بقلم: صامويل حياة وجوليان تالبين وأودريك فيتييلو
ترجمة: فتون العسيري
تُعد مساهمة جين مانسبريدج ” Jane Mansbridge” في النظرية السياسية مهمة للغاية: فقد كرست حياتها بالجمع بين البحث التجريبي والنهج النظري، وساهمت كثيرًا في نقد الاختيار العقلاني، وفي التأمل في الديمقراطية كونها عملية دائمة متغيرة[1].
تعد جين مانسبريدج واحدة من أهم علماء السياسة في الأربعين سنة الماضية[2]؛ فقد قدمت مساهمة حاسمة في النظرية الديمقراطية والدراسات النسوية، وفهم علاقات القوة في الآليات التشاركية والحركات الاجتماعية. ابتداءً من عام 1973م، عملت أستاذةً في جامعة نورث وسترن “Northwestern” في شيكاغو، وفي 1996م، أصبحت أستاذة للعلوم السياسية في كلية كينيدي الشهيرة بجامعة هارفارد “Harvard”. حصلت على أرقى الأوسمة في هذا المجال[3]؛ بل إن بعض الجوائز باتت تحمل اسمها الآن[4]. تُوجت هذه المسيرة الأكاديمية الرائعة بتعيينها رئيسة للجمعية الأمريكية للعلوم السياسية (APSA) عام 2012م-2013م. تشكّل أعمالها اليوم كلاسيكيات أساسية في العلوم السياسية، بعد أن أصبحت بالفعل نصوصًا “أساسية[5]” في هذا المجال. ساهمت في ظهور المجال الدراسي للديمقراطية التداولية، ويجسد عملها طريقة أصلية لتصور العلوم السياسية من خلال الترابط الدقيق، الذي تقترحه بين المادة التجريبية والتأمل النظري. مع ذلك، لا تزال أعمالها نادرًا ما تُناقش أو تُترجم في فرنسا[6].
من النشاط السياسي في الستينيات إلى النظرية السياسية
لا تعد جين مانسبريدج واحدة من أكثر الأكاديميين موهبة وتأثيرًا في جيلها فحسب، بل إن مسيرتها الشخصية تركت أثرًا قويًّا على مسار بحثها وتأملاتها السياسية[7]. تؤكد بنفسها في الاقتباس الموجود في بداية هذا النص، أن مسيرتها الفكرية كانت ولا تزال، تتغذى على التجارب السياسية والالتزامات النضالية التي تشكّل، في كثير من الأحيان، نقطة البداية لتحليلاتها العلمية وتأملاتها النظرية المعيارية. في العديد من النواحي، يُصور عمل مانسبريدج من خلال الشعار النسوي “الشخصي هو سياسي”. ولدت عام 1939م في كونيكتيكت (إنجلترا الجديدة)، وتقول إنها شهدت اجتماعات عائلية في بلدتها في وقت مبكر جدًّا[8]، التي ستشكل فيما بعد إحدى دراسات الحالة في كتابها الأول، ما وراء الديمقراطية العدائية “Beyond Adversary Democracy”. رغم اهتمامها المبكر في السياسة –شاركت في اجتماعات منظمة سلمية خلال سنوات دراستها الجامعية في كلية ويلسلي “Wellesley”- لم تتبنَ موقفًا ناشطًا على الفور، وعند وصولها إلى جامعة هارفارد لمتابعة دراستها العليا في منتصف الستينيات، لم تنخرط مباشرةً في النضال ضد حرب فيتنام، الذي حشد في ذلك الوقت الكثير من الجامعات والطلاب. لم تركز أطروحتها للدكتوراة، التي لم تُنشر، على الحركات الاجتماعية آنذاك، بل على عمل المحكمة العليا للولايات المتحدة[9]. مع ذلك، في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، أدت العديد من التجارب الشخصية المؤلمة (الطلاق، والاعتداء الجنسي) إلى دفعها نحو التزام سياسي أكثر وضوحًا. في ذلك الوقت، بدأت تنخرط في الحركة المناهضة لحرب فيتنام (حتى إنها تعرضت للاعتقال والمحاكمة)، وانغمست في النشاط التشاركي آنذاك، خاصة من خلال الحركة النسوية. ستوجه هذه التجربة في النشاط النسوي تحديدًا مسيرتها المهنية وتأملاتها تجاه القضايا الديمقراطية. في البداية، انضمت إلى مجموعة وعي نقدي، حيث تتبادل النساء تجاربهن حول هيمنة الذكور، أو حول طرق تجربة حياة جنسية أكثر إشباعًا. عام 1971م، أصبحت هذه المجموعة مركز المرأة في بوسطن، وحاضنة لحركة نسوية كانت آنذاك تشهد ازدهارًا، لا سيما لأنها كانت السبب وراء تأليف الكتاب الجماعي جسدنا، أنفسنا “Our Bodies, Ourselves”، حيث نشرت فيه جين مانسبريدج (باسمها بعد الزواج) أولى أعمالها، التي شاركت في كتابتها مع جينجر جولدنر “Ginger Goldner”، ونانسي لندن Nancy London”[10]“. جمع المركز بين مختلف اتجاهات الحركة، وسرعان ما واجه مشاكل تتعلق بالإدارة الداخلية، “تجربة فوضوية، أو شبه فوضوية[11]” وفقًا لوصف مانسبريدج. هذه ليست حالة فريدة، ففي الحقبة نفسها، كان لدى العديد من الجماعات التشاركية و/أو ذاتية الإدارة صراعات داخلية، وتدهورت بسبب الانقسامات التي لا يمكن التوفيق بينها في بعض الأحيان.
