ترجمة: فتون العسيري
كان ميشيل شوفالييه رجلَ دولة وعالمَ اقتصاد سياسي، وأول من دعا إلى إنشاء نفق بحر المانش “Manche”، وإلى السلام بين الأمم، كما كان أحدَ الأصوات السائدة في المدرسة السيمونية في العصر الرومانسي. إن انتقائية فكره تبشر بالاتحاد الأوروبي كما نعرفه اليوم.
في ديسمبر 1880م، أكمل مجموعة من العمال الفرنسيين المرحلة الأولى من مشروع هندسي ضخم بالقرب من مدينة سانجات “Sangatte”، هكذا قد بدأ بناء خط سكة الحديد تحت الأرض يربط بين فرنسا وإنجلترا، وهو أول نفق تحت بحر المانش. يعود المشروع الضخم في الأصل إلى مهندس التعدين ألبرت ماتيو فافييه “Albert Mathieu-Favier” عام 1802م، ثم ظهر أهم مؤيديه بعد ثورة عام 1830م، ومن بينهم ميشيل شوفالييه (1806م-1879م)، وهو مهندس تعدين شاب وطموح وصاحب رؤية. استغل شوفالييه فكرة نفق المانش لتطوير رؤية اقتصادية جديدة، أراد أن يراها مطبقة في فرنسا وبريطانيا وأوروبا.
كرس شوفالييه حياته لأجل تحقيق هذه الرؤية، وهي الرغبة التي تحققت عام 1875م، عندما أسس شركة السكك الحديدية تحت الماء بين فرنسا وإنجلترا. على جانبي القناة، انجذب المستثمرون إلى رؤية شوفالييه، وقدموا تمويلًا ضخمًا للشركة. لكن إيمانهم بالمشروع تحطم عندما أقنع الجيش البريطاني الحكومة بسحب دعمها للمشروع؛ خوفًا من أن يفتح النفق طريقًا للغزو، فتوقف العمل عام 1883م، ومرَّ أكثر من قرن قبل استئنافه. ثم افتتح نفق المانش عام 1994م، ومنذ ذلك الحين، مر عبره 390 مليون مسافر ونُقِل 360 مليون طن من البضائع[1]. إذن، لقد استغرق حلم شوفالييه وقتًا طويلًا ليتحقق بسبب تقلبات التاريخ.
إرثٌ قاسٍ: حياة ميشيل شوفالييه
إن حياة وعمل ميشيل شوفالييه غير معروفة اليوم[2]، وقد اشتهر بفضل عملين هما “نظام البحر الأبيض المتوسط” (1832) “Le système de la Méditerranée”، و”رسائل من أمريكا الشمالية” (1836م) “les Lettres d’Amérique du Nord”، وهو نص منافس لكتاب توكفيل “Tocqueville”: “الديمقراطية في أمريكا” “la Démocratie en Amérique (1835)”. أشاد ألكسندر فون هومبولت “Alexander von Humboldt” برسائله، ووصفها بأنها “أطروحة عظيمة حول حضارة شعوب الغرب”. واليوم، لا تحظى هذه الأعمال إلا باهتمام قليل، ولا يقوم الطلاب ولا المؤرخون بتحليلها أو التعليق عليها، على عكس كتاب “الديمقراطية في أمريكا”[3]. كما سقطت مؤلفات شوفالييه الأخرى، على الرغم من وفرتها، في طي النسيان تقريبًا، بما في ذلك بين المتخصصين في القرن التاسع عشر. مع ذلك، فقد شكّلت هذه الكتب والمقالات في وقتها الرأي الفرنسي والأوروبي حول مجموعة واسعة من المواضيع، من نظرية الاقتصاد السياسي، إلى تفاصيل بناء قناة بنما، مرورًا بتاريخ المكسيك[4]. وهذا مصير غريب بقدر ما هو مؤسف. كان شوفالييه عضوًا بارزًا في مجلس دولة نابليون الثالث، وكان شخصية ذات سلطة في السياسة التجارية والصناعية خلال الإمبراطورية الثانية، كما كان هو السبب وراء إبرام معاهدة التجارة الفرنسية البريطانية عام 1860م[5]، وهو الإنجاز الذي أكسبه تعيينه عضوًا في مجلس الشيوخ من قبل الإمبراطور، وهدية شمعدان رائع من يدي الملكة فيكتوريا، محفوظ اليوم بفخر في كاتدرائية لوديف “Lodève”؛ المدينة التي عاش فيها شوفالييه.
إن قائمة الأوسمة التي حصل عليها مثيرة للإعجاب أيضًا. كان شوفالييه عضوًا في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية، وأستاذ الاقتصاد السياسي في كلية فرنسا، ورئيس عديد من المؤسسات، بما في ذلك المجلس العام لإقليم ليرو “Hérault”، واللجنة الإمبراطورية للمعرض العالمي لعام 1855م، والهيئة الفرنسية للإحصاء العالمي. بصفته نائب رئيس الرابطة الدولية لتوحيد المقاييس والأوزان والعملات، كان أحد رواد الترويج للنظام المتري على نطاق عالمي، وكذلك أحد العناصر الفاعلة الرئيسة في المناقشات، التي أدت إلى إنشاء الاتحاد النقدي اللاتيني[6]. كان عضوًا مؤسسًا ونائب رئيس رابطة السلام الدولية، وأدى دورًا رئيسًا في تعزيز النظام الجديد القائم على المصالحة في أوروبا حتى وفاته عام 1879م، وهكذا، كان عضوًا في مجلس الشيوخ الفرنسي الوحيد الذي عارض الحرب ضد بروسيا عام 1870م. نال شوفالييه إعجاب الكثيرين في مختلف أنحاء أوروبا بفضل مبادئه الأممية، وقد احتفت به الصحافة الفرنسية، كما حصل على كثير من الجوائز والأوسمة في الخارج، فكان عضوًا في الأكاديمية الملكية السويدية، وحصل على الميدالية الذهبية من الجمعية الملكية البريطانية نظير إسهاماته العلمية. من نواحٍ عديدة، كانت النزعة الأممية التي تبناها شوفالييه، وتصوّره المثالي لأوروبا موحدة ومسالمة من خلال التجارة الحرة، التي تدعمها شبكة متكاملة واسعة من البنية التحتية والاتصالات السلكية واللاسلكية، سببًا في جعله سلفًا بعيدًا للآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي. لم تكن الأجيال اللاحقة عادلةً معه.
