في عالم البيع، قد تكون الأُلفة بين المشتري والبائع العامل الحاسم في إتمام الصفقة. وباستخدام التحليلات، ضاعفت شركة “أسورانت سوليوشنز” نجاحها ثلاث مرّات. (دراسة حالة عبر مقابلة).
كاميرون هيرست، في مقابلة أجراها مايكل إس. هوبكنز وليزلي بروكاو.
تبيع “أسورانت سوليوشنز” التأمين الائتماني ومنتجات الحماية من الديون. ولعلّك قد اشتريت منتجًا من هذا القبيل. إن فقدت عملك أو أصبت بعِلّة تمنعك من سداد دفعة بطاقة الائتمان، فإن “أسورانت سوليوشنز” تعينك على تغطية ذلك.
ومثل كثير من منتجات التأمين، فإن الحماية من الدفعات إضافة اختيارية غالبًا ما تُضاف عند الشراء. لكن حين يتلقى العملاء الفاتورة ويجدون رسمًا إضافيًّا، كأن يكون 10.95 دولارًا شهريًّا للحماية من الدفعات، قد يخطر في بالهم: “سأجرب حظي” ويقررون الإلغاء.
حين يتصل أولئك العملاء، يصلون إلى موظفي خدمة العملاء في “أسورانت سوليوشنز”، إذ إن الشركة تتولى إدارة تفعيل التأمين والمطالبات والاكتتاب والحفاظ على العملاء (لعدد من البنوك والمؤسسات المالية الرائدة).
وفي هذا الجانب الأخير -أي محاولة الاحتفاظ بالعملاء والتغلب على معدلات التسرب المرتفعة- واجهت “أسورانت سوليوشنز” تحديًا إداريًّا بات اليوم عالميًّا. وكون مركز الاتصالات نقطة محورية لتفاعلات العملاء جميعها نيابة عن عملائها، كان لدى “أسورانت” كم هائل من البيانات، فضلًا عن القدرة على ابتكار القواعد والأنظمة التي يعتمدها أي مركز اتصالات يعمل بكفاءة تشغيلية قصوى. فبفضل التوجيه حسب المهارات، وشاشات العمل المخصصة، وأدوات تسجيل الصوت ومراقبة الجودة المتقدمة، كانت جهودهم في طليعة العصر.
إلا أن الشركة رغبت في تحقيق الأفضل. فرغم أن معدل الاحتفاظ لديها بلغ 16%، وهو ما يوافق أفضل المعايير في الصناعة، فإن ذلك معناه أن خمسة من كل ستة عملاء لم يقتنعوا بالاحتفاظ بتغطيتهم، فضلًا عن التفكير في منتجات أخرى. وذلك مجال واسع للفرص.
فجربت “أسورانت سوليوشنز” نهجًا جديدًا: التحليلات العميقة. وابتكرت نظام تشغيل يستثمر ما توصي به التحليلات.
والنتيجة؟ تضاعفت نسبة نجاح مركز الاتصالات لديها تقريبًا ثلاث مرات.
وقد وجدت “أسورانت سوليوشنز” أن المبادئ التقليدية جميعها حول مراكز الاتصال “ليست بالضرورة خطأ، لكنها باتت متجاوزة”، على حد قول كاميرون هيرست، نائب رئيس الحلول المستهدفة في الشركة. وكان هيرست قد ترأس سابقًا تطوير مجموعة التكنولوجيا العالمية الخارجية لبنك HSBC في الهند، وشغل منصب رئيس تكنولوجيا مراكز الاتصالات بعد استحواذ HSBC على شركة البرمجيات التي أسسها عام 1992م، فكان خبيرًا في تعظيم الاستفادة من البيانات لتشغيل مراكز الاتصالات. أو هكذا كان يظن.
