ترجمة: روابي العمري
مصطفى الميري Mustapha EL MIRI وفيليب ماسون Philippe MASSON
بعد نشر مقال دانييل سيفاي Daniel Cefaï وبول كوستي Paul Costey، المعنون بـ”تقنين الالتزام الإثنوغرافي Codifie l’engagement ethnographique“، يتساءل عالما الاجتماع مصطفى الميري وفيليب ماسون عن جدوى إيجاد ميثاق أخلاقي في علم الاجتماع.
يؤثر التحكيم المُلاحظ في العديد من مجالات أنشطة الحياة الاجتماعية بفرنسا، في العلوم الاجتماعية. في الحقيقة، يعتزم العديد من الميادين العلمية تبنّي ميثاق أو مدونة أخلاقيات تحكم أنشطة الباحثين[1]. لعل بعض الجدل الذي دار حول “قضية تيسييه l’affaire Tessier”[2]، جعل البعض يشعر بضرورة اللجوء إلى قواعد تجعل من الممكن السيطرة على مجتمع علماء الاجتماع. الأهم من ذلك، دعا تطور الممارسات الإثنوغرافية على مدى العشرين سنة الماضية، إلى دراسة المؤسسات والشركات والمجموعات التي تمارس أنشطة غير مشروعة، أو غير قانونية، مما دفع الباحثين إلى التفكر في ممارساتهم بشكل أكبر. لذلك من المرجح أن تُعالج هذه المسائل الأخلاقية في نهاية المطاف. لكن إذا ظهرت مشاكل أخلاقية، فهل يجب أن نتبع مسارًا قانونيًّا يكون على هيئة ميثاق؟
ما المبررات المهنية لميثاقٍ أخلاقي؟
ترتبط النقاشات المتمحورة حول علم الأخلاق، وأخلاقيات علم الاجتماع، بشكل أساسي بممارسات العمل الميداني، وكما أكد دانييل سيفاي Daniel Céfai وبول كوستي Paul Costey عام ٢٠٠٩م، في حديثهما المتعلق بالعلوم الاجتماعية الأمريكية، لا سيّما الأنثروبولوجيا، ترتبط المداولات عن الأخلاقيات بتاريخ البحث الطبي -الوبائي خصوصًا- من جهة، وبوضع علماء الأنثروبولوجيا في البلدان التي تشهد حروبًا تتدخل فيها الولايات المتحدة من جهة أخرى.
إن هذه المسألة معروفة وموثقّة على نطاق واسع في الأدب الأمريكي، إذ لا يتعلق الأمر باستعادة أصل هذه المناقشات والمواثيق الأنجلوسكسونية[3]. نتذكر ببساطة ظهور هذه الأسئلة لأول مرة في علم الاجتماع، وارتباطها بملخصات الدراسات الإثنوغرافية (لا سيما في حالة سبرينجدال Springdale بعد المسح الذي أجراه فيديتش Vidic وبنسمان Bensman سنة ١٩٥٨م)، ثم في تقنية الملاحظات السرية التي انبثقت من مقالة لوفلاند Lofland وليجون Lejeune سنة ١٩٦٠م، وجواب ديفيس Davis ١٩٦١م، الذي ندد بهذه التقنية[4]. لم تكُن “الملاحظة السرية” وحدها التي بدت كأنها تخالف الأعراف الأخلاقية آنذاك، ولكن أيضًا بعض الموضوعات البحثية، مثل بحث همفريز Humphreys سنة ٢٠٠٧م حول ممارسة الشذوذ في حمّامات شيكاغو العامة. يعد النهج الإثنوغرافي في علم الاجتماع بفرنسا حديثًا -إذ لم يطوّر إلا ابتداءً من الثمانينيات-، كما لم تكُن الأسئلة الأخلاقية التي طرحتها الدراسات محورية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. إذ كان من الممكن لنا تحليل المكالمات الهاتفية المسجلة دون علم أحد الأطراف، أو اختراع دور والتظاهر بما لسنا عليه[5]، دون أن يثير ذلك أي اعتراضات. يعدّ الباحثون الذين يتبنون مناهج أخرى أقل عرضة لهذه المشكلات –أولئك الذين يمارسون التحليل الثانوي للبيانات الكمية، يظلّون أقل ظهورًا في هذا النقاش الذي غالبًا ما يكون من اهتمامات علماء الإثنوغرافيا.
العلاقات مع الممولين وأصحاب العمل
يُعدّ وجود ميثاق أخلاقي مُتعلق بالمشكلات الاعتيادية التي تواجهها مهنة ما في علاقاتها مع المهن المنافسة لها، أحد المؤشرات على إكساب هذه المهنة احترافيتها وتنظيمها، باعتبارها مجالًا مستقلًّا خاضعًا لقواعده الخاصة (أبوت Abbott، ١٩٨٣م). يمكن لعلماء الاجتماع العاملين لدى المنظمات الخاصة أن يجدوا في الميثاق وسيلة تسمح لهم بتمييز ممارساتهم عن ممارسات منافسيهم، أو الاعتراف بهم باعتبارهم علماء اجتماع في هذه المؤسسات، أو الدفاع عن الممارسة الاجتماعية أمام أرباب العمل. كما يمكن أن يكون الميثاق الأخلاقي قيمة مضافة لإثبات الكفاءة في السوق، كما هي الحال في مؤسسات الاقتراع التي تفرض هذه المواثيق الأخلاقية. إذن، يعدّ الميثاق أحد ملامح واجهة المنظمة، كما يعكس صورة عن مدى صرامة قوانينها الداخلية (بول Ball، ١٩٧٠م). كما أنه وسيلة، أيضًا، لحماية المهنيين، كما هي حال الصحفيين: حيث يحميهم ميثاقهم من الدعاوى القانونية ضدهم، أو من رئيس التحرير، أو من رئيس المؤسسة الصحفية، عبر السماح لهم بالتحفظ على مصادرهم، وعدم الكتابة ضد قناعاتهم، وعبر تسهيل علاقاتهم مع قرائهم وجماهيرهم (إن احترام الميثاق يضمن المصداقية والجدية)، وكما نعلم، فإن مثل هذا الميثاق يكون موائمًا للعديد من طرق ممارسة المهنة، لأنه عام في هذه الحالة. يمكن أن يرى علماء الاجتماع في الميثاق الأخلاقي وسيلة لطمأنة مموليهم، (و/ أو) حماية أنفسهم من بعض مطالب هؤلاء الممولين. بدورهم، يعدّ مسؤولو الجامعات الميثاق وسيلة للحماية، كما يتضح ذلك في الحالة الكندية أو الأمريكية، حيث قامت المؤسسات والجامعات بإنشاء لجانٍ أخلاقية (هاجرتي Haggerty، ٢٠٠٤م، حول لجنة أخلاقيات البحث الوطنية). قد يدفع إنشاء الجامعات الفرنسية مؤسسات ضمن إطار “قانون الحريات والمسؤوليات الجامعي LRU” المسؤولين في هذه المؤسسات، إلى ضمان أن الأبحاث التي يمولونها لن تلحق الضرر بهم، مما سيجعل الالتزام الرسمي بالقواعد الأخلاقية وسيلة ضغط إضافية في أيدي المسؤولين الإداريين تجاه زملائهم الذين يمثلون ميادين مهمشة داخل الجامعة. كما يشير هاجرتي، فإن الشرعية التي يمكن أن تقع فيها هذه اللجان ستواجه عقبة أمام البحث التجريبي، وهذا جانب نعتقد أنه سيكون من الأفضل تجنبه.