المشاركة الديمقراطية والحركات الاجتماعية
في ظل هذه الصعوبات، شرعت مانسبريدج في البحث عن ظروف الازدهار الديمقراطية التشاركية الحقيقية. لذلك؛ تشبعت بالقراءات التحررية، لكن لا شيء يبدو أنه يعكس تمامًا ما تلاحظه. ثم شرعت في مشروع بحثي شغلها قرابة عشر سنوات، أدى إلى نشر أول عمل لها، تحت عنوان ما وراء الديمقراطية المعارضة “Beyond Adversary Democracy” عام 1980م، درست فيه تعاونية طبية ذاتية الإدارة، واجتماعًا بلديًّا في بلدة صغيرة في فيرمونت “Vermont”، وحضرت اجتماعاتهما لمدة عامين تقريبًا، وأجرت العديد من المقابلات مع السكان. بالرغم من أن عنوان الكتاب كان يحمل في البداية عنوان “الديمقراطية التشاركية”، فإن الاختيار النهائي يلخص تطور فكرها إثر احتكاكها بالميدان. يتجسد التحدي الرئيسي لهذا الكتاب في التمييز بين شكلين ديمقراطيين، تعتمد شرعيتهما وفعاليتهما على مدى التقارب الكبير أو الصغير لمصالح الأطراف التي تجمعها. من ناحية، فإن الديمقراطية الوحدوية التي لاحظتها بشكل مباشر داخل هذه المجموعات الصغيرة، ممكنة ومرغوبة بالنسبة للجماعات التي تتقاسم مصالح مشتركة، وعلى العكس من ذلك، يبدو الشكل الثاني الذي تبرزه وتسميه الديمقراطية “المعارضة”، أكثر ملاءمة للمجموعات ذات المصالح المتباينة، التي سيكون من الصعب الوصول إلى إجماع داخلها، حيث تعتمد هذه الديمقراطية على التصويت كأسلوب لحل النزاعات. إن دراستها للديمقراطية الوحدوية، تقودها إلى التشكيك في افتراض مفاده أن الشرعية الديمقراطية تتطلب المساواة في السلطة، وهو ما يميل الناشطون الذين التقت بهم إلى الاعتقاد به. طالما تتقارب مصالح المشاركين، يصبح من الممكن تمامًا تفويض السلطة إلى الأطراف، وهناك من ثم تفاوتات مشروعة وفعالة نسبيًّا في القوة، يجب تعويضها بالمساواة في الاحترام والعلاقات الودية بين المشاركين.