لكنه يقول: “لقد وقعنا في مغالطة -وأحسبها مغالطة فعلًا- وهي أننا إذا حسّنّا التجربة التشغيلية إلى أقصى حد، واستخلصنا كل تحسين ممكن من العمل، فإن العملاء سيعكسون هذه التحسينات في رضاهم، وسيظهر ذلك في معدل الاحتفاظ. وكان ذلك خطأً جوهريًّا؛ فقد تعلمنا أن الكفاءة التشغيلية وتلك المقاييس التقليدية لتجربة العميل مثل معدل التخلي، ومستويات الخدمة، ومتوسط سرعة الرد، ليست هي ما يبقي العميل مرتبطًا بالشركة”. كانت “أسورانت سوليوشنز” تبحث عن مفتاح الاحتفاظ بالعملاء، لكنها كانت تبحث في المكان الخطأ.
لذا هاجمَت الإدارة التحدي من زاوية أخرى، فجلبوا أشخاصًا مثل الرياضيين وخبراء الإحصاء -ممن لا علم لهم بتشغيل مراكز الاتصالات- وطرحوا أسئلة من نوع مختلف، واستخدموا التحليلات للإجابة عنها. “نحن شركة تأمين”، يقول هيرست، “فمن طبيعتنا أن نعتمد على البيانات. نحن قادرون على دراسة كميات هائلة من البيانات التاريخية، ونجد طُرُقًا لاستخراج شذرات الذهب أو الإبر من أكوام القش. لكن هذا الاستخدام للتحليلات كان جديدًا علينا.
وما وجدوه أدهشهم. فالأمر، من جهة، كان بسيطًا: لقد اكتشفوا أن التقنية يمكن أن تعين الشركة على الاحتفاظ بالعملاء، من خلال استثمار حقيقة أن بعض موظفي خدمة العملاء يبرعون في التعامل مع أنماط معينة من العملاء، فكان التوفيق بين كل عميل يتصل وموظف بعينه يُحدث فرقًا، ليس فرقًا يسيرًا، بل فرق عظيم. لم تستطع العلوم والتحليلات أن تفسر دائمًا لماذا يتولد هذا الانسجام بين طرفين، لكنها استطاعت، من خلال الخبرة الماضية، أن تتنبأ بدقة عالية بأن الانسجام سيحدث.
وفي المقابلة التالية، يشرح هيرست كيف اهتدت “أسورانت سوليوشنز” إلى الأسئلة الصحيحة، واستخدمت التحليلات للتركيز على طرائق جديدة لتوفيق العملاء مع الموظفين، واكتشفت أفضل السبل لحل مشكلة تضارب الأهداف. وقد تحدث إلى رئيس تحرير “سلون مانجمنت ريفيو” مايكل إس. هوبكنز.
أسئلة مختلفة، نتائج مختلفة
تستخرج معظم المؤسسات بياناتها بحثًا عن رؤًى. فكيف يمكنها أن تطبّق التحليلات بطرائق جديدة لاكتشاف فرص غير مستغلة لخلق القيمة؟
من أول الأسئلة التي قد تطرأ لأي قارئ لتجربتكم: كيف عثرتم على إجابات لأسئلة لم تكونوا تعلمون أصلًا أنه ينبغي طرحها؟ ما الذي فجّر لحظة الإلهام التي جعلتكم تنظرون إلى الأمور من زاوية مغايرة؟
لقد حدثت لحظة الإلهام لأننا كنا نطمح إلى المزيد. أردنا الاحتفاظ بعدد أكبر من العملاء، وأردنا زيادة نصيبنا من محفظة العميل عبر بيع منتجات إضافية لهم.
وهكذا عرضنا المسألة على جماعة أخرى، فذهبنا إلى جماعة علوم اتخاذ القرار، إلى خبراء الإحصاء والرياضيات، وسألناهم: “هل ترون شيئًا يمكننا تحسينه أو أمثلته على نحو أفضل؟”، ولم يكونوا ينظرون إلى الأمر من زاوية: “كيف أدير مركز اتصال؟” بل إن هؤلاء القوم لا علم لهم بمراكز الاتصال أصلًا. وأرى أن الخطوة الأولى المهمة كانت أن تُعرض المشكلة على أعين مختلفة، ومن زاوية علم آخر مغاير تمامًا.