العلوم والتكنولوجيا ونظرة عالمية شاملة
وُلِد ميشيل شوفالييه في ليموج “Limoges” في 13 يناير 1806م، وهو الثاني من بين ثمانية أطفال لجان باتيست شوفالييه “Jean-Baptiste Chevalier” وماري جارود “Marie Garaud”، وهم ينتمون إلى الطبقة المتوسطة. استفاد شوفالييه وإخوته الأربعة وأخواته الثلاث من التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الفرنسي في أعقاب الثورة وخلال الإمبراطورية، فتلقوا تعليمًا ممتازًا وتمتعوا بالتقدم الاجتماعي. بين عامي 1823م و1825م، كان شوفالييه طالبًا لدى أعظم علماء الرياضيات والعلماء الفرنسيين في ذلك الوقت، ومن بينهم أوغست لويس كوشي “Auguste-Louis Cauchy”، وأندريه ماري أمبير “André-Marie Ampère”، وفرانسوا أراغو “François Arago”، ولويس جاي لوساك “Louis Gay-Lussac”، الذين كانوا أساتذته في المدرسة البوليتكنيكية “l’École Polytechnique” (جامعة للمهندسين). حصل على المركز الرابع على دفعته، ثم التحق بالمدرسة الوطنية العليا للمناجم، حيث كان على اتصال مع كوكبة من المواهب اللامعة لا يقلون شهرة عنهم، من بينهم بروشانت دي فيلييه “Brochant de Villiers” الشهير وأهم تلاميذه، وأرماند دوفرينوي “Armand Dufrénoy” وإيلي دي بومونت “Élie de Beaumont”. حصل شوفالييه على أعلى رتبة في ترتيب الاستحقاق، وأكمل دراسته عام 1828م. بعد كتابة عدد من المقالات البارزة، عُين مرشحًا ربيع عام 1829م، وأصبح مهندسًا من الدرجة الثانية في يوليو 1830م، وقاده منصبه الأول إلى منطقة فالنسيان الغنية بالفحم.
كان تعليم شوفالييه، في كل من بوليتكنيك “Polytechnique” وفي ماينز “Mines”، حاسمًا في حياته المهنية المقبلة، لا سيما من جانب الاقتصاد السياسي، وكان كثير من أساتذته، ومن بينهم أراغو “Arago”، وجاي لوساك “Gay-Lussac”، ودوفرينوي “Dufrénoy”، وبومونت “Beaumont”، من المتعاونين والأصدقاء المقربين للعالِم والمستكشف الألماني الشهير ألكسندر فون هومبولت “Alexander von Humboldt”، وهم مثله تمامًا، يتصورون الطبيعة والمجتمع في علاقة ترابط وتأثير متبادل[7]. يعتمد هذا النهج العلمي الجديد على مجموعة متنوعة من الأسس الفلسفية، لكن شوفالييه تأثر تأثُّرًا بالغًا بنوع خاص جدًّا من الفلسفة الطبيعية الألمانية -المستوحاة بقوة من تأملات جوته “Goethe” وشيلنج “Schelling”-. إن النظرة الشاملة للعالم التي تنبثق من هذه الطرائق الجديدة لممارسة العلوم، وهي الرؤية التي حاولت التوفيق بين العالم الذاتي للأفراد والعالم الموضوعي للطبيعة، سيكون لها تأثيرٌ كبيرٌ على إسهام شوفالييه في بعض الأسئلة الرئيسة في عصره، ولا سيما العلاقة بين إزالة الغابات وتغير المناخ[8]. شكّلت وجهات النظر هذه أيضًا فكره فيما يتعلق بالاقتصاد السياسي، ولا سيما رغبته في إطلاق إمكانات الطبيعة والناس، والمكانة المركزية التي يوليها للقوى الإنتاجية والشبكات وتنظيم المصالح المادية. اختلفت هذه الاهتمامات عن العقيدة الاقتصادية السائدة في ذلك الوقت[9].
