ترجمة: ربى القحطاني
أُقِيم معرض وسُطرت سيرةٌ جديدة للراحل ليوبولد سيدار سنغور، لتعيد إحياء ذائقته الفنية ورأيه عن الكونية. كشفت لنا الستار عن إرث الرئيس الشاعر، إرث يسلط الضوء بطريقة فريدة على تحديات وقتنا الحاضر.
بعد أكثر من عشرين عامًا على وفاته، قُدِّمت شخصية ليوبولد سيدار سنغور (ولد 1906م، وتوفي 2001م)، السياسي الشاعر وأحد مفكري حركة “الزنوجة” و”الاختلاط العرقي” خلال الفعاليات المتزامنة. في المعرض الذي أقيم تحت اسم “سنغور والفنون، اكتشاف الكونية من جديد” أتاح متحف كاي برانلي-جاك شيراك للزائرين اكتشاف عالم سنغور من خلال التزاماته وسياساته الثقافية التي وضعها عندما تولى مقاليد السلطة في عام 1960م. وعلى الرغم من أن سنغور كان محط انتقاد من قبل معاصريه وأجيال ما بعد الاستقلال آنذاك، فقد أكد دليل المعرض على أنه الآن (استعاد حظوته[1]). تجلى ذلك أيضًا في ظهور العديد من الأعمال المختلفة التي تناولت تاريخه وكتاباته الشعرية، بالإضافة إلى افتتاح بيت فيرسون للعامة والذي كان يقطن فيه سنغور خلال سنواته الأخيرة. أصدرت دار النشر الفرنسية (PUF) سيرةً جديدة، تتبعت فيها إلارا بيرتو حياة “السياسي الشاعر”، مبرزةً مدى قدرة الفكر السنغوري على إثراء النقاشات الراهنة[2].
كان لتسليط الضوء على إرث سنغور أثر واضح في الاهتمام بإنتاجه الفكري وبمستوى تعقيد التزاماته وراهنيّة فكره فيما يتعلق بالتحديات المعاصرة، كإعادة التفاوض في العلاقات الأوروبية-الإفريقية، وتثمين التراث الإفريقي، وفكر اختلاط الأعراق، والمسائل البيئية، فكيف لنا أن نفسر تناغم إرث سنغور الفكري والأدبي والسياسي مع التحديات المعاصرة؟
مدى تعقيد شخصية سنغور كان السبب وراء تنبيه متحف كاي برانلي للزوار عند دخولهم المعرض. في الواقع، لا يهدف المعرض “إلى تمجيد سنغور ولا إلى ردّ اعتباره”، إنما إلى “إعادة بناء مغامرة فكرية ضمن سياقها التاريخي”. السيرة التي كتبتها إلارا بيرتو تعد “بعيدة كل البعد عن الاحتفاء كما هي عن الانتقاد”. كانت هذه الاحتياطات دليلًا آخر على مدى تعقيد شخصية سنغور، وكيف أنها “تستوجب التمعن في طياتها لفهمها” (ص 12).
أُولى التزاماته
لفهم سنغور يجب أولًا فهم الطريقة التي اتبعها لبناء العناصر المحورية لفِكره، وهي الزنجية والكونية. بدأ في تكوين تلك الأفكار منذ شبابه، وبالتحديد عند وصوله إلى باريس. تتبعت إلارا بيرتو في السيرة المسخرة لسنغور السنوات الأولى له في باريس والتي حملت في طياتها لقاءات كان أحدها مع جورج بومبيدو (Georges Pompidou)، زميله في الدراسة في ثانوية لويس لو جراند (Louis-Le-Grand)، والتي أثمرت عن نشأة صداقة حميمة بينهما، ولقائه ببليز دياني (Blaise Diagne)، أول إفريقي رُشِّح لمنصب في مجلس النواب في فرنسا وأحد مؤيدي الاندماج، والذي يعني آنذاك “المساواة في الحقوق بين الأفارقة والفرنسيين والانخراط في قلب النظام الاستعماري” (ص 32). اتسم شباب سنغور بالعديد من الجهود المبذولة وكذلك بخيبات الأمل، إذ لم يتوفق في اجتياز مباراة الولوج إلى المدرسة العليا للأساتذة، كما قاسى العنصرية والمنفى وسوء ظروف المعيشة.
