يمكن أن تحدّ الحدود المتجذرة من نجاح المؤسسة؛ فالقادة المستنيرون يرونها ليست مشكلات يجب حلها فحسب، بل فرصًا محتملة كذلك.
كما جادل توماس فريدمان بقوة في كتابه العالم مسطح،1 فإن أحد الآثار الكبيرة للعولمة هو تسوية ساحة المنافسة بين العديد من المنافسين في الأسواق العالمية اليوم. لقد أحدثت الابتكارات التكنولوجية ثورة في مكان العمل، ما قرّب القوة التنافسية للمؤسسات سريعة النمو في الاقتصادات الناشئة من نظيراتها في العالم المتقدم. ومن المفارقات أنه في الوقت نفسه الذي جعلت فيه هذه التطورات ممارسة الأعمال عبر الحدود أسهل، بقيت الحواجز العلائقية -أي العقبات أمام التفاعلات البشرية المنتجة- على حالها إلى حد كبير، بل وازدادت عمقًا في بعض الحالات.
فكر في العقبات التي يواجهها أولئك الذين يقودون فرقًا متنوعة وظيفيًّا عبر مستويات الإدارة ومع مجموعة متنوعة من الشركاء المؤسسيين الذين غالبًا ما يكونون في بلدان مختلفة. إن التقدم التكنولوجي الذي يساعد على سد الفجوات المتعلقة بالمسافة والمعرفة يجعل مهمّات هؤلاء القادة أسهل، لكنهم في الوقت نفسه يواجهون حدودًا متجذرة مثل المرارة المتبقية بين أعداء تاريخيين، وصراعات ثقافية، ومعارك نفوذ، وفجوات بين الأجيال، ومثل هذه الحدود تدعو إلى الصراع، وتفرض قيودًا على الأداء، وتخنق الابتكار.
من الواضح أن العالم المسطح يتطلب التحول إلى استراتيجيات قيادة جديدة وأكثر فاعلية، خاصة مع انتقال القادة من الإدارة المتوسطة إلى الإدارة العليا. لكن يجب أولًا معالجة أسئلة استفزازية: ما هي الحدود التي تخلق أكبر التحديات؟ ما هي الآثار المترتبة على من يديرون وينفذون الاستراتيجيات التجارية عندما تتغير الحدود باستمرار؟ كيف يعبر القادة هذه الحدود، ما يمكّن المجموعات من تحقيق نتائج معًا تتجاوز بكثير ما كان بإمكانهم تحقيقه بمفردهم؟
بحثًا عن إجابات لهذه الأسئلة، قمنا نحن وزملاؤنا في مركز القيادة الإبداعية بتطوير قاعدة بيانات شاملة من نحو 2800 استجابة استبيان وما يقارب 300 مقابلة معمقة مع قادة من ست مناطق عالمية، كما أجرينا استبيانًا إضافيًّا شمل 128 من الرؤساء التنفيذيين ونواب الرؤساء الأول والمديرين في بعض من أكثر الشركات شهرة في العالم. في هذا المقال نشارك هذه النتائج.2
حول البحث
يعتمد هذا البحث على كتاب للمؤلفين بعنوان:
Boundary Spanning Leadership: Six Practices for Solving Problems, Driving Innovation, and Transforming Organizations (Mcgraw-Hill, 2010).
تعكس المعلومات المقدمة تجارب قادة حقيقيين شاركوا في مشروعين بحثيين لمركز القيادة الإبداعية؛ القيادة عبر الاختلافات (LAD)، الذي شارك فيه باحثون من جميع أنحاء العالم، والقيادة في القمة، الذي جمع بيانات استبيانية من كبار التنفيذيين المشاركين في برامج القيادة.
شملت قاعدة بيانات مشروع LAD نحو 2800 استجابة استبيان، وما يقارب 300 مقابلة، ونطاقًا واسعًا من البيانات الثانوية مثل تقارير وسائل الإعلام والاتصالات المؤسسية. كان هدف البحث هو معالجة السؤال التالي: ما هي العمليات القيادية التي تخلق من خلالها المؤسسات توجهًا مشتركًا، ومواءمة، والتزامًا عبر مجموعات من الأشخاص ذوي تواريخ ووجهات نظر وقيم أو ثقافات مختلفة جدًّا؟
في المرحلة الأولى من مشروع LAD، جمع فريق البحث بيانات مقابلات من 50 فردًا في 11 دولة. شملت المقابلات أشخاصًا من وظائف متنوعة في الشركات، ومؤسسات الخدمة الاجتماعية، والمستشفيات، والمدارس، وكانوا يعملون في جميع مستويات التسلسل الهرمي المؤسسي. ومن أجل دراسة التحديات التي تواجهها المجموعات في إدارة الحدود من وجهات نظر مختلفة، شملنا أشخاصًا يشغلون مناصب قيادية رسمية في المؤسسات بالإضافة إلى أولئك الذين ليست لديهم سلطة قيادية رسمية.
