لاري يو
يدّعي المسوّقون الذين يسعون إلى تحقيق ارتفاع حاد في منحنيات مبيعاتهم، أن انخفاض السعر إلى مستوى معين، مثل نقطة السعر السحرية البالغة 500 دولار للأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، كأجهزة تشغيل الأقراص المدمجة (CD players)، سيدفع السوق الجماهيرية إلى الإقبال على شراء منتجهم. لكن انخفاض الأسعار ليس العامل الرئيس، كما يجادل كلٌّ من: راجشري أغاروال (Rajshree Agarwal)، الأستاذة المساعدة في الإدارة الاستراتيجية بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين، وباري إل. بايوس (Barry L. Bayus)، أستاذ التسويق في كلية كينان-فلاجير للأعمال بجامعة نورث كارولاينا. تقول أغاروال: “السعر ذاته غير مهم في دفع المبيعات للانطلاق في السوق”. وهي وبايوس يقدمان أدلة على أن دخول المنافسين هو السبب الحقيقي.
في دراسة بعنوان “تطور السوق وانطلاق المبيعات للابتكارات المنتجية” (The Market Evolution and Sales Take-Off of Product Innovations)، المنشورة في عدد أغسطس 2002م من مجلة “علوم الإدارة” (Management Science)، يستعرض المؤلفان تحليلهما لثلاثين ابتكارًا في المنتجات الاستهلاكية والصناعية، أسفرت عن أسواق منتجات جديدة ناجحة بالكامل خلال المئة وخمسين عامًا الماضية. وفي تطور كل سوق، من آلات الخياطة وأجهزة تشغيل الأقراص المدمجة (CD players) إلى المضخات الحرارية والمضادات الحيوية، كان ارتفاع معدل نمو مبيعات الصناعة يسبقه زيادة في عدد الشركات المنافسة.
يفترض المؤلفان أن زيادة المنافسة تؤدي إلى تبنٍّ سريع للسوق الجماهيرية عبر عدة آليات وسيطة، وانخفاض الأسعار هو واحد من تلك الآليات -إذ تخفض الشركات الأسعار لجذب المبيعات في ظل وجود المنافسة- لكن ذلك لا يحدث دائمًا؛ ففي بعض الأسواق التي درسوها، مثل محركات التوربوجيت (turbojet engines)، ارتفعت المبيعات حتى مع ارتفاع الأسعار. وقد خلصت الدراسة إلى أن انخفاض الأسعار أقل أهمية بالنسبة للابتكارات ذات تكاليف البحث والتطوير (R&D) المرتفعة نسبيًّا، مثل محركات التوربوجيت (turbojets)، وأنابيب الأشعة المهبطية (cathode-ray tubes)، والبلورات الكهروضغطية (piezoelectric crystals).
ومع ذلك، حتى في الأسواق التي تظهر انخفاضًا في الأسعار، قد تهيمن آليات وسيطة أخرى. في الواقع، يعتقد المؤلفان أن تحسينات المنتج تفسر ارتفاع المبيعات بشكل أفضل من انخفاض الأسعار؛ فعندما يدخل المنافسون السوق، تتحسن العروض الأولية البدائية للمنتج تحسنًا كبيرًا من حيث الجودة والأداء، وغالبًا ما يخصص المنتجون هذه التحسينات للأسواق المتخصصة. ومع تزايد تنوع المنتجات المطروحة في السوق، تضطر الشركات إلى الابتكار بوتيرة أسرع، ويكون لهذه الابتكارات تأثير أكبر من السعر، فيما إذا كان العملاء سيقبلون هذه المنتجات الجديدة.
وبعيدًا عن انخفاض الأسعار وتحسينات المنتج، هناك آليات أخرى قد تفسر زيادة المبيعات. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي وجود عدد أكبر من المنافسين، إلى تحسين قنوات البيع والتوزيع (مثل حاجة آلات الخياطة إلى منافذ بيع بالتجزئة)، وتحفيز تطوير البنية التحتية (مثل حاجة السيارات إلى طرق ومحطات وقود)، أو تحسين كفاءة الإعلان والترويج. كذلك، قد يشير دخول منافس كبير إلى سوق يهيمن عليها مبتكرون صغار، إلى شرعية سوق المنتج بالنسبة لمنافسين محتملين آخرين، وشركاء سلسلة التوريد، والمشترين.
إذا كانت زيادة المنافسة مفيدة إلى هذا الحد، فهل ينبغي للمبتكر أن يشجع المنافسين على الدخول؟ ليس تمامًا. يوضح بايوس: “هناك فرق بين مستوى تحليلنا للصناعة، وما يمكن أن ننصح به الشركة الفردية”. تواجه الشركات الرائدة مفاضلة؛ إذ يمكنها امتلاك حصة كبيرة من سوق تنمو فيها بمفردها، أو امتلاك حصة صغيرة من سوق كبرى يسهم فيها المتابعون في بنائها معهم (مع احتمال فقدان القدرة على تحديد الأسعار).
ورغم أن المؤلفين لا ينصحون بالتخلي عن حماية براءات الاختراع وتشجيع التقليد، فإنهم قد يوصون بالتعاون مع المنافسين المحتملين، من خلال تحالفات أو ترتيبات الترخيص المتبادل (cross-licensing). فعلى سبيل المثال، اتفق مصنعو الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية على معايير تقنية لأجهزة تشغيل الأقراص المدمجة (CD players)، لضمان أن منتجي الموسيقا سينشرون أعمالهم بالصيغة نفسها. وقد مكّن ذلك من النمو السريع لسوق أجهزة تشغيل الأقراص المدمجة (CD player)، رغم أن المصنعين ربما فقدوا بعض التقنيات الخاصة وقوة تحديد الأسعار.
من ناحية أخرى، قد تفضل الشركات الرائدة التي تمتلك منتجات متفوقة، أن تسلك طريقها منفردة إذا تأكدت من امتلاكها الموارد الكافية، وقد لا تحتاج تلك الشركات الرائدة إلى منافسين لمساعدتها في تعزيز معدل الابتكار في المنتجات، أو تطوير بنية السوق التحتية، أو الترويج لسوق المنتج الجديد. وربما لن تنمو السوق بسرعة كما يمكن أن يحدث، لكن أرباح الاحتكار التي يحققها الرائد، ستظل غالبًا كافية لإرضائه.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