ميثاق لتنظيم المهنة داخليًّا؟؟
يمكن أن يتضمن الميثاق مسوغًا آخر يتعلق بالتنظيم الداخلي للمهنة. يمكن النظر إلى الميثاق الأخلاقي باعتباره وسيلة من ضمن وسائل أخرى موائمة للمهنة، أو تنظيمها، ومنحها مكانة مماثلة لجمعيات علم الاجتماع الأجنبية الأخرى. وكما في مدونة الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع l’American Sociological Association، حيث نشرت عدة مقالات في الفصل الثامن عشر تتعلق بالعلاقات مع الطلاب في سياق تدريس علم الاجتماع، وفي الفصل ١٦ مقالات أخرى ترتبط بعملية النشر. كما لا ينبغي التغافل عمّا نشرته المدونة الكندية في بنودها “من المادة ٣٢ إلى ٣٩” المتعلقة بالعلاقات بين الزملاء، و”من المادة ٤٠ إلى ٥٢” المتعلقة بإجراءات تعيين الأستاذ، وذلك عبر التقارير التي يقدمها الطلاب. لكن فيما يخص جوانب العلاقات مع الطلاب أو بين الزملاء، فإن القواعد الأخلاقية لا تؤدي إلا إلى حلقة مفرغة من الأعراف الأخلاقية السائدة في الوقت الحالي. عند قراءة النصوص الأنجلوسكسونية أو المشروع الفرنسي، فإننا نصطدم بحقيقة أنها تجمع بين ثلاثة أنواع مختلفة من القواعد: أولًا، القواعد التي تحدد التنظيم الرسمي للمهنة، وثانيًا، التي تسعى إلى إضفاء الطابع الأخلاقي على عمل عالم الاجتماع، وأخيرًا، تلك الخاصة بالعمل الفعّال (إجراء الاستقصاءات أو التدريس). في الواقع، لا يكفي لتوحيد المهنة وجود ميثاق أخلاقي، حيث سيظل هذا الميثاق رمزيًّا إلى حد كبير، إذ سيضع علماء الاجتماع ذوو الخبرات الوظيفية المتنوعة (كالعاملين في القطاع الخاص، أو الموظفين الحكوميين) على المستوى نفسه دون معالجة للفروقات الحقيقية بينهم. لا تمتلك الجمعيات الوطنية لعلماء الاجتماع الموارد، أو السلطة الكافية لتنظيم النزاعات المهنية، حيث تُحسم هذه النزاعات فعليًّا في الهيئات الإدارية والتنظيمية ذات السلطة الحقيقية؛ مثل اللجان التخصصية، أو مجالس مثل (المجلس الوطني للجامعات CNU) و(المركز الوطني للبحث العلمي CNRS)، أو مجالس الكليات والجامعات، أو لجان تحرير المجلات العلمية.
يطرح وجود ميثاق أخلاقي تساؤلات حول الجهة المسؤولة عن تطبيقه، وعن آليات هذا التطبيق. مَن الجهة المعنية التي يجب أن تمنح اعتمادًا أخلاقيًّا لبحث سوسيولوجي؟ وهل سيُضاف هذا المعيار الأخلاقي إلى معايير أخرى موجودة بالفعل لتقييم التوظيف، وإدارة الموازنات، وتمويل المختبرات، والعقود البحثية، ونشر تقارير الأبحاث؟ قد يجد الباحث نفسه مضطرًّا إلى التظاهر باحترام الميثاق الأخلاقي في جميع أبحاثه، مما سيتعارض مع غايات القواعد الأخلاقية المنشودة للتنظيم الرسمي للمهنة، ومما سيزيد من التعقيدات على الباحثين. يكمن الخطر في التوقف عن مناقشة المشاكل العلمية المطروحة، والتي تُتَداول أحيانًا في التقارير الاستقصائية النادرة.
حماية علماء الاجتماع وعيّناتهم البحثية
يشير النوع الثالث من المسوغات إلى العلاقة بين علماء الاجتماع والمشاركين في أبحاثهم، إلى أن هناك مسألتين مختلفتين: حماية علماء الاجتماع (وعيناتهم البحثية) من تدخلات إدارات الدولة، أو المنظمات الأخرى من جهة، ورغبة بعض الفئات الاجتماعية -وبشكل أدق المواطنين- في حماية أنفسهم من الأبحاث الاجتماعية من جهة أخرى. لنبدأ بالمسألة الأولى.