استمرت التزاماتها النسوية في تغذية أفكارها وتشكيل أساس كتابها الثاني: لماذا فقدنا تعديل الحقوق المتساوية؟ “Why We Lost the ERA”. ساعدت مانسبريدج في تأسيس أول منظمة نسوية في حرم جامعة نورث وسترن “Northwestern” في شيكاغو أوائل الثمانينيات، وكانت متشبعة بشكل كبير من النضال من أجل المساواة. يركز هذا الكتاب الثاني على المفارقة التالية: كيف نفسر أن أغلبية الأمريكيين يدافعون عن مبادئ المساواة في التجريد، ولكن لم تنجح الحركات النسوية في فرض تعديل الحقوق المتساوية (ERA) -وهو مقترح يعود تاريخه إلى عشرينيات القرن العشرين، يهدف إلى ضمان مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في الدستور الأمريكي، وهو ما كان من شأنه أن يمنح حقوقًا مهمة للمرأة في حالة عدم الالتزام (من قبل الشركات والإدارات، وما إلى ذلك)- امتدت المعركة لإقرار قانون المساواة في الحقوق إلى السبعينيات، عندما أدت قوة الحركة النسوية إلى التصديق عليه من قبل أغلبية الولايات. مع ذلك، وبسبب التعبئة المحافظة غير المسبوقة، انتهى الأمر بالتخلي عن التعديل في أوائل الثمانينيات، حيث فشل في جمع أغلبية كافية على المستوى الوطني[12]. هذه هي شروط النجاح، وهنا شروط الفشل، للحركات الاجتماعية التي تقترح مانسبريدج تحليلها. بناءً على مقابلات مع منتخبين وناشطات، كشفت مانسبريدج عن اختلالات قد تفسر الفشل المتكرر للحركة النسوية في هذه الحالة، وعلى نطاق أوسع فشل العديد من الحركات الاجتماعية لأجل إقناع الرأي العام.
سلطت الضوء على الطريقة التي يودي بها النظام الداخلي لهذه الجماعات في كثير من الأحيان إلى الفشل. وهكذا، وعلى الرغم من التقدير المستمر لفضيلة الإصغاء المتبادل، طورت الجماعات النسوية ما تسميه “الصمم المؤسسي”، إذ إنها لا تجمع سوى أطراف تتقاسم القيم نفسها، فأصبحت غير قادرة على سماع حجج المعسكر المقابل وإقناعه. تواجه الحركات الاجتماعية معضلة معقدة، وهي ما تسميه “القانون الحديدي للتراجع”[13]. فهي تستند إلى توظيف ناشطين متحمسين، وتتبنى شكلاً من أشكال التطرف الذي يغذي الالتزام، لكنه يقطعهم عن بقية السكان. تعمل هذه المجموعات أيضًا على تطوير أساليب صنع القرار غير الرسمية، التي غالبًا لا تناقش نظرًا لأن جميع الأطراف المجتمعة تتشارك القيم نفسها، فتمنع هذه الآليات الداخلية المناهضة للتداول، هذه الحركات من القيام بالتحليلات والتسويات اللازمة لكسب القضية.
العلمية والمعيارية
في حين أن هذين الكتابين الأولين يشكلان أعمالًا أساسية لنظرية الديمقراطية، إلا أنه يمكن قراءتهما أيضًا كدليل عملي للناشطين والديمقراطيين المتطرفين: “كان هناك دليل عملي داخل الكتاب حول تعديل الحقوق المتساوية، تمامًا كما كان هناك دليل عملي في الكتاب حول الديمقراطية التشاركية”[14]. هناك شيء ثابت في مسيرة مانسبريدج المهنية، فهي تُطالب بنهجٍ تحليليٍّ “يركز على المشاكل”[15]، ويرشده حب المعرفة، بل التغلب على الصعوبات التي يواجهها أطراف في أثناء ممارستهم الديمقراطية، بدلًا من الدفاع عن منهجية أو أيديولوجية موجودة مسبقًا وتعزيزها. يرتبط هذا النهج الذي يركز على القضايا الحالية التي تواجه الديمقراطيات، بمفهوم خاص بالعلوم السياسية، الذي يمكن وصفه بأنه مشارك وملتزم.
وكما ذكرت في خطابها الرئاسي أمام الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية: “إذا كان للعلوم السياسية أي غرض، ففي رأيي، يجب أن تكون لمساعدتنا على حكم أنفسنا”[16]. الاهتمام بالعمل العام يؤجج التفكير العلمي ويشكل موضوعه وأساسه، لكن هذا لا يعني أن نعتمد على الوضع العمودي للعالم الحاكم، ولا حتى الوضع الأكثر غموضًا للمستشار الخبير، بل أن نحافظ على علاقة حوارية بين المجالين الأكاديمي والسياسي، بين الباحثين والأطراف، وأن نوفر لهم طرقًا للتفكير والعمل من شأنها أن تسلط الضوء على ممارساتهم، وتتغلب على الصعوبات التي تواجههم. إذن يجب أن ترتبط العلمية بالمعيارية، وبالمعيارية الإيجابية، كمصدر لمقترحات من المرجح أن تساعد على تحسين عمل النظام الديمقراطي، وذلك في حركة مستمرة في الاتجاهين بين النظرية والممارسة.