الاشتراكية الرومانسية وكتاب نظام البحر الأبيض المتوسط “le Système de la Méditerranée“: إطار للمستقبل
جعلته هذه الطرائق الجديدة في النظر إلى العلم أيضًا يتأثر بالرسالة السيمونية وفكرهم الاشتراكي الرومانسي[10]. كانت أفكارهم عن التنظيم العقلاني للاقتصاد والمجتمع، ورغبتهم في تطوير القوى الإنتاجية للإنسانية والطبيعة، ورغبتهم في التوفيق بين الطبقات والجنس والشعوب، كل هذا كان له صدى مع شمولية شوفالييه وعلميته. تعرف الأخير إلى الأطروحات السيمونية بعد عام من دخوله مدرسة المناجم، فقرأ صحيفتهم، “le Producteur”، وأولى اهتمامًا خاصًّا للمقالات الاقتصادية السياسية، ولكنه لم ينضم رسميًّا إلى الحركة السيمونية إلا في أغسطس 1830م. وبمجرد اندماجه في الحركة، أصبح تقدمه فيها مبهرًا، وفي غضون أسابيع قليلة، أسهم في صحيفة “Le Producteur”، قبل أن يصبح رئيس تحرير صحيفة “Le Globe”، وذلك بعد أن أصبحت الصحيفة تحت سيطرة السيمونية[11]. بفضل حماسة شوفالييه، اكتسبت الصحيفة طابعها السيموني الحقيقي، فحملت عنوان “مجلة عقيدة سان سيمون” “Journal de la doctrine de Saint-Simon”. كان مسهمًا رئيسًا في الصحيفة، فأصبح واحدًا من أقوى الأصوات داخل الحركة. لقد أنجز هذا الدور إنجازًا جيدًا، لدرجة أنه سرعان ما أصبح اليد اليمنى لإنفانتين “Enfantin”، قبل تعينه “كاردينال كنيسة الصناعة”، وفقًا للتسلسل الهرمي اللاهوتي الغريب الخاص بالمجموعة. شهدت هذه المدة كتابة شوفالييه “نظام البحر الأبيض المتوسط”، وهي مجموعة شهيرة من المقالات التي تحتوي على أساسيات فكره السياسي والاقتصادي المستقبلي.
يعد النظام من بين منشورات شوفالييه الأكثر رؤية، وعلى الرغم من أنه يُمثل اليوم عملًا قائمًا بذاته، فإنه كان في الأصل مجموعة من أربعة عشر مقالًا، جُمعت تحت عنوان “الدين السيموني: السياسة الصناعية ونظام البحر الأبيض المتوسط”. تتناول خمسة من هذه المقالات مواضيع خاصة بفرنسا، وقد كتبها رفاق شوفالييه السيمونيون: ستيفان فلاشات (١٨٠٠م-١٨٨٤م) “Stéphane Flachat”، وهنري فورنيل (١٨٧٦م-١٧٩٩م) “Henri Fournel”، وشارل دوفيرييه (١٨٦٦م-١٨٠٣م) “Charles Duveryier”. تفترض هذه الإسهامات أن المصالح الاقتصادية لفرنسا، وكذلك قضية العدالة الاجتماعية، قد تُحقق بشرط خفض الإنفاق العسكري للدولة، لصرف هذه الأموال العامة في إطار سياسة الأعمال الكبرى التي تفيد المصلحة العامة. من بين المقالات التسعة التي كتبها شوفالييه، فإن المقال الرابع على وجه الخصوص، المخصص لـ “النظام المتوسطي”، يعدّل تعديلًا جذريًّا موضوع الأشغال العامة لدى السيمونيين. يستغل شوفالييه الاهتمام الفرنسي الشديد بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، وذلك من أجل اقتراح رؤية جديدة للمنطقة؛ كونها فضاءً حضاريًّا جديدًا. كما كتب:
“لقد كان البحر الأبيض المتوسط ساحة وميدانًا مغلقًا خاض فيه الشرق والغرب معاركَ على مدى ثلاثين قرنًا. من الآن فصاعدًا، يجب أن يصبح البحر الأبيض المتوسط بمنزلة منتدى واسع النطاق، تتواصل فيه جميع الشعوب المنقسمة لغاية الآن. سيصبح البحر الأبيض المتوسط سرير زفاف الشرق والغرب”[12].
لا يسعى اقتراح شوفالييه سوى إلى التكامل الاقتصادي والسياسي والثقافي بين العالمين الأوروبي والعثماني. تستند هذه الأمنية إلى نظام أصلي يتكون من شبكة بنية تحتية معقدة، تجمع بين السكك الحديدية، والأنهار، والطرق، والقنوات، والطرق البحرية، التي من شأنها أن تربط موانئ البحر الأبيض المتوسط الرئيسة بعضها ببعض، وكذلك بالعواصم الأوروبية الكبرى. تتضمن الشبكة الواسعة التي يتصورها 60 ألف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية، من شمال أوروبا إلى شمال إفريقيا،ومن غرب أوروبا إلى الأطراف الشرقية للإمبراطورية الروسية، مرورًا بالشرق الأوسط. اعتقد شوفالييه بقوة أن “نظام البحر الأبيض المتوسط” هذا، سيُحدث ثورة في المسافات وأوقات السفر للأفراد والبضائع، وقد تكون التداعيات الإيجابية هائلة. أولًا، من شأن هذه الثورة في مجال النقل والاتصالات أن تؤدي إلى تطور ملحوظ للقدرات الاقتصادية للدول الأعضاء؛ فالبلدان التي ظلت تعاني الأزمات لعقود من الزمن، مثل إسبانيا والبرتغال، قد تستعيد صحتها الاقتصادية. إن النظام، الذي كان يشبهه بكائن حي، من شأنه أن يحدث تجديدًا داخل هذه الأمم، “مثل نظام الأوردة والشرايين الذي توقظ منه الحضارة المنتشرة الأمم النائمة، وتربط أعضاءها المفككة، وتنقلهم من السبات […] إلى هذا النشاط الحماسي”[13].
من شأن هذه القوة الجديدة أن تؤدي بدورها إلى ازدهار تجاري، ما يؤدي بدوره إلى تجدد النشاط والإمكانات الاقتصادية. ومن شأن هذه الدائرة الفاضلة أن تؤدي بشكل مباشر إلى تحسين ظروف الفقراء المعيشية -وهو موضوع آخر مفضل لدى أتباع سان سيمون-. إن تحسين حالة الفقراء من شأنه أن يقضي على الجهل والتحيز، وستكون جسور التواصل البشرية والتجارية الناتجة عن ذلك، قادرة على تكوين روابط بين الشعوب الأوروبية المنقسمة، وكذلك بينها وبين غير الأوروبيين. سوف يتحرر الأفراد من العقليات الانعزالية وضيق الأفق، وهكذا، سيوفر النظام مجالًا لجميع أشكال العفوية، وسوف ينظم الإمكانات التي، عند انضغاطها، تنفجر أو تنحرف عن المسار. سيسهم في تنمية كل فرد، وعرق، وشعب، وطبقة أو إنسان […] عبر تعليمه كيفية الاعتماد على الجميع ومساعدة الجميع، وربطه بالجميع[14]، من أجل تشكيل رؤية عالمية للعالم قائمة على الوحدة الشاملة.