كل تلك التجارب، وفقًا لبيرتو، لم تكن سوى “محفزات لحركة الزنوجة التي سيقوم بتنظيرها لاحقًا” (ص 34).
يعد سنغور أحد مؤسسي حركة الزنوجة التي نشأت في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد ذكر بأن إيمي سيزير (Aimé Césaire) هو من “أطلق عليها هذا الاسم[3]“. رغم أن تعريف الزنوجة قد أجمع مؤسسوه على أنه “افتخار المرء بواقع كونه أسود واعترافه بجذوره الإفريقية وقدرته على الدفاع عن تراثه بأبعاده المختلفة” (ص 37)، فلا يزال مضمونه موضع جدل.
تذكر إلارا بيرتو أن نضال سنغور كان يقوم “على الوحدة الثقافية للشعوب الإفريقية السوداء، وليس على السياسة” (ص 39). قد يكون وضع سنغور المتذبذب سببًا وراء موقفه، إذ إنه كان طالبًا حينها، وكان يخشى ارتباط اسمه بقضايا تمس الأمن العام، ما قد يتسبب في ترحيله إلى السنغال.
كان الشاب ليوبولد سيدار سنغور يرى أن استكمال دراسته ونجاحه في فرنسا أمر بالغ الأهمية، إذ أدرك أن الالتحاق بسلك التبريز في النحو يتطلب أن يكون مواطنًا فرنسيًا (ص 40). ولم يُفصح سنغور علنًا عن آرائه بشأن الإدماج والاستعمار إلا بعد أن اجتاز هذه المباراة بنجاح.
غير أن اندلاع الحرب العالمية الثانية حال دون انطلاقته الأكاديمية، إذ انضم سنغور عام 1940م إلى صفوف المشاة الاستعمارية بعد تجنيده (ص 55)، وسرعان ما أُسِر، وتعرّض لمعاناة شديدة في عدد من معسكرات الاعتقال مثل معسكر ستالاغ (Stalag). ونظرًا إلى سواد بشرته، لاقى معاملة مختلفة وإهانات متواصلة. وفي تلك المعسكرات نفسها، تبادل مع العديد من الجنود السود من المستعمرات قصصهم وتجاربهم، وفي معسكر ستالاغ بواتييه (Stalag Poitiers) تحديدًا، كتب سنغور الجزء الأكبر من ديوانه «قرابين سوداء»، محتجًا على المصير القاسي الذي عاناه أولئك الجنود.
الزنوجة والكونية
تبدأ الرحلة في معرض سنغور والفنون بعرض صور من المؤتمر الأول للكتّاب والفنانين الأفارقة، الذي نُظم في جامعة السوربون من 19 إلى 22 سبتمبر 1956م، وتعد من بين أول الشواهد البصرية على التزام سنغور التي عرضت على العلن. وقد وصف عليون ديوب، منظم هذا المؤتمر ومدير مجلة (Présence africaine) هذا المحفل على أنه “النسخة الثقافية من مؤتمر باندونغ”، ويمثل أهمية كبرى لمشاركيه[4].
تتناول مداخلة سنغور الحضارة والثقافة الإفريقية السوداء، فوفقًا لإلارا بيرتو، فإن فكرة “الإفريقيّة” التي يدافع عنها هي “مرتبطة بفكرة الزنوجة في تمثيلها للقيم الثقافية للعالم الإفريقي وشتاته” (ص 85.(
يشير سنغور بالأخص خلال مداخلته إلى المفكر الهايتي جان برايس مارس (Jean Price Mars)، الذي كان حاضرًا في المؤتمر، لتعريف الزنوجة، فهي وعي عرقي وليس “وعيًا عنصريًّا”، ويجب أن يسهم في “حضارة العالم” التي “لن تقتصر على قارة واحدة أو عرق واحد”؛ لذلك يمكن أن تلتقي الزنوجة بالعالمية، “في موعد يقوم على الأخذ والعطاء[5]“، حيث يستحضر سنغور هنا فكرة التبادل بين إفريقيا والغرب.