فإن كانوا لا يعرفون كيف يُدار مركز الاتصال، أو ما كان ناجعًا من الأساليب، فمن أين يبدؤون؟
إن أول ما استرعى انتباهنا في منهجهم أنهم لم يفكروا في متوسط سرعة الرد على المكالمات، أو في متوسط زمن المعالجة، أو في مقاييس مستوى الخدمة، أو في تجارب العملاء الفردية، أو في استخدام أدوات ضبط الجودة لمعرفة ما أصبنا وما أخطأنا، وهي أمور نعتبرها عادة عند النظر في تفاعل العميل مع الممثل، بل بدؤوا ينظرون إلى الأمر من زاوية خالصة: “لدينا نجاح ولدينا إخفاق”.
والنجاح والإخفاق أمران يسهل تحقيقهما في عملنا، فإما أن تحتفظ بالعميل الذي اتصل ليُلغي، وإما ألّا تفعل. فإن احتفظت به كان ذلك إما ببيع متقاطع وإما تصعيدي وإما تنازلي.
فهذا ما شرعوا في سؤاله: ما الذي كان صحيحًا حين احتفظنا بالعميل؟ وما الذي كان صحيحًا حين فقدناه؟ وما الذي كان غير صحيح حين احتفظنا به؟ وما الذي كان غير صحيح حين فقدناه؟ فعلى سبيل المثال، علمنا أن بعض ممثلي الخدمة يحققون نتائج أفضل مع العملاء من ذوي الأقساط المرتفعة، في حين لا يفعل غيرهم ذلك. وهذه بعض الاكتشافات التي وقفنا عليها، وغيرها كثير. ولما جمعنا هذه المتغيرات المستقلة في نماذج تقييم، كان ذلك أساس توجيهنا القائم على الألفة.
وهل وسّع ذلك نطاق المعلومات التي يبحثون عنها؟
لا ريب في ذلك، فهؤلاء قوم ديدنهم البيانات، فقالوا ببساطة: “هاتوا كل ما عندكم من بيانات”. وقد كان لدينا كثير منها، إذ كنا ندير هذا العمل منذ سنين. وكان لدينا من المعلومات عن عملائنا ما بدا، من زاوية توجيه المكالمات، عديم الصلة. وكانت لدينا وفرة من البيانات في مركز الاتصال عن أداء الوكلاء، والزمن الذي يقضونه في المكالمات وما شابه ذلك. فأخذوا مجموعة البيانات كاملة، وشرعوا في تحليلها بأدوات النمذجة الإحصائية.
وكان منهجهم أن قسموا عملاءنا إلى جماعات دقيقة التحديد، لينظروا في حقيقة أمرهم. وكل مصرف أو شركة تأمين أو خدمات مالية تبيع منتجاتها للعملاء تميل إلى تصنيفهم في جماعات متمايزة، وهو أمر يكاد يعم الجميع.
غير أن المسألة ليست في عشر جماعات تحدد مجموعات العملاء الفريدة، بل غالبًا مئات الجماعات. وكانت أولى العمليات أن نكتشف أنواع العملاء الذين لدينا جميعهم: من يملكون أرصدة مرتفعة ويميلون إلى السداد المبكر، ومن لديهم نسب ائتمان إلى رصيد عالية، ومن تدنت درجاتهم الائتمانية. فكلما زادت المتغيرات الداخلة في تكوين الجماعة، زاد عدد الجماعات الممكنة؛ فلا يكون الأمر مقتصرًا على العملاء ذوي الأرصدة العالية ممن يسددون مبكرًا، بل من يجمعون ذلك مع تدني درجاتهم الائتمانية مثلًا.
وعندما يبلغ التحليل هذا المستوى الدقيق، يمكننا النظر في كل تفاعل جرى مع أفراد تلك الجماعة، فنقول: “كيف كان أداؤنا في هذه الحالة؟ وكيف كان في تلك؟”.
مهلًا، هل تنظرون في كل تفاعل على حدة؟
نعم. لم يكن الأمر على مستوى إجمالي كلي، بل على مستوى فردي، في كل تفاعل سجلناه في السنوات الأربع أو الخمس الماضية. والنظر في هذه التفاعلات كلها أتاح للفريق أن يلحظ أن هذا الممثل يحقق، تاريخيًّا وبالدليل، نتائج حسنة مع عملاء جماعات بعينها.