كان شوفالييه يتساءل بشكلٍ خاص عن كيفية تمكن النظام من تعزيز وتحسين المثال السيموني للقدرة، فأعطى بعدًا جديدًا تمامًا لفكرة “المواطن القادر”، وهي نسخة سيمونية لمفهوم مركزي، كان سائدًا لدى الليبراليين في المناقشات بشأن المواطنة[15]. يعد التعليم العلمي الذي تلقاه شوفالييه وتأثير الفلسفة الطبيعية الألمانية، ذا أهمية كبرى. بالنسبة له، كما هو الحال بالنسبة للسيمونيين، تتجاوز القدرة مجرد تحقيق الفضائل والواجبات المدنية، لتشمل إطلاق العنان للإمكانات البشرية والطبيعية التي تبدو غير محدودة. يُمنح الربط بين عالم الطبيعة الموضوعي وطبيعة الإنسان الذاتية، والتآزر بين الإنسان والطبيعة –وهو الهدف الأساسي لفلسفة الطبيعة (Naturphilosophie)– أهمية مركزية أكثر من أي وقت مضى، وذلك من خلال قنوات تعبير مختلفة، من بينها عدة قصائد سريالية كتبها شوفالييه[16].
في نظام البحر الأبيض المتوسط، يوسع شوفالييه مفهوم القدرة ليتجاوز المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. وفقًا له، سيؤدي النظام إلى تطور سريع للقدرة الاقتصادية، ما سيسهم بدوره في تعزيز القدرات الأخلاقية والفكرية للأفراد والشعوب. تلك هي القوة التأسيسية والديمقراطية المتأصلة في النظام. على غرار أنبياء الإنترنت المعولم اليوم، يرى شوفالييه أن شبكات البنية التحتية والاتصالات هي في صميم مشروعه، كونها قوى ديمقراطية قادرة على تحويل المجتمع بشكل عميق. كما يصرح في رسائله عن أمريكا الشمالية: «تحسين وسائل الاتصال، هو العمل من أجل الحرية الحقيقية، الإيجابية والعملية؛ […] إنه العمل من أجل المساواة والديمقراطية؛ فوسائل النقل المتطورة، لها تأثير في تقليص المسافات ليس فقط من نقطة إلى أخرى، بل أيضًا من طبقة إلى طبقة أخرى»[17].
مع ذلك، فإن إيمانه بقوة الديمقراطية في النظام المتوسطي، يخفي قلقًا عميقًا وغير قابل للحل، نابعًا من تناقض أساسي في جوهر مفهوم القدرة ذاته. بينما تمثل هذه الأخيرة تحقيق الإمكانات البشرية الخاصة بكل فرد، كانت هذه الإمكانات نفسها تُصور من منطلق التفرد، وليس المساواة. كان هوس السيمونيين بالقدرة في واقع الأمر لا ينفصل عن المثالية غير المتكافئة للجدارة، ومن هنا جاء اهتمامهم بمُثل الليبرالية خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر. لم يكن مفهوم القدرة سلاحًا مركزيًّا فحسب في النضال ضد أرستقراطية النظام القديم، الذي كان يعزز الامتيازات ويهمش الجدارة، كان يبرر أيضًا رفض منح حق التصويت للطبقات الشعبية، من أجل التصدي لخطر يُعدّ ملازمًا لأي ديمقراطية: وهو خطر استبداد الأغلبية. كان المبدأ السيموني: “لكلٍّ حسب قدراته، ولكل قدرة حسب أعمالها”، يحمل في طياته وعدًا بالتقدم الفردي، لكنه في الوقت ذاته كان يمثل تراجعًا في النضال من أجل المساواة، ما جعله يمثل العيب الرئيس في الاشتراكية السيمونية. بالنسبة للأخير، يظل تطوير القدرات مسألة مسؤولية فردية، وواجبًا ينبع من الذات، أكثر من كونه التزامًا اجتماعيًّا، رغم أن السيمونيين حاولوا سد هذه الفجوة من خلال التأكيد مرارًا على ضرورة تنفيذ مشاريع كبرى في مجال الأشغال العامة. كان استخدام مفهوم القدرة يتيح للنخب الفرنسية الجديدة تجنب الانخراط في طريق الإصلاحات الاجتماعية الحقيقية على نطاق واسع.