ضد نظرية الاختيار العقلاني
اعتبارًا من التسعينيات، أثبتت مانسبريدج نفسها كمنظرة سياسية محورية في موضوعاتها (المشاركة، والتداول، والتمثيل، وما إلى ذلك)، ومبتكرة في طريقتها في التعامل مع هذه الموضوعات. كانت العلوم السياسية الأمريكية آنذاك تهيمن عليها إلى حدٍّ كبير ما يسمى بالنظريات الدنيا أو الواقعية الديمقراطية، التي استندت إلى فكرة جوزيف شومبيتر “Joseph Schumpeter”، حيث تتميز الديمقراطية بالمواجهة الانتخابية لأجل السلطة. كان التفسير الاقتصادي للتصويت الذي طوره أنثوني داونز “Anthony Downs” وامتداداته في تحليل الاختيارات العامة هو السائد، وهو ما تدعمه نظرية الاختيار العقلاني، حيث لا يحرك سلوك الناخبين والمنتخبين سوى الدفاع عن مصالحهم الشخصية. اقترحت العلوم السياسية القياسية بعد ذلك مفهومًا للمصلحة، ونموذجًا للسلوك النموذجي للديمقراطية المعارضة. لا يمكن لهذا النموذج أن يأخذ في الاعتبار تنوع ديناميكيات المجموعة التي لوحظت في كتابي “ما وراء الديمقراطية المعارضة” و”لماذا فقدنا تعديل الحقوق المتساوية؟”، ولكن بدلًا من أن تثبت الطبيعة المحدودة لهذا المفهوم للديمقراطية، من خلال دراسة ميدانية جديدة، انخرطت مانسبريدج هذه المرة في صراع على أسس النظرية السائدة.
صُمِّمَ كتاب ما وراء المصلحة الذاتية “Beyond Self-Interest “وكأنه بيان” (ص 9) ضد نظرية الاختيار العقلاني[17]، وهو عمل جماعي نُشر عام 1990م. يشكل هذا الكتاب نقطة تحول في مسيرة مانسبريدج على عدة مستويات. أولًا، لأنه يمثل انزلاقًا نحو النظرية السياسية، التي تسيطر على الأغلبية الكبرى من النصوص المجمعة، والتي تقدمها مانسبريدج في مقالها كمساحة لمقاومة نظرية الاختيار العقلاني، بسبب استمرار التقاليد الفلسفية المتضاربة داخل هذا العلم الفرعي، مناهضة الحداثة الشتراوسية، والجمهورية، والجماعية، والنظرية النقدية، وما إلى ذلك. ثانيًا، يكشف هذا العمل عن تغيير في صيغة أعمالها: فمنذ هذا التاريخ، أصبحت مانسبريدج تفضل النصوص القصيرة والأعمال الجماعية بدلاً من الدراسات المتخصصة، مما سمح لها بتوسيع نطاق تدخلاتها بشكل كبير. وأخيرًا، يثبت هذا الكتاب أنها واحدة من قادة حركة نظرية متعددة الأوجه، توحدت في معارضتها لنظرية الاختيار العقلاني، وتبحث في المواد التجريبية والفلسفة السياسية عما يدعم مفهومًا أكثر تعقيدًا لما يدفع إلى العمل. لا يتعلق الأمر بالقول: إن المصلحة الشخصية لا تؤدي أي دور في السياسة، بل باقتراح معنى أوسع لها للدفاع عن المثل العليا والانتماءات، وقبل كل شيء تأكيد الطبيعة الديناميكية للمصالح. في حين أن نظرية الاختيار العقلاني تعتمد على فكرة أن الأفراد والجماعات لديهم مصالح خاصة، ترى مانسبريدج ومن شارك في التأليف، أن المصالح تتحول بدلًا من تجميعها ببساطة عندما تدخل في عمليات التمثيل السياسي والمشاركة والتداولات. لذلك؛ من المستحيل جعلها أساسًا لحساب أو لنموذج؛ لأنها بمجرد تفاعلها، فمن المرجح أن تتغير.
نظرية سياسية مبنية على البحث التجريبي
إن التأثيرات المنهجية لنقد الاختيار العقلاني عديدة، وتثير تساؤلات حول جوهر العلاقة بين النظرية والتجريب. إن العلوم السياسية القياسية إيجابية بقوة من حيث الترتيب الذي اقترحته بين هذين البعدين، حيث تسمح النظرية السياسية بتحديد عدد معين من الفرضيات النموذجية، ثم يعتمد العمل التجريبي على تغذية هذا النموذج استنتاجيًّا بالبيانات التي تسمح باختبار فرضيات مختلفة. الفصل بين البعدين واضح ويصاحبه ممارسة النظرية السياسية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفلسفة التحليلية، حيث تكون الأولوية للوضوح ووحدة المفاهيم، وممارسة التجريبية التي تترك جزءًا كبيرًا للنمذجة والمعالجة المقارنة والكمية.