ثم اكتشفوا أيضًا أن النتائج كانت مغايرة تمامًا للنماذج السائدة في مركز الاتصال.
المبيعات كالتوفيق بين الأزواج (لأن “التفاوت” يعني أن ثمة من يناسب كل أحد).
ومعناه أن تدرك وتعمل بناءً على الفرق الجوهري بين أن تستنتج نظريًّا لماذا قد يحدث أمر ما، وأن تعلم بالدليل أنه سيحدث.
دعني أوقفك هنا. كما قلت، مراكز الاتصال أماكن يغلب عليها الطابع الإحصائي منذ البدء. وقد ذكرت جملة من المقاييس التي يُنظر إليها من جهة خدمة العملاء، ولعلك كنت تعلم عند اتصال العميل ما منتجاته وما تاريخه، وربما وُفق بينه وبين ممثلين لهم خبرة في خطوط المنتجات تلك، أليس كذلك؟
هذا ما يفعله الجميع في عالم مراكز الاتصال. حين يشرعون في كتابة وبناء استراتيجيات توجيههم لكيفية توزيع جماعات العملاء الكبرى على مجموعات الممثلين، يفعلون ذلك تقريبًا اعتمادًا كليًّا على الرواية. نقول إن الممثلين ذوو خبرة في مجال ما، لكن المشكلة أن الخبرة مصطلح ذاتي. فعندما تتعامل مع ما نسميه الذكاء القائم على الكربون -أي الأحكام الاستنتاجية التي نصدرها نحن البشر- في مقابل الذكاء القائم على السيليكون، أو الأحكام الحاسوبية المبنية على التحليل، فإن الذكاء القائم على الكربون يقول: هذا الممثل يُخصَّص لهذا القطاع لأنه ذو خبرة. لقد اجتاز اختبارًا، أو أحرز نتائج طيبة في أدوات ضبط الجودة.
مما أظهرته لنا الأدلة أن الذكاء القائم على الكربون يميل إلى الحكم الخطأ، أما السيليكون فلا يفعل ذلك أبدًا. فإذا أُعد النموذج إعدادًا صحيحًا، وأُتيحت له القدرة على رصد الأداء بأي وسيلة تأمره بها سواء أكان ذلك بتتبع البيع المتقاطع، أم البيع النزولي، أم التصاعدي، أم غير ذلك فإنه يقيس أداء ممثل خدمة العملاء دائمًا قياسًا صحيحًا ومنصفًا.
فهذه أول مرة تُعاين طرفي المعادلة بطرائق مختلفة. لقد وصفت الآن جانب ممثل خدمة العملاء، إذ لديك قاعدة بيانات مذهلة تكشف أنماط الأداء مع فئات الزبائن المختلفة، بصرف النظر عما استنتجته أو لم تستنتجه. فماذا عن جانب الزبائن؟ هل تنظر إليهم بطريقة مغايرة؟
نعم، ثمَّ خصائص ظاهرة يمكن دراستها في أنظمتنا الجوهرية. تأمل ما قد تجمعه المصارف أو شركات التأمين عن زبائنها: درجة الائتمان، والبيانات الديموغرافية، وربما بعض البيانات السيكوجرافية. وقد نعلم عدد أبنائهم.
يمكنك أن تتنبأ بما تظن أنهم سيفعلونه مستقبلًا، ما دام لديك قاعدة زبائن واسعة وتفاعلات كافية وتنوع كافٍ للرصد. إذ إن أساس هذا كله هو التباين؛ فثمة قدر عالٍ من التباين في قاعدة زبائنك، وكذلك في قاعدة ممثلي خدمة العملاء لديك. وقد تعلمنا استغلال ذلك التباين.
وهو المثل القديم في عالم الأعمال: الناس يتعاملون مع من يرغبون في التعامل معه. فإن نجحت أولًا في بناء الألفة مع زبونك، زادت احتمالية البيع له؛ إذ تنشأ علاقة ثقة بدلًا من مجرد تلقي الطلبات.