في المرحلة الثانية من مشروع LAD، جمع فريق البحث بيانات مقابلات من 239 فردًا في 11 دولة، لكن مع عدة تغييرات في استراتيجية العينة، اشترطنا وجود عشرة مشاركين على الأقل من كل مؤسسة، وبذلنا جهدًا للحصول على بيانات من أشخاص يختلفون في عدد من العوامل مثل الجنس، والعرق، والمستوى الوظيفي في المؤسسة، كما سعينا لتعظيم التنوع الثقافي في العينة لدراسة ما إذا كانت أنواع الأحداث المتشابهة تحدث في سياقات ثقافية مختلفة.
سمح لنا المشاركون في المشروع الثاني لمركز القيادة الإبداعية، القيادة في القمة، بتطوير نتائج بحث LAD، وتم استبيان هؤلاء القادة حول الاتجاهات والتحديات الملحة، ودور القيادة في عبور الحدود، وأنواع الحدود التي يواجهها القادة عند محاولة خلق التوجه والمواءمة والالتزام. أكمل الاستبيان ما مجموعه 128 مشاركًا في البرنامج، وكان غالبية المستجيبين (60%) يعملون في مستوى نائب الرئيس الأول أو المدير، وشكل الرؤساء التنفيذيون أو الرؤساء 32% أخرى من العينة، بينما شغل الباقون (8%) مناصب مثل نائب الرئيس أو مدير المصنع. لقد أثرت نتائج هذه الدراسة على تفكيرنا بطريقتين رئيسيتين؛ أولًا، عززت اعتقادنا بأنه رغم أن تجاوز الحدود أصبح أمرًا بالغ الأهمية اليوم، فإنه لا يزال يمثل تحديًا، وأظهرت بياناتنا أن 86% من كبار التنفيذيين وجدوا أنه “غاية في الأهمية” العمل بفاعلية عبر الحدود في أدوارهم القيادية الحالية، ومع ذلك، فقط 7% من هؤلاء التنفيذيين يعتقدون أنهم “فاعلون جدًّا” حاليًّا في القيام بذلك، أي هناك فجوة بنسبة 79% بين الأهمية المتصورة لتجاوز الحدود والقدرة على تحقيق ذلك، أما النتيجة الرئيسية الأخرى فكانت تحديد خمسة أنواع من الحدود: العمودية، والأفقية، وحدود أصحاب المصلحة، والديموغرافية، والجغرافية.
الرسالة الواضحة من المشاركين في بحثنا هي أنه في عالم مسطح نحتاج إلى “قيادة تتجاوز الحدود”، أي القدرة على خلق اتجاه، وتنسيق، والتزام، عبر حدود المجموعات في خدمة رؤية أو هدف أعلى. فالاتجاه هو فهم مشترك للأهداف والاستراتيجية العامة، والتنسيق هو التعاون المشترك في الموارد والأنشطة، والالتزام هو التفاني في تحقيق النجاح الجماعي الذي لا يقل أهمية عن التفاني في نجاح أي مجموعة بعينها.
لقد حددنا خمسة أنواع من الحدود التي تشكل تحديات للقادة اليوم وست ممارسات تساعدهم في تجاوز هذه الحدود. فمن خلال هذه الممارسات الست يمكن تحويل العوائق أمام التقدم إلى آفاق جديدة من الفرص، وابتكار واختبار وتنفيذ حلول مبتكرة، وتمكين المؤسسات من الازدهار في عالم مسطح.
الحدود التي تفرقنا
كشف بحثنا أن أكثر خمسة حدود تمثل تحديًا تتعلق بالهوية والعلاقات -أي كيف نعرف أنفسنا والمجموعات التي ننتمي إليها- وبالتالي ترتبط بمشاعر قوية مثل الولاء، والفخر، والاحترام، والثقة.
الحدود العمودية هي الأرضيات والأسقف التي تفصل المجموعات حسب الرتبة والامتياز. ومن المصطلحات الشائعة داخل المؤسسات والتي تعبر عن هذه الحدود: نطاق السيطرة، ومخطط التسلسل الهرمي، من الأعلى إلى الأسفل/ من الأسفل إلى الأعلى، والموظفون المعفون/ غير المعفين. أصبحت الطبقات العمودية -العليا، والمتوسطة، والمبتدئة- الوسيلة الأكثر شيوعًا لتعريف التسلسل الهرمي القائم، حيث يكون هناك عدد من المرؤوسين في المستويات الدنيا تحت إشراف مسؤول أعلى، وهو الأسلوب التقليدي لإدارة الحدود بين المستويات. وتتدفق الاستراتيجية إلى الأسفل، بينما يتدفق الإنتاج إلى الأعلى. ومع ذلك، فإن عالم اليوم المسطح يعمل على تحويل الحدود العمودية، ما يتيح درجات أكبر من التفاعل صعودًا وهبوطًا. هذا المشهد المتغير يعيد تعريف “السيطرة” المرتبطة منذ زمن طويل بنطاق السيطرة.
