ترجمة: شروق درّاج
مراجعة: محمد بن علي الزهراني.
نوجز في هذه المقالة نقد جان كلير Jean Clair للتطور الحالي للمتاحف، ونعيد صياغته في إطار ما وُصف بتوجهاته المحافظة. فهل ينبغي أن يُنظر إلى الفن بوصفه كيانًا مقدسًا لمجرد نشأته في كنف الدين؟ وأن نرفض كل ما تحقق منذ الثورة بوصفه شكلًا من أشكال التدنيس؟ إن طرح جان كلير لا يقتصر على كونه مجرد هجوم، بل هو بمنزلة وعظ يوجهه إلينا، وإن لم يخلُ من نبرة جدلية واضحة بأفضل لهجة ممكنة.
قدم جان كلير مقالًا تحت عنوان قلق في المتاحف -أو بالأحرى كتيبًا نقديًّا- سعى من خلاله إلى عرض تجاوزات السياسة الثقافية الفرنسية، والتي يرى أن ذروتها تتجسد في مشروع متحف اللوفر أبو ظبي. يحمل الكتاب تاريخ “عيد العنصرة ٢٠٠٧م[1]“، وكأنه استجابة فورية للاتفاقية الموقعة في ٦ مارس من العام ذاته بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة، والتي أقرّت إنشاء متحف عالمي. يأتي هذا العمل امتدادًا لمقالة رأي نشرها، بالتعاون مع فرانسواز كاشين Françoise Cachin، ورولاند ريشت Roland Recht، في صحيفة لوموند في ديسمبر ٢٠٠٦م بعنوان «المتاحف ليست للبيع»، والتي شكلت الشرارة الأولى لعريضة احتجاجية ضد هذا المشروع.
أناجيل جان كلير
يتألف الكتيب، المدفوع بخيبة الأمل، من ثلاثة أجزاء؛ الأول، بعنوان «السيمونية La Simonie»، وهو بمنزلة خلاصة فكر المؤلف. استنادًا إلى بعض التجارب الشخصية (مثل اكتظاظ الحشود في متحف اللوفر أو حضور عرض «حداثي» مخيب للآمال في كنيسة ريفية، وكلاهما عاشه كنوع من «التدنيس»)، ومن هذا المنطلق، وبأسلوبه الجدلي المعهود، وتماشيًا مع أسلوبه في “يوميات سوداوية Journal atrabilaire ٢٠٠٦م” يطلق العنان لحسرته. يستنكر نسيان البعد الديني وما قبل الجمالي للأعمال الفنية القديمة «قوة الصور»، ويدين المبدأ الديمقراطي الذي «يفرض على المتاحف استقبال الجميع بلا استثناء» وتكديس كل الثقافات «تراتبية الأشياء»، كما يحتج على الهيمنة المتزايدة للسوق على الثقافة «السرنمة[2]»، معتبرًا أن العصر الحديث يمثل المرحلة الأخيرة من انحدار طويل بدأ منذ أواخر القرن الثامن عشر. يرى جان كلير أن هذا التراجع يتمثل في الانتقال من من العبادة إلى الثقافة، ثم من الثقافة إلى ما يُصنف على أنه ثقافي « أي من العبادة إلى الثقافة». وهو تراجع يُجسَّد في استبدال «الرابط العمودي، الذي كان يمتد من الأسفل إلى الأعلى» -أي البعد اللاهوتي- بما يشبه «الدوران الأفقي»، يعكس العصر الديمقراطي: «”المنطق الثقافي” يُبعثر، ويُشتت، ويُفسد، ويُفقد القيم معناها، ما يعيدنا إلى الكم». يختتم الجزء الأول هذه الفكرة باستنتاج مفاده أن: «التخلي عن الإيمان بقوة الصور، وانتهاء الاعتقاد بسلطتها، والجهل المتفشي حيال مقاصدها، كلها عوامل أدت بدورها إلى تحول جذري في الأماكن التي كانت مخصصة لها، ألا وهي المتحف العام».
يناقش الجزء الثاني من الكتيب بعنوان «المجد الزائف» انتقادات جان كلير لمشروع متحف اللوفر أبو ظبي المستقبلي. ولتوضيح السياق: طلبت إمارة أبو ظبي الخبرة الفرنسية لإقامة فرع لجامعة السوربون ابتداءًا من عام ٢٠٠٦م، ثم وقَعت الإمارة اتفاقًا مع فرنسا لإنشاء متحف في العاصمة الإماراتية. إذ ستقدم فرنسا خبرتها في جميع مراحل المشروع لمدة عشر سنوات من افتتاح المتحف للزوار، وستوافق فرنسا على إقراض نحو ثلاثمئة عمل فني، يتم اختيارها بالتناوب، وهي في الغالب من متحف اللوفر والمتاحف الوطنية. كما تلتزم فرنسا، من لحظة افتتاح المتحف ولمدة خمس عشرة سنة، بتنظيم معارض مؤقتة ذات طابع دولي كل عام. وفي مقابل المساعدة العلمية والتقنية المقدمة من فرنسا (إعداد المشروع العلمي والثقافي، واستراتيجية تطوير المتحف، والمساعدة في إدارة المشروع، والاستشارات، وتدريب الموظفين، إلخ)، ستحصل فرنسا على مبلغ يقارب المليار يورو على مدى ثلاثين عامًا، موجهًا إلى متحف اللوفر والمتاحف الفرنسية الأخرى. وقد عبّر جان كلير عن استنكاره لهذا الأمر، واصفًا إياه بتأجير الأعمال الفنية وتصفية التراث الوطني. إن الأمر مجرد مسألة مال؛ إذ يرى أن متحف اللوفر أبو ظبي سيكون جزءًا من توجه أوسع يهدف إلى استثمار الأصول المادية وغير المادية، كما أوصى تقرير لجنة اقتصاد المواد غير الملموسة (ديسمبر ٢٠٠٦م)[3]، التي تضمن أيضًا اقتراحًا بإلغاء مبدأ عدم القابلية للتصرف في الأعمال الفنية التي تخص المجموعات الوطنية[4]. في مواجهة ذلك، يقدم جان كلير تصورًا جوهريًّا للعمل الفني، الذي بحكم تعريفه يستبعده من الدائرة الاقتصادية: «العمل الفني ليس “منتجًا”، لأنه لا يمكن، بعكس الأشياء الصناعية، أن يُعاد “إنتاجه”». باعتباره تجسيدًا لـ «مكان» و«تاريخ» -كما كان يقول والتر بنيامين Walter Benjamin عن «هنا والآن»- فإن العمل الفني سيخسر هالته، إذا جاز التعبير كما كان يعتقد الفيلسوف الألماني الذي يستلهم منه جان كلير. في مواجهة التسليع الذي يقلل من القيمة «إلى السلسلة، والنسخة، والقابلية للتبادل»، يستدعي الفردانية التي «تُميز بدلًا من أن تذوب».