نحن نُنشئ الألفة والتقارب في المحادثات باكتشاف سمات يمكن استغلالها للمطابقة، فتخلق تشابهًا بين ممثل الخدمة والزبون. ويمكن لهذا أن يمتد إلى عشرات المتغيرات التي تعمل معًا أو منفردة لتعزيز علاقة الألفة والتقارب.
ومع كل ما قيل، فإن أكثر الجوانب أهمية في استخدامنا للتحليلات لتعزيز الألفة الحوارية كان عامل الاستمرارية؛ أي مدة بقاء الزبائن في سجلاتنا. فقد تبين لنا سريعًا أننا نستطيع الحفاظ على عدد أكبر من الزبائن، بل أكثرهم ربحية، من خلال محرك التوجيه الجديد. غير أننا لم نعلم إلا لاحقًا أننا كنا نبقي هؤلاء الزبائن مدة أطول من ذي قبل، وكان ذلك باعثًا على السرور! ومع مرور الأشهر ومراقبة النظام الجديد، لاحظنا ارتفاع معدل الاستمرارية عمومًا لدى الزبائن الذين احتُفظ بهم مقارنة بالنظام القديم. وبما أن أعمالنا قائمة على منتجات الاشتراك، فكلما طال احتفاظ الزبون بالمنتج زاد دخلنا، اتضح أن هذا العامل أهم بكثير من مجرد معدل الاحتفاظ أو رسوم الاستبقاء.
وبعض هذا التوافق في الألفة يشبه ما يجري في مواقع المواعدة عبر الإنترنت.
وهو تشبيه بديع، وإن كان فيه موضع خلل. أظن أن مواقع المواعدة تعمل على نحو قصصي نوعًا ما؛ فهي تستند إلى بعض الحقائق، لكنها أيضًا نفسية في جوهرها.
ونحن نغوص إلى مستوى عميق من التفصيل؛ لا نسأل عن نوع الجسد أو لون الشعر كما تفعل المواقع، لكننا نعلم مثلًا أن بعض ممثلي الخدمة يتفوقون مع زبائن ذوي رسوم تأمين ثمانين دولارًا، ولا يبلون بلاء حسنًا مع من رسومهم عشرة دولارات. ولا يلزمنا معرفة السبب، ولا نحتاج إليه.
وهنا يكمن الفرق؛ ففي نظامنا ليس ثمة علم كثير وراء سبب وجود هذه الفروق، أو لماذا يبرع ممثل مع زبون بثمانين دون عشرة. إنما يتبين لنا من واقع البيانات أن ذلك الشخص ينجح مع نوع معين من الزبائن. فنحن نعمل بناءً على حقيقة هذا الأمر، استنادًا إلى ما لدينا من بيانات عن قاعدة الزبائن وتفاعلات ممثلينا السابقين معهم. أما مواقع التوفيق فلا تملك غالبًا بيانات تاريخية عن تفاعلات الفرد مع الخدمة (إلا إن كان يكثر من استخدامها)، لذا تعتمد على بيانات عامة عن خصائص الناس وما يجذب بعضهم إلى بعض.
أفترى الفرق؟ لقد صرنا نعتمد على الأدلة وحدها: “هذا الممثل ينجح دائمًا مع هذا النوع من الزبائن لأننا رأينا ذلك مرارًا”.
وأصف الأمر هكذا: العلم لا يفسر لماذا توجد الألفة، لكنه يبين أنها ستوجد على الأرجح.