حماية علماء الاجتماع
تكمن إحدى المشاكل في ماهيّة الأنشطة غير القانونية التي يمارسها الأشخاص الذين ندرسهم، وبالتالي قد يكون الباحث شاهدًا على أنشطة غير قانونية، وقد يضطر إلى وضع نفسه خارج القانون عندما يفرض الدور الذي يشغله في الميدان ممارسات غير قانونية؛ مثل المشاركة في أنشطة المجموعة، ولكن أيضَا قد تكمن مشكلة أخرى مثل أن يتعاطف مع بعض أعضائها، أو حتى نشوء علاقة عاطفية! نحن لا نَأمن هذا النوع من المخاطر. يمكن ملاحظة هذه الأنشطة غير المشروعة أو غير القانونية حتى، في المؤسسات الشرعية ذات الأنشطة الأكثر رتابة وخضوعًا للضوابط في الولايات المتحدة. هناك تقليد طويل من الاستقصاء الإثنوغرافي للشرطة (روبنشتاين Rubinstein، وسكولنيك Skolnick، وفان مانين Van Maanen، وويستلي Westley)، وقد لاحظ علماء الاجتماع هؤلاء في كثير من الأحيان، ضباط شرطة يخالفون قواعد مهنتهم أو القانون في أنشطتهم اليومية. سعت الشرطة والإدارات القضائية إلى استخدام دفاتر الاستقصاء لعلماء الاجتماع الميدانيين الذين لاحظوا الأنشطة الإجرامية. في عام ١٩٧٢م، سُجن عالم الاجتماع صامويل بوبكين Samuel Popkin، لمدة ٧ أيام لرفضه تسليم ملاحظاته ومعلوماته إلى هيئة المحلفين الكبرى، وفي الآونة الأخيرة، سُجن ريك سكارس Rik Scarce، الذي كان حينها طالب دكتوراه في علم الاجتماع، لبضعة أسابيع، لرفضه تسليم ملاحظاته، ورفض الكشف عن هوية المشاركين في العينة البحثية تحت ذريعة الميثاق الأخلاقي للجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع (ASA (Scarce، ١٩٩٥م. تنتشر هذه المشكلة بين الصحفيين الاستقصائيين الساعين إلى حماية مصادرهم. مؤخرًا، طرحت الحكومة الفرنسية مشروع قانون يهدف إلى إعادة تشكيل هذه الحماية، التي لم يُولَ لها الاهتمام، عبر حماية مماثلة لعَالِم الاجتماع. يمكننا عندئذٍ أن نتصور أن الميثاق الأخلاقي يُعنى بطرق مشاركة الباحث في الأنشطة غير القانونية، أو تلك التي تخضع لتحقيقات الشرطة. لكن، كما أشار فان مانين Van Maanen ١٩٨٣م، فإنه لا يمكن في الوقت الحالي للباحث الميداني أن يُطالب بحماية خاصة، بحجة أنه يقوم بإجراء بحث حول عصابات الإجرام أو الأنشطة الإجرامية، حيث سيكون عرضة للاتهام مثل أي شريك في الجرائم محلّ البحث، إذ لا يلوح له في الأفق أي وسيلة حماية خاصة تقيِهِ تبعات إجرائه للبحث في هذا الميدان. من المؤكد أن مصطلح “المشاركة” غامض، وسيكون من الصعب تحديد طرائقه المختلفة، هل كان راضيًا بالمساعدة؟ وهل أسهم إيجابًا أم سلبًا؟ وهل يعدّ مجرد العلم بالأنشطة غير المشروعة جريمة؟ تأتي المشكلة من حقيقة أن الدولة لا تعترف بحصول علماء الاجتماع على رخصة معينة لدراسة المجتمع، وبالأخص من منظور إثنوغرافي، إذ اقتصر اعتراف الدولة على منح شهادات علم الاجتماع، في حين أُقِرت
رخصة للصحفيين لممارسة أنشطتهم[6]. إن من غير المرجح أن تعود القواعد الأخلاقية بفائدة كبيرة على هذا المجال في الوقت الحالي، ولدينا هنا أحد الخيارين: إما أن نطالب بحق استثنائي للمهنة المرتبطة بممارسة مهمة مهنية (مثل تفويض تحدده الدولة -وهو غير موجود في الوقت الحالي- لأن علماء الاجتماع وحدهم من يحددون ذلك)، وفي هذه الحالة، علينا أن نقبل بلوائح ممارسة المهنة، وبناءً على ذلك ستترتب عليه حقوق، وواجبات وقيود؛ وإما ألا نطلب شيئًا، ونستغني عن الحقوق والحماية، ولكن نضمن بذلك مزيدًا من الحريات، وهذا قد يتداخل مع التفويض الممنوح لعلم الاجتماع، مما سيجعله موضوعًا كلاسيكيًّا للنقاش.
تتعقد المشكلة في جانب آخر، إذ قد تُعدّ بعض إجراءاتنا البحثية إجرامية إذا قمنا بالبحث في أسرار يحميها القانون، أو إذا تحايلنا ووصلنا إلى معلومات محظورة لأغراض بحثية بحتة. يمكن لميثاق الأخلاق أن ينص بعد ذلك على أنه يجب علينا البحث داخل إطار ما يسمح به التشريع فقط، حيث يضمن بهذه الطريقة، حماية علماء الاجتماع واحترام المهنة. ولكن إذا كان يتعين علينا استخدام وسائل الاستقصاء التي يسمح بها القانون فقط، كيف ولماذا يجب علينا دراسة الأنشطة غير القانونية؟ سيصعب على أي منظمة مهنية مواجهة تنوع أعضائها، وتحديد موضوعات البحث التي تستحق الدراسة، وتلك التي من الأفضل تركها جانبًا، حتى لو لم يتوقف علماء الاجتماع في الواقع عن التعبير عن آرائهم حول هذه المسألة، إذ تكمن المشكلة في الحواجز التي يمكن أن تضعها المؤسسات أو المهن أو الفئات الاجتماعية، أمام البحث الاجتماعي. هنا أيضًا، لا تنفصل المشكلة عن التفويض الذي يمنحه علماء الاجتماع لمجال تخصصهم. رأى دوغلاس Douglas عام ١٩٧٦م، أن المجتمع يتسم بالصراع، وأن امتلاك المعلومات والإفصاح عنها يعدّان أحد الجوانب الأساسية في العلاقات الإنسانية. بالتالي، فإن التفويض الممنوح لعالم الاجتماع هو اكتشاف لما يكمن خلف واجهات المنظمات والمؤسسات، وبشكلٍ أعم، لكل النشاط الإنساني. لذا، لا ينبغي لنا أن نمتنع عن دراسة العصابات والمافيا والممارسات غير المشروعة، أو غير القانونية للدولة وإداراتها. وعليه، فإن وسائل البحث المستخدمة لتحقيق هذا الهدف، ستختلف عن تلك التي يعتمدها من يتبنون رؤية أخرى ويمنحون علم الاجتماع دورًا أو مهمة مختلفة.
