ترجمة: جود الدهيشي
قد يشهد التحول نحو الطاقة تحديات، لكن انتظار ما سيحدث دون اتخاذ خطوة قد يحمل مخاطر أكبر.
نُشر من قبل ستيفن جولدباخ، وجيف توف، وديريك بانكراتز
التحول إلى اقتصاد ذي انبعاثات غازات دفيئة منخفضة بشكل جذري لم يعد سؤالًا عن “ماذا كان سيحدث”، بل عن “متى وكيف سيحدث”. مع ذلك، تظل النقاشات مع الفرق التنفيذية في قضايا الاستدامة تركز غالبًا على سؤال: “هل يجب أن يصبح عملي أكثر استدامة؟” بدلًا من التركيز على السؤال الأهم: “كيف يمكن لعملي أن يحقق الاستدامة؟ وما الفرص والمزايا التي قد يجنيها من ذلك؟” من السهل فهم ترددهم؛ فوسائل الإعلام ممتلئة بالعناوين التي تبرز التحديات، مثل المبادرات المتعثرة في طاقة الرياح البحرية، والتأخيرات المستمرة، والمشكلات في الحصول على التصاريح لمشاريع الطاقة النظيفة، والمبيعات البطيئة للسيارات الكهربائية، والرأي العام المعارض للبيئة والمجتمع وحوكمة الشركات.
غالبًا ما تُعرض هذه العناوين بطريقة توحي بأن التقدم نحو اقتصاد منخفض الكربون يتعثر، وهو ما قد يرجع إلى تحيز الخوف من الخسارة، حيث يخشى الناس الخسارة أكثر من تقديرهم للمكاسب. وفي هذه الحالة، تُعد النماذج التجارية المألوفة والواضحة هي “الخاسرة”. لذلك، ليس من المفاجئ أن يميل الناس إلى تفضيل البيانات التي تدعم بقاءهم في الوضع الراهن؛ فالتركيز على العوائق المؤقتة وتأجيل اتخاذ قرار بشأن توجه طويل المدى يعني بشكل أساسي تبني استراتيجية الانتظار أو التباطؤ، وهي في الحقيقة أكثر خطورة من المخاطرة بتجربة شيء جديد والاستفادة من الفرص التي يوفرها التحول في قطاع الطاقة. الاستراتيجية القائمة على الجمود تعني بشكل غير مباشر الرهان على سيناريو مستقبلي يفشل فيه التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون. لكنَّ الحقيقة هي أن هناك زخمًا كبيرًا يدفع نحو التحول إلى عالم منخفض الانبعاثات، كما تكشف هذه العوامل الخمسة التي تعزز الاستدامة على المدى الطويل.
- “العلاوة الخضراء” في طريقها للاختفاء، والتقنيات النظيفة الرئيسة على وشك الوصول إلى نقاط التحول: رغم التحديات الأخيرة في سلاسل الإمداد وأسعار الفائدة، شهدت تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح -اللتين تشكلان الركيزة الأساسية للطاقة المتجددة- انخفاضات ضخمة في التكاليف على مدار العقد الماضي. وفقًا لمركز أبحاث معهد روكي ماونتن[1]، انخفضت تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح البرية بنسبة 80% و57% على التوالي بين عامي 2012م و2022م. وفي عام 2022م، كانت تكلفة توليد الطاقة الشمسية أقل بنسبة 29% من أرخص حلول الوقود الأحفوري على أساس العمر الافتراضي، بحسب وكالة الطاقة المتجددة الدولية. كما تجاوزت التركيبات الشمسية العالمية 400 جيجاوات في 2023م، وهو ما يعادل ألف ضعف الكمية في 2003م.
- رغم اختلالات العرض والطلب، يواصل نمو السيارات الكهربائية مساره التصاعدي بشكل ملحوظ: بينما تختلف معدلات التبني من بلد لآخر، يستغرق الأمر نحو ست سنوات حتى تشكل السيارات الكهربائية 10% من مبيعات السيارات، وفي البلدان الرائدة، يحتاج الأمر إلى ست سنوات إضافية للوصول إلى 80%. في الولايات المتحدة، مثلت السيارات الهجينة والهجينة القابلة للشحن والسيارات الكهربائية أكثر من 16% من مبيعات السيارات الخفيفة في 2023م، بزيادة عن أقل من 13% في العام السابق، بعد أن كانت تتراوح في الأرقام الفردية المنخفضة طوال العقد الماضي. في الوقت نفسه، انخفض متوسط سعر السيارة الكهربائية بأكثر من 24% من ذروته في منتصف 2022م، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى النماذج الجديدة، وتراجع تكاليف البطاريات، والحوافز الضريبية، لذا، تحسين اقتصاديات وأداء السيارات الكهربائية يعزز تطوير البنية التحتية، ما يزيد من الطلب على هذه السيارات، ويخلق حلقة تغذية راجعة تدعم استمرار هذا النمو.