كان من الضروري بالنسبة إلى سنغور التذكير بأن الزنوجة ليست وعيًا عنصريًّا. تشير إلارا بيرتو إلى أن سنغور “ناضل” لسنوات عدة مع تعريف الزنوجة بعد إعادة صياغته على يد جان-بول سارتر (Jean-Paul Sartre) في مقدمة أنطولوجيا الشعر الزنجي والملغاشي المكتوب باللغة الفرنسية التي صدرت عام 1948م. وصف سارتر الزنوجة بأنها “عنصرية ضد العنصرية”، ما جعلها مجرد ردٍّ على العنصرية الاستعمارية.
ترى بيرتو أنه بعد أن وجه سارتر أصابع الاتهام بالعنصرية إلى سنغور في تعريفه الذي نشره، قرر سنغور تخصيص “جزء من فكره للتعريف بالكونية والإنسانية وإلى اختلاط الأعراق” (ص 48)، فبالنسبة إليه تعد الزنوجة عكس ذلك تمامًا، إذ تهدف كما أشار الفيلسوف سليمان بشير ديان: “إلى عالم مختلط الأعراق، ليس نتيجة الصدف، بل لكونهِ أمرًا حتميًّا[6]“.
قدم معرض «سنغور والفنون» شواهد قيّمة فيما يخص الفكر السنغوري للكونية، مثل المقابلة المسجلة مع الفنانة السنغالية يونس سي (Younousse Seye)، التي وُلدت عام 1940م، تروي فيها كيف أن سنغور -الذي كان رئيسًا آنذاك- بدا متفاجئًا من أسلوبها الفني، الذي يمزج بين عدة تقنيات مستلهمة من تجاربها، وبين مواد متنوعة من مناطق مختلفة حول العالم، وكذلك من عصاميّتها. تولي يونس سي بالفعل اهتمامًا خاصًّا بالبحث في الألوان وكذلك في فن الباتيك، وهو ممارسة تقليدية ورثتها عن والدتها التي كانت صباغة، كما تستخدم في أعمالها الرخام المعاد تركيبه وأصداف الكوري، وهي قواقع صغيرة تُستخدم كنمط زخرفي شائع يحمل دلالات روحيّة في بعض الحالات؛ ولهذه الأسباب المختلفة، يعد سنغور أعمالها إحدى صور الكونية كما يراها.
المهرجان العالمي للفنون الزنجية (1966م)
انتخب ليوبولد سيدار سنغور رئيسًا لجمهورية السنغال بعد استقلالها عام 1960م. ذكرت بيرتو واصفةً ممارسته للسلطة: “كان سنغور سلطويًّا بلا أدنى شك، ولكنه لم يكن جبارًا، وكان يملك رؤيةً حقيقية لبناء السنغال” (ص 99). مثلت الثقافة جزءًا لا يتجزأ من رؤية سنغور، إذ كانت حجر الأساس وهدف التنمية، لذلك أصبحت الثقافة تشغل حيزًا كبيرًا في السياسات التي قام عليها، وكان ينوي جعل السنغال الواجهة والمحرك الثقافي لقارة إفريقيا من خلال إنشاء مؤسسات جديدة، مثل المسرح الوطني دانيال سورانو (1965م)، والمتحف الحيّ في داكار (1966م)، والمصنع الوطني للنسيج في تيس (1966م)، وأيضًا من خلال تنظيم المهرجان العالمي للفنون الزنجية (FESMAN).
تجسدت الزنوجة والكونية السنغورية من خلال المهرجان الذي أقيم في عام 1966م، وأعلن الرئيس سنغور في خطابه الافتتاحي، قائلًا:
“من أجل الحوار مع الآخرين، والمساهمة في العمل المشترك الذي يتوافد من أجله أصحاب الضمائر والإرادة من كل حدب وصوب لإضافة قيمٍ جديدة إلى مجمل القيم المتناغمة التي تعرف اليوم بالحضارة العالمية، علينا نحن الزنوج، أن نكون على سجيتنا وأن نرسخ قيمنا الحقيقية التي استلهمناها من الفنون الزنجية […]”.