يتبع ذلك هجوم جان كلير على «إمبراطورية غوغنهايم Guggenheim » (نسبة إلى المتحف الشهير للفن الحديث في نيويورك، الذي بدأ منذ سنوات في إنشاء فروعه)، والتي يرى من خلالها أن هذه التجربة نموذجًا لمتحف اللوفر أبو ظبي. ويرى كلير أن غايتها، كما في لاس فيغاس، مجرد ترفيه مبتذل: «إشباع سريع لرغبة فورية»… محكومة بـ«عرض غير متناسق لأعمال فنية انتُقِيت، حسب الاحتياجات والتوافر، من مجموعة من المتاحف الفرنسية»، سيكون المتحف المستقبلي زائفًا في عالمية مبالغ فيها. ربما إدراكًا منه أن مثل هذا القول بشأن التباين قد ينعكس سلبًا على جميع المتاحف، كون المتاحف ثمرة تفكيك، يصرح جان كلير أن المجموعات «مكرسة بطبيعتها للثبات». وبالتالي، فإنه سيحظر هذا «النقل» (الذي هو في الواقع إقراضات مؤقتة، كما نعلم) «لصالح بلدان غارقة في ظلمات الجهل»»..
كان «الملل الروحي» (ما يعني «الملل القاتل، والملل، والانهيار العقلي الناتج عن كسل القلب») هو عنوان الخطاب الطويل الذي اختتم فيه العمل. حيث يُختتم الكتاب بخطاب طويل يُقدّم جان كليرفيه موقفًا وعظيًّا يتجاوز كل النقاشات السابقة. ورغم أن هناك أساسًا حقيقيًّا في ملاحظاته، حيث يتلاشى المعنى الأصلي للأعمال الفنية القديمة تدريجيًّا بالنسبة لنا، إذ يعرض على قارئه هجومًا عنيفًا ضد ما يسميه «تقليص الجمال reductio ad aestheticam» أي المرحلة الجمالية كما رآها «باومغارتن Baumgarten ، نيتشه Nietzsche، وكيركغارد. Kierkegaard وفقًا له، أصبح الفن مجرد “فن من أجل الفن”، حيث يتقدّم الذوق الغامض، والإحساس، حتى في أشكاله المتدهورة مثل الإثارة، والصدمة، والمفاجأة، وحتى القبح».
إن المتحف، الذي تخلى عن كل تفسير «سياقي» لصالح «تفسير جمالي عالمي»، لن يكون سوى «قاعة الخطوات المفقودة حيث الأرواح التائهة تنغمس في لذة غامضة». ويأتي معتقد جان كلير هنا: «عندما أقول “فن”، أعني هنا الفن الديني، الذي نشأ من الديانات التوحيدية، أو ما يبدو لي معادلًا لذلك، الفن الذي أسس هذه الديانات. وبالتالي، لا يوجد، من هذا المنظور، فن إلا “الديني”». ثم يشرح «معنى العمل الفني»: «الخضوع (…) قبل أي نوع من الإعجاب»، لأن «كل فن (…) يعكس التجاوز، ويستهدف شيئًا أسمى يصعب إدراكه بالكامل. وأن كل تمثيل هو بوتقة للتأمل الروحي. وأنه لا يوجد فن سوى الفن المقدس». وبتوقيع “عيد العنصرة ٢٠٠٧م”، يمكننا أن نلاحظ أن الكتيب قد تحول بالفعل إلى “وعظ” نهائي لا مجال للشك فيه.