يختلف تمامًا المسار الذي اتخذته مانسبريدج، والذي وضعته حيز التنفيذ منذ أعمالها الأولى، ثم أوضحته في كتابها ما وراء المصلحة الذاتية “Beyond Self-Interest”. لا يسبق عمل النظرية السياسية التجريبية، بل يعتمد باستمرار على نتائج التحقيقات التي تجري في العلوم الاجتماعية[18]، ومن ثم تستخدم مانسبريدج باستمرار مجموعة واسعة من الأعمال التجريبية، دون أي استثناء منهجي، بل وتستخدم أيضًا أبحاثها الخاصة، لا سيما أنها تعتمد بشكل كبير في عملها الخاص في النظرية السياسية على المقابلات والملاحظات، بطريقة تكشف جليًّا عن مفهومها لدور الأفكار في العلوم السياسية. ووفقًا لها، فإن عمل البناء النظري في الواقع ليس حكرًا على الباحثين في العلوم الاجتماعية، فالأفراد لا تحركهم مصلحتهم الشخصية فحسب، بل أيضًا المعتقدات والمثل العليا التي يمكنهم توظيفها في موقف ما وشرحها في المقابلة، مما يوفر للمنظرة مواد مفاهيمية أنشأها التحقيق. من هنا تأتي الأهمية التي توليها مانسبريدج للمحادثات العادية والأحكام المعيارية التي تنشأ عنها، والتي تستحق الاهتمام بالقدر نفسه الذي تستحقه النصوص العلمية وخطابات المحترفين السياسيين في عمل توضيح المفاهيم. إن الأفكار السياسية تشكل دوافع أساسية لتصرفات الناس العاديين، ولا يمكن توضيحها بطريقة ذات صلة تجريبية، إلا إذا كان البحث يدمج المعنى الذي يعطيه الناس العاديون لها. إن العلوم السياسية التي طورتها جين مانسبريدج تشكك في الفصل بين النظرية والتجريبية؛ إذ لا يمكن فصل العمل النظري -الذي يشغل الجزء الأكبر من عملها منذ التسعينيات- عن المتطلب التجريبي الموجود في قلب التطور المفاهيمي. من ثم، فإن نظرياتها لا تهدف إلى تبسيط المفاهيم لجعلها قابلة للتنفيذ في إطار نموذج محاسبي، بل على العكس من ذلك، إلى جعلها أكثر تعقيدًا لدمجها في العديد من التجارب المتنوعة، ومن ثم منحها قوة استدلالية أكبر. من هذا المنطلق تناولت مسألة القوة، ولا سيما عام 1994م في مقالها “استخدام القوة/القوة القتالية”، حيث رفضت البديل الذي من شأنه إما أن يحدد شروطَ شرعيةِ السلطة -من دون التشكيك في استخدامها-، أو أن يعزز تقليص السلطة -من دون الأخذ في الاعتبار ضرورة ممارستها-. على العكس من ذلك، قد يبدو ذلك متناقضًا، تطرح تساؤلات حول طرق جعل ممارسة السلطة شرعية ديمقراطيًّا، وطرق تطوير جيوب معارضة لسلطة ذاتها، طالما يكون هذا التوتر وحده قادرًا على الحفاظ على الديناميكية الديمقراطية في المجتمع.