- قدَّمت السياسات والتنظيمات -ولا تزال– حوافز وعقوبات تدفع التحول: إن التمويل المستمد من قانون خفض التضخم وغيره من التشريعات بدأ بالفعل في تحفيز النشاط في القطاع الخاص عبر مجموعة واسعة من التقنيات النظيفة. نظرًا لأن عديدًا من بنود هذا القانون تشمل ائتمانات ضريبية غير محدودة، فإن التأثير النهائي قد يتجاوز التوقعات الأولية بشكل كبير. بالتأكيد، هناك نقاش في مستقبل هذه البرامج، ولكن بما أن قانون خفض التضخم هو تشريع صادر من مجلس الشيوخ الأمريكي وفوائده تُلمس في عديد من الولايات، يبدو من المحتمل أن يستمر هذا القانون بشكل أو بآخر. علاوة على ذلك، فإن معظم الشركات متعددة الجنسيات الكبرى في العالم هي بالفعل -أو من المرجح أن تكون في المستقبل القريب- خاضعة لتنظيمات الإفصاح عن الغازات الدفيئة، مما يعدُّ توجيه التقارير الخاصة بالاستدامة المؤسسية مطلبًا كبيرًا للشركات العاملة في أوروبا؛ كما أن المتطلبات المستقبلية في الولايات المتحدة، سواء من خلال لوائح هيئة الأوراق المالية والبورصات أو من ولايات مثل كاليفورنيا، تجعل من المحتمل جدًّا أن تواجه حتى الشركات الأمريكية ذات الحجم المتواضع بعض متطلبات الإفصاح عن الغازات الدفيئة، ومن المؤكد أن الإفصاح لا يلزم العمل الفعلي، لكن الحاجة إلى الإجابة عن أسئلة العملاء والمستثمرين وغيرهم من المعنيين يمكن أن تكون نقطة انطلاق لشركة في مسارها نحو الاستدامة: الحاجة إلى الإفصاح تخلق الحاجة إلى جمع وإدارة بيانات الاستدامة، ما يهيئ الظروف اللازمة للقياس والمساءلة، سواء داخليًّا أو خارجيًّا.
- الالتزامات بالاستدامة تشهد ازدهارًا غير مسبوق: تتسارع عجلة التحول نحو الاستدامة بفضل التنظيمات، لكنها أصبحت أقوى مع النمو الكبير في عدد الشركات التي تتعهد بخفض انبعاثاتها. فاليوم، يغطّي أكثر من 90% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي هدف الوصول إلى صافي صفر انبعاثات. ووفقًا لمبادرة الأهداف العلمية المستندة، تضاعف عدد الشركات التي حددت أهدافًا معتمدة من المبادرة نحو عشر مرات منذ عام 2020م وحتى أغسطس 2024م، ولهذا فالتحول يحمل أهمية خاصة؛ إذ تُترجم الالتزامات العلنية إلى ضغوط متزايدة من العملاء، والموظفين، والمستثمرين، وأصحاب المصلحة الآخرين، لدفع الشركات إلى تطوير استراتيجيات واضحة لإدارة الانبعاثات والإفصاح عنها. من أبرز مبادئ مبادرة الأهداف العلمية المستندة: التزام الشركات بإدارة انبعاثات النطاق الثالث، خاصة تلك الناتجة عن سلاسل التوريد. يمثل الضغط الذي تمارسه الشركات الكبرى على مورديها لتقليل الانبعاثات آلية إضافية تعزز التحول، ومن الأمثلة الواقعية، تجربة سيدة في مجلس إدارة شركة خاصة وصفت نفسها بأنها “مؤمنة رمزية بالمناخ”، ضمن مجلس يرأسه شخص يصف نفسه بأنه “منكر لتغير المناخ”. ووفقًا لروايتها، تغيّر موقف الشركة تمامًا بمجرد أن بدأ العملاء بطرح أسئلة عن انبعاثاتها.
- تغير التركيبة السكانية يعيد تشكيل سلوكات المستهلكين: غالبًا ما يُثار الاعتراض بأن “المستهلكين غير مستعدين لدفع المزيد مقابل المنتجات المستدامة”. وبينما تظهر بيانات المسح العالمي[2] من شركة ديلويت[3] أن بعض المستهلكين خفضوا مشترياتهم المستدامة بسبب الظروف الاقتصادية غير المستقرة، فإن قرارات الشراء لجيل جديد من العملاء أصبحت تعتمد اعتمادًا متزايدًا على اعتبارات الاستدامة. وفقًا لاستطلاع شركة لعام 2023م، أبدى نحو 60% من جيل الألفية و”جيل زد”[4] استعدادهم لدفع تكلفة إضافية مقابل السلع والخدمات المستدامة. علاوة على ذلك، فإن تأثيرات تغير المناخ نفسها تؤدي دورًا في تغيير سلوك المستهلكين. في 17 دولة، أشار غالبية المشاركين (قرابة 6 من كل 10) إلى أنهم تعرضوا لظواهر مناخية متطرفة في عامي 2022م و2023م، وخاصة موجات الحر الشديدة، وكان هؤلاء أكثر ميلًا لاعتماد خيارات استهلاكية مستدامة. ومع تزايد حدة تأثيرات تغير المناخ وتكرارها، من المرجح أن نشهد وعيًا متزايدًا وسلوكات أكثر استدامة من جانب المستهلكين.