الحدود الأفقية توجد عبر الوظائف والوحدات المؤسسية، أو عندما تندمج مؤسستان في واحدة؛ إنها الجدران التي تفصل المجموعات بحسب مجالات الخبرة والتخصص. من المصطلحات التي تعبر عن الحدود الأفقية: تقسيم العمل، والصوامع، والأنابيب الرأسية، ومعارك النفوذ، والمكتب الأمامي/ المكتب الخلفي، ومركز الإيرادات/ مركز التكلفة. وكما توحي هذه الكلمات، فإن التكاليف السلبية للحدود الأفقية تظهر عندما يتم تفضيل وظيفة على أخرى، أو عندما يهدد عمل وحدة أو خط إنتاج بقاء وحدة أخرى، أو عندما تعمل الأقسام في اتجاهات متعارضة، وفي مثل هذه الظروف، يسود الصراع بين المجموعات بدلًا من التعاون.
إدارة الحدود بين المجموعات الوظيفية نشأت من الحاجة إلى تقسيم العمل، لكن هذا المتطلب يتم استبداله الآن بالحاجة إلى تكامل العمل. وإن دمج المجموعات الوظيفية مثل التسويق والمبيعات للعمل نحو هدف مشترك يُعد تحديًا بحد ذاته، ولكن جمع المجموعات معًا بعد اندماج أو استحواذ مؤسسي -لتحويل المنافسين إلى متعاونين- يتطلب أيضًا دمج الأنظمة التقنية والتشغيلية.
حدود أصحاب المصلحة هي الأبواب والنوافذ في المؤسسة؛ فالمؤسسات أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بمجموعة مذهلة من مجموعات أصحاب المصلحة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: المساهمون، ومجالس الإدارة، والبائعون، والشبكات، والعملاء، وجماعات الضغط، والحكومات، والمجتمعات المحلية والعالمية. ومن المصطلحات الشائعة التي تعبر عن حدود أصحاب المصلحة: الستار الحديدي، والباب المغلق، والحصن، ومركزية الشركة، وليس من شأنك، وداخلي/ خارجي. ويمكن أن تخلق حدود أصحاب المصلحة انقسامات عندما تسعى المؤسسات إلى خدمة مصالحها الخاصة على حساب أو استبعاد مصالح شركائها الخارجيين. فسلاسل القيمة هي الآلية الأساسية لإدارة الحدود بين المؤسسة وأصحاب المصلحة فيها، والرؤية التقليدية ترى أن كل حلقة في السلسلة تحدد عمليتها الخاصة بشكل مستقل، مع إيلاء القليل من الاهتمام للاعتماد المتبادل مع الشركاء في أماكن أخرى على طول السلسلة، لكن العالم المسطح يتطلب من قادة المؤسسات إعادة التفكير في كيفية خلق القيمة، حيث يصبح من الصعب بشكل متزايد تحديد حدود المؤسسات المشاركة في السلسلة، وموظفيها، والمجتمعات الأوسع التي تخدمها. على سبيل المثال، يمكن النظر إلى تجربة شركة تاتا موتورز الهندية مع سيارتها نانو. وبسبب تصميمها المعياري الفريد، تُباع سيارة نانو كمجموعات تُوزع وتُجمع وتُخدم من قبل رواد الأعمال المحليين وورش العمل الريفية في جميع أنحاء الهند. من خلال ربط شبكة واسعة من رأس المال البشري داخل الشركة وخارجها، تمكنت تاتا من ابتكار منتج منخفض التكلفة أصبح الآن في متناول ملايين المستهلكين الهنود.
تظهر الحدود الديموغرافية عندما يُعرَّف العمال وفقًا لمصنفات مثل الجنس أو العرق أو التعليم أو الأيديولوجيا، ومن المصطلحات التي تعبر عن هذه الحدود المؤسسية: السقف الزجاجي، وفجوات الأجيال، وانقسامات التنوع، والمعارك الأيديولوجية، وصراعات الثقافات.