التفكير في الديمقراطية كنظام
بناءً على ذلك، فإن عمل مانسبريدج منذ التسعينيات يتألف من عمل واسع النطاق لإعادة وضع مفاهيم الديمقراطية وآلياتها. على الرغم من أن هذا المنهج طموح في نطاقه، وتنوع الظواهر التي يتناولها، فإنه لا ينطوي على إنشاء نظام نظري شامل كبير، بل على مجموعة كبيرة من النصوص التي تسلط الضوء في كل مرة على جانب مختلف من جوانب السياسة الديمقراطية. من خلال الاعتراف بتنوع المنطق، ولكن أيضًا بالشرعيات العاملة في المجتمعات المعاصرة، يتجه التحليل نحو مقاربة منهجية وليست مؤسسية فحسب، للظاهرة الديمقراطية. بمعنى آخر، لا يتعلق الأمر بالتساؤل عما إذا كان جهاز مؤسسي معين ديمقراطيًّا لأنه يتوافق مع المبادئ المثالية للديمقراطية، بقدر ما يتعلق بالتشكيك في النطاق الديمقراطي لعمله، أي على قدرته على فتح ومساواة عمليات صنع القرار داخل النظام الاجتماعي الذي يشكل جزءًا منه فقط. يرتبط هذا الشكل المنهجي للتحليل السياسي ارتباطًا وثيقًا بما سُمي “التحول التداولي” للنظرية الديمقراطية المعيارية[19]. يؤكد المفهوم التداولي للديمقراطية مسألةَ إضفاء الشرعية على القرارات السياسية، من خلال تنظيم الإجراءات وحتى العمليات التداولية بشكل أكبر، التي تركز على الحجة والإقناع بقوة أفضل الحجج. إذن، يعطي هذا المفهوم أهمية كبرى للتأثيرات (التداولية أو غير التداولية) للأجهزة والممارسات المختلفة التي تشكل المجتمع الديمقراطي. من ثم، فإن الجدل الكلاسيكي حول المشاركة مقابل التمثيل أصبحت ثانوية، بينما أُعطيت الأولوية لنوع العلاقة التي تجعل الأنظمة من الممكن تأسيسها، التحدي هو أنها تولد عمليات الاتصال وصنع القرار الأكثر انفتاحًا وشمولًا، لا تتم الشرعية السياسية إلا من خلالها. من وجهة النظر هذه، فإن الديمقراطية التداولية نفسها يجب أن تُفهم بشكل نظامي وليس مؤسسيًّا، فالتحدي هو قدرة النظام الاجتماعي السياسي ككل على إنتاج عملية تداول، ومن خلال القيام بذلك، من شأنها أن تعزز شرعية القرارات السياسية. هكذا تؤكد مانسبريدج، في “الحديث اليومي في النظام التداولي”، أن التداول الديمقراطي لا يقتصر على إضفاء الطابع المؤسسي على الأجهزة المتوافقة رسميًّا مع المبادئ التداولية، كما عرف بها هابرماس “Habermas”، وكوهين “Cohen”، أو مؤخرًا جوتمان “Gutmann” وطومبسون “Thompson”[20].
يعمل التداول الديمقراطي أيضًا بطريقة غير رسمية، من خلال التبادلات اليومية التي تجري بين المواطنين، حيث تجري عمليات إقناع لا تقل صلاحية من وجهة نظر ديمقراطية -ولكن يجب تقييمها باستخدام معايير أخرى غير تلك التي تنطبق في إطار التداولات الرسمية-. علاوةً على ذلك، يوضح النص الجماعي “مقاربة منهجية للتداول الديمقراطي” “A Systemic Approach to Democratic Deliberation”، أن بعض المعايير المرغوبة على مستوى النظام العالمي لا يمكن تحقيقها في بعض الأحيان، إلا من خلال كسر هذه المعايير نفسها على المستوى المحلي، ومن ثم، يمكن للنظام التداولي أن يستفيد من وجود جيوب غير تداولية -مثل الدوائر المغلقة للحركات الاجتماعية، أو الأحزاب السياسية، أو النقابات، أو أي شكل من أشكال نقد ومساءلة السلطة الصادرة عن الناشطين المتطرفين، الذين يرفضون ممارسة لعبة المشاركة- حيث تُبنى الحجج التي سوف تُنشر بعد ذلك، والتي ستثري النقاش المشترك[21]. وكما سبق وأشار آي. إم. يونج أو. فونج “I. M. Young ou A. Fung”، فإن التداول قد يستفيد حتى من أعمال الاحتجاج غير التداولية (الحصار والمظاهرات وما إلى ذلك)؛ لأن هذه الأعمال تجعل من الممكن الإشارة إلى وجود خلل في العملية التداولية (لا سيما تهميش بعض المجموعات أو القضايا)، ومنْ ثم، مِنَ المحتمل أن تفتح الطريق لتحسينها، وفي نهاية المطاف إلى إنتاج أكثر فعالية للشرعية السياسية[22]. يبدو أن هذا النهج النظامي للديمقراطية، الذي ساهمت مانسبريدج إلى حد كبير في تأسيسه، يميل إلى الانتشار على نحو متزايد في المجال الأكاديمي. لكن بعيدًا عن إغلاق باب النقاش حول ما يجعل النظام ديمقراطيًّا، فإن هذا النهج يتركه بالضرورة مفتوحًا. في الواقع، يتأرجح التقييم المعياري باستمرار بين معيارين: من ناحية، التوافق مع المبادئ الديمقراطية، ومن ناحية أخرى، الفعالية في إنتاج التأثيرات الديمقراطية. مع ذلك، فإن التوازن محفوف بالمخاطر، وغير مؤكد، إذ إن تقييم التأثيرات لا يمكن أن يتم إلا في الموقف، ومن ثم يبقى دائمًا فرديًّا، وبما أن الشرعية تظل دائمًا في حالة من الترقب، فإن الديمقراطية تبدو وكأنها تتطلب عملية مستمرة من المناقشة والمواجهة، حتى تتمكن من إثبات شرعية أو عدم شرعية ممارسة أو جهاز ما، تقريبًا على أساس كل حالة على حدة. من ثم فإن حل التحدي المتمثل في الشرعية الديمقراطية، يبدو كأنه مسألة عملية غير مكتملة دائمًا؛ فتصبح النظرية السياسية مسؤولة عن تحفيز وتوضيح وتنشيط النقاش الديمقراطي. ومن خلال عملها ومواقفها، تساعدنا جين مانسبريدج على الشروع في هذه المهمة الأساسية بشكل جماعي.