قد يجد المدير التنفيذي المتحفظ أسبابًا للتشكيك في أحد هذه العوامل أو أكثر، ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لتقييم الخيارات الاستراتيجية هي أن تسأل: “ما الذي يجب أن يكون صحيحًا حتى تكون هذه الاستراتيجية هي الخيار الصائب؟” لتبرير استراتيجية “الانتظار والترقب” أو “التقدم ببطء”، يجب أن تتحقق عدة شروط أساسية: أولًا، ينبغي أن يتغير الإجماع العلمي الراسخ حول تغير المناخ من كونه “حقيقة مؤكدة” إلى “حالة قابلة للجدل”. بمعنى آخر، يجب أن يكتشف العلماء أدلة جديدة تثبت أن غالبية استنتاجاتهم السابقة كانت خطأً. ثانيًا، حتى لو كنت متشككًا في علم المناخ، فعليك أن تؤمن بأن مجتمع المشككين سيصبح قويًّا بما يكفي لوقف الزخم الكبير وتدفقات الاستثمار نحو الحلول منخفضة الكربون والتقنيات المناخية. وأخيرًا، يجب أن تقتنع بأن الحلول منخفضة الكربون لن تتمكن من منافسة الحلول التقليدية بسرعة، سواء من حيث التكلفة أو الأداء. قد يبدو هذا السيناريو نظريًّا ممكنًا، لكن هل حقًّا ستراهن بمستقبل شركتك على مثل هذه الافتراضات؟ يبدو لنا أن الشروط التي قد تبرر الجمود الاستراتيجي بعيدة الاحتمال إلى حد كبير، ما يجعل عدم التحرك مخاطرة يصعب تبريرها لأي استراتيجية، والأهم من ذلك، أن الأمر لا يعتمد فقط على ما إذا كنت تعتقد أن هذه الأمور ستحدث أو يجب أن تحدث؛ بل الحقيقة أن كثيرًا من الجهات الفاعلة التي تؤثر في مستقبل شركتك تؤمن بذلك وتتخذ خطوات بناءً عليه. حتى لو اخترت تجاهل كل البيانات والحجج السابقة، سواء من باب لعب دور محامي الشيطان، أو كونك متشككًا راسخًا في تغير المناخ، فإن اتخاذ خطوة استباقية اليوم هو بمنزلة بوليصة تأمين ذكية تحمي شركتك من احتمالية أن تكون مخطئًا. حيث يدرك أفضل القادة أن معتقداتهم الشخصية ومواقفهم أقل أهمية من تلك التي يحملها عملاؤهم وموظفوهم ومورِّدُوهُم ومستثمروهم وأصحاب المصلحة الرئيسون الآخرون؛ فمعتقدات هؤلاء الأطراف هي التي تشكل البيئة التي تتنافس فيها الشركة، حتى الشركات التي يقودها قادة يشككون في علم المناخ، سيتعين عليها العمل في عالم يلاحق فيه معظم أصحاب المصلحة واقعًا مختلفًا يعتمد على معتقدات متعارضة. لذا، يواجه القادة إذن خيارًا مهمًّا: اتخاذ خطوة الآن، والتقدم على المنحنى، ووضع شركاتهم في موقع يمكنها من الفوز في اقتصاد منخفض الكربون، أو الانتظار والترقب لمعرفة كيف ستسير الأمور، مع المخاطرة بأن يتعرضوا للضغط، وعدم الاستعداد، أو أن يُتركوا خلف الركب عندما تصبح الإجراءات مفروضة من خلال اللوائح أو الضغوط التنافسية. نعتقد أن الخيار الأول هو الخيار الصحيح بلا شك. هل ستكون هناك حاجة إلى إعادة التكيف؟ بالتأكيد. قد ترتكب المنظمات عديدًا من الأخطاء، لكن ذلك سيظل ضئيلًا مقارنةً بالفرص التي ستكتشفها الشركات عندما تضع نفسها بشكل استباقي في موقع يؤهلها لمستقبل منخفض الكربون.
نبذة عن المؤلفين
ستيفن جولدباخ هو قائد ممارسات الاستدامة في شركة ديلويت في الولايات المتحدة. جيوف توف هو قائد في مجال الاستدامة والمناخ في مجموعة الطاقة والموارد والصناعات العالمية والمحلية في ديلويت. ديريك بانكراتز هو قائد أبحاث أول في مجال الاستدامة وتغير المناخ في ديلويت.
[1] هي مؤسسة بحثية مستقلة غير ربحية تركز على تسريع الانتقال إلى مستقبل طاقة نظيفة ومزدهرة وآمنة ومنخفضة الكربون.
[2] ConsumerSignals هو مسح عالمي تجريه شركة ديلويت للتركيز على سلوكات المستهلكين واتجاهاتهم.
[3] مؤشر ديلويت هو أهم مؤشر ومجلس خاص: مما يطور مؤشر القدرة، والدراسات الاستقصائية.
[4] هو الجيل الذي ولد فيه أشخاص بين عامي 1997 و2012، أي بعد جيل الألفية.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