في السنوات الأخيرة، تغيرت التركيبة السكانية للقوى العاملة العالمية؛ فعلى سبيل المثال، من بين ٤٥ مليون وظيفة أُنشئت بين عامي ٢٠٠٦م و٢٠٠٧م، كان ٥٧٪ منها في آسيا، و٢١٪ في إفريقيا، و١٠٪ في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، و٨٪ في الشرق الأوسط وأوروبا الوسطى والجنوبية الشرقية (خارج الاتحاد الأوروبي). في المقابل، لم تتجاوز نسبة الوظائف التي أُنشئت في الاقتصادات المتقدمة خلال تلك الفترة ٤٪، وستزداد حدة هذه الاتجاهات العالمية للنمو. فمن بين ١.٢ مليار شاب اليوم، يعيش ما يقرب من ٩٠٪ في الاقتصادات النامية، ويأتي ثمانية من كل عشرة من إفريقيا أو آسيا. هذه هي القوى العاملة العالمية المستقبلية، وإذا ما أُديرت هذه الاتجاهات بشكل فعال، فقد تؤدي إلى فوائد مؤسسية، إذ يتطلب العالم المسطح الاستفادة من قواعد المعرفة المختلفة والخلفيات المتنوعة لتحقيق الابتكار الخلّاق للقيمة، أما سوء الإدارة، فمن المرجح أن يؤدي إلى انقسامات كبيرة.
الحدود الجغرافية تتمثل في الموقع الفعلي للمكتب، بالإضافة إلى الهاتف والبريد الإلكتروني والاتصالات عبر الإنترنت التي تُستخدم لجسر الفوارق الزمنية والمسافات. من المصطلحات التي تحدد الحدود الجغرافية: الشرق/ الغرب، والمحلي/ الأجنبي، والعالمي/ المحلي، والمقر الرئيسي/ الميدان، والسفينة الأم/ القمر الصناعي. في الماضي، كانت المؤسسات نتاج أسواقها المحلية، وتنتج منتجات لأسواق المستهلكين المحليين، أما اليوم، فإن الأسواق وعمليات المؤسسات ومواردها البشرية تظهر في جميع أنحاء العالم، فعلى سبيل المثال، قد تحصل شركة أمريكية للملابس الرياضية على قماشها من الصين، وتصمم وتسوّق ملابسها في الولايات المتحدة، وتصنع منتجاتها في بنغلاديش، وتبيعها عبر سلسلة متاجر في مواقع حول العالم. وإن التفكيك الافتراضي للحدود الجغرافية يخلق كفاءات في المصادر والحجم، بالإضافة إلى أسواق جديدة ومصادر لرأس المال، ومع ذلك، يبقى تحديد العمليات التي يجب دمجها عبر المناطق الجغرافية، وتلك التي يجب تخصيصها للاحتياجات المحلية، تحديًا مستمرًّا.
نموذج القيادة العابرة للحدود
في أبحاثنا، حددنا ستة أنواع من الممارسات التي تمكّن القيادة العابرة للحدود؛ الحماية، والتأمل، والربط، والتعبئة، والنسج، والتحويل. كل زوج متتالٍ من الممارسات يشكل واحدة من ثلاث استراتيجيات مترابطة؛ إدارة الحدود (الحماية والتأمل)، وتأسيس أرضية مشتركة (الربط والتعبئة)، واكتشاف آفاق جديدة (النسج والتحويل). يُعد هذا “النموذج العابر للحدود” بمنزلة دوامة تصاعدية يجب على القادة اتباعها لتحقيق التعاون بين المجموعات.
من خلال تنفيذ الممارسات الست العابرة للحدود على التوالي، يمكن للقادة تمكين ما نسميه “تأثير الربط”، أي عمل المجموعات معًا لخلق إمكانيات جديدة وتحقيق نتائج ملهمة تتجاوز ما يمكنهم تحقيقه بشكل فردي. وإن “تأثير الربط” هو الهدف النهائي للقيادة العابرة للحدود، وهو العملية المعاكسة لما نسميه “الانقسام الكبير”.
القوة العاطفية التي تعمل على الفصل والوصل بيننا -الهوية- هي في صميم الانقسام الكبير؛ فالهوية تنتج عن التفاعل بين حاجتين إنسانيتين أساسيتين: الحاجة إلى التمايز أو التفرد، والحاجة إلى الاندماج أو الانتماء. نحن نعتقد أن السبب في صعوبة إدارة الحدود الخمسة المذكورة أعلاه ليس فقط لأنها تمثل اختلافات مادية أو تكنولوجية تفصل بين المجموعات، بل الأهم من ذلك، أنها تمثل اختلافات في كيفية تعريفنا لأنفسنا، فالهويّة ليست حول ما نفعله أو كيف نفعله، بل حول من نكون.
