة.
أمَّا الفن المعاصر فقد أصبح أكثر حدة. عام 1999م، التقيت فنانًا صينيًّا معاصرًا في ألمانيا، قال إنه يعمل في “فن القطع”، وعرض لي عملًا حيث قطع جهاز كمبيوتر محمول بمنشار إلى ثلاث قطع، ثم وضعها في مكان ما وصورها. ربما أراد أن يخبرنا أنه بعد قطع الكمبيوتر، الذي يتحكم في حياة البشر، يصبح مجرد كومة من المواد، أو القمامة.
الخاصية الثالثة: الابتعاد عن الحرفية والتوجه نحو المفهوم
أي أنه أصبح بعيدًا عن المفهوم التقليدي للفن، ولم يعد يؤكد على الطبيعة اليدوية للفن، بل أظهر ميلًا متزايدًا نحو المفاهيمية. فن التركيب وفن الأداء في الواقع يتجهان نحو المفهوم. لم يعد هناك تنافس على الحرفية، بل أصبح التنافس على الأفكار، حيث يتحدى الجميع لإظهار أفكار جديدة. في التقليد الأوروبي كان الفن والفلسفة في صراع، وسبب ذلك هو المفهوم، حيث لم يكن الفن شيئًا مفاهيميًّا، أمَّا الآن، فقد انعكس الوضع، كأن الفلسفة أصبحت جزءًا من الفن.
يُعدّ الفن المفاهيمي تعبيرًا عن عملية تشكيل المفاهيم وتغييرها، ولم يعد مجرد تشكيل مادي، وبالتالي فإن الفن المفاهيمي لا يحدد المواد المستخدمة، بل يمكن أن تعبّر الصور، والكتب، والتسجيلات، والفيديو، والجسد، وأي مادة عن المفهوم. يعود أصل مفهوم الفن المفاهيمي إلى “ديشامب”، ولكنَّ الاتجاه الحقيقي بدأ في الستينات من القرن العشرين، خاصة في زمن “بويز”، بينما دخلت الصين هذا المجال تقريبًا في التسعينيات.
الخاصية الرابعة: انعدام الأهمية العالمية في العمل وصعوبة تفسيره
فقدت الأعمال الفنية المعاصرة أنماطها الذاتية، ولم يعد هناك إمكانية لتحديد معنى معين، ممَّا أدى إلى صعوبات غير مسبوقة في فهمها وتفسيرها. في هذا العصر فقدت الأعمال الفنية الاتجاه المحدد لتفسير معناها، حتى لو كان هناك معنى واحد، فيجب على الأقل أن يشير إلى بعض الاتجاهات الممكنة للتفسير؛ وإذا لم يتمكن أي اتجاه من الوصول إلى تفسير، فسيكون ذلك مشكلة.
الخاصية الخامسة: الفن أصبح بشكل متزايد منتجًا لعمليات المؤسسات التجارية
أصبح الفن بشكل متزايد منتجًا للعمليات التجارية، حيث أصبح منطق رأس المال هو منطق الفن. في الفن المعاصر، لم يعد يهم ما هو العمل أو كيف يبدو، بل الأهم هو من قام به، وهذا “الشخص” يتم تحديده من خلال مجموعة من الآليات التجارية. على سبيل المثال، عندما يقوم فنان في متحف في باريس بمسح دلو من الطلاء على الأرض باستخدام ممسحة، يصبح ذلك عملًا فنيًّا، بينما لا يُعتبر عمل عامل النظافة الذي يمسح الأرض عملًا فنيًّا.