كيف تحل التحليلات مشكلة تضارب الأهداف؟
ماذا تفعل إذا كانت النماذج التي تتنبأ بأفضل توافق بين ممثل الخدمة والزبون، واستعداد الزبون للانتظار، وقيمة الزبون للشركة، توصي بإجراءات متعارضة؟
يبدو أن المعلومات التي لديك عن الزبائن لا تختلف كثيرًا عما كان لديك قبل بدء هذا كله، وأن الجانب الذي طرأ عليه التغيير هو ممثلو الخدمة، مع البيانات عن كل تفاعل محدد بين الزبون والممثل. أهذا ما يحرك نماذجك؟
ذلك كذلك. ثمة عنصر آخر يدخل في الحل الذي يدفع الإيرادات: القيمة الاقتصادية المتوقعة لعميل بعينه. وليس في ذلك علم جديد كثير، إذ لدينا نماذج تخبرنا بكيفية حساب ذلك. غير أنّ هذا أمر مهم للحل، إذ في مركز الاتصالات كثيرًا ما نضطر إلى تقرير أي العملاء نوليهم العناية. نحن نفضل فكرة أن يكون لكل عميل ممثل خدمة عملاء، غير أن ذلك ليس دائمًا صحيحًا بسبب كثرة الاتصالات وتوفر الوكلاء. إن كان هدفك الإيراد على المدى البعيد، فيمكنك استعمال هذه المؤشرات الاقتصادية لتحديد أي العملاء ينبغي أن تركز عليهم.
وقد كانت ثمة معضلة لم نكن نعلم كيف نحلها منذ البداية، وهي أن أفضل المطابقات غالبًا ما تكون غير متاحة. أي إذا كان لدينا خمسون متصلًا في الانتظار وألف من ممثلي الخدمة على الأرض، فبوسعنا أن نوجد خمسين ألف حل مختلف، ونجري تلك الحسابات عشر أو خمس عشرة مرة في الثانية. أحد الألف هو أفضل مطابقة، فذلك هو الرقم الذي ينبغي التغلب عليه، العدد الذي يبين كم مرة نحقق تلك المطابقة المثالية.
لكن في أغلب الأحيان، لم تكن تلك المطابقات ممكنة في الحال لأن ممثل الخدمة كان مشغولًا بالهاتف، لذا كان علينا أن نأخذ في الحسبان نموذجًا تنبؤيًا آخر، وهو “زمن التوفر”. وليس ذلك بالنموذج المعقد كثيرًا؛ إذ إن هذا القطاع قد حل مثل هذه المشكلة منذ زمن بعيد.
لكن حين تضيف “زمن التوفر” إلى محرك التقييم الفعلي، تظهر نتائج مثيرة للاهتمام. إن كان متوسط زمن معالجة الوكيل ثلاث دقائق وثلاثين ثانية، وقد مضى على اتصاله ثلاث دقائق وخمس عشرة ثانية، فيمكننا التنبؤ بأنه سيصبح متاحًا بعد نحو خمس عشرة ثانية. ثم يمكننا أن نرجح توقعنا لتحمل العميل أو بقائه، أي: إلى أي حد هو مستعد للانتظار في الطابور قبل أن يقطع الاتصال.
ونحن نعلم كم نبقي العملاء في الانتظار، ونعلم ما المآلات حين ينتظرون، ونستطيع أن نحدد أين يبدأ منحنى التخلي أو سوء النتائج في الازدياد الحاد. ونربط تلك المعلومات بمنحنى التوفر التنبؤي لممثل الخدمة. فإن كانت المطابقة المثلى بعيدة جدًّا، كأن تكون بعد خمس وأربعين ثانية أو ثلاث دقائق، فإن تقييم تلك المطابقة المثلى يضعف، وقد يبدو لنا غيرها أجدر بالاختيار، وإن لم تكن تلك المطابقة كاملة، فإن قرب التوفر يجعلها أكثر جاذبية في نظرنا.
فلما صرتم أكثر التزامًا بالبرهان والدليل، ماذا اكتشفتم مما قد كان خطأً في افتراضاتكم القديمة؟
الحكمة السائدة في مراكز الاتصال هي قاعدة الثمانين عشرين، وتعني الردّ على ثمانين في المئة من الاتصالات في عشرين ثانية أو أقل. وذلك وعد تقطعه أغلب الشركات، إذ تظن أن فيه رضا العملاء.