السفسطة
يسعى هذا الملخص، بكل ما أوتي من جهد، إلى تجاهل السيل اللفظي الجارف، وهو سيل قد يكون سمة مميزة لهذا النوع من المقالات الناقدة التي تفيض بالعبارات القاسية والسخرية اللاذعة[5]. ولكن لا يمكن تجاهل وفرة الافتراضات غير المبررة التي تسكن طيات نصه. لنأخذ بعض الأمثلة: عن الفن الغربي والفن الأفريقي: «هذه الصور التي جاءت من تقليد كتابي ضارب في القدم -الكتاب المقدس- والتي تعكس شغفًا بالتصوير لا نظير له في مكان آخر، هي ثمرة تاريخ رمزيته بالغة التعقيد، بخلاف الرمزية العفوية والمجردة للأشياء السحرية التي نشأت في سياق ثقافة شفوية واعتقاد أرواحي»[6]. أما عن الفن المعاصر فيختزله في «الفضلات التي نتجت عن هضم قرون من الفن الرفيع». وعن جمهور المتاحف: «هؤلاء المحظوظون (…)، هؤلاء المبتدئون، المسحورون، الذين يقفون ببهجة أمام ثقافة “الآخر”، الذين وصلوا في “حافلات مكيفة” غير مبالين، وصاخبين، ومبتذلين، ومرهقين. القذارة التي تخلّفها الحشود، التلاصق، حرارة الازدحام، واستحالة الوقوف ساكنًا أمام عمل فني دون أن تحجب عنك الرؤية، بغرابة، رقبة أو ذراع عابر. أي عالم في معهد باستور Institut Pasteur أو في مختبرات ساكلاي Saclay أو في مرصد بيك دو ميدي Pic du Midi، يقبل بوجود هذا العدد من الجهلة في مختبراته؟». أما بالنسبة لمتحف اللوفر أبو ظبي، فيورد جان كلير رأيًا حادًا إذ يرى أن: «التنازل عن اسم نبيل وفريد لصالح تسويقه لأغراض تجارية هو، في نهاية المطاف، تطبيق للمنطق الاقتصاد العالمي نفسه نفسه الذي تحدث عنه بريمو ليفي Primo Levi حين وصف السجين، الذي لم يعد يُعتبر إنسانًا؛ لأنه لم يُعد يحق له حمل اسمه، لم يعد سوى «كائنٍ بلا اسم Null Achtzehn». يمكننا الاستمرار، لكن من الواضح أن الكاتب تجاوز حدود الاعتدال والدقة، بصرف النظر عما يورد في نصه «مع مراعاة الفروقات».
يُعد العمل، من بدايته إلى نهايته، تحفة من السفسطة؛ إذ يقوم على أسس من التخفيف، والإغفال، والمبالغة، والإهانة. يبدأ بالتخفيف، عبر تلك الاستراتيجية التي يتبعها الكاتب ليقنعنا بأنه يمكنه الاعتذار عن حدة تصريحاته، التي لن تشكل في النهاية تهديدًا كبيرًا. وهذه كلها تقنيات بلاغية أو تنازلات شكلية تتعلق ببعض التفاصيل الهامشية، تهدف إلى تحصين نفسه ضد النقد، ما يسمح له لاحقًا بالتمسك بدور الضحية في الوقت المناسب.[7]
أما بالنسبة للإغفال: وفيما يخص النظرية القائلة «لا فن إلا ما هو مقدس» -قد تكون صحيحة في بعض الأحيان- لا يمكن الدفاع عنها إلا من خلال حيلة تاريخية واضحة إلى حد ما؛ النسيان التام لجانب كبير من الإبداع. أليست سوناتة موزارت Mozart، أو ثلاثية لـرافيل Ravel، أو بورتريه لـإنغرس Ingres أو دافيد David، أو مبنى لـلودو Ledoux، أو لوحة لـغويا Goya، إلخ، أعمالًا فنية بحق؟ أم ربما يكون الأمر كذلك، على حد تعبير ديغول De Gaulle: «النحت الوحيد الذي [يتحدث] إليّ هو نحت العصور الوسطى»؟ لا تعتبر الاختزالية الدينية أكثر شرعية من هذه «الاختزالية الجمالية» التي ينتقدها جان كلير (والتي تشكل في الواقع تناقضًا زمنيًّا عندما يتعلق الأمر بمريم العذراء أو كأس روماني). وهناك أيضًا إغفال آخر عندما يتجنب جان كلير قول الحقيقة بشأن مخازن المتاحف: فالمخازن ليست خزائن مملوءة بالكنوز المجهولة كما يعتقد بعضهم، ولا هي مجرد حاويات تحتوي على أعمال ثانوية فقط، أو قطع أثرية غير قابلة للاستخدام، أو مجموعات دراسية كما يريدون إقناعنا[8].
تظل المبالغة في الأسلوب الأكثر جذبًا للانتباه. وبنبرة كارثية وأسلوب يشبه نغمة نهاية العالم، يلعب جان كلير دور الكاهن المتشائم، مضخمًا التأثيرات البلاغية والصيغ القاطعة والمبالغ فيها[9]. علاوة على ذلك، ينقل جان كلير شائعة غريبة، خرجت مباشرة من أذهان معارضي المشروع: مفادها أن الاتفاق بين فرنسا وأبو ظبي سيسهل بيع طائرات حربية! ولكن كل ذلك لا يعدو كونه تفاهات إذا ما قورن بالانحدار العام الذي نعاني منه. فموت التنوير والأمة يُطرح كمسألة أساسية: «هل يمكن للمتحف، ابن التنوير وأمته، أن ينجو من زوالهما؟» تفرض النبوءة المقلقة نفسها: مع عرض الأعمال الغربية في أبو ظبي، فإننا نعرض أنفسنا «لصدمة قد لا تكون صدمة حضارات، لكنها تشبهها إلى حد بعيد». هل يعتقد جان كلير أنه يشبه أوزوالد سبنجلر Oswald Spengler، أو الدكتور سيغموند فرويد Sigmund Freud، الذي ألهم كتابه لعام 1929م، “قلق في الحضارة” Malaise dans la civilisation، عنوان هذا الكتيب؟
