ليس الشعر كله وصفًا للموجودات؛ فمنه ما يسبغ عليها صورًا كما يراها، ومنه ما ينقض حدودها ويعيد رسمها، وإن «لامية العرب» للشنفرى ليست محض نبأ عن شاعر تمرد على قبيلته وفارقها، بل هي قصيدة تعيد مساءلة المفاهيم والأسس التي يقوم عليها الاجتماع الإنساني، فتسأل: ما الأهل؟ وماذا يصنع المرء إذا سلبه قومه أمانه؟
جالت القصيدة منذ مطلعها، في ثنائيات شتى: الدنو والنأي، والقبيلة والصحراء، والإنس والوحوش، والوجل والبأس، والحرص والإيثار، غير أن هذه الثنائيات لم تبقَ مستقرة على دلالاتها الموروثة؛ فما عادت القبيلة مأمنًا، ولا الصحراء مهلكة، وما كل وحش غشومًا، ولا كل امرئ ضامنًا للإنسانية لمجرد حلوله في المدنية، لقد قلبت القصيدة تلك الموازين، وأعادت تنظيمها وفق معيار خلقي، جاعلةً قيمة المرء منوطة بأفعاله ومسعاه، لا باسمه أو نسبه أو جاهه في قومه.
إعلان الرحيل، لا استبكاء الأطلال
يستفتح الشنفرى قصيدته قائلًا:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ** فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ** وشدت لطيات مطايا وأرحل
لم يستهل الشاعر قصيدته بالوقوف على الطلل، ولا باستبكاء ذكرى خالية تستدر الدمع، بل صدع بأمر الرحيل: «أقيموا»، فمطلعه ليس خبرًا يُروى، بل فعل يُقضى؛ إذ لا يصف الفراق بعد وقوعه، بل يوقعه في ساعته، لقد أصبحت الذات، ممثلةً في الشنفرى، في جهة، وأصبح «بنو أمي» في الجهة المقابلة، وغدت اللغة نفسها أداةً لترسيم الحد الفاصل بينهما.
ويرى المبرد أن إقامة صدر المطية تدل على التوجه والسير والجد في الأمر، بينما يربط أبو البقاء العكبري الفاء في قوله: «فإني» بما قبلها، ويرى فيها تنبيهًا إلى أن غفلة القوم وإهمالهم كانا علةً لمفارقة الشاعر لهم، فالرحيل ليس نزوةً عابرة ولا طيشًا، بل ثمرة عهد ضُيّع، ورحم تنكرت لحق الرعاية والوفاء.
وبين دالَّي «بني أمي» و«سواكم» يستمر انشطار الخطاب؛ إذ نُزّل القوم من منزلة الأهل إلى منزلة الأغراب. وبتقابل ضمائر المخاطب في «مطيكم» و«سواكم» مع ضمير المتكلم في «فإني»، وبحضور الفعل الدال «لأميل»، تنشطر البنية اللفظية إلى «أنتم» و«أنا»، وهكذا سبق الانفصال النفسي قطع المسافة المكانية، في نظام قبلي يقوم على الوحدة.
كما تتزاحم في البيتين علامات الحركة: المطايا، والأرحل، والطيات، والليل، ولم تكن هذه الألفاظ حليةً لفظية، بل عُدّةً للمفارقة؛ فالمطية مركب الخروج، والرحل تهيئة للمسير، والليل ميقاته، والحاجات قد حمت، أي حان وقتها، وباجتماع هذه العلامات يتحول الرحيل من هاجس داخلي إلى فعل منظم امتلك وسائله وزمنه ووجهته.
وعليه، فليس المطلع إيذانًا بمبارحة المكان فحسب، بل هو نقض لعهود سالفة، وإعلان عن بناء ذات حرة، فالشنفرى لم يخرج تائهًا هائمًا على وجهه، بل خرج مختارًا مريدًا، جاعلًا لفراقه غايةً ومعنى، وهنا ينسلخ الشاعر من الهوية الممنوحة والمفروضة بالنسب إلى هوية تنتجها الأفعال.