أكد سنغور بذلك على أهمية تشييد إنسانية تشمل الجميع وتمحو الفوارق بين الأعراق والأمم، معبرًا بذلك عن طموحه الفني والثقافي، لبلده بالأخص وللعالم الزنجي عمومًا. حقق هذا المهرجان نجاحًا كبيرًا، وجمع أكثر من ألفي فنان من جميع أنحاء العالم وعشرة آلاف زائر.
ومع ذلك، أسهم هذا المهرجان في تصاعد حدّة التوترات الفكرية والسياسية المحيطة بمفهوم الزنوجة، إذ وجّه إيمي سيزير (Aimé Césaire) نقدًا لاذعًا إلى ليوبولد سيدار سنغور، معتبرًا أن مفهوم الزنوجة الذي تبنّاه الأخير قد تجاوزته المرحلة التاريخية، بل ووصفه بأنه «من المحتمل أن ينطوي على نزعة عنصرية» (ص 116). كما عبّر أحمد سيكو توري (Sékou Touré)، رئيس غينيا، عن موقف أكثر حدة، إذ وصف المهرجان بأنه «مهرجان للسود المتسخين»، منتقدًا ما رآه هيمنة دبلوماسية فرنسية مفرطة على الحدث، إضافةً إلى ما اعتبره جوهرية مفرطة في تصور الزنوجة.
وقد تبنّى الناشطون المناهضون للاستعمار الموقف نفسه، فرفضوا المهرجان من منطلقات مشابهة، ونظّموا ردًا عليه «المهرجان الثقافي الإفريقي» (Panaf)، الذي استضافته الجزائر عام 1969م.
بالنسبة إلى إلارا بيرتو، فإن المهرجان العالمي للفنون الزنجية قد سنّ معيارًا على الرغم مما حدث: “حذت المهرجانات حذو مهرجان سنغور الذي تصوره، وإن تم تنفيذها بطرق مختلفة في كل مرة، فالهدف كان واحدًا، ألا وهو تجسيد الوحدة الإفريقية بشكل ملموس على مستوى الفنون”، كما هو الحال في الجزائر عام 1969م أو في لاغوس عام 1977م (ص 115.(
سياسة ثقافية محل انتقاد
من خلال تحليلها الذي خصصته لسنغور “الرئيس الشاعر”، تناقش بيرتو أيضًا التنازلات والتقدمات التي حدثت خلال فترته الرئاسية. فإذا كان سنغور يتعرض لانتقادات في إفريقيا، فإن سياسته الثقافية تُنتَقد ويُشَكَّك فيها أيضًا في السنغال.
من منطلقِ التزامه بتعزيز الازدهار الثقافي لبلده، وظف سنغور الإبداع الفني كأحد العوامل الرئيسية في دبلوماسيته، لا سيما في إعادة التفاوض حول علاقاته مع القوة الاستعمارية السابقة. وتُشير مؤرخة الفن كولين ديبورت (Coline Desportes) إلى أن سنغور يرى علاقات ما بعد الاستعمار مع فرنسا على أنها “مساهمات متبادلة[7]“، غير أن باريس لم تتبنَّ هذا المفهوم. قلما شاركت الحكومة الفرنسية في مشاريع التعاون التي وضعتها السنغال، ورفضت العديد من طلبات القروض والسماح بتداول قطع الفن الإفريقي التي تُقدّم من الرئاسة السنغالية، ومع ذلك، كان سنغور يُوطِّد العلاقات بينه وبين بعض السياسيين الفرنسيين البارزين، كما أظهر أيضًا إرادة ثابتة لتعزيز التعاون الثنائي، من خلال تسهيل تدريب الفنانين والعاملين الثقافيين السنغاليين في المؤسسات الفرنسية، أو من خلال الاستعانة بالخبرة الثقافية الفرنسية في تنفيذ المشاريع الكبيرة.
ومع ذلك، لم يتمكن الرئيس سنغور من بناء علاقة تقوم على التبادل، إذ لم تدعم فرنسا آنذاك سوى المشاريع التي تُعد ذات فائدة دبلوماسية، مثل المهرجان العالمي للفنون الزنجية (FESMAN) أو معرض “الفن السنغالي اليوم” الذي نُظم في لو قراند بالي (Grand Palais) عام 1974م.