وما تعلمناه هو أن الرضا لا يكاد يرتبط بذلك. لا شك في أن سرعة الرد أفضل حين ننظر إلى التفاعلات جميعًا. لكن وجدنا أن أكثر العملاء مستعدون للانتظار وقتًا أطول بكثير، نحو تسع وثلاثين إلى تسع وأربعين ثانية، قبل أن يؤثر الضيق في النتيجة.
فكانت ملاحظتنا، إذا كان العملاء مستعدين للانتظار، فلماذا نجهد أنفسنا لندخلهم في إطار الثمانين عشرين أو الثمانين خمس وعشرين؟ كلما كنا مستعدين للانتظار، كانت المطابقة أفضل، والنتائج أحسن، والإيرادات أكثر.
وقد أجرينا اختبارات بلغنا فيها حد الستين ستين؛ أي ستين في المئة من الاتصالات يُرد عليها في ستين ثانية أو أقل. وفي نقطة ما، يكون للأمر أثر سلبي في معدلات التخلي. لكن ما أدهشنا أنه لا أثر سلبيًّا يُذكر حتى نقترب من الستين ثانية. ومعناه الواضح أن لدينا ذلك الوقت لنبحث عن أفضل مطابقة بين العميل وممثل الخدمة. وذلك يؤدي إلى أثر مباشر جدًّا في الإيرادات؛ فثمة ارتباط مباشر بين الوقت والإيراد.
ورؤية ذلك يتحقق بهذا الوضوح أمر مدهش، إذ ننتقل من الثمانين عشرين إلى الثمانين أربعين، ثم نرى النتائج تظهر في أيام معدودة في معدلات الاحتفاظ ومعدلات الرسوم المحفوظة، فيصيبنا الذهول. ويجعل المرء يتساءل: لمَ لا يدرك العالم كله هذا الأمر؟
فألخص لنا النتائج التي رأيتموها. كانت المشكلة أنكم كنتم في معدل احتفاظ خمسة عشر إلى ستة عشر في المئة رغم أنكم تعملون بأحدث الأساليب وأمهرها. فماذا حدث منذ ذلك الحين؟
لقد رأينا معدلات الاحتفاظ لدينا، أي معدلات الإنقاذ الفعلية، ترتفع حتى بلغت ثلاثين إلى ثلاثة وثلاثين في المئة. وليس ذلك نهاية المطاف. فنحن نركز أكثر على معدل الرسوم المحفوظة. فمعدل الإنقاذ، إن اتصل اثنان فأنقذت واحدًا وفقدت الآخر، فهو خمسون في المئة. لكن إن اتصل اثنان وكان أحدهما يساوي ثمانين دولارًا والآخر عشرين، فأنقذت صاحب الثمانين، فقد بلغت نسبة الرسوم المحفوظة ثمانين في المئة، إذ أنقذت ثمانين من أصل مئة مستحقة.
وهذا يعود بنا إلى ما ذكرت آنفًا عن ضرورة الاختيار بين العملاء في أوقات الازدحام.
نعم. نحن نستعمل تلك النماذج التنبؤية للقيمة الاقتصادية لنركز على العملاء الأعلى قيمة. وليس معنى ذلك أننا نهمل الأقل قيمة، إذ إنّ تنوع قاعدة عملائنا يوافق تنوع ممثلي الخدمة لدينا، فإذا اتصل عميل قيمته عشرون دولارًا، وجدنا له ممثلًا بقيمة عشرين. لكن تركيزنا على الإيراد، فمعدل الرسوم المحفوظة أهم لدينا.
فبينما بلغت معدلات الإنقاذ لدينا نحو ثلاثة وثلاثين، بل حتى خمسة وثلاثين في المئة، بلغت معدلات الرسوم المحفوظة سبعة وأربعين إلى تسعة وأربعين في المئة. وقد شهدنا أيامًا بلغنا فيها ثمانية وخمسين في المئة. ومعناه فعليًّا أن ثمانية وخمسين سنتًا من كل دولار كان معرضًا للفقد قد حُفظ. وتلك أرقام عظيمة لشركتنا في أعمالنا.