يُشير جان كلير إلى أنه لا بد من وجود كبش فداء في هذه الحالة، يتمثل في شخصية المدير، الذي يُصوَّر بالضرورة على أنه ضيق الأفق، قليل الثقافة، وعيناه مثبتتان على آلته الحاسبة. لأن خريجي المدرسة الوطنية للإدارة، كما كان الحال مع اليهود في الدعاية المعادية للسامية سابقًا، يشغلون المناصب المهمة[10]. بالفعل، لا يمكن أن تُقارن مثل هذه الإهانات إلا بتلك الواردة في الكتابات المتأخرة، التي لا تذكر إلا بسوء لكامييل موكلير [11]Camille Mauclair. ومع ذلك، يرتكب جان كلير بعض الأخطاء، كما في الحالة التي يتحدث فيها عن الفن المعاصر، حيث يغفل وضع علامات الاقتباس حول صفة “المنحط”، مستعيدًا بشكل غير دقيق مصطلحات ماكس نوردو Max Noradu التي سيتبناها القوميون الاجتماعيون.[12]
ضد التاريخ، أو «سلطة الأمس الأبدي» (ماكس فيبر)
يمكن القول، من دون مبالغة، إن قراءة هذا الكتاب تثير شعورًا بـ«الضيق». يشعر القارئ، وهو شعور يتفاقم بفضل النبرة القاطعة، وكأنه يتعرض للتلاعب. بعيدًا عن كونه عملًا تحليليًّا مدعومًا بالحجج، يُعد الكتاب في الواقع تعبيرًا عن تفكير سلطوي. كما شرح عالم الاجتماع ماكس فيبر Max Weber، فإن الهيمنة، التي تتجاوز السلطة المبنية على الإكراه، تعتمد أيضًا على المعتقدات التي تمثل استعدادات مكتسبة للطاعة. من بين هذه المعتقدات -أو الشرعيات- تظهر «سلطة الأمس الأبدي» بشكل واضح هنا وهي: «القوانين والعادات المقدسة بفضل صحتها العتيقة والعادة الراسخة في الإنسان باحترامها[13]». وفي حالة جان كلير، تأخذ هذه السلطة شكل الاستدعاء المتكرر لحد الإعياء للأصول. سلطة الأصول، بالتأكيد، استنادًا لامتيازها الزمني ويُعد «العودة إلى الأصول» عنوان الفصل الأخير. ولكن هناك أيضًا تلك الشرعية الأخرى، المبنية على كاريزما القائد الذي تُنسب إليه قدرات غير عادية ونعمة استثنائية. متربعًا على أكتاف العمالقة، يتباهى جان كلير بمعرفته ويُكثر من الاستشهادات، من توماس مان Thomas Mann إلى روجر كايووا Roger Caillois، من كوليريدج Coleridge إلى مونتسكيو Montesquieu، من شكسبير Shakespeare إلى دوركهايم Durkheim. هذه الأمواج من الاستشهادات (أكثر من أربعين مؤلفًا) تُذهل القارئ، والهدف هنا هو إحداث تأثير قوي عليه.
لكن ما الذي يُفرض هنا؟ خطاب يُقدس ويُخالف التاريخ. في البداية «ولعدة قرون»، كان الفن دينيًّا. وهذه حقيقة تاريخية. إلا أن جان كلير تجاوز دوره كأستاذ لتاريخ الفن حين يؤكد ضرورة اعتماد مقاربة للفن قائمة على الإيمان. فالديني لا يعني بالضرورة المقدس، والتحول الروحي ليس شرطًا لفهم الظاهرة الدينية وتجلياتها. من ناحية، يمكن أن نلاحظ «التخلي عن الإيمان بالصور» -مع أن هذه العبارة قد تكون محل نقاش- ومن ناحية أخرى، لا يجدي الندم على ذلك نفعًا. في هذا السياق، يجب أن تكون أخلاقيات مؤرخ الفن مماثلة لتلك الخاصة بالمؤرخ بشكل عام: التاريخ، لا شيء سوى التاريخ، وكل التاريخ. لكن نرى أن المشاعر والندم يهيمن على كل شيء، متجاوزة الفحص الموضوعي والحيادي للوقائع. جان كلير، كما نكرر، يُقلص مظاهر الفن إلى الفترات الأصلية وما قبل الجمالية لتبرير مقاربة مقدسة للفن. وهو يدافع عن تصور معين -قديم- للفن (القبيح، والعنيف، والمروع، والوحشي، الذين حلوا محل القواعد القديمة للجمال) ليُحجم عن قبول الفن المعاصر تقريبًا بشكل كامل. الهوس بالاشتقاق اللغوي (مصحوبًا بالاستخدام المكثف للتعابير والكلمات اللاتينية) يسهم في هذا الاحتفاء الحصري بالأصول. لا شيء غير التاريخ: نحن بعيدون عن ذلك، ولا نغفر له ذلك خصوصًا أن جان كلير يكتب بشكل دقيق أن: «التاريخ ممتلئ بهذه الأحكام القيمية التي كانت كارثية». كل التاريخ: هنا أيضًا، إن مجرد وضع الأنوار وإرثها بين قوسين أمر غير مقبول، ويعد مثالًا صارخًا على الإنكار التاريخي.[14]
التمييز والدفاع عن الامتيازات الثقافية
لا يُذكر اسم كاتب بعينه، لكن ظلاله تلوح في كل جزء من كتاب جان كلير. إنه والتر بنيامين Walter Benjamin ومقاله: العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه التقني.[15] L’Œuvre d’art à l’ère de sa reproductibilité technique وفقًا لبنيامين، فإن التصوير الفوتوغرافي سلب العمل الفني هالته (في حين أن هذا الأسلوب في إعادة الإنتاج أسهم فعلًا في تشكيل هذه الهالة، كما أثبتت ناتالي هاينيش Nathalie Heinich[16]؛ ووفقًا لهذه الهالة (التي دمرها التكرار، وبالتالي انتشار الصورة)، فإن الفن يصبح غير مناسب لأي مقاربة جماعية[17]. يُعيد جان كلير تبني هذه الأطروحة، لكنه، في حين كان بنيامين، على الرغم من ذلك، يتبنى رؤية تقدمية[18]، ينساق كلير إلى ازدراء الجماهير. المتحف المفتوح للجميع؟ «جرح سيتعفن»…