العلاقة بالآخر
يطرح محمد مبوغار سار (Mohamed Mbougar Sarr) في مقالٍ كتبه بمناسبة معرض “سنغور والفنون” تساؤلات حول استمرارية هذه العلاقة غير المتكافئة، ويتساءل الكاتب السنغالي، الحائز على جائزة غونكور 2021م، عن جدوى السياسة الثقافية السنغورية عندما يكتب عن الرئيس الشاعر: “لربما لم ينطلِ عليه فخ النبذ الذي كان يحاربه، بيد أن الرغبة في الإثبات للآخر أن ثقافتنا لا تقلّ أهميةً عن ثقافته، إذ إنها لا تزال تمنح هذا الآخر القدرة على الاعتراف بها أو تهميشها[8]“، وأبرز الكاتب بتلك الأحرف مدى تعقيد موقف سنغور.
هل يجب أن تُتَرجم محاولته لإقامة علاقة جديدة مع هذا الآخر -والذي يُفهم أنه الغرب- كنوع من الخضوع، أو تحقيقٍ لرؤيته ما بعد الاستعمارية؟
ربما يعدّ التزام سنغور تجاه الفرنكوفونية عنصرًا من عناصر الإجابة. توضح إلارا بيرتو كيف أن سنغور، حتى بعد نهاية مسيرته السياسية، يواصل العمل متكئًا عليها من أجل بناء عالمٍ لا يتمحور حول الغرب. فبالنسبة إليه، يجب ألا يحصر استخدام اللغة الفرنسية كأداة للهيمنة أو للقوة الناعمة. مع الفرانكفونية، يمكن أن تُعد اللغة الفرنسية “رابطة يمكن للجماعات الاستفادة منها لبناء مجتمعات على المستوى العالمي” (ص 135). لا يزال جوهر مفاهيمه يقوم على فكرة تجاوز الحدود المادية والهويات، ويعد التكامل والتعاون غايته ومبتغاه.
الاحتجاجات الفنية
إذا كان ولا بد من التذكير، فإن الفنانين السنغاليين يضطلعون بدورٍ محوري في المشروع السياسي السنغوري، بوصفهم سفراء للبلد، شُجِّعوا على التدرب في المؤسسات التي أنشأها سنغور منذ أن تولى مقاليد السلطة. ففي عهده، شاركوا في العديد من المناسبات المهمة خارج بلادهم وحصلوا على اعتراف دولي، على غرار فيليب سيني (وُلِد عام 1945م). تحقق مشروع سنغور من خلال هذا الظهور البارز للفنانين السنغاليين، ذلك أنه مكنهم من تمثيل الفن الإفريقي في المجال المعاصر، وعزز مساهمة الأعمال الإفريقية في “الحضارة العالمية”، ومع ذلك، احتج العديد منهم على هذه السياسة التي عدّوها عائقًا أمام إبداعهم. حتى إن الفنانة يونس سي انتقدت سياساته الثقافية، واصفةً إياها بالبعد عن الواقع الفني، وذلك على الرغم من كونها مقربة له. فنانون مثل عيسى سامب (وُلِد 1945م، وتوفي 2017م)، الذي تم عرض عمله “لوحة بليخانوف 6” في إطار معرض “سنغور والفنون”، والحاج سي (وُلِد عام 1954م)، تبنوا نهجًا متطرفًا، و”رفضوا أن تَرمُز أعمالهم إلى حركة الزنوجة وأيديولوجيتها السياسية”.[9]
يخصص متحف كاي برانلي جزءًا من المعرض لهذه “الانشقاقات”. وفي مواجهة التيار الرسمي المعروف لاحقًا باسم “مدرسة داكار”، أسس المنشقون مختبر (Agit’Art) عام 1974م. يجتمع الرسامون والممثلون والفنانون حول فكرة تفكيك المعايير الجمالية التي وضعها النظام القائم، ويدعون إلى “إعادة إضفاء الطابع المحلي على الخطاب والممارسات الجمالية[10]“. “كما تشير مؤرخة الفن إليزابيث هارني، فإن “”Agit’Art تسعى إلى تحرير الوسيط من قيوده السياسية والأيديولوجية[11]“. نظّم أعضاء المختبر ورش عمل، وقاموا بإنشاء عروضهم الخاصة، وقد أطلقوا “قرية الفنون في داكار” عام 1977م، وفي أول فعالية لهم، طرحوا تساؤلات حول قصيدة سنغور «تشاكا»، التي نُشرت عام 1956م.