من ضيق القبيلة إلى رحاب الأرض:
ينشد الشاعر:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ** وفيها لمن خاف القلى متعزل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ** سرى راغبًا أو راهبًا وهو يعقل
تتحول الأرض هنا إلى ميدان للقيم؛ فالسعة التي يرمي إليها الشاعر في هذين البيتين ليست سعةً مكانية فحسب، بل هي مندوحة أخلاقية تمنح الكريم ملجأ يدرأ به عن نفسه الضيم، ومعتزلًا يقيه غوائل البغض والشنآن.
وقد لاحظ الشاوي أن تعبير «الكريم» يربط مغادرة الوطن بكرامة النفس؛ فالأرض تتسع حين يورث المقام في الوطن الذل، وتضيق إذا سُلب المرء مشيئته، وقد غدا حمى القبيلة مرتعًا للأذى والقطيعة، بينما أصبحت الصحراء ميدانًا لبناء الذات، وليس الشاعر يصور الصحراء نعيمًا؛ فهي مشقة من جوع وعطش وخوف، غير أن قسوة الطبيعة أهون على الكريم من المقام بين قوم أفرغوا القرابة من معناها.
كما يوزع الشاعر في البيتين دلالات القرب والبعد؛ فالقرب الجسدي من القبيلة اقترن بالغربة القيمية والنفسية، بينما صار النأي طريقًا للعودة إلى الذات، وعليه، اكتسبت لفظة «منأى» دلالة حسنة بعد أن كانت تقترن بالفقد والوحشة، فغدت حصنًا للكرامة، وانتقلت لفظة «متعزل» من الدلالة على هامش ضائع إلى الدلالة على معقل للاستقلال.
ولم يجعل الشاعر سراه ليلًا ضربًا من خبط العشواء، بل قرنه بالروية والتعقل: «سرى راغبًا أو راهبًا وهو يعقل»، فالرغبة والرهبة دافعان إلى الحركة، غير أن قيمتهما لا تكتمل إلا بقيد العقل: «وهو يعقل»؛ ليفرق بذلك بين رحيل الحر عن بصيرة، وهرب الخائف المذعور.
وخلاصة ذلك ما بيّنه ابن زاكور من أن سعة الأرض وضيقها إنما يتحددان بانشراح النفس أو انقباضها، قبل أن يتحددا برحاب المكان، فالأرض تتسع حين يميز العقل مواطن الأمن من مظان الأذى، ليرتقي المكان بذلك من مجرد تراب توطأ صفحته إلى ميدان تسري فيه القيم.
من رحم القبيلة إلى أخوة الوحوش:
يبلغ الشاعر ذروة الانسلاخ عن قومه حين يستبدل بأهله السابقين أهلًا آخرين، منشدًا:
ولي دونكم أهلون سيد عملس ** وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
هم الرهط لا مستودع السر ذائع ** لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
يمثل هذان البيتان لحظة انقلاب في النظام الدلالي للقصيدة؛ فبعد أن نادى الشاعر قومه من قبل بقوله: «بني أمي»، جرّدهم من شرف الأهل، وخلع هذا الشرف على وحوش الصحراء: الذئب، والنمر، والضبع، وليس ذلك محض تمجيد للوحوش، بل هو إحلال رمزي ينقل شرف القرابة من قبيلة أضاعته إلى كائنات غدت تمثل ما عجز البشر عن حمله.