حماية المشاركين “عينة البحث”
تؤكد القواعد التي طُوّرت في أمريكا الشمالية، بالإضافة إلى مسودة ميثاق الجمعية الفرنسية لعلم الاجتماع AFS، ضرورة ألا يلحق عالم الاجتماع واستقصاءاته ضررًا بالعينة التي كانت قيد البحث والدراسة، أو حتى أولئك المعرضين لخطر منهم. يحاول حوالي خمسة عشر بندًا من القانون البريطاني تحديد العلاقات بين علماء الاجتماع والأشخاص الذين شملتهم الدراسة (من البند ١٣ إلى ٣٠)، وثلاثة بنود تحدد نطاق ” البحث السري” (من البند ٣١ إلى ٣٣)، بينما تناول ما يقارب العشرين بندًا من قانون الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع l’American Sociological Association، المسائل المتعلقة بسرية الدراسات الاستقصائية وعلاقات علماء الاجتماع مع المشاركين في الاستبيانات في الفصلين ١١ و١٢، والنقطة المشتركة في جميع هذه النصوص هي “المعلومات المُتحصّل عليها بالتراضي”، أو “الموافقة المدروسة”، وكما نعلم، فإن المفهوم موجود مسبقًا في قواعد أخلاقيات البحث الطبي. انطلاقًا من هذا المبدأ، يجب على عالم الاجتماع أن يحصل على موافقة (يفضل أن تكون خطية) من الأشخاص الذين يدرسهم (وبالتالي لا يجب عليه أن يتخفى)، ويجب على الباحث إبلاغهم بموضوع البحث وبحقهم في عدم التجاوب مع “الاستقصاء”. لقد كانت شروط المناقشة معروفة منذ ستينيات القرن الماضي، حيث يؤكد البعض على الحاجة إلى ضمان سرية الأشخاص الذين شملتهم الاستقصاءات البحثية، ويؤكد البعض الآخر على المشكلات العملية التي يطرحها إجراء الموافقة المدروسة، والعواقب غير المباشرة في اختيار موضوعات البحث (حيث يتجنب الباحثون دراسة مواضيع حساسة لا يضمنون الحصول على موافقة المشاركين فيها). بصرف النظر عن المشاكل العملية التي لا يمكن التغلب عليها، والتي يطرحها هذا الإجراء على الباحثين الميدانيين (راجعها جيدًا ثورن Thorn ١٩٨٠م، وغيره العديد منذ ذلك الحين)، لا يعتبر وجوده سوى لأجل تمكين المشاركين من رفض الاستقصاء الاجتماعي. لكن ألا ينبغي أن يُفتح أفقً لقول: “نعم، نريد أن تتم دراستنا”؟ وكما يشير ثورن، ماذا يحدث إذا طالبت مجموعة من السجناء بدراسة ظروف احتجازهم – والذي يعتبرونه طلبًا مرّوعًا– من قبل باحث، لكن إدارة السجن رفضت وصول الأخير إلى المؤسسات؟ هل يحق أن يكون ذلك موضوعًا للبحث الاجتماعي؟ تعتمد إجراءات المعلومات المتفق عليها على المبادئ الفردية، حيث يجب على كل شخص أن يقرر بمفرده اختيار إما أن يكون موضوع البحث أو لا. لذلك، فهو يتجاهل علاقات القوة والهيمنة بين الجماعات أو داخل المؤسسات. يعد إخفاء الهوية في تقارير البحوث الاجتماعية، أحد الحلول التقليدية المعتمدة منذ عشرينيات القرن الماضي لحماية المشاركين (دراسة ليند Lynd، حول مدينة ميدلتاون). في ذلك الوقت، كان من البديهي الوقوف ضد ممارسات الصحفيين بالنسبة للكثيرين، لنؤكد في المقام الأول أن ممارسة إخفاء الهوية لا تشير دائمًا إلى الحرص على حماية المشاركين فقط.
في عمل ساذرلاند Sutherland الشهير ١٩٤٩م، جريمة ذوي الياقات البيضاء White Collar Crime، حجب أسماء الشركات المعنية بناءً على طلب الناشر والجامعة، فقد رأى الكاتب أن استخدام مصطلح “جنائي” لوصف أنشطة الشركات التي لا تخضع للقانون، يمكن اعتباره تشهيرًا يخضع للإجراءات القانونية. من جانبها، لم ترغب الجامعة في إثارة غضب بعض مموليها. أما الصحفيون، فاختاروا منذ فترة طويلة السير في الاتجاه المعاكس، إذ بغض النظر عن حماية مصادرهم، فإنهم يحددون موضوعاتهم بأسمائهم، راغبين في إظهار صحة تقاريرهم، حيث تستند تحليلاتهم إلى وقائع وليس مجرد اختراعات بسيطة، مما سيمكّن زملاءهم من إجراء تحقيقات مضادة. من المؤكد، أن المحاكمات تكون أكثر تواترًا مما كانت عليه في حالة المسوحات الاجتماعية، ومع ذلك، فإن ممارسة إخفاء هويته لها حدود واضحة، حيث تكون متاحة فقط للقراء من غير المطلعين على المجال المدروس.
لا تحظى هذه الممارسة بإجماع بين علماء الاجتماع كما توضح حالة دونيير Duneier ١٩٩٩م، الذي قام بدراسة بائعي الصحف منتهية الصلاحية أو القديمة (غالبًا ما يكونون مشردين) في الشارع السادس، حول قرية غرينتش في نيويورك، وذلك عبر ملاحظة المشاركين. خلص دونيير إلى تفضيل نفس نهج الصحفيين في عدم إخفاء هويات الأشخاص الذين شملتهم الدراسة، وقدم سببين لتبرير هذا الاختيار، أولًا: انضمامه إلى المصور الصحفي أوفي كارتر Ovie Carter، حيث تُظهر صور الشخصيات الرئيسة في البحث تقريره، مما يجعل التصوير الفوتوغرافي وسيلة تُكيّف لدعم التحليل. ثانيًا: يرى دونيير أن الكشف عن أسماء الأماكن والأشخاص يعزز من مسؤولية الباحث، ص. ٣٤٨. في السياق الجامعي وطرق تقييم الباحثين، فإن الضغط القوي للنشر حسب قوله، يمكن أن يرفع احتمالية حدوث أخطاء في البيانات التي تستند عليها التقارير، أو تلك التي تُجمع بسرعة كما هي الحال مع الصحفيين، حيث يمكن أن يؤدي التسابق على نشر خبر صحفي إلى نشر معلومات غير مؤكدة أو خاطئة.