هذا الرفض لـ “الجماهير” والنزعة النخبوية هما في الواقع نتاج جمالية عميقة. ولد القلق في المتاحف من “خيبة أمل”، وهي خيبة أمل تكشف الكثير عن رؤيته المثالية للفن. منذ طفولته، اكتشف جان كلير بشكل غريزي “مسرات” الرسم بفضل الألوان والشكلية في منظر طبيعي لماتيس[19]. ولا شيء حتى المراسم الدينية كان قد تجنب أن يذوق لذائذها من خلال مرشح الجمالية “أوبرا صغيرة رخيصة، تُعاد كل يوم أحد”[20]. حتى اليوم، لا تزال هذه الاستجابة العاطفية موجودة: بعيدًا عن الطرق المألوفة، يطوف جان كلير العالم ويتنقل بين متاحفه الخاصة بحثًا عن أعمال مختارة[21]. اللذة والحب: هذا هو المعجم الذي يختصر كل شيء في بعده الجمالي فقط، وهو ما ينتقده جان كلير بوضوح في مواضع أخرى. رغم نفيه لذلك، فإن متعَهُ -حتى وإن كانت ممزوجة بالعلم- لا تختلف كثيرًا في جوهرها عن تلك التي تتمتع بها “الجماهير”: فكما كتب بيير بورديو Pierre Bourdieu: “قد تمثل المتع المرتبطة بالرؤية الواضحة الشكل الأكثر “نقاء” ورفاهية (…) للمتعة[22]“. “الجمالية المتنقية، السامية، المنفية” من جانب، مقابل “الجمالية الأولية والبدائية” من جانب آخر[23]، لكن الجمالية تبقى دائمًا هي نفسها. للجماهير، المتع البسيطة (وبالتالي “المبتذلة” لأنها غير مُصفاة -تبقى على مسافة- عبر التعليم والثقافة)؛ وللأقلية المحظوظة happy few، المتعة الواسعة، أي تلك التي يتم اختبارها في رفض أي تقارب اجتماعي.[24]
لن يُنتقد هنا جان كلير من أجل متعِهِ الجمالية. مثل أي شخص آخر (وهذه هي مشكلته بالذات)، هو يحق له ذلك. لكن بأي امتياز تكون متعُهُ أكثر شرعية من تلك التي تحق للجماهير التي يتم السخرية منها بشكل لاذع؟[25] يسعى المرء، بحسب جان كلير، إلى تمييز نفسه والدفاع عن امتيازاته الثقافية، أي (»الحفاظ عليها«) ويكون هذا التمييز في تأكيد الطابع المقدس للفن:”المقدس هو مايصعب الوصول إليه وما يُحترم، ما يُحافظ على مسافة منا وما يُبجل”. ما لا يمكن لمسه وما نرفع أعيننا نحوه.” هذه الجوهر الإلهي، الذي يحوّل التجربة الحسية، يسمح بتأسيس نوعين من الحساسية (يُقارن جان كلير -من أجل التقليل منها- تجربة الجمال لدى “الجماهير” بالمتع الجنسية والبدنية)[26]، أي فئتين من البشر، النخب والجماهير، اللتان لا يمكن تقليص إحداهما إلى الأخرى بطبيعتها. “اختزال إلى الجمالية” (Reductio ad aestheticam): حتى وإن كانت باللاتينية، فإن هذه العبارة تكشف عن قلق من الاختزال إلى تجربة مشتركة؛ إنها هاجس من احتمال الخلط مع “الجماهير”.
يتمثل فضل عمل جان كلير في تجسيد “البُعد الاجتماعي للذوق” الذي قام بتحليله بيير بورديو، حيث يقول: “إن إنكار المتعة الأدنى، الخشنة، السوقية، الدنيئة، المادية، التافهة، بكلمة واحدة؛ الطبيعية، يُغلق التأكيد على رفعة أولئك الذين يعرفون كيف يستمتعون بالمتع الرفيعة، المصقولة، المتميزة، المنزهة، المجانية، الحرة[27]“، هذا الإنكار يسمح بذلك، “الادعاء المشروع بالهيمنة على الطبيعة الاجتماعية[28]“. كما يذكر بورديو أيضًا: “إن العكس بين الثقافة والمتعة الجسدية (أو، إذا أردنا، الطبيعة) متجذر في التباين بين البرجوازية المثقفة والشعب، الذي يمثل مكانًا خياليًّا للطبيعة غير المثقفة، والهمجية التي تنغمس في المتعة البحتة[29]“.
يُظهر تأكيد جان كلير بأن التلذذ هو “ميل فطري، منفصل عن قيود الميلاد، والبيئة الاجتماعية”، “التجربة المنكرة لعلاقة اجتماعية من الانتماء والاستبعاد[30]“، كما يصفها بورديو. إن الذوق النقي، الذي هو تعبير عن “علاقة اجتماعية مدمجة، أصبحت طبيعة[31]“، يتم العمل عليه من خلال القضايا الاجتماعية البحتة مثل الهيمنة والخضوع[32]. في هذا الصدد، فإن بعض التطورات حول ضرورة التربية الفنية الحقيقية (وهو موضوع حقيقي كان يستحق مقالًا كاملًا) لا تقنع كثيرًا: فهي تبدو كحجة لراحة الضمير وكقناع لسلطة تهدف إلى تعليم -فرض- رؤية معينة للفن.
الخاتمة
من المؤسف أن هذا الكتيب، الذي نُشر في دار فلاماريون Flammarion ضمن سلسلة بعنوان “مقهى فولتير Café Voltaire”، لا يتجاوز حدود النقاشات السطحية في المقاهي. “كان أفضل في الماضي، يُخفى عنا كل شيء، لا شيء يسير على ما يرام…” الكتاب، الذي يتسم بردود فعل مفرطة (وهي “الخيبة” كما يسميها)، تبنى بالتالي جميع الأماكن المشتركة للفكر الرجعي: إنكار (ضمني) لتطورات التاريخ، وتصور أحادي للأشياء استنادًا إلى وظائفها أو معانيها الأولى، ونقاء الأصول المفترض، والوحدة ضد الاختلاط (“الثقافة واحدة، أما الثقافي فهو متعدد”).