الآن، يتم التحكم في سوق الفن من قبل رأس المال الدولي، بما في ذلك سوق الفن المعاصر في الصين. الفن المعاصر في الواقع يلبي الرغبات، وهو آلية تشغيل تجارية كاملة، حيث أصبح منطق رأس المال هو منطق الفن. في الصين هناك ثلاث أسواق رئيسة: سوق العقارات، وسوق الأسهم، وسوق الأعمال الفنية، وكلها تحت سيطرة كبار المستثمرين، حيث أصبحت الأعمال الفنية رمزًا للثروة. سيكون هناك معيار واحد فقط لمجتمع مستقبلي مستقر نسبيًّا، وهو “قابلية التبادل”، والآن أصبح الفن أيضًا ضمن نطاق سوق “القابلية للتبادل”.
تُشكّل هذه النقاط الخمس أساسَ الإطار العام للفن المعاصر، ويمكن القول إنه في بعض الأحيان يبدو أن هناك حالة من الفوضى، وهي حالة ذات طبيعة أدائية. في أواخر القرن التاسع عشر، أخبرنا نيتشه أن “عصر الممثلين قد جاء، وأن واقع الأداء سيحل محل واقع حياتنا”. يجب أن نعرف أنه في زمن نيتشه لم يكن هناك تلفاز، ولم يكن للممثلين مكانة في المجتمع، لكنه قال: “عصر الممثلين قد جاء”، وأصبح “الفنانون مثل الممثلين”. عندما يصبح الفن والأعمال الفنية سلعًا ورأسمالًا، فإن الفن والأعمال الفنية تصبح ملكًا للآخرين.
رابعًا: كيف نفهم ظواهر الفن المعاصر المعقدة؟
قد تشعر أنني أبدو كأني أكره الفن المعاصر، لأنني غالبًا ما أستخدم نبرة ساخرة، ولكنني أدرك أيضًا أنني قد لا أمتلك الحق في تقديم موقف سلبي أو نقدي تجاه الفن المعاصر. في ظل التغيرات العميقة في البيئة المادية وحالة العقل البشري اليوم، من الواضح أن مجرد إنكار الفن المعاصر واستكشافات الفنانين في المواد، والمفاهيم، والأنماط، ليس كافيًا ولا جدوى منه أيضًا، ورغم ذلك، لا يزال هناك بعض الفنانين الكبار الذين يقومون باستكشافات في الفن التقليدي.
أَلا ينبغي على فنون عصرنا أن تستجيب لتغيرات البيئة المادية في عصرنا؟ لقد تغيرت بيئتنا المادية تمامًا، هل لا يزال كافيًا استخدام المواد التقليدية للتعبير عن الفن؟ أَلا ينبغي للفنانين المعاصرين استخدام المواد المعاصرة في إبداعاتهم الفنية؟ لا أعلم إذا كنتم توافقون على هذا الرأي، إذا كنتم توافقون، فهذا يعني دعمكم لإبداعاتهم الفنية ورغبتكم في كسر القيود التقليدية للمواد الفنية، وهذا هو جوهر المشكلة.
تغيرات البيئة المادية اليوم هي نتيجة للتكنولوجيا، وبعد دخول التكنولوجيا الغربية إلى الصين، تغيرت بيئتنا المادية. في القرن العشرين كانت هناك ثلاثة أشياء أساسية: الطائرة، والتلفاز، والإنترنت، وقد أدت هذه الأشياء إلى تغييرات عميقة في تجربة الصورة والتفكير البشري، مثل: إدراك المسافة، والإحساس بالفضاء، والتجربة البصرية، وخبرة الصور. يعبر الفن المعاصر عن التجربة الإنسانية بعد تقبل التغيرات التكنولوجية، وبهذا المعنى؛ يمكن القول: إن مشكلة الفن المعاصر هي في الأساس مشكلة مرتبطة بالتكنولوجيا، فعندما تتقدم التكنولوجيا يجب أن يتقدم الفن أيضًا، وهذه هي المشاكل الناتجة عن تطور التكنولوجيا.