أمريكا: نموذج لفرنسا وأوروبا
بعد وقت قصير من نشر كتاب “نظام البحر الأبيض المتوسط”، هاجمت حكومة لويس فيليب شوفالييه وشخصياتٍ أخرى من الحركة السيمونية، بما في ذلك زعيم الحركة، بروسبر إنفانتين “Prosper Enfantin”، بتهمة الإساءة إلى الآداب العامة. كان مفهوم الزواج والحب الحر لديهم، بالإضافة إلى رسائل إنفانتين إلى زوجة الملك، الملكة ماري-أميلي “Marie-Amélie”، يعد تحديًا للأخلاق الحميدة. في نهاية أغسطس 1832م، أحدثت المحاكمة التي تلت ذلك ضجة كبيرة، وتبعتها الصحافة على نطاق واسع. أُدين شوفالييه وإنفانتين وحُكم عليهما بالسجن لمدة عام في سانت بيلاجي “Sainte-Pélagie”، وهو سجن للسجناء السياسيين. تدهورت العلاقات بين شوفالييه وإنفانتين في أثناء احتجازهما. في مايو 1833م، قطع شوفالييه علاقاته مع الحركة السيمونية وزعيمها، وقد أدى هذا القرار، بالإضافة إلى بعض المشكلات الصحية ودعم أساتذته في مدرسة البوليتكنيك والمناجم، إلى إطلاق سراحه مبكرًا في يونيو، فعاد شوفالييه إلى فيلق التعدين، واستعاد رتبته السابقة مهندسًا من الدرجة الثانية. بعد مرور ثلاثة أشهر، سُمح له بإجراء تحقيق في المناجم والصناعة والبنية التحتية الأمريكية، وقد مثّلت هذه المهمة فرصة لإعادة اعتبار كامل وشامل، كما أنها تزامنت مع تشتت السيمونيين؛ حيث سُمح لكثير من شخصيات الحركة بالذهاب إلى مصر، وانضم إليهم إنفانتين بعد إطلاق سراحه[18]، ورحبت حكومة لويس فيليب بهذه النتيجة؛ إذ كان من الضروري حماية النظام العام من حركة كانت شعبيتها تزداد، وتأثيرها قد تجلى، في أثناء أعمال الشغب في باريس وليون.
كان شوفالييه في مهمة إلى الولايات المتحدة في الأول من أكتوبر 1833م حتى الثالث والعشرين من نوفمبر 1835م. نشر في أثناء رحلته كتابه “رسائل عن أمريكا الشمالية” عام 1836م، الذي جاء بدايةً على شكل سلسلة من 39 مقالة متعمقة، تميزت بأسلوبها اللافت، وغطت مجموعة واسعة من المواضيع. ظهرت هذه المقالات في المدة من نوفمبر 1833م إلى أكتوبر 1835م في جريدة “Journal des Débats” الرسمية للغاية. رأى أندريه جوسلين “André Gosselin”، ناشر أعمال توكفيل “Tocqueville”، في هذا الأمر فرصة مربحة، فجمع هذه المقالات في مجلد واحد، حيث تلتقي عوالم العلوم والهندسة عوالم الاقتصاد والسياسة والتاريخ وعلم الاجتماع. تختلف الخلفية الأمريكية التي رسمها شوفالييه في كثير من النواحي عن الخلفية التي رسمها توكفيل. في حين كتب توكفيل إحدى أعظم الأطروحات الفلسفية والسياسية عن طبيعة وشكل الديمقراطية الحديثة، فإن شوفالييه تناول قضايا مختلفة تمامًا، غالبًا ما ارتبطت بالسياق الفرنسي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، مثل الائتمان العام، والسكك الحديدية، والقنوات، وتطوير شبكة الطرق. تناول الكتاب حالة الصناعة الأمريكية، من ظروف العمل، وأجور وظروف معيشة الطبقات الكادحة، بما في ذلك قضية وسائل الراحة الحديثة. قدّم شوفالييه صورة حية وواضحة للاقتصاد والنظام السياسي الأمريكي، وأظهر أيضًا كيف يمكن للأخير أن يكون بمنزلة نموذج لفرنسا، وقد حقق الكتاب نجاحًا باهرًا، وكان تأثيره كبيرًا.
تعتمد الرسائل على نظام البحر الأبيض المتوسط بقدر ما تتجاوزه. بينما يقدم النظام نموذجًا مثاليًّا للوحدة بين المشرق وشمال إفريقيا وأوروبا، عبر شبكة من السكك الحديدية والممرات البحرية والقنوات، تتوسطه فرنسا كمركز لمجتمع من الأمم الأوروبية، يقدم كتاب “رسائل أمريكا” كمثال ملموس لهذا النموذج المثالي. يوضح شوفالييه كيف أن شبكة من القنوات والسكك الحديدية تربط المدن الكبرى في الشمال بالولايات الجنوبية، في حين ترتبط المدن الكبرى في الشرق (نيويورك، بوسطن، بالتيمور) بالحدود الغربية. تمارس هذه البنى التحتية المتكاملة تأثيرًا تحويليًّا قويًّا على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة، ما يمنحها طابعًا مستقرًّا وديمقراطيًّا بشكل خاص.
تحول الاقتصاد السياسي وإعادة تنظيم المجتمع الأوروبي
نشر شوفالييه بعدها عملين مهمين آخرين على غرار “رسائل عن أمريكا الشمالية”، التي نشرها أيضًا أندريه جوسلين “André Gosselin”: كتاب “المصالح المادية في فرنسا: الأشغال العامة والطرق والقنوات والسكك الحديدية” (1837م) “Des intérêts matériels en France: travaux publics, routes, canaux, chemins de fer” وكتاب “تاريخ ووصف طرق الاتصال في الولايات المتحدة والأعمال الفنية التي تعتمد عليها” (1840م) “Histoire et description des voies de communication aux États-Unis et travaux d’art qui en dépendent”. تؤكد هذه الأعمال ما كان أحد المواضيع المفضلة لدى السيمونيين: تنفيذ الأعمال العامة الكبرى تحت إشراف الحكومات. مع ذلك، يثني شوفالييه على ذلك باستخدام لغة أقل إثارة للجدل، ومن ثم أكثر قدرة على أن تصبح مرجعًا: وهي اللغة الليبرالية؛ لكن استخدام هذا الخطاب الليبرالي كان سيُغير طبيعة الليبرالية نفسها.