بينما يُعد “تأثير الربط” النتيجة الأكثر إيجابية التي يمكن أن تحدث عندما تتقاطع حدود المجموعات، يُعد “الانقسام الكبير” الأكثر سلبية. وكما هو موضح في “من الانقسام الكبير إلى تأثير الربط”، فإن الوضع المغترب يحدث دون تدخل الممارسات الست العابرة للحدود. فعندما تتصادم حدود المجموعات ويشعر الأفراد بالتهديد من اختلافاتهم، ينقسمون إلى “نحن” مقابل “هم”. ويصبح خلق اتجاه مشترك والمواءمة والتزام هدف مشترك أمرًا بعيد المنال، مع نتائج محدودة وغير مثمرة.
الممارسات الست لتجاوز الحدود
على النقيض من ذلك، فإن ممارسات تجاوز الحدود لها آثار إيجابية واضحة، حيث تمكّن القادة من التقدم في التصاعد من إدارة الحدود إلى إيجاد أرضية مشتركة إلى اكتشاف آفاق جديدة عند نقطة التقاء المجموعات. يرى القادة الذين يتجاوزون الحدود أن الحدود ليست مجرد مشكلات يجب حلها، بل فرص محتملة، ويسعون لتحقيق ذلك من خلال ست ممارسات سيتم مناقشتها أدناه.
العزل (Buffering)
لا يمكن لأعضاء المجموعة التعاون بفاعلية عبر الحدود ما لم يشعروا أولًا بالحماية داخل مجموعتهم الخاصة؛ لذلك، تتضمن ممارسة العزل حماية أعضاء المجموعة من التهديدات أو التأثيرات الخارجية المفرطة حتى يتمكنوا من تطوير هوية جماعية واضحة والحفاظ عليها، والنتيجة هي أن العزل يبني الأمان بين المجموعات، وهي حالة الأمن النفسي التي تنشأ عندما تسمح الحدود لكل مجموعة بتحديد سبب وجودها.
بعد ذلك، يساعد القائد الذي يتجاوز الحدود المجموعات على العمل عبر الحدود أو حولها أو من خلالها للانخراط في عمل منتج مع مجموعات أخرى، سواء داخل المؤسسة أو خارجها. وفي الوقت نفسه، يجب على القائد أن يستمر جزئيًّا في العمل كحاجز واقٍ للحفاظ على حدود المجموعات قوية بما يكفي لحمايتها والحفاظ على تماسكها. وإذا أصبحت الحدود ضعيفة جدًّا أو اختفت تمامًا، فإن هدف المجموعة سيضعف أو يختفي أيضًا.
على سبيل المثال، كانت ليزا، وهي مديرة في شركة اتصالات، تواجه صعوبة في قيادة فريق متعدد الوظائف مكلف بإطلاق خط جديد من الهواتف الذكية. لم يحرز الفريق تقدمًا لأن أعضاءَه كانوا يتعرضون للعديد من المطالب الخارجية وغالبًا ما تكون متضاربة، وأخيرًا، قررت ليزا جمع الفريق معًا، وتوضيح مهمته، وتحديد منطقة مسؤولية كل عضو. أصبح كل شخص يعرف ما يجب عليه فعله وما لا يجب عليه فعله، ومن خلال عزل الفريق وتقوية حدوده، سهّلت ليزا تحقيق مهمة الفريق.
الانعكاس (Reflecting)
كما يوحي اسمه، تتيح هذه الممارسة للمجموعة رؤية جانبي الحدود وتسمح للمجموعات الأخرى بفعل الشيء نفسه. تمامًا كما أن صورة المرآة متاحة للجميع لرؤيتها، تتضمن ممارسة الانعكاس إعلام مجموعة عن مجموعة أخرى، من خلال تسليط الضوء على الاختلافات والتشابهات بين المجموعات ومساعدة كل واحدة على فهم هويات المجموعات الأخرى -من خلال حضور بعض اجتماعاتهم، أو قراءة منشوراتهم على موقع الإنترنت الخاص بهم، على سبيل المثال- يتضمن الانعكاس توعية أعضاء المجموعة بقيم ونقاط قوة وخبرات وأدوار واحتياجات نظرائهم. ومع وجود هذه الممارسة، يمكن للمجموعات البدء في رؤية أرضية مشتركة في الأهداف والغايات، ويصبح الطريق ممهّدًا للاحترام والتعاون بين المجموعات.
على سبيل المثال، قامت شركة DriveTime، وهي شركة فينيكس بولاية أريزونا تمتلك معارض سيارات مستعملة، بجعل موظفيها يتعاونون مع مدارس ابتدائية تخدم الطلاب المعرّضين للخطر. كان الهدف هو أن تفهم الشركة عملاءها من ذوي الدخل المنخفض بشكل أفضل، وتخدم المجتمع بشكل أفضل، وفي المقابل يتم فهم الشركة بشكل أفضل من قبل المجتمع. ونتيجة لذلك، طور الموظفون تعاطفًا أكبر ووعيًا بعملائهم بطرق تتناقض بشكل صارخ مع التصورات الشائعة لصناعة السيارات المستعملة على أنها تستغل الفئات الضعيفة.