قد يرغب علماء اجتماع آخرون في تضمين المشاركين في إنتاجهم العلمي، كما في حالة ليبوتر Lepoutre وكانودت Cannoodt ٢٠٠٤م. تعتمد شروط إخفاء الهوية على عوامل تتجاوز أيضًا الجوانب العملية للبحث والتكليف الموكّل إليه. من الممكن أن تتسبب الاستقصاءات السوسيولوجية في إلحاق ضرر بالأشخاص المشمولين بالدراسة، ولكن في هذه الحالة، سيكون تدخل العدالة مبررًا. لكن يبقى من الضروري الاتفاق على المدى الحقيقي للضرر الناتج. يمكن للمنظمات المهنية لعلماء الاجتماع أن تسعى بشكل مشروع إلى استباق، أو المساهمة في وضع القواعد التي قد ترغب الدولة في اقتراحها لحماية الأشخاص الذين تشملهم الدراسات. في الولايات المتحدة، تعد بعض الأبحاث، خصوصًا مثل تلك التي أجراها وايت ١٩٥٥م، والأكثر أهمية منها أبحاث فيديتش وبنسمان ١٩٥٨م، مرجعًا كلاسيكيًّا للتقارير الاجتماعية.
من المعروف في فرنسا أن بعض سكان قرية بلوزيفيه Plozévet، كانوا متحفظين بشأن الصورة التي قدمها لهم كتاب موران Morin. مع ذلك، تبدو آلية ضمان ميثاق الأخلاقيات لحماية للمشاركين ضبابية، إذ نادرًا ما نتمكن من إعداد تقارير تعكس وجهات نظر جميع الفئات المعنية بموضوع ما؛ بيد أن تقريرنا قد يُغضب واحدًا منهم على الأقل. كما أشار بيكر Becker ١٩٦٧م، فإننا دائمًا ما ننحاز إلى طرفٍ ما، سواء فئة الأشخاص الذين هم محور تحقيقاتنا، أو الشخص الذي يسمح لنا بالوصول إلى البيانات وعملنا الميداني، أو الشخص الذي يتوافق مع الدور الذي نشغله، ولكن عامةً يكون ذلك على حساب شخص آخر ستكون له وجهة نظر مختلفة. وعلاوةً على ذلك، فإنه ليس من المؤكد أن يكون الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع، أقل شأنًا مقارنة بعلماء الاجتماع، كما يحب هؤلاء أن يعتقدوا، خصوصًا عندما يدرسون الطبقات العاملة، وبالتالي سيحتاجون إلى الحماية التي يوفرها إجراء المعلومات الموافق عليها. يشير موراي واكس ١٩٨٣م إلى أن هذه وجهة نظر استعلائية، وأن كثيرًا من الناس قادرون على الدفاع عن أنفسهم أمام علماء الاجتماع الذين يفتقرون إلى الوسائل البحثية.
الأبعاد الملموسة للعمل البحثي
تعد القضايا الأخلاقية متأصلة في العمل الميداني، لذلك تعدّ من “الأعمال الملموسة” التي يتجلى معناها الكامل. إن الأخلاق مسألة تخص علم اجتماع العمل، بما في ذلك عملنا وعمل الآخرين أيضًا، ولا يعتبر مجرد طرح موضوعي داخل علم اجتماع العمل. نود أن نسلط الضوء هنا على مشكلة واحدة في العمل الميداني والتي واجهناها في بحثنا الخاص، ألا وهي المناقشات الأخلاقية بانتظام؛ الدخول إلى مؤسسة (أو مجموعة) باستخدام تكنيك “الملاحظة السرية”، والذي يحدد البيانات التي يمكننا الوصول إليها، حيث يعتمد غالبًا ترخيص البحث على توزيع السلطة في المؤسسات (بيكر، ٢٠٠٦م). يجب أن نفكر في حقيقة أننا ندرس في المقام الأول المؤسسات، أو المهن التي تسمح لنا بالدخول، والتي لا تتعارض مع البحث الاجتماعي. لقد درسنا بشكل أساسي القطاع الثالث، خصوصًا المؤسسات العامة، التي نعتمد فيها بشكل عام على تفويض من المديرية للاستقصاء. لقد ازداد الاهتمام في موضوع موظفي هذه المؤسسات وعملائهم، إلى جانب الطبقات العاملة، منذ إحياء الأبحاث الإثنوغرافية في فرنسا، ابتداءً من منتصف الثمانينيات وما تلاها، في حين أهُمل جانب الإدارة والمالية والصراعات بين مختلف مكونات هذه المنظمات (هناك بالطبع بعض الاستثناءات المعروفة البارزة). لم نكرّس جهودًا كافية لدراسة البيئات التي يصعب الوصول إليها أو التي تُعد معادية للاستقصاءات الاجتماعية، الأمر الذي يثير إشكالية حقيقية تتعلق بعملية اختيار عينة البحث وما قد يترتب عليها من تبعات أخلاقية. كما أن الأدبيات الفرنسية نادرًا ما تتناول بصورة منهجية قضايا الوصول إلى هذه البيئات وكيفية إدارة السرية فيها. كما يشير زملاؤنا الأمريكيون، جيلًا بعد جيل، تصبح بعض الحالات نماذج مثالية للمشاكل الأخلاقية، من الصعب تناول هذه القضايا بطريقة نظرية مجردة، لذلك نعتمد على المعالجة الجماعية استنادًا إلى أمثلة تُعدّ مرجعية، رغم ندرة الأمثلة بالنسبة لنا. لقد أدى التمييز بين الملاحظة السرية والعلنية، إلى إثارة نقاشات أخلاقية منذ الستينيات، واستمر بشكلٍ منتظم منذ ذلك الحين. وفقًا لمعارضي المراقبة السرية، فإن الباحث قد يحد من قدرته على العمل في الميدان، حيث يُجبر على التقيّد بالأنشطة العادية المرتبطة بالدور الذي يؤديه، خوفًا من انكشافه، كما سيظلّ مواجهًا لخطر الانغماس الشديد في البيئة التي يدرسها، لدرجة أن يصبح جزءًا منها بالكامل، مما قد يؤدي إلى فقدانه الموضوعية، وربما التخلي عن البحث العلمي نفسه. لقد طرحوا أسبابًا أخلاقية مختلفة: عدم خيانة المشاركين، واحترام شخصيتهم، واستقلاليتهم، وحريتهم الفردية (المشاركة أو عدم المشاركة في الاستطلاع)، لذا فإن هذا التكنيك سيعطي انطباعًا سيئًا عن عالم الاجتماع وانضباطه في المجتمع.