من خلال تقدم الفن المعاصر الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفن الحديث، توسع مجال الفن بشكل كبير، ليشمل كل شيء يمكن استخدامه في الإبداع الفني؛ أصبح الفن أكثر شعبية، حيث أصبح “كلُّ إنسانٍ فنانًا”، وقد تلاشت حدود هوية الفنان، ولم يعد لها سمات واضحة. من ناحية أخرى، نحن في عصر متناقض؛ إذ إنَّ العمليات المالية والفنية أصبحت تعتمد على رأس المال، وأصبحت فكرة الشعبوية في الفن مجرد كلام فارغ، فهي مساحة تتحكم فيها العمليات الرأسمالية.
من منظور أيديولوجي، فإن الفكر الأوروبي بسيط جدًّا، حيث تفترض الفلسفة أو الفكر الكلاسيكي أولًا فرضية -وهي أن البيئة الخارجية (الطبيعة) مستقرة-، ثم تُتناول مواضيع أخرى، ممَّا يعني أننا نؤمن باستقرار الأشياء. الفرضية الثانية، حيث تعكس الفلسفات الحديثة عدم استقرار العالم الخارجي، من جهة العالم الخارجي غير مستقر، ومن جهة أخرى فإن إدراك الناس للعالم الخارجي ومعرفتهم به أيضًا غير مستقر. لذلك، منذ العصر الحديث افترض أن العالم الداخلي للإنسان هو المستقر، بينما العالم الخارجي غير مستقر. وهذا هو الفكر الحديث، وجميع اعتبارات الفلسفة الحديثة تنطلق من هذه الفرضية.
عند الوصول إلى العصر الحديث، فقد تم تفكيك هاتين الفرضيتين في القرن العشرين، حيث كان الفكر في ذاك الوقت يتسم بعدم الاستقرار المزدوج: العالم الخارجي، والأشياء الخارجية غير مستقرة، وعالم الروح الداخلي للناس أيضًا غير مستقر. جميع المشاكل في القرن العشرين ناتجة عن هذا الاضطراب المزدوج، حيث لا نعرف من أين نبدأ مناقشة المشكلة، فالعالم الخارجي غير مستقر، والداخلي أيضًا غير مستقر، ولا ندري ما هي نقطة بداية النقاش. ظهرت في القرن العشرين العديد من الفلسفات العملية التي تتناول “ما بين” كموضوع للنقاش. إذا كان العالم الخارجي غير مستقر، والداخلي أيضًا غير مستقر، فلنبدأ بالنقاش من “ما بين”، حيث إن “ما بين” هو أمر مضطرب. هذه الازدواجية في الاضطراب هي أيضًا الوضع والمشكلة الأساسية التي تواجه الفن المعاصر.
لذا، إذا كان هناك سمة للفن المعاصر، فهي أنه يجب أن يبحث عن نقطة يمكن أن تعيد اليقين للإبداع الفني في ظل هذا الاضطراب المزدوج. إذا لم يكن لديك شيء موثوق به، فإن حديثك، وتصريحاتك، ومواقفك غالبًا ما ستظهر متناقضة وغير مستقرة، وغالبًا ما يشعر الناس بعدم اليقين حول مكان وضع أيديهم، وهذه هي الفكرة. يجب علينا اكتساب الإحساس باليقين كمعيار لأفعالنا مثل التعبير عن آرائنا.
بهذا الشكل، يبدو أن الفن المعاصر مؤلم، ومتناقض، ومنقسم ذاتيًّا، ويتماشى مع روح الاستكشاف والابتكار لدى البشر، حيث يتغير باستمرار وفقًا لقوانين الانتظام، بينما يفقد باستمرار إمكانية التأكيد الذاتي للفن والفنانين، وغالبًا ما يتماشى مع التكنولوجيا، ولكنه يتخذ أيضًا موقفًا نقديًّا تجاهها. إن الفن المعاصر الشاسع هو تجسيد للروح البشرية الضائعة في عصر الأعمال والتكنولوجيا العالمية، فهل هي أزمة أم حياة جديدة؟ يمكننا تكرار قول بويز: “مستقبل العالم هو عمل فني للبشر”.
——————-
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة Aisixiang).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




