ترجمة: وسن الجار الله
كشفت إحدى الدراسات عن الإجراءات التي قد يعتمدها المديرون لتعزيز شعور الموظفين بالراحة للتعبير عن آرائهم ومخاوفهم.
ومع تحوّل إدارات المنظمة المتزايد، وتغيّرها من أنظمة الإدارة الهرمية التقليدية إلى أنظمة ديموقراطية مبنية على فرق متمكّنة تُنظّم ذاتها، بل وأيضًا مرنة، فقد أصبح من الضروري بناء ثقافة تمكّن الموظفين من المشاركة الفعّالة وتبادل حوارات صادقة وبنّاءة تمكّنهم من اتخاذ القرارات، ومن المعروف أن هناك حاجة إلى مستويات عالية من السلامة النفسية لبناء هذه الثقافة، ولكن ما لم يُلاحظ هو الإجراءات المدعومة بالأدلة التي يمكن للقادة تطبيقها لخلق بيئة آمنة.
أجرينا في شركة “ساندوز”، وهي أحد الأقسام التابعة لـ “نوفارتيس”، تجربة محكمة عشوائية شملت أكثر من 1000 فريق يضمُّ أكثر من 7000 فرد من مختلف أنحاء العالم لاختبار فعالية هذه التجربة، وذلك بالتعاون مع أكاديميين ومستشارين متخصصين في علوم السلوك. ومع علمنا ومعرفتنا بأهمية السلامة النفسية وارتباطها بالنتائج الإيجابية ارتباطًا وثيقًا، مثل زيادة الإنتاجية، وتحسين الأداء، وتعزيز سلوكات التعبير لدى الموظفين، إلا أنه لم يكن لدينا أدلة كافية حول كيفية تعزيزها عمليًّا.
كان اهتمامنا سابقًا يصبُّ بكيفية توفير السلامة النفسية للموظفين وتمكينهم للتعبير عن آرائهم، وزيادة احتمالية إبلاغهم عن القضايا الأخلاقية وسوء السلوكات المحتملة وكيفية معالجتها، فأثبتت دراساتنا السابقة أن السلامة النفسية هي أحد العنصريْن الأساسيين المؤثرين على شعور الموظفين بالأمان حين يشاركون مخاوفهم وما يقلقهم، أمّا العنصر الثاني فهو علاقة الموظف مع مديره المباشر، فكان هدفنا الأساسي هو دراسة سلوكات المديرين أولًا لمعرفة العوامل المؤثرة على حرية تعبير الموظفين عن آرائهم.
تصميم التجربة
على مدار ستة أسابيع في أواخر عام 2021م، اختبرنا تأثير وفعالية هذا الإجراء البسيط والذي يهدف لإرشاد المديرين حول كيفية عقد اجتماعات فردية مع أعضاء فريقهم.
فتكونت دراستنا من ثلاث مجموعات تجريبية: المجموعة الأولى كانت مجموعة ضابطة تتكون من مديرين كانوا على علم بالدراسة التي تجريها الشركة حول العادات المتّبعة في الاجتماعات، إلا أنهم لا يحيطون بالتفاصيل الدقيقة، أما المجموعتان الثانية والثالثة فكانتا عبارة عن مجموعات معالجة يتلقى المديرون فيها رسائل بريد إلكترونية تحثّهم على إجراء اجتماعات فردية منتظمة مع أعضاء فريقهم، والتركيز على السلامة النفسية في استعمال إحدى هاتين الآليتين المختلفتين.
ركّزت مجموعة التدخّل الأولى على التميّز الشخصي؛ فكانوا يعاملون موظفيهم على أنهم أفراد مميزون، وطُلب من المديرين تشجيع موظفيهم على التعبير أثناء الاجتماعات الفردية عن أولوياتهم ومجالات الدعم التي يحتاجون إليها، واستند هذا التدخّل على بحثٍ سابقٍ أشار إلى وجود علاقة وثيقة بين التميّز الشخصي والسلامة النفسية.
أمّا في مجموعة التدخل الثانية فقاموا بتحفيز المديرين لتوظيف هذه الاجتماعات الفردية للتركيز على تخفيف أعباء فرق عملهم، فيُعدّ تخفيف الأعباء عملية مساعدة في تحديد الأولويات بتقليص الممارسات الحالية بدلًا من الإضافة إليها، وقد أثبتت الدراسات فعاليّتها في زيادة الإنتاجية بتمكين العاملين من ترتيب الأولويات.
ففي غضون ستة أسابيع، تلقى المديرون في المجموعات المعالجة رسائل بريد إلكترونية منتظمة حول كيفية إجراء هذه الاجتماعات مع الموظفين، فكان جدول المراسلات البريدية ومحتواها متشابهين للمجموعتين كلتيهما، إلا أن الاختلاف الوحيد كان في محتويات المرفق، والذي احتوى على نصائح حول النهج العلاجي المحدد الذي يجب اتباعه.
