ترجمة: جود الدهيشي
تصبح مناقشات التمييز في مكان العمل أكثر فاعليّة وإنتاجيّة عندما يفهمُ المديرون الأساليب الشائعة التي تستخدمها المجموعات المهيمنة لدرء الانتقادات عن نفسها.
فيليكس دانبولد، إيفوما إن أونيادور، وميغيل إم أونزويتا
تخيل أنك مدير لفريق متشعّب الأعراق والثقافات. في أحد الأيام، جزعت عندما علمت أن عددًا من الموظفين من ذوي البشرة السوداء يشعرون بأنهم غير مرغوب بهم في مكان العمل، إذ أفادوا بأن اثنين من الموظفين من ذوي البشرة البيضاء كانا يمزحان مع زملاء آخرين حول صورة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهرهما مرتديين أزياء تحمل إيحاءات عنصرية خلال حفلة، لذا، حرصًا منك على أن تكون قائدًا شاملًا ومتجاوبًا، قررت استدعاء الموظفين المعنيّين إلى مكتبك بشكل فردي لمعالجة الموقف.
الموظف الأول -دعنا نطلق عليه اسم مايكل- يتبنى موقفًا دفاعيًّا ويعبر عن استيائه، مدعيًا أنها مجرد حالة تقليدية لما يُعرف بـ”العنصرية العكسية”، حيث يشعر أن الموظفين ذوي البشرة السوداء يستهدفونه بشكل غير عادل لمجرد كونه أبيض. مما يتبنّى الموظف الثاني، جون، دور الضحية، ولكن بأسلوب مختلف. يدّعي أن حرية التعبير الخاصة به باتت مهددة، ويرى أن محاولات تقييد ما يمكنه أو ما لا يمكنه قوله في مكان العمل تُعد انتهاكًا لحقوقه الأساسية. لذا، كيف تقيم هذه الحجج؟ هل ترى أن كلا الموظفين على حق، أم تميل لتصديق أحدهما أكثر من الآخر؟ وكيف ستتصرف لمعالجة هذا الموقف مع فريقك بشكل فاعل؟ عندما يُتهم أفراد المجموعات التي تتمتع بسلطة وموارد أكبر -أو ما يُعرف بالمجموعات المهيمنة وفقًا لعلماء الاجتماع- بالتمييز ضد من يملكون سلطة وموارد أقل (المجموعات غير المهيمنة)، يسعون أحيانًا إلى تفادي الانتقادات من خلال تصوير أنفسهم كضحايا للتمييز، ويُطلق على هذا المصطلح “الضحية التنافسية”. وخلافًا لذلك، فبعضهم يذهب أبعد من ذلك، حيث يستدعون دور الضحية في سياق جديد من الأذى، مثل تحويل النقاش إلى حرية التعبير أو الحرية الدينية، وهو ما يُسمى “ضحية استطرادية”.
في بحث حديث شمل ثلاث دراسات وشارك فيه 3081 شخصًا، استكشفنا كيف يستجيب الناس لمزاعم مشابهة لتلك الموجودة في السيناريو أعلاه، ووجدنا أن الناس يستجيبون بشكل أكثر إيجابية لمزاعم الضحية الاستطرادية (مثل مزاعم جون) مقارنة بمزاعم الضحية التنافسية. ونظرًا لأن مزاعم الضحية الاستطرادية تعقّد النقاشات حول التحيز، فإن فاعليتها تعني أن المديرين قد ينتهي بهم الأمر إلى إهمال معالجة حالات التحيز الأصلية التي من المفترض أن يستجيبوا لها. ومن خلال زيادة الوعي بهذه الظاهرة النفسية، تهدف هذه المقالة إلى مساعدة المديرين على تجنب الانحراف عن المسار أو التشتيت بمزاعم الضحية الاستطرادية، ما يسمح لهم بالتمسك بمسؤوليتهم في معالجة التمييز في مكان العمل.