يُؤكد شوفالييه تأثيرَ تطوير البنية التحتية على نمو التجارة وازدهار الثروات الوطنية، فضلًا عن تحسين الظروف المعيشية المادية للمجتمع بأسره، وخاصة للطبقات الشعبية. وفقًا له، لا يوجد فرق كبير من الناحية الفكرية بين سان سيمون والاقتصاديين السياسيين الليبراليين مثل جان بابتيست ساي “Jean-Baptiste Say”؛ إذ يعتقد الجميع أن التجارة الداخلية والخارجية ضرورية لازدهار وتنمية القدرات الاقتصادية للأمم. يفترض شوفالييه أن بنية فرنسا التحتية لن تتطور تطورًا مُرضيًا، إلا عن طريق دعم الدولة وتدخلها، حينها تتمكن من تنفيذ سياسة تجارية واسعة النطاق، قادرة على دعم تحول اقتصادي واجتماعي حقيقي، يعد ركيزة لنظام ديمقراطي مستقر. إن هذه الرؤيةَ لفرنسا، التي تطورت في منتصف القرن التاسع عشر، سابقةٌ لعصرها بأكثر من قرن، حيث تنبأت بنظريات كينز والخطابات عن العولمة، التي تطورت في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
كان لأعمال شوفالييه تأثيرٌ كبيرٌ، وسرعان ما جذبت انتباه خبراء الاقتصاد السياسي وكبار الموظفين. وافق كثير منهم على توصياته في مجال الاقتصاد الفرنسي، وسرعان ما رُشح شوفالييه ليخلف بيليجرينو روسي “Pelegrino Rossi” كأستاذ للاقتصاد السياسي في جامعة كوليج دو فرانس. تولى هذا المنصب عام 1840م، وظل يشغل الكرسي حتى وفاته عام 1879م، باستثناء فترة انقطاع قصيرة بعد ثورة 1848م. خلال سنوات عمله أستاذًا، لم يتخل شوفالييه عن النبرة السيمونية في أعماله السابقة. في محاضرته الافتتاحية، عرّف الاقتصاد السياسي بأنه “علم المصالح المادية، ويقع على عاتقه أن يعلمنا كيف تنشأ هذه المصالح، وكيف تتطور، وكيف تُنظم”[19]. لم يكن اهتمامه بتنظيم المصالح المادية شائعًا بالنسبة للاقتصاد السياسي الليبرالي في تلك الفترة. الأنصار الكبار لهذه المدرسة، مثل جان-بابتيست ساي “Jean-Baptiste Say”، وتشارلز كومت “Charles Comte”، وتشارلز دونوييه “Charles Dunoyer”، وجوزيف غارنييه “Joseph Garnier” وفريديريك باستيا “Frédéric Bastiat”، لا يتناولون كثيرًا موضوع التنظيم. لكن يحتل موضوع التنظيم مكانة مركزية في فكر شوفالييه، الذي يجمع بين اهتمامات السيمونيين، ورؤية للعالم قائمة على علوم الطبيعة، وهو نتاج تخصصه كمهندس.
أسفر هذا المزيج عن نتيجة قد تبدو غريبة، بل ومتناقضة: رفض المنافسة الوحشية من جهة، وحماسة للتجارة الوطنية والدولية من جهة أخرى. يبدو أن التزام شوفالييه ضمن جمعية حرية التبادل وتشجيعه للمعاهدات التجارية (مثل تلك التي تفاوض عليها مع البريطانيين عام 1860م)، يتعارض مع رفضه للتبادلات غير المنظمة، لكنه لا يحسبها كذلك. في الواقع، لم يعد قط المنافسة والتجارة من منظور السياسات الليبرالية، التي تعدّها تعبيرًا عن الحرية الفردية، وعن غياب القيود على الرغبات الفردية. على العكس، يرى شوفالييه التجارة والمنافسة من خلال عدسة علمية، وهي في حد ذاتها ثمرة لفهم دقيق لقوانين الطبيعة وقدرات الأنظمة الطبيعية على التوليد. يُنظر إلى التجارة والمنافسة على أنهما شكلان من أشكال الدورة، ومحفزان للابتكار. لذا؛ هما لا يعبران عن الحرية الفردية، بل هما جزء من تنظيم أعلى، ومن ترتيب أوسع.
تتجلى هذه الرؤية الخاصة في أولى محاضرات شوفالييه في كوليج دو فرانس، يصف فيها المنافسة الحرة كعامل للتدمير والتفكك للتنظيم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي؛ فهي تسلط الصناعيين بعضهم على بعض وضد عمالهم؛ فتسبب اغتراب الأفراد عن عملهم، وتؤدي إلى إفقار الطبقات الكادحة أخلاقيًّا وفكريًّا وثقافيًّا. لكن تحرير الأسواق لا يؤثر فقط في الشعب، إنه يهدد التنمية الاقتصادية بأسرها من خلال كسر الدورة، حيث تركّز رأس المال في أيدي دائرة محدودة من المنتجين الأثرياء، هذه الطبقة الجديدة والخطيرة، التي تُعرف “بالإقطاعيين الصناعيين”، تضر بعوامل الابتكار المتمثلة في المنتجين الصغار والمتوسطين. وفقًا لشوفالييه، فهذا إهدار للقدرات البشرية، وخسارة صافية للاقتصاد الوطني؛ ما يؤدي إلى تفكك التنظيم الاجتماعي[20].