وجاءت لفظة «دونكم» حاسمة كحد السيف، فتقيم هذه الوحوش مقام القوم، وكأن الشاعر يقول إن مفهوم الأهل ليس حكرًا على رابطة الدم، بل إن حرمة هذه الرابطة تسقط إذا تعطلت شروط استحقاقها، وقد بيّن ابن زاكور أن هذه الوحوش أحق بتسمية الأهل والرهط من أناس يفشون السر ويخذلون صاحبهم، فالمفاضلة هاهنا ليست بين الإنس والوحش، بل هي مفاضلة بميزان القيم؛ فإذا انسلخ المرء من قيمه غدت الوحوش مرآةً تفضح ذلك النقصان، ومن هنا ينتقل مفهوم الأهلية من المجال البيولوجي إلى أهلية تُنال بصدق الأفعال
الجسد بوصفه علامةً للقيمة:
بعد أن أحل الشاعر وحوش الصحراء محل الأهل، بيّن مقامه بينها قائلًا:
وكل أبي باسل غير أنني ** إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ** بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ** عليهم وكان الأفضل المتفضل
اشترك الشاعر ورهطه الجدد في الإباء والبسالة، غير أنه قدم نفسه عليهم حين تحضر المخاوف، فلم يدّع الشجاعة قولًا مرسلًا، بل جعلها فعلًا مشهودًا عند ظهور الطرائد.
وقد اختلف الشراح في معنى «الطرائد»؛ فالمبرد يعرض احتمال أن تكون الخيل الطاردة أو المطاردة، بينما يفسرها ابن زاكور بالإبل المسوقة في الغارة، التي يتبعها أصحابها لاستنقاذها، غير أن اختلاف المرجع الحسي لا يغير البنية الدلالية الأساسية؛ ففي الحالتين تشير الطرائد إلى لحظة انتقال الخطر من الإمكان إلى الحضور، فالشجاعة تتجلى عند حلول البأس، كما يؤدي اسم التفضيل «أبسل» وظيفة بنائية؛ فالذات لا تملك قيمتها قبل الموقف، وإنما تنتج هذه القيمة من خلال طريقة حضورها فيه.
ثم تنتقل القصيدة من مشهد الطرائد إلى ميدان الزاد، وإن بدا المقامان مختلفين، فإنهما يختبران باطن المرء أمام دوافع نفسه؛ فالأول يمتحنه بدافع الخوف، والثاني يمتحنه بدافع الجوع والشهوة. فالجسد ترجمان السريرة، وواسطة دلالية بين باطن المرء وفعله الظاهر؛ إذ لا يُرى الجشع في ذاته، وإنما يفضحه استباق اليد إلى الزاد.
وقد فسر المبرد «أجشعهم» بأنه أشدهم حرصًا على الطعام، بينما فصّل ابن زاكور معنى الجشع بوصفه شدة في الحرص تتجاوز أخذ المرء نصيبه إلى التطلع إلى نصيب غيره، وهنا يصبح الجسد وسيطًا سيميائيًا بين الداخل والخارج.
ويأتي البيت الثالث دافعًا لتأويل هذا التأخر بوصفه ضعفًا أو عجزًا: «وما ذاك إلا بسطة عن تفضل»، فـ«البسطة» تدل على السعة والسماحة، و«التفضل» يدل على الإحسان، إن الشاعر لا يتأخر لأنه أقل قدرة على الوصول إلى الزاد، بل لأنه يفسح المجال لغيره؛ ولذلك يغدو التأخر فعلًا أخلاقيًا محمودًا، فالقيمة لا تكمن في مجرد الابتعاد عن الطعام، بل في تحويل الامتناع إلى إيثار.
ويمكن الاستئناس هنا بالنموذج العاملي عند غريماس، الذي يصف الفعل من خلال علاقة ذات بموضوع قيمة، ومن خلال العوامل المساعدة والمعارضة التي تنظم سعي الذات إلى هذا الموضوع. فالشنفرى هو الذات، أما موضوع القيمة فليس الطريدة أو الطعام في ذاتهما، بل السيادة على النفس، والحفاظ على صورة الذات الأبية، ففي مشهد الطرائد يظهر الخوف بوصفه عاملًا معارضًا، وتظهر الشجاعة بوصفها عاملًا مساعدًا، وفي مشهد الزاد يظهر الجشع بوصفه عاملًا معارضًا، بينما يعمل ضبط النفس والكرم عاملين مساعدين.