التواصل (Connecting)
تسعى هذه الممارسة إلى بناء العلاقات من خلال إنشاء روابط شخصية، وتحدث عندما يضع أعضاء المجموعة مؤقتًا هويتهم الجماعية جانبًا، ويدخلون منطقة محايدة حيث يمكن للأفراد التفاعل مع بعضهم كأشخاص. إذا استمر هذا التواصل مع مرور الوقت وتم بناء علاقات جديدة، تصبح الحدود التي أنشأت حواجز صارمة بين المجموعات أكثر مسامية وقد تنمو الثقة بين المجموعات. ومع وجود هذه الممارسة، قد تخلق المجموعات اتجاهًا مشتركًا، وتطور توقعات مشتركة (بشأن تنسيق المهمّات، على سبيل المثال)، وتحافظ على الثقة المتبادلة بأن كل مجموعة ملتزمة بالمصالح العامة المشتركة.
إحدى الاستراتيجيات لتحقيق التواصل هي إنشاء “مساحات جذب”، والتي تعلّق في وقت أو مكان معين الحدود المادية التي تفصل بين مجموعات أو وظائف أو مستويات أو أقسام المؤسسة. كانت هذه الحدود تهدف بالتأكيد إلى تحسين الإنتاجية من خلال تمكين الأشخاص الذين يشاركون في المسؤوليات من العمل بالقرب من بعضهم، لكن التكلفة هي أنها تعيق أي مجموعة من التعاون مع الآخرين، ولموازنة التوترات الناتجة، يحتاج القادة إلى خلق مساحات جذب تشجع على تطوير العلاقات العفوية العابرة للحدود.
خذ على سبيل المثال “جوجل بلكس”؛ مقر شركة جوجل في ماونتن فيو، كاليفورنيا. كل شيء من “ساحة المدينة” في المدخل إلى “مكتبة القرية” يدعو الموظفين إلى مغادرة مكاتبهم والتواصل مع بعضهم. في جميع أنحاء المبنى، تم تنظيم الطوابق في أحياء مرنة ومساحات مجتمعية مشتركة تسهل أيضًا على الناس اللقاء. على سبيل المثال، يتناول الموظفون الطعام مجانًا في كافيتيريا مفتوحة، والتي تحتوي أيضًا على سبورة ضخمة لتسجيل الأفكار التي قد تظهر من المحادثات العفوية أثناء الغداء.
التعبئة
تهدف هذه الممارسة إلى إعادة صياغة الحدود وصنع هدف مشترك، إنها تشجع المجموعات على تجاوز هويتهم الجماعية الضيقة وخلق هوية جديدة وأكبر يتشارك فيها الجميع. تمكّن التعبئة المجموعات من النظر إلى ما وراء الاختلافات التي تقسمهم إلى فصائل، وبدلًا من ذلك، تشكيل ائتلافات للعمل معًا بشكل منتج، والنتيجة هي مجتمع بين المجموعات، وهي حالة من الانتماء المتبادل والملكية تتطور عندما يُعاد تشكيل الحدود ويتم اتخاذ إجراءات جماعية. عندما تكون هذه الممارسة قائمة، قد تدرك المجموعات هدفًا أعلى محفزًا، تشارك هوية شاملة، تنسيق الموارد، واتخاذ إجراءات جماعية، حتى عندما تحاول القوى الخارجية تفريقهم.
تشبه التعبئة عملية الربط من حيث إن كلتا الممارستين تمكّنان من إيجاد أرضية مشتركة. ومع ذلك، يكمن الفرق في أن الربط يتعلق بتعليق خطوط التقسيم بين أعضاء المجموعة الواحدة، بينما تعيد التعبئة رسم الخطوط لتشمل كلتا المجموعتين.
إحدى استراتيجيات التعبئة هي سرد القصص، التي كانت عبر التاريخ البشري قوة قوية للتعبير عن الهوية المشتركة. يمكن لقادة تجاوز الحدود أيضًا الاستعانة بالقصص لخلق معنى وهدف سامٍ. عندما اشترت شركة لينوفو الصينية قطاع الحاسوب الشخصي في شركة IBM عام 2005م، سارع القادة الكبار إلى صياغة سردية عن لينوفو باعتبارها “شركة العالم الجديد” التي تجمع بين أفضل ما في الشرق والغرب. تنقل هذه السردية القيم لتوجيه السلوك وتعليمه. وبشكل خاص، تشجع المجموعات المتباينة على العمل معًا كأعضاء في مجتمع مشترك.