باتخاذه الطبيعة نموذجًا للاقتصاد السياسي –وهو يتصور الطبيعة نظامًا دوريًّا معقدًا، يمكن أن تتأثر حيويته وتماسكه إيجابيًّا أو سلبيًّا بالنشاط البشري–، كان من المنطقي أن يُصرّ شوفالييه على فكرة التنظيم؛ كونها مفتاح التنمية الاقتصادية، وعلى العكس، فإن المنافسة غير المنظمة وما ينتج عنها من فوضى، لا يمكن أن تؤدي إلا إلى أزمة اقتصادية؛ فالمنافسة المنفلتة تؤدي إلى انخفاض حاد في الأسعار […] ما يفيد المستهلك، لكن هذه الهزات العنيفة لا تؤدي فقط إلى إعادة توزيع الثروات، إذ يحصل البعض على ما يُنزع من الآخرين، بل إنها تتسبب في معظم الحالات في خسائر فادحة؛ ذلك لأن نظرية “القوة الحية”، التي وضعها الرياضيون فيما يتعلق بحركة الأجسام المادية، تنطبق أيضًا على المصالح الاقتصادية؛ ففي الاقتصاد السياسي، تمامًا كما هو الحال في الميكانيكا العقلانية، يصح القول: إن التغيرات المفاجئة والصدمات العنيفة تؤديان إلى فقدان كبير في القوة[21].
إذا أصبحت قوانين الطبيعة وقدرة الأنظمة الطبيعية على التوليد نموذجًا للاقتصاد السياسي، فإن فكرة التجارة نفسها تتغير، بمجرد إدخال مفهومي التنظيم والضبط. عندما يُنظر إلى التجارة على أنها دورة بدلًا من أن تكون مجرد شكل من أشكال المنافسة، فإنها ستصبح محركًا رئيسًا للابتكار والنمو. هنا، يُعيد شوفالييه تفعيل التشبيه الفسيولوجي بين الجسم البشري والجسم الاجتماعي، تمامًا كما تغذي الأوعية الدموية الجسم، فإن التجارة –التي تشمل تدفق السلع، ورؤوس الأموال والخدمات– تحمل القوة الحيوية، ومن ثم، تحقق مجموعة من الأهداف السياسية. أولًا، تجمع بين عناصر متفرقة من خلال تشكيل مصالح مشتركة، أو كما يقول شوفالييه: “خلق مصالح متبادلة في كل مكان”، ومن ثم، تحقق مصالح اجتماعية متناسقة؛ أي باستخدام المصطلحات السيمونية التي يستمر شوفالييه في استخدامها: “الرابطة العالمية”[22]. تؤدي هذه المصالح المشتركة إلى تحقيق النمو وظهور مصالح جديدة، وهكذا تستمر الدورة. هذا النظام الدوري لا يطور فقط الثروات البشرية والاقتصادية، بل يعزز أيضًا “القدرة” الإنتاجية للأفراد والأمم. عندما يقوم شوفالييه بتحليل شامل لشبكات البنية التحتية (من الشبكات المادية مثل الطرق والقنوات وطرق السكك الحديدية، إلى شبكات رؤوس الأموال التي تعزز الاستثمار، مرورًا بشبكات المعرفة الوطنية والدولية التي تغذي قطاعات العلوم والتكنولوجيا)، يوضح كيف أن هذا التداخل يعزز نمو “القوى الإنتاجية”، والروابط التعاونية التي تشكل “قدرة” الأفراد والفئات والأمم. رغم أن شوفالييه كان يعد أن “القدرة” جزء من “روح التعاون” و”الأخوة الإنسانية”، فطبيعة هذه القدرة، التي تتميز بعدم المساواة الجوهرية، قد بررت أيضًا دعمه للنخب التكنوقراطية، وفي النهاية، لانقلاب 2 ديسمبر 1851م الذي دبره لويس نابليون بونابرتLouis-Napoléon Bonaparte”.
أوجه السخرية “القدرة”: الحضارة، والحرب، والسلام
أدت القدرة أيضًا وظيفة أخرى كانت لا تزال في طور التصور الأولي في “نظام البحر الأبيض المتوسط”، لكنها أصبحت واضحة في كتابات شوفالييه اللاحقة المرتبطة بتحليله لتاريخ الحضارات. بالنسبة له، تُعدُّ القدرة مبررًا للإمبريالية؛ فقد عبر عن حجته بوضوح في كتاب مضيق بنما، الذي نُشر في 1854م. وفقًا لشوفالييه: فإن أي شعب يفشل في استخدام موارده بإنتاجية وفي تطوير قدرته الاقتصادية، يُحرم من حق استخدام هذه الموارد نفسها.
لأنه إذا كانت الملكية في الأمور الخاصة تعني سوء الاستخدام أو عدم التصرف، فإن الأمر ليس مختلفًا في شؤون الحضارة. هنا، لا يزال يوجد، بموجب القانون الإلهي، قانون للمصادرة ضد الدول التي لا تعرف كيفية الاستفادة من المواهب التي منحها لها السيد، أو التي تستخدمها بما يتعارض مع بعض من أكثر ميول الحضارة التي لا تقاوم، مثل التقريب بين القارات والأعراق[23].
تكمن السخرية هنا؛ إذ كان شوفالييه يدين الحرب والنفقات العسكرية كونها عوائق أمام تطوير القدرة الاقتصادية والبشرية، لكنه كان يبرر الحرب ضد الشعوب غير الأوروبية، كونها تمهيدًا لتطوير هذه القدرات نفسها. يبدو أن تعريفه للقدرة يعتمد إذًا على افتراضات ضيقة وتحاملات ثقافية واضحة، تتيحان تبرير غزو الأراضي الأجنبية باسم “المهمة الحضارية”، وهو ما يفسر دعم شوفالييه لغزو فرنسا للمكسيك عام 1862م.
لكن السخرية لا تتوقف هنا؛ ففي حين كان شوفالييه يؤكد دائمًا أن الهدف الرئيس للاقتصاد هو تحسين الظروف المادية للفئات الشعبية، كانت إشاراته المتكررة إلى مفهوم “القدرة” تتماشى مع موقف أبوي، فكان يعلم الفقراء كيف يعيشون حياتهم، ما دفعه لدعم الانقلاب الذي حدث في 2 ديسمبر 1851م ضد الجمهورية الثانية، بالإضافة إلى مشاركته النشطة في مجلس الدولة الذي أسسه لويس نابليون بونابرت Louis-Napoléon Bonaparte””.