حتى يتسنى لنا إجراء مقارنة عادلة بين الأمور المتماثلة، ما كان معدل الرسوم المُوفَّرة سابقًا؟
كان مساويًا لمعدل التوفير العام، أي بين خمسة عشر إلى ستة عشر في المئة. وهذا في الحقيقة أمر يبعث فينا على الحماسة، إذ إن معدلات الرسوم المُوفَّرة قد ارتفعت عندنا أكثر بكثير من معدلات التوفير ذاتها، لأن تركيزنا كان على الرسوم المُوفَّرة لا على عدد العملاء المُحتفظ بهم فحسب.
فإن كان هذا الأمر يُدرُّ من المال الكثير، فلمَ لا يفعله الجميع؟
ما العوائق التي تحول دون اعتماد التحليل المبني على الأدلة؟ وما الذي تستطيع المنظمات فعله لتجاوزها؟
ولمَ لا يدرك كثير من الناس أثر هذا النوع من التحليل في النتائج المالية النهائية؟
أما في مجالي، في عالم مراكز الاتصال، فلا أزال أُدهش حين أرى منظمات ضخمة من مصاف الخمسين الأوائل في قائمة فورتشن، لا تزال تعمل بتقنيات قديمة جدًّا. فهم لم تتحرك نفوسهم بعد لاعتماد الجديد. ونظامهم الحالي يعمل في الجملة، ولم يجدوا فيه بأسًا.
وقد يحار المرء في أمرهم، فيقول: “أفلا ترغبون في جني المنافع التي يمكن أن تحققها التحليلات جميعها؟” فيكون الجواب، من حيث الشعور، بلى نرغب، لكن في العام القادم.
فهناك من يسارع إلى تبني الجديد، وهناك من يتريث. وما نفعله نحن لا أعده من التبني المبكر للتقنية، بل هو استخدام لأدوات متقدمة جدًّا، لكن بطريقة مغايرة بعض الشيء. وأرى أن إبداعنا كان في كيفية تطبيقنا لها.
أما البرنامج الذي طورتموه في شركة أشورانت، والمسمى “رامب” أي: “منصة مطابقة التحليلات بالزمن الفعلي”، فقد صار متاحًا لسائر المنظمات التي تعالج المكالمات الواردة. فماذا ترى في تلك المنظمات مما يصعِّب تطبيق التحليلات على هذا النحو الفعّال؟
أول ما يقال: “ليس عندي موارد تقنية المعلومات الكافية لفعل ذلك الآن”. إذ لا بد من جمع الأدلة، وليس ذلك بالأمر الهين على أكثر أقسام تقنية المعلومات. فالبيانات كلّها عندهم، لكن الجميع في هذه الأيام تحت ضغط كثرة المشاريع وضيق الوقت.
ومن الاعتراضات الأخرى، أن يُظن أن هذا مجرد حل توجيه قائم على المهارات، وأن لديهم فعلًا نظام توجيه كهذا. وهذا اعتراض جدير بالنظر، إذ إن استعمال التحليلات هنا ليس توجيهًا مبنيًّا على المهارات، بل هو توجيه مبني على الأدلة أو النجاح. فنحن لا نعنى كثيرًا بمهارات ممثل خدمة العملاء كما يحددها نظام التوجيه القائم على المهارات، بل نقول إن المهارات التي تعينها لممثل الخدمة تكاد لا تكون ذات شأن.
تلك اعتراضات مشروعة. فماذا تقول لمن يودّ أن يبدأ السير في هذا الطريق الذي قد يوصله إلى نتائج كالتي حققتموها؟
لدينا الدليل على جدوى الأمر. لكن سماع أن التحسن بلغ مئة وسبعة وثمانين في المئة فوق الأساس في أشورانت، قد يصعب تصديقه أحيانًا. فنقول: دعونا نثبت لكم ذلك بإعطائنا بعض البيانات التجريبية.
وسنريكم، بناءً على بياناتكم، أنكم لم تبلغوا أقصى درجات التحسين، وأن نظام التوجيه عندكم أقرب إلى العشوائية، إذ هذا هو جوهر المسألة. نحن نأخذ الفوضى والعشوائية، ونصنع منهما نظامًا ونظامًا.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