من المؤكد أنه من الوهم الاعتقاد بأن جميع الأشخاص الذين يدخلون ضمن نطاق الاستقصاءات البحثية، على دراية بوجود بحث، أو حتى بحالة الباحث. بالنسبة لمعظم الناس، يبقى هدف عالم الاجتماع وممارساته البحثية غامضًا، وليس ذا أهمية كبرى. يشير روث Roth ١٩٧٠م، إلى عدم وضوح التمييز بين نوعيّ الملاحظة، وبالتالي عندما يبقى الباحث في الميدان لفترة طويلة، يُتاح له الوصول إلى وجهات نظر مختلفة ومتناقضة، ويكشف ستار ما خلف الكواليس لأن انتباه المشاركين يتلاشى، كما تتلاشى ثقتهم في النهاية (لكن لا تعدّ علاقة ضرورية منطقيًّا).
دائمًا ما يستند رفض بعض علماء الاجتماع للمراقبة السرية إلى أخلاقيات مهنية قائمة على النزاهة، حتى عندما تكون ملاحظاتهم موجهة نحو بيئات مغلقة للغاية، مثل الطوائف الدينية أو الحركات السياسية المتطرفة. يشير بيزيول Bizeul (٢٠٠٣م، ص. ٣٦) إلى أن مشكلة المنهج ترتبط بالمصارحة، حيث يصبح تعريف الباحث عن نفسه أمام المشاركين موقفًا أخلاقيًّا يعكس النزاهة، بينما تُعدّ المراقبة السرية موقفًا ينطوي على “عدم الأمانة والنفاق”، وتكشف النقلة النوعية للنقاش من المستوى المنهجي إلى المستوى الأخلاقي، أوهام “الموضوعية المطلقة“، حيث لا يدخل الباحث الميدان فارغ الذهن، بل يكون متأثرًا بالتوترات والظروف السائدة في زمنه. يمكننا أن نطرح المشكلة هنا من منظور مختلف قليلًا، هل يجب أن نحترم قواعد السرية التي وضعتها المؤسسات التي ندرسها؟ وهل هناك قائمة بالبيانات التي لا ينبغي أن نتمكن من الوصول إليها؟ وهل هناك أي مواضيع أو مجالات لا يجب أن نبحث فيها؟ لنأخذ مثالًا على ما إذا كان من الممكن طرح أسئلة باستخدام المعايير العرقية في التعداد أو استطلاعات الوظائف، أو أي مسح آخر من هذا القبيل. لقد حُسم الجدل في السابق، لكنه يبدو كأنه يعود ليصبح موضوعًا محطًّا للأنظار. إذا كانت هذه الممارسة محظورة، فهل يتوجب علينا الالتزام بها؟ وهل ينبغي علينا التخلي عن المعيار العرقي كفئة أو كمتغير محتمل في دراساتنا، خصوصًا أن هناك إطارًا قانونيًّا محددًا وُضع اليوم؟ وهل سنقوم بمنع طالب من استخدام هذا المعيار، أو ننتقد زميلًا إذا أراد إعداد استبانة تتضمن هذه المتغيرات؟ وهل يجب تجنب استخدام هذا المعيار في الدراسات القائمة على الاستبيانات، مع السماح به في الأبحاث الإثنوغرافية؟ علاوة على ذلك، تُخلف هذه المشكلة مسألة علاقة القوة بين عالم الاجتماع والمنظمات التي يرغب في دراستها. لا تقتصر هذه العلاقة فقط على المنظمات التي تعادي البحث الاجتماعي، أو تسعى لحماية نفسها من الكشف عن بعض جوانب أنشطتها، بل تتعدى أكثر من ذلك لتشمل أيضًا المنظمات التي تموّل الأبحاث السوسيولوجية من خلال عقود بحثية. تسهم هذه التمويلات في تحديد الموضوعات التي تستحق أن تكون موضع دراسة، مما يعني صياغة هرمية المصداقية لأنشطة البحث الاجتماعي.
خاتمة
يعمل علماء الاجتماع الميدانيون على تخفيف الحدود الأخلاقية للممارسة الاجتماعية؛ من خلال سردهم لتجاربهم البحثية، ونصوصهم المنهجية، والحلول المقترحة لتجاوز العقبات التي يواجهونها. إذن، هل لميثاق أخلاق أن يكون مُجديًا؟ تعتمد الإجابة على احتمالين: إذا لم يواجه الباحث مشاكل تتمثل في عدم احترام مثل هذا الميثاق علنًا، أو إذا كان ذا نطاق عام فقط لدرجة أنه يسمح بجميع أنواع الممارسات، حينئذٍ لا نحقق الغاية من ذلك، أو عندما يضع الميثاق المبادئ التي تصبح بمثابة مرجعيات، حيث يخشى الباحثون عواقب عدم احترام هذه المعايير المهنية. في هذه الحالة، تُفرض قيود جديدة للبحث الاجتماعي. أما في حالة العمل الميداني، فإن الملاحظة دائمًا ما تجرى على مسؤولية من يقوم بها ومخاطره. ألم تكُن الحماية القانونية القائمة، التي تحدد حقوق الأفراد وواجبات موظفي الخدمة المدنية، أو موظفي المنظمات الخاصة، كافية لتحديد إطار لأنشطتنا؟ بالإضافة إلى هذا الإطار القانوني، تساعد هيئات تقييم المهنة (لجان المجلات، ولجان الاختيار، وCNU …إلخ) في تحديد طرق القيام بالأشياء. كما أن الأعراف الأخلاقية، تلك الخاصة بالمجتمع أو بالمهنة، مفروضة بالفعل على الباحثين: على سبيل المثال، يختار بعض الباحثين التحفظ بشأن تجربتهم الشخصية مع البيئات التي يقومون بدراستها (باتريسا. أدليرAdler P، باترين.أدلير P. Adler، ١٩٩٣م)، فمثلًا لا يخبرنا بيكر ما إذا كان يستخدم الماريجوانا باستمرار، أم لا.