أقصى سخرية في عمل شوفالييه، هي أنه بينما كان يتساءل عن مفاهيم التجارة، والبنية التحتية، والشبكات، وتطوير القوى الإنتاجية (وهي مفاهيم مركزية في رؤيته لأوروبا متكاملة ومترابطة، بمنزلة لمحة عن الاتحاد الأوروبي اليوم)، كانت المكانة المركزية التي مُنحت لمفهوم “القدرة” في هذه التأملات، تعني أن أوروبا المأمولة تبدو بعيدة المنال. في الواقع، يميل المنطق التعريفي لمفهوم “القدرة” إلى تهميش أولئك الذين لم يكونوا قط جزءًا من هذه النخب التي استحوذت على هذا المصطلح. إذا كانت “القدرة” قد أدت وظيفة أيديولوجية مفيدة لليبراليين والاشتراكيين في فترة الرومانسية، الذين كانوا يسعون لإزاحة الأرستقراطية القديمة في بداية القرن التاسع عشر، فإن القدرة نفسها قد أنشأت حاجزًا سلوكيًّا لا يمكن تخطيه بين البرجوازية والطبقة العاملة، ولا يمكن لأي وفرة من السكك الحديدية أو القنوات أو البرقيات أن تتجاوزها.
[1] مجموعة يوروتانل “Eurotunnel”، “أرقام حركة المرور: حجم حركة المرور على مدى السنوات العشر الماضية”، http://www.eurotunnelgroup.com/uk/eurotunnel-group/operations/traffic-figures/
[2] لم يخصص سوى عملين لشوفالييه: Jean Walch, Michel Chevalier, économiste saint-simonien, Paris, Vrin, 1975 ; Fiorenza Taricone, Il Sansimoniano Michel Chevalier: Industrialisme et Liberalismo, Florence, Centro Editoriale Toscano, 2006.
[3] استغرق نشر طبعة حديثة من أعماله 175 عامًا. Édité par Pierre Musso, le Système de la Méditerranée est paru en 2008 aux éditions Mauclus sous le titre Le Saint-Simonisme, L’Europe et la Méditerranée.
[4] Michel Chevalier, L’isthme de Panama : examen historique et géographique des différentes directions suivant lesquelles on pourrait le percer et des moyens à y employer ; suivi d’un aperçu sur l’isthme de Suez, Paris, Charles Gosselin, 1844; Michel Chevalier, Le Mexique ancien et moderne, Paris, Hachette, 1864.
[5] تُعرف أيضًا باسم معاهدة “كوبدن-شوفالييه” “Cobden-Chevalier”
[6] Michel Chevalier, «De l’établissement d’une monnaie universelle», Journal des économistes, octobre (1868), p. 178-210.
[7] Andrea Wulf, The Invention of Nature: The Adventures of Alexander von Humboldt, The Lost Hero of Science, London, John Murray, 2015.
[8] Michel Chevalier, Mémoire sur le Gisement et l’exploitation du Fer Spathique dans la vallée de Baïgorry (1827) et Mémoire sur l’Affinage du Fer dans la Vallée de Vicdessos (1827). École Nationale Supérieure des Mines de Paris Ms. M 1827 (54) & Ms. M 1827 (65); Des mines d’argent et d’or du nouveau-monde, Paris, 1846.
[9] M. Drolet, “Nature, Science and the Environment in Nineteenth-Century French Political Economy”, Modern Intellectual History, 14, (2017), 1-35; Pierre Musso, Critique des réseaux, Puf, 2003, 200-225.
[10] Antoine Picon, Les saint-simoniens: raison, imaginaire et utopie (Belin, 2002); Juliette Grange, Pierre Musso, Philippe Régnier et Frank Yonnet (dir.), Henri Saint-Simon, Œuvres complètes (Puf, 2012), 4 vols.
[11] Jean-Jacques Goblot, La jeune France libérale: Le Globe et son groupe littéraire 1824-1830 (Plon, 1995), ch. 13.
[12] Michel Chevalier, «Politique Générale»: «la paix est aujourd’hui la condition de l’émancipation des peuples», 5 février 1832, in Michel Chevalier et al., Religion Saint-Simon. Politique industrielle et Système de la Méditerranée (Paris: d’Éverat, 1832), 126.
[13] المرجع نفسه، ص 136.
[14] Chevalier, «Politique Générale», 5 février 1832, ibid., 122
[15] Pierre Rosanvallon, Le Moment Guizot (Paris: Gallimard, 1985), 75-140.
[16] Philippe Régnier, éd., Le Livre Nouveau des Saint-Simoniens (Tusson: Du Lérot, 1991).
[17] Chevalier, Lettres sur l’Amérique, 3.
[18] Philippe Régnier, Les Saint-Simoniens en Égypte (1833-1851) (Le Caire: B.U.E/Amin F. Abdelnour, 1989).
[19] Chevalier, «Discours d’ouverture du cours de l’année 1841-42» دورة الاقتصاد السياسي في كوليج دو فرانس،, I, (M.A. Broët, éd.)(Paris, 1842), 33
[20] دورة في الاقتصاد السياسي ألقيت في كوليج دو فرانس، 1، 17-1821، دورة، 1، 22.
[21] Cours, I, 22.
[22] Chevalier, Cours, I, 27.
[23] Michel Chevalier, L’Isthme de Panama. Examen historique et géographique des différentes directions suivant lesquelles on pourrait le percer et des moyens à y employer (Paris, 1854), 32.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