هل هو “قلق في المتاحف” أم “قلق جان كلير”؟ الذات هي المقياس هنا لكل شيء. ولكن كيف يمكن تفسير النجاح (قد يكون نسبيًّا، ولكن يمكنني الشهادة عليه شخصيًّا) لأفكار جان كلير في مجتمع المؤرخين الفنيين، والمُرمّمين؟ هل هو مجرد تعبير عن شعور بالاستياء، تجسيدًا لما وصفه بورديو بـ”الأخلاقيات للفئة المهيمن عليها من الطبقة المهيمنة[33]“؟ هذه الفئة[34]، التي تتجسد فيها القيم بشكل عميق بحيث تحدد (وغالبًا ما تشوّه) الحكم، تجد وسيلة لتتعالى عبر التقديس المبالغ فيه للفن. لكن طريق الجحيم مُعبد بالنوايا الحسنة. عليه، فإن الدفاع عن المتعة الواسعة والإيمان العميق بالتعليم الفني، والعمل التربوي، وغيرها من جهود الديمقراطية الثقافية، هي حجج واهية -وبالتأكيد غير معترف بها على هذا النحو- لرفض مزدوج؛ رفض للطبقات العليا المهيمنة؛ الموظفين الحكوميين، ورفض للطبقات الشعبية المهيمن عليها؛ (الـ”جماهير”)[35]. أخيرًا، أليس هناك، بين هؤلاء الفاعلين الثقافيين، نوع من “النخبوية الفنية” حيث يظهر، وفقًا لناتالي هاينيش، “القيمة الديمقراطية المتشققة بين مثلين: المساواة والكمال [36]“، مع العلم أنه مع جان كلير، يبدو أن هذا الانقسام يشبه، إلى حد كبير إنكارًا للديمقراطية نفسها؟
للتعمق أكثر:
فرانسواز كاشين، جان كلير، رولان ريشت، “المتاحف ليست للبيع”، لوموند، 12 ديسمبر 2006م: رابط المقال
متحف اللوفر أبوظبي: رابط الموقع الرسمي
تقرير لجنة الاقتصاد اللامادي : رابط التقرير
[1] عيد العنصرة، المعروف أيضًا بعيد الخمسين: هو أحد الأعياد المسيحية، ويحتفل به بعد خمسين يومًا من عيد القيامة (الفصح). المترجمة.
[2] في سياق الهيمنة التجارية على الثقافة، يشير مصطلح “السرنمة” إلى ظاهرة التأثير التجاري على القيم والممارسات الثقافية. المترجمة.
[3] التقرير الذي أعده موريس ليفي Maurice Lévy وجان-بيير جوييه Jean-Pierre Jouyet وكان موجهًا إلى وزير الاقتصاد والمالية والصناعة الفرنسي.
[4] في أعقاب الرسالة التي وجهها رئيس الجمهورية إلى وزيرة الثقافة، التي طلب فيها “بدء دراسة إمكانية تمكين المؤسسات العامة من التصرف في بعض الأعمال الفنية ضمن مجموعاتها، مع ضمان عدم المساس بالتراث الوطني، بل على العكس، تعزيز قيمته على نحو أفضل”، تم تكليف السيد جاك ريجو Jacques Rigaud في أكتوبر من العام الماضي بإجراء دراسة متعمقة حول هذا الموضوع. من المنتظر أن يقدم تقريره مع مجموعة من المقترحات في بداية عام ٢٠٠٨م. وتجدر الإشارة إلى أن قانون ٤ يناير ٢٠٠٢م قد أكد على مبدأ عدم قابلية الأعمال الفنية ضمن المجموعات العامة للتصرف (سواء بالبيع أو التخصيص)، في حين يتيح القانون إمكانية نقل هذه الأعمال بعد الخضوع لعملية إلغاء التصنيف، وهي عملية لم يتم تفعيلها حتى الآن، شريطة الحصول على موافقة لجنة علمية مختصة تتحقق من عدم المساس بالتراث الوطني بشكل غير مبرر.
[5] أمثلة:( الاسم الشائع لمركز بومبيدو الوطني للفنون والثقافة في باريس Centre Pompido”، قفص زجاجي، نصفه هيكل خارجي مكشوف ونصفه الآخر يبدو وكأنه تشوّه داخلي، وكل شيء فيه موجه نحو الخارج).
[6] الأرواحية أو الإحيائية بمعنى «الروح، حياة» هي الاعتقاد بوجود الأرواح وأن أي نظام حي أو كائن أو حتى المواد الجامدة أحيانًا تمتلك نوعًا من الروح مثل الحجارة، والنباتات، وكذلك في الظواهر الطبيعية مثل الرعد، وحتى داخل المعالم جغرافية كالجبال والأنهار، وهي منتشرة في الديانات القومية. المترجمة.
[7] «سيُنظر إليّ على أنني ساذج»؛ «لذة نخبوية؟ ولم لا؟ فالنخب المعاصرة لم تعد تفعل سوى البقاء على قيد الحياة»؛ «بالتأكيد، من الصعب تصور وجود فن لم يكن مرتبطًا بفكرة كائن متعالٍ، متوفق أو ذو بعد ميتافيزيقي، مُتعالٍ (…) هذا الفكر قد يُعتبر اليوم مثيرًا للجدل وقد يُعاقب عليه »؛ «نعم، ومع ذلك…»؛ «هل لي أن أضيف أنه، رغم خطر التعرض للانتقاد (…) »؛ «نحن، ربما منبوذون فكريًا؟»؛ « قيل لي: “لكن هناك الفترات الليلية يوم الجمعة، هادئة جدًّا… وللطلاب دخول مجاني”. دعونا نُقر بذلك»؛ «أفهم تمامًا أن المتحف، مهما كانت ثروته، لا يستطيع أن يحل محل المدرسة بالكامل»؛ «بالتأكيد، لم تختفِ هذه المهمة تمامًا»، وهكذا. وهي، في الواقع، ظروف مشددة، تثبت أن جان كلير يدرك تمامًا عواقب أفكاره.