وعلى الرغم من نقدهم، حافظت تلك الحركة على علاقات وثيقة مع السلطة. حتى وإن كانوا على خلاف مع الحكومة، فقد اعتمد أعضاؤها على البنية التحتية للحكومة لتنظيم فعالياتهم، وشغل العديد منهم وظائف في القطاع العام السنغالي.
حتى وإن لم يتسنّ لسنغور زيارة الموقع قط، تطرح هارني، كما فعل آخرون، فرضية أنه كان يرى في هذا المشروع المعارض دليلًا على تطور ونضج المشهد الفني السنغالي كما كان يتمناه.
إرث سنغور
يُختَتَم المعرض المقام في متحف كاي برانلي بطرح تساؤلٍ حول «مواريث ليوبولد سيدار سنغور». ورغم أنّ مختلف أبعاد هذه الموروثات قد نالت نصيبها من الدراسة، فإنّ التركيز في هذا القسم الختامي انصبّ، من منظورٍ مؤسسي، على آخر مشروعات سنغور الكبرى: مشروع متحف الفن الزنجي الإفريقي في داكار، الذي أعيدت تسميته لاحقًا ليُعرف بـ متحف الحضارات السوداء.
وقد أُوكل تنفيذ المشروع إلى المعماري الحداثي المكسيكي بيدرو راميريز فاسكيز، وكان الهدف منه تحقيق توليفٍ فني ومعماري بين الجمالية الإفريقية الزنجية والتيارات الحداثية في العمارة، في تجسيدٍ رمزيٍّ لفكرة تمازج الثقافات التي مثّلت إحدى الركائز الأساسية في فكر سنغور وجمالياته الشعرية والسياسية.
ينبغي قراءة المقدمة بعنوان «متحف الفن الإفريقي الأسود في داكار[12]»، التي كتبها سنغور، لفهم الأسباب التي دفعت القيّمين على معرض كاي برانلي إلى الحديث عن مشروعٍ واحدٍ فقط، حمل في طياته مواريث متعددة. ففي مقدمته، يعبر الرئيس الشاعر عن طموحه في أن يكون المتحف الذي يتصوره ذا طابعٍ وطني وإقليمي وعالمي. على الصعيد الوطني، يرى فيه إرثًا ملموسًا للسنغال، وإثباتًا دائمًا على مركزية الثقافة في تنمية البلاد، وعلى الصعيد الإقليمي، كان على المتحف أن يمثل ثقافة غرب إفريقيا وأن يرمز إلى رفض أي نوع من أنواع «البلقنة».
وأخيرًا، لأن هذا المتحف يهدف إلى الحفاظ على الفن الإفريقي والترويج له على الصعيد العالمي، كان مخططًا أن يكون «جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي للإنسانية»، ومن ثم يساهم أيضًا في بناء الحضارة العالمية. على الرغم من التخلي عن هذا المشروع عند استقالة سنغور، فإنه يُعد جزءًا من إرثه، إذ إنه يُساهم بالفعل في توضيح دور إفريقيا والأفارقة كشركاء في إبراز فنهم.
إعادة إحياء الزنوجة
أما بالنسبة إلى ملصق معرض سنغور والفنون، فقد استعان متحف كاي برانلي بعمل (القرابين السوداء) للفنان روميو ميفيكانين (Roméo Mivekannin) (وُلِد عام 1986م)، وهو فنان بنيني يهتم بشكل خاص بـ«العلاقة الغامضة بين فرنسا والمستعمرات[13]»، العلاقة التي تتأرجح ما بين الانبهار والأيديولوجيا العنصرية. من خلال تداخل صورة سنغور التي تعود لعام 1949م، عندما كان يشغل منصب مندوب في مجلس أوروبا في ستراسبورغ، مع «القصيدة الافتتاحية» المأخوذة من عمله القرابين السوداء، يموضع روميو ميفيكانين عمله في محاذاة المؤسسات الغربية، ويبرز في الآن ذاته خطابًا يدين المعاملة التي يقاسيها السود.