مطالبة الضحيّة للتصدي لاتهامات التحيُّز
أعضاء المجموعات غير المهيمنة الذين يعانون من التمييز يمكنهم تسليط الضوء على التمييز الذي يواجهونه من خلال الإبلاغ عن السلوك المتحيز للمشرفين أو -عندما لا تؤدي هذه الخطوة إلى نتائج- اللجوء إلى وسائل الإعلام أو القضاء. ويمكن رؤية ذلك في تزايد حالات النشاط النقابي للموظفين، مثل الدعاوى القضائية الأخيرة ضد شركة تسلا من قبل موظفين من ذوي البشرة الملونة. ويجب على المديرين الذين يتلقون تقارير عن التمييز أن يفحصوا جدوى هذه التقارير دون أن ينشغلوا بالمزاعم المضادة من أولئك الذين تم اتهامهم. ففي المثال الافتتاحي أعلاه، سعى الموظف الأول مايكل إلى التهرب من عواقب سلوكه عبر ادعاء وجود “العنصرية العكسية”، محاولًا بذلك تحويل اللوم عن نفسه إلى الموظفين السود الذين اتهموه بالتمييز، وهذا النوع من الادعاءات المضادة شكّل الأساس لدعوى قضائية رُفِعت ضد شركة جوجل في عام 2018م من قِبَل جيمس دامور، مهندس وموظف سابق، حيث ادعى أن جهود الشركة لمعالجة التحيز الجنسي والعنصرية في قطاع التكنولوجيا كانت في جوهرها تمييزية ضد الرجال البيض والآسيويين، إذ تهدف مثل هذه الادعاءات، التي ترتكز على التنافس حول دور الضحية، إلى جعل المجموعة المسيطرة تبدو فاضلة وإسكات الانتقادات الموجهة إليها.
على النقيض، أظهر الموظف الثاني، جون، ما يُعرف بـ”الضحية الاستطرادية” عندما ادّعى أن اتهامه بالعنصرية يهدد حريته في التعبير. و تتجلّى ظاهرة الضحية الاستطرادية كذلك حين يعمُد الأفراد أو الشركات إلى الإحتماء بذريعة الحرية الدينية بهدف التنصُّل من اتهامات التمييز على أساس التوجه الجنسي. على سبيل المثال، في قضية متجر الكيك الرائع ضد لجنة الحقوق المدنية في كولورادو التي نظرتها المحكمة العليا في عام 2018م، دافع المدعى عليه، الذي اتُّهم بالتحيز لرفضه بيع كعكة زفاف لزوجين من نفس الجنس، بأن حريته الدينية كانت على المحك. وكما هو الحال مع ادعاءات “الضحية التنافسية”، تهدف ادعاءات “الضحية الاستطرادية” إلى تبرئة المجموعة المهيمنة ودرء النقد بعيدًا عنها. ومع ذلك، فإنها تضيف تعقيدًا للنقاش، حيث تُدخل موضوعات جديدة للنقاش، لا سيما تلك المتعلقة بالحقوق العالمية الكبرى، ما قد يُعقّد جهود المجموعات غير المهيمنة لمعالجة التمييز.
قوّة الضحية الاستطرادية
يمكن لمديرٍ أن يشتت انتباهه بسهولة بحجة الضحية الاستطرادية التي قدمها جون، معتقدًا أن هناك نقاشًا أكثر تعقيدًا يجب خوضه. هذا التشويش قد يدفع المديرين إلى التردد في محاسبة الموظفين المتهمين بخلق بيئة عمل معادية، وعندما يحدث ذلك، يتجاهل المديرون مسؤوليتهم في ضمان حماية الموظفين من المجموعات غير المهيمنة من التمييز في مكان العمل.
في دراستنا، طلبنا من المشاركين قراءة مزاعم الضحية المشابهة لتلك التي وردت في المثال الافتتاحي والتفاعل معها، وأظهرت نتائج دراساتنا أن أعضاء المجموعات المهيمنة دعموا مزاعم الضحية الاستطرادية بشكل أقوى من مزاعم الضحية التنافسية. على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، على مقياس يتراوح من 1 “لا أوافق بشدة” إلى 7 “أوافق بشدة”، حصلت مزاعم الضحية الاستطرادية على متوسط تقييم قدره 4.0، مقارنة بـ3.4 لمزاعم الضحية التنافسية، كما أظهرت النتائج أن أعضاء المجموعات غير المهيمنة أيضًا فضلوا مزاعم الضحية الاستطرادية على المزاعم التنافسية، لكن التفضيل كان أقل، وتم دعم كلا المزعمين بشكل أقل (بمتوسط 3.5 و3.1 على التوالي). كان أولئك الذين دعموا ادعاءات الضحية الاستطرادية أكثر ميلًا للاعتقاد بأن هذه الادعاءات سيكون من الصعب دحضها من قبل أولئك الذين وجهوا في البداية اتهامات بالتحيز. وفي محاولة لفهم سبب تفضيل أعضاء المجموعات المهيمنة الواضح لهذه الادعاءات، أجرينا تحليلات إحصائية أظهرت أن هذا التفضيل يعود إلى الاعتقاد بأن ادعاءات الضحية الاستطرادية أكثر فاعلية في منع الانتقادات المستقبلية، ولم تظهر هذه العلاقة بين المشاركين من المجموعات غير المهيمنة.