[8] هل يمكن لجان كلير أن يتجاهل، على سبيل المثال، أن المخازن في متحف بيكاسو (الذي كان مديره لفترة طويلة) تحتوي على مجموعة استثنائية من الأعمال الشخصية للفنان (المكونة من نحو أربعين تحفة فنية لسيزان Cézanne، رينوار Renoir، روسو Rousseau، وغيرها)؟ وهل يمكنه أن يتجاهل أن التوسعة المستقبلية للمتحف ستزيد بشكل ملحوظ من عدد أعمال بيكاسو المعروضة للجمهور؟ ماذا عن الطموحات الحالية لقصر فرساي Orsay لتوسيع مساحاته بشكل كبير، مستندًا إلى أدلة تدعم حجته بشأن حجم الأعمال التي لا تزال بعيدة عن الأنظار؟ ويمكننا أن نعدد المزيد من الأمثلة.
[9]فيما يتعلق بعرض رديء في إحدى الكنائس الريفية، وصفه بالقول: “الشيطان في الجرس”، معبرًا عن شعوره بالتدنيس، معتبرًا أن هذا الحدث كان بمنزلة مشروع شيطاني بالمعنى الحرفي للكلمة. أما عن الفن المعاصر، فقد اعتبره “نوعًا من الغباء يعكس نزوات طفولية لشخص يعتقد أنه لا يترتب عليه أي التزام تجاه الآخرين”. وفيما يخص متحف اللوفر، وصفه بأنه “متحف عظيم، ولكنه عاجز عن تمكين زواره من فهم جوهر ما يضمه من أعمال”. وأخيرًا، تناول الجمهور ودوافعه قائلًا: “لم يعد يثير اهتمامه إلا ما يتضمن إثارة غير ذات قيمة مثل روايات القطارات [شيفرة دافنشي] لإحياء الاهتمام باللوحات القديمة التي أصبحت غير مفهومة لأحد”.
[10] «هاغينو Haguenau، التاجر، النموذج الذي لا يزال متأثرًا قليلًا بأساليبنا الحديثة من الإداريين الذين يؤيدون “اقتصاد اللامادية”»؛ «الإداريون، والإناركيون، والشخصيات المالية والتجارية، الطفيليات التي أصبحت الآن مترسخة على التراث مثل الحَسَك في قوقعة فارغة»؛ «تم تهميش وإقصاء المحافظين والمؤرخين والمتخصصين والباحثين وعلماء الأنثروبولوجيا (…)تدريجيًّا، واستُبدلوا بإداريين، معظمهم من خريجي المدارس العليا، و”خبراء” من أنفسهم، ومتحدثين، ومسوقين بشكل أساسي»؛ « كان من الممكن أن تصادف رجالًا من ذوي الثقافة. أما الآن، فلا يكاد يلتقي المرء سوى بالموظفين الثقافيين».
[11] كاميل موكلير، “مهزلة الفن الحي La Farce de l’art vivant“، باريس، NRC، 1929م . قام آخرون غيرنا بالفعل بإجراء هذا التشابه: برنارد جينييه Bernard Géniès، “جان كلير يذهب إلى الحرب” (http://bibliobs.nouvelobs.com/2007/10/01/jean-clair-sen-va-t-en-guerre).
[12] «من الثقافة، لا يكون الثقافي سوى الصورة المشوهة لها والكاركتير التجاري»؛ «الفن من أجل الفن، ذوق الغموض، الإحساس، حتى في هذه الأشكال المتدهورة مثل الإثارة، الصدمة، المفاجأة، وأخيرًا القبح (كما تم ذكره سابقًا).
[13] ماكس فيبر Max Weber، العالم والسياسي Le Savant et le politique، باريس، بلون، 1959م، ص. 105.
[14] في هذا السياق، إليك كيف أن تعليقًا على الريغاليا regalia (الأشياء الرمزية للملكية) يسمح، في سياق حديثه، بتقديم حكم قيم حول سير التاريخ: إذ إن الريغاليا تشهد على «كرونولوجيا طويلة تربط بين الأجيال وتغفل التحولات السياسية وخلط الأنظمة».
[15] جان كلير أشار إلى ذلك أربع مرات في برنامج Les Matins على فرانس كولتور في 5 أكتوبر 2007م.
[16] ناتالي هاينيش، “ملاحظة حول هالة والتر بنيامين”، أعمال البحث في العلوم الاجتماعية، سبتمبر 1983م، أعيد نشرها في الملخصات، لييج، الانطباعات الجديدة، 2007م . ناتالي هاينيش تُظهر أن الهالة، بعيدة عن كونها جوهرية في العمل الفني، هي ظاهرة مُبنية، “وظيفة للإدراك الجمالي”.
[17] بنيامين يكتب: “إنه يتعارض مع جوهر الرسم أن يوفر مادة لاستقبال جماعي متزامن” (مقتبس عن ن. هاينيش، ص. 30).
[18] كما أكدت ناتالي هاينيش، يُظهر بنيامين “تناقضًا بين التمجيد النخبوي للفن والتمجيد الشعبوي للقيم الثورية” (ن. هاينيش، المرجع نفسه، ص. 10-11).