[1] Jane Mansbridge, « Writing as a Democrat and a Feminist », in Barry Glassner et Rosanna Hertz (éd.), Our Studies, Ourselves: Sociologists’ Lives and Works, Oxford, Oxford University Press, 2003, p. 136.
[2] هذه الصورة هي نسخة منقحة من مقدمة المؤلفين لمجموعة نصوص جين مانسبريدج، “أدوات الديمقراطية”. Dispositifs de la démocratie. Entre participation, délibération et représentation, éd. S. Hayat, J. Talpin et Audric Vitiello, Paris, Classiques Garnier, 2022.
[3] جائزة Gladys M. Kammerer (1987)، وجائزة Victoria Schuck (1988)، وجائزة ومحاضرة James Madison (2011)، وجائزة Johan Skytte (2018)، وجائزة Benjamin E. Lippincott (2022)، وجائزة Karl Deutsch (2022).
[4] Le Jane Mansbridge Scholar-Activist Award, remis par l’Université Northwestern, à Chicago, où elle a enseigné de 1973 à 1996 ; le Jane Mansbridge Award du Women and Public Policy Program de la Harvard Kennedy School, et le Jane Mansbridge Award du Women’s Caucus for Political Science.
[5] Melissa S. Williams, « Beyond the Empirical-Normative Divide: The Democratic Theory of Jane Mansbridge », PS: Political Science & Politics, vol. 45, n° 3, 2012, p. 797.
[6] Voir néanmoins son interview par Muriel Rouyer dans Raisons politiques, no 40, 2010, p. 135-155 ; et l’entretien collectif mené par Paula Cossart et Andrea Felicetti, « Qu’apporte l’étude des town meetings à la quête d’une démocratie plus participative et délibérative ? Entretien avec Frank M. Bryan, William W. Keith, James T. Kloppenberg, Jane Jebb Mansbridge, Michael E. Morrell, Graham Smith », Participations, trad. Xavier Blandin, no 15, 2016, p. 203-220. Ont déjà été traduits Jane Mansbridge et al., « La place de l’intérêt particulier et le rôle du pouvoir dans la démocratie délibérative », Raisons politiques, trad. Romain Lecler, no 42, 2011, p. 47-82 ; Jane Mansbridge, « Les Noirs doivent-ils être représentés par des Noirs et les femmes par des femmes ? Un oui mesuré », Raisons politiques, trad.
Marc Saint-Upéry, no 50, 2013, p. 53-77 ; Jane Mansbridge et al., « Une approche systémique de la démocratie délibérative », in Loïc Blondiaux et Bernard Manin (éd.), Le tournant délibératif de la démocratie, Paris, Presses de Sciences Po, trad. Juliette Roussin, 2021, p. 27-66.
[7] Voir notamment Jane Mansbridge, « Writing as a Democrat and a Feminist », art. cité.