هذا العمل، المعروض في بداية المعرض، يشهد على إعادة إحياء شخصية سنغور لدى الفنانين الأفارقة الشباب اليوم، كذلك، إن النقاشات حول ضرورة إعادة النظر في العالم والفن انطلاقًا من دول الجنوب، ولا سيما من إفريقيا، دفعت هؤلاء الفنانين الشباب إلى إحياء الفكر السنغوري. ومن خلال أسلوبه، يجسد روميو ميفيكانين المشروع السنغوري كحوارٍ بين أنداد، مما يُمكّن السود أخيرًا من أن يُسمع صوتهم وأن يشاركوا في الحضارة العالمية.
تُعَدّ فكرة «الزنوجة البيئية»، ضمن المقترحات التي قدّمتها إلارا برتو في عملها «أن ترث الزنوجة اليوم»، من أكثر الأفكار تفرّدًا وأصالة، ولا سيّما في ما يتعلق بفهم مفهوم «الترابط بين الكائنات الحية». إذ إنّ إحياء الزنوجة من منظور القضايا البيئية يمنح إفريقيا موقعًا فاعلًا في النقاش العالمي، من خلال دعوتها إلى استعادة قدسية الأرض، وهو ما يمكن أن يشكّل منطلقًا لنهضة أيديولوجية جديدة تتيح إعادة التفكير في «حقوق الغابات، وقوة الأنهار، وحسّ الكائنات الحيوانية المحيطة بنا» (ص 152). ومن خلال تجاوز الخلافات والجدالات التي أحاطت بهذا المفهوم، يصبح ممكنًا استيعاب فكر ليوبولد سيدار سنغور بصورة أعمق، الأمر الذي يفتح المجال أمام إعادة صياغة الزنوجة بما يحافظ على جوهرها ويحصّنها ضد التآكل أو التقادم، لتغدو قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
[1] Senghor et les arts. Réinventer l’universel [catalogue de l’exposition du musée du quai Branly – Jacques
Chirac, Paris, 7 février – 19 novembre 2023] / sous la direction de Mamadou Diouf, Sarah Frioux-Salgas
et Sarah Ligner. Paris : MQB, p. 25.
[2] Elara Bertho, Senghor, Puf 2023.
[3] Léopold Sédar Senghor. 1967, « Qu’est-ce que la Négritude ? ». Études françaises, vol. 3, p. 3, en ligne.
[4] Amady Aly Dieng, « Le 1er Congrès des écrivains et artistes noirs et les étudiants africains », Présence
Africaine, 175-176-177, no. 1-2- 2008-1, 2007, p. 118.
[5] Extrait de l’intervention de Léopold Sédar Senghor au premier Congrès des écrivains et artistes noirs
(1956), (consulté le 15 février 2023).
[6] Souleymane Bachir Diagne, « La Négritude comme mouvement et comme devenir », Rue Descartes,
2014/4 (n° 83), p. 52 (consulté le 1er mars 2023)
[7] Coline Desportes, « Négociations et « influence » sur le terrain des arts : un échange d’objets entre la
France et le Sénégal dans les années 1960 », Politique africaine, vol. 165, no. 1, 2022, p. 107.
[8] 8 Mohamed Mbougar Sarr, « Imaginer Sédar heureux », Le 1, n°433, 8 février 2023, p. 3.
[9] Extrait du texte « Dissidences » de l’exposition Senghor et les arts. Réinventer l’universel.
[10] Elisabeth Harney, 2023. « Le laboratoire Agit’Art », p. 129 in Senghor et les arts. Réinventer l’universel
(catalogue d’exposition). Paris : Éditions du Musée du Quai Branly – Jacques Chirac.
[11] Ibid, p. 130.
[12] Musée de Dakar. Témoin de l’art nègre, Dakar, Nouvelles éditions africaines, et Paris, Éditions
Delroisse, [n. d.] vers 1970, p. III-IV.
[13] Site de la galerie Cécile Fakhoury qui a organisé l’exposition (consulté le 10 février 2023).
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