النسج
تحدث هذه الممارسة عندما تتشابك حدود المجموعات مع بقائها مميزة، مثلما يجمع النساج الماهر خيوطًا مختلفة ليخلق أنماطًا أكبر. في المؤسسة، لكل مجموعة دور أو مساهمة فريدة يتم دمجها في سبيل تحقيق، على سبيل المثال، المنتج أو الخدمة الكبيرة التالية.
بينما يلبي النسج الحاجة إلى التمايز من خلال احترام الخبرات والتجارب المتنوعة، فإنه يلبي أيضًا الحاجة إلى التكامل من خلال تشكيل تعاونيات جديدة بين المجموعات تستفيد من اختلافاتها لتحقيق هدف مشترك. والنتيجة هي الاعتماد المتبادل بين المجموعات؛ حالة من الاعتماد المتبادل والتعلم الجماعي. عندما تكون هذه الممارسة قائمة، لا تعزز المجموعات المعنية فاعليتها فحسب، بل يمكنها أيضًا التشارك في خلق اتجاه عام واحد، والعمل معًا لإعادة توجيه الموارد الجماعية مع تغير متطلبات العمل، واستغلال وجهات النظر المتنوعة لتعزيز فاعلية المؤسسة الأكبر.
استخدم القادة في مؤسسة “حقوق الطفل وأنت” (CRY)، وهي مؤسسة تدافع عن الأطفال المحرومين، استراتيجية النسج لتحقيق تغيير كبير في الاستراتيجية. فمع انتشارها في 17 ولاية هندية، تعكس CRY اختلافات إقليمية واسعة -في اللغة، والعرق، والدين، والطبقة- بين أعضائها. للاستفادة من وجهات نظرهم وتجاربهم المتنوعة لخدمة مهمة المؤسسة بشكل أفضل، طلب فريق بقيادة الرئيسة التنفيذية إنغريد سريناث من الأشخاص في جميع أنحاء CRY “إحضار اختلافاتهم إلى الطاولة”. أُجريت حوارات متعددة عبر الحدود حيث شارك أشخاص يمثلون مناطق متنوعة بالإضافة إلى مجموعات وظيفية في مناقشات عميقة ومفتوحة حول الاتجاه المستقبلي للمؤسسة. تم عرض الاختلافات ومناقشتها بصراحة، وبدلًا من اعتبارها مشكلات، تم احتضان هذه الاختلافات، ما مكّن CRY في النهاية من النظر في مجموعة أوسع من الخيارات.
التحول
الممارسة السادسة والأخيرة تتعلق بإعادة اختراع العلاقة بين المجموعات؛ حالة التجديد التي تتطور عندما تخلق المجموعات هويات جديدة وإمكانات جديدة من خلال إعادة صياغة الحدود بينها. في جوهرها، يحدث التحول عندما يُمنح أعضاء المجموعات الوقت والمساحة للانفتاح على التغيير.
عندما يتم جمع مجموعات متعددة بحثًا عن التجديد، يمكن أيضًا استخدام كل الأساليب الموصوفة في الممارسات الخمس السابقة، وهكذا، يمكن اعتبار التحول بمنزلة “جشطالت”، أي الكلية المتكاملة لممارسات تجاوز الحدود الستة. وعندما ينجح التحول، قد يتم حل المشكلات التي كانت سابقًا مستعصية، وقد تصبح الخيارات التي كانت تعدّ بعيدة المنال ليست ممكنة فحسب، بل قابلة للتحقيق بالكامل.
اتخذ بوتش بيترمان، رئيس شركة “أبراسيف تكنولوجي” (Abrasive Technology Inc.)، وهي شركة عالمية متكاملة لتصنيع منتجات الطحن الدقيقة والأدوات ومقرها في لويس سنتر، أوهايو، قرارًا بتحويل شركته من مصنع منظم وظيفيًّا مع تقسيم صارم للعمل إلى مؤسسة مبتكرة تركز على العملاء وتتمحور حول العمليات، وهو هدف تطلب من الأشخاص في ATI تغيير كيفية تعريفهم لأنفسهم وشركتهم. وبحماس، تخلوا عن استخدام الأدوار الإدارية التقليدية وابتكروا أدوارًا غير معنونة حول المهمّات الأساسية. وتم تعيين جميع الموظفين في عملية ما واعتبروا شركاء مسؤولين بالكامل عن إدارة العمل، بالإضافة إلى الاستمرار في تطوير أنفسهم والآخرين. اليوم، أصبحت الشركة قائمة على العمل الجماعي، وحل المدربون محل المشرفين، وأصبح التدريب المتبادل الأفقي ومرونة الأدوار هو القاعدة. أما فوائد ذلك على مستوى المؤسسة؛ من بينها، خفضت ATI معدلات إعادة المنتجات، وحسنت أداء المصانع ذات الأداء المنخفض، وقللت معدلات دوران الموظفين إلى ما يقارب الصفر.