[8] الاجتماعات البلدية: هي عبارة عن جمعيات مجتمعية كانت موجودة في الولايات المتحدة منذ القرن السابع عشر. إنها تسمح بالإدارة الجماعية للشؤون المشتركة، على الرغم من أن مانسبريدج سلطت الضوء على علاقات القوة التي تجري من خلالها. أقيمت هذه الاجتماعات بشكل رئيسي في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، وعلى الرغم من اختفاء معظمها، إلا أن بعض اجتماعات البلدات لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، وخاصة في نيو إنجلاند. انظر: كوسارت، باولا، وأندريا فيليسيتي، وجيمس كلوبنبرج. ” مقدمة. “الاجتماعات البلدية، الأسطورة المؤسسة للديمقراطية الأمريكية”، مشاركات، المجلد 15، العدد 1. 2، 2016، ص. 5-47.
[9] Jane Mansbridge, Brandeis and Sutherland: Apostles of Individualism, thèse de l’Université Harvard, 1970.
[10] Jane de Long, Ginger Goldner, Nancy London, « Sexuality », in Boston Women’s Health Collective,
Women and their bodies. A course, Boston, New England Free Press, 1970, p. 16-37. Il sera renommé Our
Bodies, Ourselves en 1971.
[11] Muriel Rouyer, « Entretien avec Jane Mansbridge », art. cité, p. 142.
[12] حول هذا الموضوع، راجع السلسلة الأخيرة السيدة أمريكا ” Mrs America”.
[13] استنادًا إلى مفهوم “القانون الحديدي للأوليجارشية” الذي طوره روبرتو ميكلز (الأحزاب السياسية، دراسة حول الاتجاهات الأوليغارشية للديمقراطيات، باريس، فلاماريون، 1914)، والذي يصف أشكال الهيمنة الداخلية التي تنشأ داخل الجماعات الناشطة بسبب التمييز بين الأطراف، استنادًا إلى حالة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، يصف “قانون التراجع الحديدي” لمانسبريدج أشكال التأمل الداخلي والانغلاق الذهني، وحتى الطائفية التي يمكن أن تنشأ داخل الجماعات الناشطة غير المنفتحة للغاية على العالم الخارجي.
[14]Jane Mansbridge, « Writing as a Democrat and a Feminist », art. cité, p. 136.
[15] المرجع نفسه.
[16] Jane Mansbridge, « What is Political Science For? », Perspective on Politics, vol. 12, no 1, 2014, p. 8.
[17] إن نظرية الاختيار العقلاني، التي تشكل السلوك الاجتماعي، وخاصة السلوك السياسي، وفقًا للحسابات العقلانية الفردية، هي المهيمنة في العلوم السياسية الأمريكية، ولا سيما من خلال تأثير مدرسة الاختيار العام، التي تستخدم هذا النموذج لنمذجة القرارات السياسية.
[18] Voir par exemple Jane Mansbridge, « Practice-Thought-Practice », in Archon Fung et Erik Olin Wright (éd.), Deepening Democracy: Institutional Innovations in Empowered Participatory Governance, Londres, Verso, 2003, p. 175-199.
[19] John S. Dryzek, Deliberative Democracy and Beyond: Liberals, Critics, Contestations, Oxford, Oxford University Press, 2000; Loïc Blondiaux et Bernard Manin (dir.), Le tournant délibératif de la démocratie, Paris, Presses de Sciences Po, 2021.
[20] Joshua Cohen, « Délibération et légitimité démocratique », in Charles Girard et Alice Le Goff (éd.), La démocratie délibérative : anthologie de textes fondamentaux, Paris, Hermann, 2010, p. 207-241 ; Jürgen Habermas, Droit et démocratie : entre faits et normes (1992), Paris, Gallimard, 1997 ; Amy Gutmann et Dennis Thompson, Democracy and Disagreement, Cambridge, Belknap Press of Harvard University Press, 1996.
[21] Jane Mansbridge, James Bohman, Simone Chambers, Thomas Christiano, Archon Fung, John Parkinson, Dennis F. Thompson et Mark E. Warren, « Une approche systémique de la démocratie délibérative », in Loïc Blondiaux et Bernard Manin (éd.), Le tournant délibératif de la démocratie, Paris, Presses de Sciences Po, trad. Juliette Roussin, 2021, p. 27-66. Voir aussi Jane Mansbridge et John Parkinson (éd.), Deliberative Systems, Cambridge, Cambridge University Press, 2012.
[22] Iris Marion Young, « La démocratie délibérative à l’épreuve du militantisme » (2001), Raisons politiques, no 42, 2011, p. 131-158. Archon Fung, « Délibérer avant la révolution. Vers une éthique de la démocratie délibérative dans un monde injuste » (2005), Participations, no 1, 2011, p. 311-334.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