[19] “الأرجواني والأخضر في منظر ماتيس، الرقة المدهشة لمنحنياته دخلت عيني. قضيت حياتي في محاولة لاسترجاع تلك اللوحة، بحثًا عن الفرح الذي منحته لي”.
[20] “كنت أذهب إلى القداس، مثل الجميع هنا، ولكن أيضًا لأنني أحببت ذلك: توهج الزجاج الملون، ولمعان ملابس القس، وروائح الشمع والبخور، الأوريغانو، والأناشيد، والنهاية الكبرى المنتظرة بفارغ الصبر؛ دق الأجراس. أوبرا صغيرة بثمن زهيد، تُعاد كل يوم أحد”.
[21] “لكنني الآن أتجنب المتاحف التجارية التي درست فيها [الفن]. لم أعد أفرح بعبور عتبات هذه الأماكن، التي أصبحت أكثر ندرة، حيث تسمح العزلة، والصمت، والنور بأن أحبها، بروكسل، لندن، ميونيخ، فيينا… قد تكون أيضًا أماكن أكثر سرية، متحف جامعي، مدفون تحت الثلج، في ويليامزتاون، لرؤية بيرو ديلا فرانشيسكا، أو متحف بيرميكي في جابيك، المفقود في فلاندر الغربية -عشرة كيلومترات من بروج- متحف فويغيلر في ووربسويدي للعثور على ريلكه وذكرى كلارا ويستهوف وباولا مودرسون-بيكر، أو أيضًا، بالتأكيد وببساطة، بعض من هذه المتاحف في المقاطعات الفرنسية حيث تم إيداع جزء من المجموعات الوطنية بعد 1793م”.
[22] بيير بورديو، التمييز. نقد اجتماعي للحكم، باريس، إصدارات مينوي، 2003 (الطبعة الأولى 1979م)، ص. 566.
[23] المرجع نفسه، ص. 573.
[24] والتر بنيامين (في عمل الفن في عصر استنساخه الميكانيكي، أعيد نشره في الكتابات الفرنسية Ecrits français، باريس، غاليمار، 2006م، ص. 217) يتناول بذلك مسألة المتع البسيطة: “الاستقبال في التشتت، الذي يتزايد بشكل متزايد في جميع مجالات الفن ويمثل أعراض التحولات العميقة في الإدراك، قد وجد في الفيلم مجاله الخاص من التجربة. وبالتالي، يظهر الفيلم كأهم موضوع في هذا العلم الذي كان الإغريق يسمونه الجماليات”.
[25] “المتعة النخبوية. لماذا لا؟ النخب في أيامنا هذه بالكاد تكمل حياتها. أليس من الممكن ببساطة أن نترفق بهم؟”.
[26] يتحدث عن “الشره الفاحش للنظر” والمتع الخاصة بـ”الانجذاب الجماعي” فيما يتعلق بـ”متاحف اليوم”، وهي تعبيرات نموذجية لما وصفه بيير ببورديو بـ”التقليص الكوني إلى الحيوانية، والوجود الجسدي، والبطن والجنس، أي إلى ما هو مشترك، وبالتالي مبتذل، ما يلغي أي فرق بين أولئك الذين يقاومون بكل قوتهم وأولئك الذين يستمتعون باللذة، الذين يتلذذون بالمتعة” (بيير بورديو، المرجع نفسه، ص. 570). تنويه من المترجمة : هذه العبارات تنقل النص الفرنسي كما ورد، وتعكس آراء جان كلير وبيير بورديو النقدية حول بعض جوانب المتاحف الحديثة. لا يُقصد بها أي إساءة للقيم الاجتماعية أو الدينية، وإنما لتوضيح النقد الفني والثقافي.
[27] بيير بورديو، المرجع نفسه، ص. 573.
[28] المرجع نفسه.
[29] المرجع نفسه، ص. 572. “أولئك الذين يطلق عليهم بروست Proust “أشخاصًا ذوي ذكاء” يعرفون كيف يميزون أنفسهم بأكثر الطرق حسمًا، موجهين إلى “النخبة” من أولئك الذين يعرفون كيفية فك شيفراتهم علامات سرية لا تقبل الجدل على انتمائهم إلى “النخبة” (مثل علو المرجعيات الرمزية، التي تشير إلى أقل المصادر أو السلطات من كونها إلى الدائرة الحصرية للغاية، المنتقاة بعناية، من المحاورين المعترف بهم) ويفهمون السرية التي يضعونها في تأكيد هذا الانتماء”. (ص. 585)
[30] المرجع نفسه، ص. 585.
[31] المرجع نفسه.
[32] “عندما ننظر إلى لوحة، أليس من المفترض أولًاأن نكون ممتنين لقبولنا، للحظة، في تجربة جمالية عالية؟ هذا القبول، الذي هو بمنزلة خضوع روحي أو تأملي، يأتي قبل أي شكل من أشكال الإعجاب”. عن عرض حديث في كنيسة ريفية، يأسف جان كلير لأنه لم يُخضع العمل “لمبدأ أعلى أو إطار أعمق”، باختصار، لأنه ” كان مخصصًا للمتلقي البشري”.
[33] بيير بورديو، المرجع نفسه، ص. 568.
[34] الناجون من الغران تور، الذي يشعرون بحنين تجاه الماضي، النخب المفلسة les survivants du Grand Tour, les nostalgiques, les élites désargentées ” حسب جان كلير.
[35] في الحالة الأولى، يُقبل الرفض نسبيًّا وبوعي، بينما في الثانية، يكون عادةً غير مقبول وغير واعٍ.
[36] ناتالي هاينيش، النخبة الفنية. التميز والفرادى في النظام الديمقراطي L’Elite artiste. Excellence et singularité en régime démocratique، باريس، غاليمار، 2006م، ص. 22.
——————————
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