وتوجد أمثلة أخرى على الإجراءات التي يمكن أن يتخذها القادة -لكل ممارسة مطبقة على كل نوع من الحدود- في مصفوفة “الممارسات مقابل الحدود”.
ميزة القيادة تؤدي الممارسات الست لتجاوز الحدود إلى تحقيق السلامة والاحترام والثقة والمجتمع والتكافل وإعادة الابتكار، وهي نتائج ضرورية لخلق تأثير الربط، عندما تحقق المجموعات نتائج ملهمة معًا تتجاوز بكثير ما كان بإمكانهم تحقيقه بمفردهم. عندما تصبح المؤسسة مكانًا للثقة المتبادلة والتكافل والعمل الجماعي، تظهر آفاق جديدة للإبداع والابتكار. قد تحدث اختراقات وتطبيقات ملهمة، وقد تتحقق بدائل مستقبلية. وإذا ظهر عدد كافٍ من القادة القادرين على تجاوز الحدود في عدد كافٍ من المؤسسات، فقد تنشط اقتصادات بأكملها.
لا شك أن المؤسسات ترغب في حشد الإبداع والابتكار كجزء أساسي من استراتيجيتها المؤسسية في هذه الأوقات الصعبة. من بين قائمة من الاتجاهات المجتمعية، وصف 92% من كبار التنفيذيين في بحثنا السعي نحو الابتكار بأنه الاتجاه الأكثر تأثيرًا في استراتيجيتهم المؤسسية للسنوات الخمس القادمة، لكن الابتكار يعتمد إلى حد كبير على تجاوز الحدود بشكل فاعل، ليس فقط داخليًّا -عبر المستويات والوظائف والمواقع- ولكن أيضًا بين المؤسسة وأصحاب المصلحة. في عالم يتجه نحو المزيد من التسوية، يمتلك القادة القادرون على تجاوز الحدود ميزة؛ إذ إنهم في موقع جيد لتحقيق نتائج تحويلية لمؤسساتهم والمجتمعات الأوسع التي يخدمونها.
حول المؤلفين
كريس إرنست هو عضو هيئة تدريس أول في مركز القيادة الإبداعية في غرينسبورو، نورث كارولينا. دونا شروبت-ماسون أستاذة مشاركة في قسم علم النفس بجامعة سينسيناتي.
المراجع
1. T. Friedman, “The World Is Flat: A Brief History of the Twenty-First Century” (New York: Farrar, Straus & Giroux, 2005).
2. يستند هذا المقال في المقام الأول إلى:
C. Ernst and D. Chrobot-Mason, “Boundary Spanning Leadership: Six Practices for Solving Problems, Driving Innovation, and Transforming Organizations” (New York: McGraw-Hill, 2010). For additional information, see www.spanboundaries.com.
3. تستند النتائج الثلاث إلى تعريف القيادة وفلسفتها التي طورها مركز القيادة الإبداعية. انظر:
E. Van Velsor, C.D. McCauley and M.N. Ruderman, eds., “The Center for Creative Leadership Handbook of Leadership Development,” 3rd ed. (San Francisco: Jossey-Bass, 2010); and W.H. Drath, C.D. McCauley, C.J. Palus, E. Van Velsor, P.M.G. O’Connor and J.B. McGuire, “Direction, Alignment, Commitment: Toward a More Integrative Ontology of Leadership,” Leadership Quarterly 19, no. 6 (December 2008), 635-653.
4. ركزت الأعمال السابقة على تجاوز الحدود الهيكلية وحدود المعلومات. على النقيض من ذلك، نتناول دور القيادة في تجاوز حدود الهوية الاجتماعية. انظر المقال الكلاسيكي لهوارد ألدريتش ودانيال هيركر
“Boundary Spanning Roles and Organization Structure,” Academy of Management Review 2, no. 2 (April 1977): 217-230. More recently, Deborah Ancona and others at MIT examined how leaders and teams operate beyond traditional boundaries. See D. Ancona and H. Bresman, “X-Teams: How to Build Teams That Lead, Innovate, and Succeed” (Boston: Harvard Business School Press, 2007).
5. International Labour Office, “Global Employment Trends Brief” (Geneva: ILO, 2008).
6. M.B. Brewer, “The Social Self: On Being the Same and Different at the Same Time,” in “Intergroup Relations: Key Readings,” eds. M.A. Hogg and D. Abrams (Philadelphia: Psychology Press, 2001), 245-253.
ولمزيد من المواد الأساسية حول الهوية الاجتماعية، انظر:
D. Chrobot-Mason, M.N. Ruderman, T.J. Weber and C. Ernst, “The Challenge of Leading on Unstable Ground: Triggers That Activate Social Identity Faultlines,” Human Relations 62, no. 11 (November 2009): 1763-1794.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