ولقياس تأثير هذه الإجراءات، اخترنا سؤالين من استبيان الشركة الدوري يعكسان إلى حدٍّ بعيد الأسئلة التي استحدثتها إيمي إدموندسون لتقييم السلامة النفسية، فتقول: “إن وجهات نظر أعضاء فريقي مهمة وتؤخذ بالحُسبان” و”أشعر بالراحة حين أشارك هذه التعليقات والمشاعر مع زملائي”. فقمنا بقياس درجات السلامة النفسية قبل وبعد الفترة التي تدخلنا بها وذلك لقياس تأثيرها ومقارنته بالمجموعة الضابطة، وقمنا أيضًا بتقييم البيانات على مستوى الفرق، مع ضرورة وجود إجابات لا تقل عن خمس إجابات لكل فريق للحفاظ على السرية.
النتائج
وجدنا في دراستنا أن المديرين الذين عاملوا أعضاء فريقهم معاملة تميّزهم من غيرهم قد عززوا السلامة النفسية لفريقهم تعزيزًا كبيرًا مقارنة بمديري المجموعات الأخرى، فعلى مدى ستة أسابيع، ارتفعت السلامة النفسية في مجموعات التميّز الفردي بنسبة 12% مقارنة بالمجموعة الضابطة، وأيضًا وجدنا أن المجموعة التي ركّزت على تخفيف الأعباء قد تحسّنت تحسنًا ملحوظًا ولو كان بنسبة أقل، إلا أنها كانت أفضل بمعدل 6% من المجموعة الضابطة، أظهرت المجموعتان المعالجتان كلتاهما تحسنًا ملحوظًا من الناحيتين العملية والإحصائية في نهاية التجربة.
ومع ذلك، لاحظنا عند التعمّق في تحليل البيانات وجود فارق طفيف في النتائج. فقد تبين لنا أنّه عندما حصرنا التحليل على الفِرَق التي سجلت درجات منخفضة في السلامة النفسية، ظهر تأثير واضح لكلا التدخلين. ويُشير ذلك إلى أن فعالية هذه الإجراءات تتجلّى بوضوح أكبر عندما يكون مستوى السلامة النفسية في الفريق منخفضًا بالأساس. وفي هذه الحالة، حققت مجموعة التميّز الشخصي تحسّنًا بنسبة 19% مقارنة بالمجموعة الضابطة، بينما حققت مجموعة تخفيف الأعباء تحسّنًا بنسبة 14%. وقد كان هذا التحسّن لافتًا ومشجّعًا، ولا سيما لدى الموظفين الذين كانوا في أمسّ الحاجة إلى مثل هذا الدعم.
إن المديرين الذين عاملوا أعضاء فريقهم معاملة تميّزهم من غيرهم عززوا سلامتهم النفسية تعزيزًا كبيرًا مقارنة مع غيرهم من المجموعات الأخرى.
ومع أن تفاوت استفادة مجموعات الموظفين المختلفة من الإجراءات كان أمرًا متوقعًا، إلا أن نتائجنا كشفت أبعادًا أخرى؛ إذْ أثبتت استراتيجية تخفيف الأعباء أنها الأكثر فعالية عند التركيز على الفرق التي تتمتع بمستويات متوسطة إلى مرتفعة من السلامة النفسية، أما بالنسبة للمجموعات التي حظيت بنسبة عالية نسبيًّا من السلامة النفسية، فإن تخفيف هذه الأعباء قد حسّن السلامة النفسية لديهم بنسبة 14% مقارنة بالمجموعة الضابطة، بينما تحسنت نتائج مجموعة التميّز الشخصي بنسبة أعلى من 9% من المجموعة الضابطة.
امتد تأثير تدخلاتنا ليشمل جوانب أعمق من مجرد تعزيز السلامة النفسية، فوجدنا تأثيرات إيجابية ممتدة؛ إذ ازدادت تصورات الموظفين حول التطور والتقدّم المهني بنسبة 21%، وتحسّنت أيضًا نظرتهم إلى المديرين، فأصبحوا ينظرون إليهم على أنهم نماذج يُحتذى بها بنسبة 15% مقارنة بالمجموعة الضابطة، وكما كان متوقعًا، لم تعمل هذه الإجراءات على تعزيز الأمان النفسي فقط، بل أثرت تأثيرًا إيجابيًّا على عدة جوانب في العلاقة بين المدير والموظف.