وتتضح وحدة الأبيات حين نقابل حركتين متعاكستين: التقدم عند الخطر، والتأخر عند الطعام، وليست البطولة في السرعة أو البطء في ذاتهما؛ فالسرعة قد تكون فضيلة في موضع، ورذيلة في موضع آخر، إن القيمة تتحدد بمدى ملاءمة الحركة للموقف؛ فيتقدم الشاعر حين تكون المبادرة شجاعة، ويتأخر حين تصبح العجلة جشعًا.
وقد أبرزت دراسة حديثة تناولت بنية الجوع في «لامية العرب» أن علاقة الشاعر بالطعام تتجاوز الحرمان الجسدي إلى بناء تصور أخلاقي ونفسي للذات، يقوم على مقاومة الارتهان إلى الآخرين وإلى مواردهم، ومن هذه الزاوية، لا يكون الجوع مجرد ظرف خارجي، بل قوة يختبر الشاعر من خلالها قدرته على التحكم في الجسد وإعادة تحديد حاجاته.
في الختام
ليست «لامية العرب» حكاية رجل اكتفى بنفسه، فانفرد عن جماعته، بل هي قصة ذات أُجبرت على إعادة بناء علاقتها بالعالم وبالآخر لقد بدأت بنداء «بني أمي»، ثم مضت إلى اصطفاء أهل غيرهم، وبين النداء وهذا الاصطفاء غدت الأرض منجاة، والوحوش جماعةً قيمية، وغدا مضض الجوع محنةً لعزة النفس وامتلاك زمامها.
ولا تكمن ثورية المطلع في إعلان الرحيل وحده، بل في الاستيلاء على حق التسمية، فلم يسمح الشنفرى لقبيلته بأن تحتكر أسماء «القوم» و«الأهل» و«الرهط»، بل انتزع هذه الأسماء منها، وأطلقها على من استحقها وفق منظومته القيمية، وقد كان هذا التحول أشد أثرًا من مغادرة المكان؛ لأنه نقل الانتماء من حتمية المولد إلى مسؤولية السلوك.
ولم يزعم الشنفرى أن المرء يستغني عن العِشرة استغناءً كليًا، بل قال شيئًا أكثر دقة وقسوة: ليس كل قريب أهلًا، وليس كل بعيد غريبًا، وليست كل عزلة فقدًا، وليست كل جماعة وطنًا، وعندما تصبح الوحوش أهلًا، لا يكون السؤال: كيف أنسن الشاعر الوحوش؟ بل: أي خلل أصاب المجتمع الإنساني حتى احتاج الشاعر إلى الوحوش كي يستعيد قيمته؟
المراجع:
- ابن زاكور، محمد بن قاسم. (1995)). تفريج الكرب عن قلوب أهل الأرب في معرفة لامية العرب). تحقيق علي إبراهيم كردي. دمشق: دار سعد الدين.
- الشنفرى. (1996) ). ديوان الشنفرى. جمعه وحققه وشرحه إميل بديع يعقوب). بيروت: دار الكتاب العربي.
- الشاوي، سليمان بن عبد الله. (2005)). سكب الأدب على لامية العرب. دراسة وتحقيق مهند مجيد برع العبيدي)، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة تكريت.
- العكبري، أبو البقاء عبد الله بن الحسين. (1984)). إعراب لامية الشنفرى. تحقيق محمد أديب عبد الواحد جمران. بيروت: المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى.
- المبرّد، أبو العباس محمد بن يزيد. (2009)). شرح المبرّد على لامية العرب). تحقيق جميل عبد الله عويضة.
- الصالح، أسعد. (2024). «لامية العرب: الشاعر الجائع والبحث عن قيم جديدة. “ألف: مجلة البلاغة المقارنة”، العدد 44، ص 9-34.
- Greimas, A. J. (1966). Sémantique structurale : recherche de méthode. Paris: Larousse
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