كما نرى، فإن هناك العديد من القيود التي تثقل كاهل البحث. نحن لا نزعم أننا تناولنا في هذا النص القصير جميع المشاكل التي تنشأ في النشاط الاجتماعي. وبلا شك، فإن كل قضية من القضايا التي تم تناولها يمكن أن يكون موضوعًا لمعالجة معينة. من ناحية أخرى، لا يمكننا أن نتظاهر كأن زملاءنا الأنجلوسكسونيين لم يثيروا هذه القضايا بالفعل داخل الأدبيات الأمريكية، لا سيما في علم الاجتماع، والتي تزخر بالتحليلات حول هذه المواضيع، مما يجعل تجاهلها غير ممكن. لا يتعلق الأمر هنا باتباع ما أطلق عليه سيفاي وكوستي في ختام مقالهما “سياسة النعامة”؛ بل بتسليط الضوء على الأبعاد التي لم تأخذ حقها من تلك المناقشات. نريد ببساطة التأكيد على أنه في حين أن الممارسة الاجتماعية تثير بلا شك تساؤلات أخلاقية، لكن مناقشتها من الناحية التنظيمية أو القانونية، من خلال ميثاق أو مدونة أخلاقيات يمثل قضية مختلفة تمامًا.
إن شكوكنا في الحاجة إلى ميثاق، لا تعني أننا لا نفتقر لوجود مبادئ أخلاقية. تجنبنا في هذا النص، اقتراح أي قواعد أخلاقية صارمة على الإطلاق، وناقشنا هذه القضايا من منظور تقني (حماية الأفراد، والدخول إلى منظمة، والوصول إلى البيانات). مما يعكس ارتباط القضايا أساسًا بالوعي الفردي للباحث. مع ذلك، لا ينبغي فهم الأخلاقيات الميدانية بشكل تقييدي، أي اختزالها في التفاعلات أثناء إجراء البحث، بل يمكن أن تكون لها أبعاد جماعية تتعلق بالأهداف التي تُمنح للبحث السوسيولوجي، وتأثيراتها السياسية (على سبيل المثال؛ الأبحاث الأنثروبولوجية في سياقات استعمارية، أو عمل الأنثروبولوجيين في دول تشهد حروبًا، كما هي الحال اليوم في أفغانستان ضمن برنامج تابع للبنتاغون). لكنها قضية مختلفة تمامًا تتجاوز نطاق أي ميثاق أخلاقي.
المراجع
– أبوت أ.Abbott A، ١٩٨٣م. أخلاقيات المهنة، المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع American Journal of Sociology، مجلد. ٨٨، العدد ٥، ص. ٨٥٥-٨٨٥.
– باتريسا. أدليرAdler P، باترين. أدليرAdler P، ١٩٩٣م. المسائل الأخلاقية في الرقابة الذاتية: البحث الإثنوغرافي حول الموضوعات الحساسة Ethical issues in self-censorship: ethnographic research on sensitive topics، رونزيت. س Renzetti C، ليي أر . Lee R (محرران)، إعادة ترتيب الموضوعات الحساسة Resarching Sensitive Topic، نيوبري باركNewbury Park، منشورات سيجSage Publications، ص. ٢٤٩-٢٦٦.
– بول د.Ball D.، ١٩٧٠م. إثنوغرافيا عيادة الإجهاض، W. J. Filsteadدبليو جيه. فيلستيد، المنهجية النوعية Qualitative Methodology، شيكاغو، شركة ماركهام للنشرMarkham Publishing Company، ص. ١٧٤-١٨٥.
– بيكر هـ Becker H، ١٩٦٧م. إلى جانب من نحن؟ المشكلات الاجتماعية Social Problems، المجلد ١٤، ص. ٢٤٧-٢٣٩.
– بيكر هـ، ٢٠٠٦م. من المنهجية، في العمل الاجتماعي الطريقة والمضمون Le travail sociologique. Méthode et substanc، فريبورغ، المطبعة الأكاديمية فريبورغ، ص. ٢١-٤٨.- بيزول د.Bizeul D، ٢٠٠٣م. مع تلك التابعة للجبهة الوطنية. عالم اجتماع في الجبهة الوطنية Avec ceux du FN. Un sociologue au Front national، باريس، دار نشر لا ديكوفيرت La Découverte .
– بولتانسكي ل. Boltanski L، وشامبوريدون جي سي.Chamboredon J.C، ١٩٦٣م. البنك وعملاؤه. عناصر علم اجتماع الائتمان La banque et sa clientèle. Eléments pour une sociologie du crédit، تقرير مركز علم الاجتماع الأوروبي، ص. ٢٣٠.
– بولمر م.Bulmer M.، ١٩٨٠م. التعليق على أخلاقيات البحث السري، المجلة البريطانية لعلم الاجتماع، المجلد ٣١، ص. ٦٥-٥٩.
– سيفاي د.Céfai D، كوستي ب. Costey P، ٢٠٠٩م. تدوين المشاركة الإثنوغرافية؟ Codifier l’engagement ethnographique ?، http://www.laviedesidees.fr/Codifier-l-engagement.html.
– ديفيس ف.Davis F، ١٩٦١م. التعليق على التفاعلات الأولية للوافدين الجدد في مدمني الكحول المجهولين. المشكلات الاجتماعيةSocial Problems، رقم .٢، ص.٣٦٧-٣٦٤ .
-دوغلاس ج.Douglas J، ١٩٧٦م. البحث الاجتماعي الاستقصائي. البحث الميداني الفردي والجماعي، بيفرلي هيلز، منشورات سيج.
– دونير م. .Duneier M، ١٩٩٩م. رصيف Sidewalk، نيويورك، فارارFarrar، وشتراوس Straus وجيرو Giroux.
– إريكسون ك.Erickson K.T، ١٩٦٧م. تعليق على الملاحظة المقنعة في علم الاجتماع. المشكلات الاجتماعيةSocial Problems، المجلد. ١٤.
–
فيشتر جFichter J.H، وكولب دبليو إل. Kolb W.L، ١٩٥٣م. القيود الأخلاقية على التقارير الاجتماعية، أمريكي المراجعة الاجتماعية American Sociological Review، المجلد ١٨، ١٩٥٣م.
– هاجرتي كـ.