بشكلٍ عام توضح نتائجنا عدم وجود طريقة واحدة مُتبعة لرفع السلامة النفسية تُناسب الحالات جميعها، بل على العكس، فإن النهج الأكثر فعالية يختلف اعتمادًا على المرحلة التي تنطلق منها المجموعة، ولعل العلاج الفردي سيؤدي إلى نتائج أكثر فعالية إن كانت نسبة السلامة النفسية لدى المجموعة منخفضة نسبيًّا، ولكن مع تحسّن السلامة النفسية في المجموعات، قد يُصبح من الأفضل التركيز على تخفيف هذه الأعباء. نستنبط من هذه النتائج دروسًا مهمة للمنظمات التي تسعى إلى تبني نهج ورؤية سلوكية؛ فاعتماد فرضيات عامة دون اختبار فعاليتها أولًا قد يفشل هذا النهج، ويعد السياق الخاص لكل فريق عاملًا مهمًّا.
ما وراء التجربة: الدروس المستفادة
نرى أن هناك دروسًا إضافية يمكن تطبيقها لتعزيز التغيّر السلوكي في المنظمات تعزيزًا أكثر فعالية.
لقد أظهرت أول نتائج دراساتنا أن المنظمات يمكنها تحقيق تغيير ملموس من خلال تدخل بسيط وقليل التكلفة يتسبب بأقل قدر من الإزعاج، كما هو الحال في تواصلنا عبر رسائل البريد الإلكتروني، فلا حاجة لحملات توعوية وورش عمل كبيرة ومكلفة، فإن وجدت نفسك تخطط لعمل ندوة عن السلامة النفسية فعليك التفكير بتغيير السلوكات باستعمال المنصات الحالية وأساليب العمل القائمة.
ثانيًا، أظهرت دراستنا أننا يمكننا تعزيز السلامة النفسية بين الموظفين دون الحاجة إلى الترويج لمفهومها المباشر. في الواقع لم تذكر التجربة السلامة النفسية ذكرًا مباشرًا، ولم نحثّ المديرين على التطرق إليها، بل نرى أنه من الكافي التركيز فقط على السلوكات التي تحتاج إلى التغيير، فلا يتمحور الكون حول كسب قلوب الناس وعقولهم. تتمثل الفائدة الإضافية لنهجنا بعدم استهلاكه لطاقة الموظفين وتفكيرهم وانتباههم، فلا يحتاجون للتفكير بالسلامة النفسية، وكذلك مديروهم.
ثالثًا، توصلنا إلى فهم أعمق لعملية قياس تصورات الموظفين، فحين قارنا إجابات استبانة جس نبض الفريق، وجدنا تغيّرًا ملحوظًا، ومع ذلك كان تأثير الأسئلة المتعلقة بتصورات المنظمة تأثيرًا ضئيلًا، ويعدُّ هذا درسًا قيمًا للشركات التي تعتمد على استبيانات جس النبض لمعرفة آراء الموظفين، فالفروقات بين التصورات على مستوى المنظمة وعلى مستوى الفريق لها أهمية كبيرة، فعليك أيضًا التأكد من قياس آراء فريقك إن كنت تسعى لإحداث تغيير على هذا المستوى.
وأخيرًا إن كنت تريد قياس مشاعر الناس بشكل عام في منظمتك أو تقييم مستويات فعاليتهم، لا تسألهم أسئلة عمومية مثل “بشكل عام، أتشعر أن منظمتنا…؟”، بل اسأل عن مشاعرهم على مستوى الفريق أو على الصعيد الشخصي، وبعدها قم بتجميع البيانات. ستعكس هذه النتائج ما يشعر به الناس في حياتهم العملية بدلًا من شعورهم العام حين يتوقفون للتفكير في المنظمة.
إن بناء بيئة عمل سليمة نفسيًّا يُساعد المديرين في استكشاف إمكانيات أعضاء فريقهم وتحقيق فوائد أكبر مثل زيادة الإنتاجية، وتحسين الأداء، ورفع احتمالية تعبير الموظفين عن القضايا الأخلاقية، ومع أن اتّباع أفضل الممارسات التي تعتمدها المنظمات الأخرى يُعد أمرًا مغريًا، إلّا أن دراستنا أظهرتْ أن بناء السلامة النفسية هي عملية معقدة يؤدي السياق بها دورًا مهمًّا، وسيساعد البحث في هذه الأمور على اكتشاف النهج الأنسب لبناء سلامة نفسية فعّالة داخل منظمتك.
ومع أن الشركات تواجه رقابة متزايدة تفرضها الجهات التنظيمية والمجموعات الناشطة وكافة المجتمع، إلا أن حالات سوء السلوك والانتهاكات الأخلاقية ستظل قائمة، فقد يستغرق الأمر دقائق معدودة لتدمير سمعة قضت الشركة سنوات في بنائها. نؤمن أن المنظمات قادرة على إيجاد بيئة يشعر بها جميع الموظفين، بمن فيهم القيادات العليا، بحرية التعبير عن آرائهم ومعالجة المشكلات وحلها بشكل فعّال، فيجب على القيادات تبني الممارسات التي تُلبي احتياجات فريقهم لتحقيق ذلك.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