تشير نتائج دراستنا إلى أن أعضاء المجموعات المهيمنة قد يدعمون ادعاءات الضحية الاستطرادية بشكل استراتيجي. وفي الواقع، لاحظنا وجود علاقة إيجابية بين مدى تحيز الأفراد “كالعنصرية” ودرجة دعمهم القوية لحجة الضحية الاستطرادية، كما رصدنا أدلة على تصرف بعض الأشخاص بنية سيئة، حيث دعموا هذه الادعاءات رغم أنهم لا يؤيدون القيمة المجردة التي تقوم عليها “كحرية التعبير”.
“إلى أين نتجه من هنا لتحقيق الأفضل؟“
دعنا نتأمل مثال موظفَينا المتهمَين بالعنصرية؛ إذا شعرت بأن الحجة التي تستند إلى تهديد حرية جون في التعبير أكثر إقناعًا، فأنت لست الوحيد، لكن الخطر هنا هو أن تنجرف بسهولة إلى جدل حول حرية التعبير، متناسيًا جوهر القضية الأساسية: التمييز الذي يواجه موظفيك السود.
إليك ثلاث خطوات يمكن للمديرين اتباعها لتجنب الانحراف والانشغال بادعاءات الضحية الاستطرادية.
لا تُشتت انتباهك: تظهر ادعاءات الضحية التنافسية والاستطرادية عندما يواجه أعضاء المجموعات المهيمنة أدلة على تحيزهم، ما قد يكون من السهل على المديرين الانشغال بهذه الادعاءات المضادة، خاصة إذا كانوا يعتقدون أن مثل هذه الادعاءات فاعلة في إسكات الانتقادات، لذلك، يجب على المديرين أن يفصلوا هذه الادعاءات عن الشكوى الأساسية التي يردّون عليها، وأن يتوخوا الحذر في تقييم مصداقية وأهمية كل منها. فمن دون هذا الوعي، قد يجد المديرون ذوو النوايا الحسنة أنفسهم يهملون معالجة التمييز الذي يواجه أعضاء المجموعات غير المهيمنة في مكان العمل.
الأخذ في الحسبان الدوافع المحتملة: فمن الصعب معرفة ما يعتقده الناس فعلًا، وغالبًا ما نميل إلى أخذ الحجج التي يقدمها الناس على أنها صادقة. ومع ذلك، تظهر أبحاثنا أن الأشخاص الذين يزعمون أنهم الضحية الاستطرادية قد يكونون يتصرفون بسوء نية، في حين يجب على القادة الاستماع بعناية لجميع الموظفين، كما يجب عليهم أيضًا أن يكونوا واعين بأن بعضهم قد يحاولون تشتيت انتباههم بعيدًا عن معاناة الآخرين. وقد يفكر القادة في التحقق من التزام مقدمي الادعاءات المضادة بالمبادئ التي يستندون إليها للدفاع عن أنفسهم، فهل يدافعون عن حرية التعبير للأشخاص الذين لا تتوافق آراؤهم مع وجهات نظرهم؟ وكيف يفكر الموظف في عواقب ممارسة حريته في التعبير؟ وهل يعد أن الموظفين السود في مكان العمل يشعرون بالإهانة والأذى؟
مكافأة تحمل المسؤولية: ركز بحثنا على ما يحدث عندما يحاول الأشخاص الذين يمارسون سلوكًا متحيزًا التهرب من المساءلة وتصوير أنفسهم كضحايا، ومع ذلك، لا يجب أن نتوقع حدوث هذا في كل مرة يُستدعى فيها موظف بسبب سلوكه المتحيز. نأمل أن يقرّ بعضهم أن ما فعلوه كان خطأ، وأن يتحملوا المسؤولية، ويعتذروا، ويعملوا على التغيير. ويجب مكافأة هذا النوع من السلوك وتقديمه كقدوة للموظفين الآخرين. وإن القدرة على التعرف إلى الحالات التي يدعي فيها الموظفون الضحية التنافسية أو الاستطرادية، وتثبيطها، مع مكافأة الموظفين الذين يتحملون المسؤولية، تُعد جزءًا أساسيًّا من القيادة الفاعلة للفرق المتنوعة.
نأمل أنه من خلال فهم أعمق لظاهرة الضحية الاستطرادية، سيشعر المديرون بأنهم أكثر قدرة على التعامل مع المواقف المعقدة وضمان أن يعمل الموظفون الممثلون تمثيلًا ناقصًا في بيئة خالية من التحيز.
نبذة عن المؤلفين
فليكس دانبولد هو أستاذ مساعد في مجموعة المنظمات والابتكارات في كلية إدارة الأعمال في جامعة كوليدج لندن. إيفوما ن. أونييدور هي أستاذة مساعدة في إدارة الأعمال والمنظمات في كلية كيلوج لإدارة الأعمال في جامعة نورث وسترن. ميغيل م. أنزويتا هو أستاذ في كلية أندرسون لإدارة الأعمال في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس( UCLA).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