K.، ٢٠٠٤م. تسلل الأخلاقيات: إدارة أبحاث العلوم الاجتماعية باسم الأخلاق، علم الاجتماع النوعي Philosophy of the Social Sciences، المجلد ٢٧، العدد ٤.- هيريرا سي دي. Herrera C. D.، ٢٠٠٣م صراع المنهجية والأخلاق في العلوم الاجتماعية السرية، فلسفة العلوم الاجتماعية Philosophy of the Social Science، ٣٣، ص. ٣٥١-٣٦٢.
– هيوز إي. سي. Hughes E.C.، ١٩٩٦م. المنظور الاجتماعي Le regard sociologique، باريس، دار النشر مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية Éditions d l’EHESS.
– همفريز ل.Humphreys L، ٢٠٠٧م. تجارة المرحاض. ممارسات مثلية مجهولة في أمريكا في الستينيات Le commerce des pissotières. Pratiques homosexuelles anonymes dans l’Amérique des années 1960، باريس، دار النشر لا ديكوفيرت La Découverte .
– لوفلاند ج Lofland J، وليجون ر Lejeune R، ١٩٦٠م. التفاعل الأولي للوافدين الجدد في المجهول على الكحول: تجربة ميدانية في الرموز الطبقية والتنشئة الاجتماعية، المشكلات الاجتماعية Social Problems، ٨، ص.١٠٢-١١١.
– ليبوتر. دLepoutre D، وكانودت الأول Cannoodt I، ٢٠٠٥م. ذكريات العائلات المهاجرة Souvenirs de familles immigrées، باريس، دار نشر أوديل جاكوب Odile Jacob.
– ماركس جي. ت. Marx G. T.، ١٩٩٠م. ملاحظات حول اكتشاف وجمع وتقييم البيانات المخفية والقذرة، شنايدر ج. وكيتسوز ج. (محرران)، دراسات في سوسيولوجيا المشكلات الاجتماعية Studies in the sociology of social problems، نوروود Norwood، أبلكسAblex، ص. ٧٨-١١٣.
– موراي دبليو.Murray W، ١٩٨٣م. حول العاملين الميدانيين وأولئك الذين يتعرضون للعمل الميداني: اللوائح الفيدرالية والقضايا الأخلاقية، إيمرسون ر.Emerson R.، البحوث الميدانية المعاصرة. مجموعة من القراءات Contemporary Field Research. A Collection of Readings، ليتل، براون وشركاه، ص. ٢٨٨-٢٩٩.
-روث ج. Roth J، ١٩٧٠م. تعليقات على الملاحظة السرية، فلستداد. دبليو .ج Filstead W. J. (محرر)، المنهجية النوعية Qualitative Methodology، شيكاغو، شركة ماركهام للنشر Markham Publishing Company، ص. ٢٧٨-٢٨٠.
– سكارسي آر. Scarce R.، ١٩٩٥م. الأخلاق العلمية والغريبة في قاعة المحكمة، حيث يقف الباحثون في أعين القانون Scholarly Ethics and Courtroom Antics. Where Researchers Stand in the Eyes of the Law، عالم اجتماع أمريكي American Sociologist، ٢٦ ص. ١١٢-٨٧.
– ساذرلاند. إي دي Sutherland E. D، ١٩٤٩م. جرائم ذوي الياقات البيضاء White Collar Crime، نيويورك، مطبعة درايدن Dryden Press.
– ثورن ب. Thorne B، ١٩٨٠م. “أما زلت تدون الملاحظات؟” العمل الميداني ومشاكل الموافقة المستنيرة “You Still Takin’ Notes?” Fieldwork and Problems of Informed Consent، المشكلات الاجتماعية Social Problems، المجلد ٢٧، رقم ٣، ص. ٢٨٤-٢٩٧.
– فان مانيم ج.Van Maanem J، ١٩٨٣م. “الإصلاح الأخلاقي: حول أخلاقيات العمل الميداني The Moral Fix : On the Ethics of Fieldwork “. إيمرسون ر. البحوث الميدانية المعاصرة. مجموعة من القراءات Contemporary Field Research. A Collection of Readings، بوسطن، منطقة ليتل، براون وشركاه Brown and Cie، ص. ٢٦٩-٢٨٧.
– فيديتش Vidich، وآرثر Arthur، وجوزيف بينسمان Joseph Bensman، ١٩٥٨م. بلدة صغيرة في المجتمع الجماهيري Small Town in Mass Society، برينستون، مطبعة جامعة برينستون Princeton University Press.
– وايت دبليو. إف.Whyte W. F، ١٩٥٥م. جمعية ركن الشارعStreet Corner Society، شيكاغو، مطبعة جامعة شيكاغو University of Chicago Press.
[1] ضمن علم الاجتماع، بالإضافة إلى رغبة الرابطة الفرنسية لعلم الاجتماع في إدراج اعتماد ميثاق للأخلاقيات بجدول أعمال مؤتمرها في نيسان/أبريل ٢٠٠٩م، تنظم ندوة عن الأخلاقيات في ليموج في أيلول/سبتمبر، وبدأت المقالات أو المرفقات لتقارير الاستقصاء في معالجة هذه المسائل.
[2] حصلت المنجمة الفرنسية تيسييه Teissier، على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة باريس ديكارت عام ٢٠٠١، على أطروحة دكتوراه جادلت فيها بأن علم التنجيم يتعرض للقمع علميًّا، وتم الطعن في عملها من قبل المجتمع العلمي في سياق الحروب العلمية، وهذا سبب تسميتها “قضية تيسييه” أو “l’affaire Tessier” (المترجمة).
[3] عبارة عن مجموعة من القواعد والأعراف المكتوبة والتي كانت موجودة خلال الفترة الأنجلوسكسونية في إنجلترا، قبل الغزو النورماندي. المترجمة.
[4] اقتراحا فيشتر Fichter وكولب Kolb، أول تحليل عام للأخلاقيات في علم الاجتماع، ١٩٥٣.
اقترح موراي Murray، تحليلًا شاملًا ومقاسًا للقضايا الأخلاقية، ١٩٨٣.
[5] هذه هي الحال في الاستقصاء مع بولتانسكي Boltanski وتشامبوردون Chamboredon، ١٩٦٣. انظر خصوصًا ص. ٨ من المنهجية، وص. ٤٧-٤٨، بشأن أدوار العملاء الوهميين، وص. ١٩-٢٠ و٣٥-٣٧ و٥٥-٥٣ للاطلاع على عرض مقتطفات من المحادثات الهاتفية المسجلة.
[6] نتناول مفاهيم هيوز Hughes، ١٩٩٦.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




